أغمضتُ عينيّ، فانفتحت ذاكرة بعيدة. سمعتُ صوتي القديم يقول: لا تتكلم… قد تضحك عليك العيون. وصوتًا آخر يصرخ في داخلي: لا تحلم… فالحلم خسارة مؤجلة.
❤9
كنتُ أظن أن الماضي انتهى، لكنني أدركتُ حينها أن الماضي لا ينتهي… إنه يسكن، كبسمة باهتة على فم الخوف، يطلّ كلما اقتربتُ من خطوة جديدة، كلما فكرتُ أن أمدّ يدي للحياة بثقة.
❤12
هناك جروح لا تنزف، بل تنمو. تكبر مع صاحبها في صمت، حتى يعتاد وجودها، وحتى يصدق، دون وعي، أنها جزء منه.
❤13
أكملتُ النظر إلى انعكاسي، لا لأبحث عن إجابة سريعة، بل لأتأكد أنني ما زلت هنا… أنني لم أضِع تمامًا في الطريق الذي سرتُه دون سؤال.
❤10
كان الصمت كثيفًا، ذلك النوع من الصمت الذي لا يأتي من غياب الأصوات، بل من حضور أفكار لم نسمح لها بالكلام من قبل. شعرتُ أن شيئًا ما في داخلي يتحرّك، ليس خوفًا هذه المرة، بل تعبًا قديمًا يريد أن يُسمَع.
❤16
جلستُ على حافة السرير، كمن يجلس أمام نفسه لأول مرة بلا وسيط. سألتُها بصدقٍ مؤلم: لماذا أهرب كلما اقتربتُ؟ لماذا أتراجع حين تصبح الخطوة حقيقية؟ لماذا أحتاج دائمًا إلى إذنٍ غير مرئي لكي أكون كما أنا؟
❤10
لم تأتِ الإجابات كلمات، جاءت صورًا. مواقف صغيرة كنتُ قد صنّفتها “عادية”، لكنها لم تكن كذلك أبدًا. نظرة خيبة، صمت طويل بعد خطأ بسيط، محاولة فاشلة لم تُمنح فرصة ثانية.
❤13
أدركتُ أنني لم أكن أخاف الفشل… كنتُ أخاف ما بعده. أخاف فقدان القبول، أخاف أن أُرى ناقصًا، أخاف أن أعود ذلك الطفل الذي تعلّم باكرًا أن الحب قد يُسحَب إذا أخطأ.
❤8😢1
كم مرة عشتُ حياتي وأنا أحاول أن أكون “صحيحًا”؟ صحيحًا في اختياراتي، في كلامي، في مشاعري حتى. وكأن الخطأ ليس تجربة، بل جريمة تستحق العقاب.
❤9
في تلك الليلة، فهمتُ شيئًا لم أفهمه من قبل: أنني لم أكن أعيش لأجل ما أريده، بل لأتفادى ما أخشاه. وما يُبنى على الخوف، مهما بدا متينًا، ينهار عند أول صدق.
❤9
تذكّرتُ مواقف انسحبتُ منها في اللحظة الأخيرة، أشخاصًا أحببتهم من بعيد، فرصًا قلتُ عنها “ليس الآن”، وأحلامًا أجّلتُها حتى فقدت ملامحها. لم يكن ينقصني العقل، ولا القدرة، ولا حتى الشجاعة… كان ينقصني الإذن بأن أكون إنسانًا، يخطئ دون أن يُلغى.
❤9
لأول مرة، لم أُحاول أن أصلح نفسي. لم أقل: يجب أن أتغير فورًا. قلتُ فقط: أريد أن أفهمك.
❤8
تخيلتُ ذلك الطفل في داخلي، لا كفكرة نفسية، بل ككائن حقيقي، يجلس في زاوية بعيدة، ينظر إليّ بحذر. لم أقترب منه كمن يوبّخ، بل كمن يمدّ يده ببطء، خائفًا أن يفرّ.
❤8
قلتُ له في داخلي: لم يكن ذنبك. لم تكن ضعيفًا. كنتَ تحاول أن تنجو بطريقتك.
❤11
شيء ما انكسر بهدوء، ليس كالكسر الذي يؤلم، بل كقشرةٍ كانت تحبس الهواء. شعرتُ أن صدري يتّسع، وأن نفسي أعمق قليلًا.
❤8
في تلك اللحظة، لم أقرر أن أغيّر حياتي، ولا أن أبدأ من الغد خطة كبرى. قررتُ فقط أمرًا واحدًا: ألا أهرب من نفسي بعد الآن.
❤8
ربما الطريق سيكون طويلًا، ومليئًا بالتعثّر، لكنني، وللمرة الأولى، لن أمشي فيه وحدي. سأمشي ومعي هذا الطفل، لا لأقوده، بل لأسمح له أخيرًا أن يكبر دون خوف.
❤9
وهكذا، لم تبدأ رحلتي نحو الشفاء بخطوةٍ كبيرة، بل بتوقفٍ صادق، وباعترافٍ بسيط: أنني أستحق أن أعيش دون أن أبرّر وجودي لأحد.
❤9
لا تحاول أن تصبح أقوى ممّا أنت عليه… حاول فقط أن تكون أصدق. فالقوة التي تُبنى على إنكار الخوف تنهار، أما القوة التي تولد من الاعتراف به فتصير جذورًا لا تُقتلع. لا تهرب من الطفل الذي كنته، فهو لم يُخطئ حين خاف، كان فقط يحاول أن ينجو. وحين تمنحه اليوم ما حُرم منه أمس، لن يضعفك ذلك… بل سيجعلك إنسانًا كاملًا. أحيانًا، أعظم تغيير في الحياة لا يبدأ بخطوة إلى الأمام، بل بتوقّفٍ شجاع تواجه فيه نفسك وتقول لها: أنا معك الآن، ولن أتركك بعد اليوم.
❤16
تنتهي هذه السنة على خير كثير، أما الألم الذي ابتدأت به فانطوى، و لا يزال أمامي الكثير من الخير، ثلاثة عقود من الزمان مرت، و ها أنذا أحصد ما زرعته من الاجتهاد ومحاولات الوصول
❤6