سيّدي، ما عرفت ودّا أغلب للدهر من ودّك، ولا عهدا أثبت في تقلّب الأيام من عهدك، هذا لأنّني امرأة يسبق إليها السأم، وتستوحش من الضجيج، وتستطيب الانفراد حتى كأن الخلق جميعا على ضفة وهي على أخرى. غير أنّ قلبي على شدّة نفوره من كلّ مألوف لم يعرف إليك نفورا، ولا وجد فيك فتورا. أحببتك في ساعات الصفاء، ثم ازددت بك حبّا في مواطن الكدر، حتى صار وجعي إذا طرقني لا ينتزع اسمك من فؤادي بل يزيده رسوخا؛ وكأنك الموضع الوحيد الذي لا تبلغ إليه يد الفناء ولا تناله عاديةُ الملل.
❤18🕊4
لعل أجمل ما في الأمر أنّني مع هذا السيد النبيل تحديدا لا أشعر أنّني أحبّ شيئا خارقا، أشعر فقط أنّني وجدتُ شخصا لا أريد أن أضعه في صفّ الأشياء التي يمكن أن تنتهي. وهذا بالنسبة إلى امرأة مثلي اعتراف لا يقال بسهولة
❤20😭5🕊1
اللهم ردّني إلى مدينة نبيّك ردّا قريبا لا يطول معه الشوق، واجعل لي في رحابها مقاما ومستقرا فإنّ في القلب منها وديعة لا تُسترد إلا بالرجوع، وإن للروح جهة إذا عرفتْها لم تُحسن عنها انصرافا.
❤33
ما كنت أظن أن غيابك سيرغمني على هذا الاكتشاف الغريب: أن لي في العالم أحدا سواك. كنت أعيش ما دمتَ قريبا، كأن الناس جميعا تفصيل عابر في هامش أيامي، وكأن قلبي قد استوفى حظّه من الألفة حين عرفك فلا يفتقد أحدا ولا يستزيد من أحد، ولا يرى في كثرة الوجوه ما يغنيه عن وجه واحد استقرّ فيه المعنى كلّه.
ثم غبتَ.
فانفتح العالم من حولي على اتساعه وعرفتُ أن ثمّة قلوبا يمكن أن تؤنس، وأحاديث يمكن أن تستبقى، وأرواحا لا يليق بها أن تُعامل كأنها عابرة. تعلمتُ أن لي أحدا سواك نعم، لكنني تعلمتُ ذلك على نحو لم يزدني إلا يقينا بك؛ إذ ليس كلّ من نألفه يقيم فينا، ولا كل من يقترب منا يبلغ الموضع الذي تركته أنت.
ولعلّ أقسى ما في غيابك أنّه علّمني اتّساع العالم، ثم تركني فيه بقلب لا يزال على سعته كلّها لا يعرف جهة إلا إليك.
ثم غبتَ.
فانفتح العالم من حولي على اتساعه وعرفتُ أن ثمّة قلوبا يمكن أن تؤنس، وأحاديث يمكن أن تستبقى، وأرواحا لا يليق بها أن تُعامل كأنها عابرة. تعلمتُ أن لي أحدا سواك نعم، لكنني تعلمتُ ذلك على نحو لم يزدني إلا يقينا بك؛ إذ ليس كلّ من نألفه يقيم فينا، ولا كل من يقترب منا يبلغ الموضع الذي تركته أنت.
ولعلّ أقسى ما في غيابك أنّه علّمني اتّساع العالم، ثم تركني فيه بقلب لا يزال على سعته كلّها لا يعرف جهة إلا إليك.
❤11🕊3
ثمّة أشياء لا تُنجز بالقوّة وحدها، ولا بكثرة ما نملك من الوسائل؛ إنّما تُنجز بذلك السعي الذي يخرج من القلب صادقا فيتولّاه الله بعنايته ويفتح له من الأبواب ما لم يخطر لصاحبه على بال.
ولعلّ أجمل ما في السعي أنّك لا تعرف، وأنت تمضي في بدايته إلى أيّ مدى يمكن أن يبلغ بك الله. تضع لبنة صغيرة وتظنّ أنّك تفعل ما تستطيع، ثم تلتفت بعد حين فإذا بالأمر قد اتّسع، وإذا بالأثر قد سبقك إلى قلوب لم تعرفها، وإذا بما حسبته جهدا محدودا قد صار خيرا يتداوله الناس ويجدون فيه شيئا من النفع والدفء والمعنى.
وهكذا كانت «مفازة» بالنسبة إليّ.
كلّما ظننت أنّني بلغت أقصى ما أستطيع، ساق الله إليها من لطفه ما يجعلها تتجاوزني. يفتح لها طريقا لم أكن أراه، ويسخّر لها قلبا وفكرة وشخصا ووقتا وسببا؛ ثم يجمع هذه الأشياء المتناثرة في صورة واحدة حتى تبدو للناس كأنّها وُلدت مكتملة، مع أنّ وراءها دعوات كثيرة، وتعبا لا يُرى، ومحاولات لم تخرج إلى النور، وسعيًا طويلا كان الله وحده شاهدًا عليه.
وسبحان من يعلّمنا، مرّة بعد مرّة، أنّ علينا أن نسعى، لا أن نتكفّل بالنتائج. أن نطرق الباب ثم نترك للفتوح أبوابها، أن نزرع ثم نؤمن أنّ الله أعلم بأيّ أرض ستنبت فيها البذرة. أن نبذل ما نستطيع ثم نرى كيف يجعل الله من القليل كثيرا ومن الجهد أثرا، ومن الفكرة حياة تمسّ أحدا في مكان لم نبلغه.
وما أرجوه من «مفازة» ليس أن تلمع في أعين الناس لذاتها؛ بل أن يلمع من خلالها شيء أكرم منها: معنى، أو هداية، أو صحبة صالحة، أو خطوة تقرّب أحدا من القرآن، أو خير يبقى في نفس بعد انفضاض المجلس وانتهاء الكلام.
ولذلك كلّما رأيت الناس يلتفتون إليها أو يذكرون أثرها أو يجدون فيها شيئا جميلا، أعود إلى الحقيقة الأولى: ليست هذه قدرتي وحدها. إنّما هو الله يسخّر، ويفتح، ويؤلّف، ويبارك، ويجعل لما نأتيه بنية صادقة من القبول ما لا تصنعه الحيلة. وما علينا إلا أن نُحسن السعي.
الحمد لله ربّي على تمام الخير.🤎
ولعلّ أجمل ما في السعي أنّك لا تعرف، وأنت تمضي في بدايته إلى أيّ مدى يمكن أن يبلغ بك الله. تضع لبنة صغيرة وتظنّ أنّك تفعل ما تستطيع، ثم تلتفت بعد حين فإذا بالأمر قد اتّسع، وإذا بالأثر قد سبقك إلى قلوب لم تعرفها، وإذا بما حسبته جهدا محدودا قد صار خيرا يتداوله الناس ويجدون فيه شيئا من النفع والدفء والمعنى.
وهكذا كانت «مفازة» بالنسبة إليّ.
كلّما ظننت أنّني بلغت أقصى ما أستطيع، ساق الله إليها من لطفه ما يجعلها تتجاوزني. يفتح لها طريقا لم أكن أراه، ويسخّر لها قلبا وفكرة وشخصا ووقتا وسببا؛ ثم يجمع هذه الأشياء المتناثرة في صورة واحدة حتى تبدو للناس كأنّها وُلدت مكتملة، مع أنّ وراءها دعوات كثيرة، وتعبا لا يُرى، ومحاولات لم تخرج إلى النور، وسعيًا طويلا كان الله وحده شاهدًا عليه.
وسبحان من يعلّمنا، مرّة بعد مرّة، أنّ علينا أن نسعى، لا أن نتكفّل بالنتائج. أن نطرق الباب ثم نترك للفتوح أبوابها، أن نزرع ثم نؤمن أنّ الله أعلم بأيّ أرض ستنبت فيها البذرة. أن نبذل ما نستطيع ثم نرى كيف يجعل الله من القليل كثيرا ومن الجهد أثرا، ومن الفكرة حياة تمسّ أحدا في مكان لم نبلغه.
وما أرجوه من «مفازة» ليس أن تلمع في أعين الناس لذاتها؛ بل أن يلمع من خلالها شيء أكرم منها: معنى، أو هداية، أو صحبة صالحة، أو خطوة تقرّب أحدا من القرآن، أو خير يبقى في نفس بعد انفضاض المجلس وانتهاء الكلام.
ولذلك كلّما رأيت الناس يلتفتون إليها أو يذكرون أثرها أو يجدون فيها شيئا جميلا، أعود إلى الحقيقة الأولى: ليست هذه قدرتي وحدها. إنّما هو الله يسخّر، ويفتح، ويؤلّف، ويبارك، ويجعل لما نأتيه بنية صادقة من القبول ما لا تصنعه الحيلة. وما علينا إلا أن نُحسن السعي.
الحمد لله ربّي على تمام الخير.🤎
❤14💘3
اللهم هذا قسمي فيما أملك وهذا جهدي الذي أستطيعه، فلا تؤاخذني بما ليس لي عليه سلطان. أنت أعلم بما أعطي وما عجزت عنه، وما خبأته في صدري ولم أجد له إلى يدي طريقا. فخذني بما أملك واعف عني فيما لا أملك.
❤17🕊4💘3
كلما تأملت في تقلّب الناس من حولي ازددت خوفا من نفسي.
ليس أخوف ما في الفتنة أن تأتيك عارية، واضحة الملامح، حتى تعرفها فتفر منها، وإنما أخوفها أن تأتيك وهي تحمل شيئا من الحق وتخالط شيئا من الصواب، وتفتح لك بابا من الأبواب التي كنت تظن أنك تحتاجها، ثم لا تزال بك حتى تخرج من موضع الى موضع ومن يقين الى يقين ومن جماعة الى جماعة، حتى تنظر خلفك فلا تعرف متى غادرت المكان الذي كنت فيه.
نعيش الآن زمنا كثرت فيه الطرق حتى صار كثرتها فتنة، كل طريق يرفع راية، وكل راية تستدعي لها أنصارا ، وكل أنصار ينتهون في لحظة غفلة إلى الظن أنهم هم الطريق. وهنا يبدأ الخطر: حين لا يعود الانسان يطلب الحق لأنه حق بل يطلبه في الجهة التي اختارها، ثم يعيد ترتيب النصوص والوقائع والناس جميعا بحيث تظل الجهة صحيحة.
ولذلك لا أعجب كثيرا من رجل تغيرت افكاره، فالإنسان كائن متحرك وقد يهتدي بعد ضلال ويضل بعد هداية. لكنني أخاف من تلك التحولات التي لا يكون فيها المرء قد اقترب من الحقيقة، وإنما انتقل من قيد الى قيد، ومن سلطة الى سلطة، ومن يقين مستعار إلى يقين مستعار.
رأيت من كان يظن أن نجاته في ترك التقليد فترك معه كثيرا من أصول النظر. ورأيت من كان يظن أن نجاته في التشدد فضاق عليه الدين حتى لم يعد يرى منه إلا الخصومة. ورأيت من بدأ بالسؤال ثم لم يعرف كيف ينتهي منه فصار السؤال عنده غاية، وصارت الشبهة وطنا، ورأيت من خرج من كل ذلك وهو يظن أنه قد تحرر ولم ينتبه أنه ربما استبدل عبودية بعبودية.
وما أكثر ما يخدع الانسان في نفسه. قد يظن أنه صاحب مبدأ وهو في الحقيقة صاحب جماعة، وقد يظن أنه ينتصر للدين وهو ينتصر لصورة نفسه في الدين، وقد يظن أنه يطلب الحق وهو لا يريد من الحق إلا ما لا يهدم ما بناه في نفسه.
لهذا لا أرى الثبات أن تقول: أنا لن اتغير؛ بل أراه أن تبقى قادرا على الرجوع إذا تبين لك أنك أخطأت، وأن تبقى قادرا على التراجع اذا قادك غرورك إلى موضع لا يليق بك، وأن لا تجعل كرامتك معلقة بموقف، ولا دينك معلقا باسم، ولا الحق محبوسا في جماعة.
على فكرة، القلب لا يثبت لأنه عرف الطريق مرة، بل لأنه لا ينقطع عن سؤال الهداية، والعقل لا ينجو لأنه جمع الأجوبة، بل لأنه لم يفقد القدرة على مراجعة نفسه. والعبد لا يأمن على دينه لأنه كان صالحا، بل لأنه يعرف أن بينه وبين الفتنة قلبا يتقلب ونفسا تتغير ودنيا لا تكف عن امتحانه.
وما من إنسان إلا وهو محتاج إلى أن يفتش في دوافعه كما يفتش في افكاره: أيريد الحق حقا أم يريد أن ينتصر؟ أيتبع الدليل أم يبحث عن دليل يتبع هواه؟ أيريد الله أم يريد صورة عن نفسه ترضيه؟
فيا رب لا تتركنا إلى أنفسنا لحظة، لا تجعلنا ممن استبدلوا الحق بالاصطفاف، ولا ممن جعلوا الجماعة ميزانا للوحي، ولا ممن خرجوا من ضيق الى ضيق وهم يحسبون أنهم قد بلغوا السعة. وارزقنا ثباتا لا نغتر به، وبصيرة لا نستعبدها، وقلبا اذا عرف الحق انقاد له ولو خالف هواه وخذل جماعته وهدم الصورة التي صنعها عن نفسه.
ليس أخوف ما في الفتنة أن تأتيك عارية، واضحة الملامح، حتى تعرفها فتفر منها، وإنما أخوفها أن تأتيك وهي تحمل شيئا من الحق وتخالط شيئا من الصواب، وتفتح لك بابا من الأبواب التي كنت تظن أنك تحتاجها، ثم لا تزال بك حتى تخرج من موضع الى موضع ومن يقين الى يقين ومن جماعة الى جماعة، حتى تنظر خلفك فلا تعرف متى غادرت المكان الذي كنت فيه.
نعيش الآن زمنا كثرت فيه الطرق حتى صار كثرتها فتنة، كل طريق يرفع راية، وكل راية تستدعي لها أنصارا ، وكل أنصار ينتهون في لحظة غفلة إلى الظن أنهم هم الطريق. وهنا يبدأ الخطر: حين لا يعود الانسان يطلب الحق لأنه حق بل يطلبه في الجهة التي اختارها، ثم يعيد ترتيب النصوص والوقائع والناس جميعا بحيث تظل الجهة صحيحة.
ولذلك لا أعجب كثيرا من رجل تغيرت افكاره، فالإنسان كائن متحرك وقد يهتدي بعد ضلال ويضل بعد هداية. لكنني أخاف من تلك التحولات التي لا يكون فيها المرء قد اقترب من الحقيقة، وإنما انتقل من قيد الى قيد، ومن سلطة الى سلطة، ومن يقين مستعار إلى يقين مستعار.
رأيت من كان يظن أن نجاته في ترك التقليد فترك معه كثيرا من أصول النظر. ورأيت من كان يظن أن نجاته في التشدد فضاق عليه الدين حتى لم يعد يرى منه إلا الخصومة. ورأيت من بدأ بالسؤال ثم لم يعرف كيف ينتهي منه فصار السؤال عنده غاية، وصارت الشبهة وطنا، ورأيت من خرج من كل ذلك وهو يظن أنه قد تحرر ولم ينتبه أنه ربما استبدل عبودية بعبودية.
وما أكثر ما يخدع الانسان في نفسه. قد يظن أنه صاحب مبدأ وهو في الحقيقة صاحب جماعة، وقد يظن أنه ينتصر للدين وهو ينتصر لصورة نفسه في الدين، وقد يظن أنه يطلب الحق وهو لا يريد من الحق إلا ما لا يهدم ما بناه في نفسه.
لهذا لا أرى الثبات أن تقول: أنا لن اتغير؛ بل أراه أن تبقى قادرا على الرجوع إذا تبين لك أنك أخطأت، وأن تبقى قادرا على التراجع اذا قادك غرورك إلى موضع لا يليق بك، وأن لا تجعل كرامتك معلقة بموقف، ولا دينك معلقا باسم، ولا الحق محبوسا في جماعة.
على فكرة، القلب لا يثبت لأنه عرف الطريق مرة، بل لأنه لا ينقطع عن سؤال الهداية، والعقل لا ينجو لأنه جمع الأجوبة، بل لأنه لم يفقد القدرة على مراجعة نفسه. والعبد لا يأمن على دينه لأنه كان صالحا، بل لأنه يعرف أن بينه وبين الفتنة قلبا يتقلب ونفسا تتغير ودنيا لا تكف عن امتحانه.
وما من إنسان إلا وهو محتاج إلى أن يفتش في دوافعه كما يفتش في افكاره: أيريد الحق حقا أم يريد أن ينتصر؟ أيتبع الدليل أم يبحث عن دليل يتبع هواه؟ أيريد الله أم يريد صورة عن نفسه ترضيه؟
فيا رب لا تتركنا إلى أنفسنا لحظة، لا تجعلنا ممن استبدلوا الحق بالاصطفاف، ولا ممن جعلوا الجماعة ميزانا للوحي، ولا ممن خرجوا من ضيق الى ضيق وهم يحسبون أنهم قد بلغوا السعة. وارزقنا ثباتا لا نغتر به، وبصيرة لا نستعبدها، وقلبا اذا عرف الحق انقاد له ولو خالف هواه وخذل جماعته وهدم الصورة التي صنعها عن نفسه.
❤5💔2