فوائد عبدالله بن صالح الفوزان
4.16K subscribers
281 photos
14 videos
10 files
141 links
قناة -غير رسمية- تُعنى بعلم الشيخ عبدالله بن صالح الفوزان حفظه الله
Download Telegram
قد حثّ الله تعالى على التفكر والاعتبار والنظر في آياته ومخلوقاته، وأثنى على من هذه صفاتهم في آيات كثيرة، والمؤمن اليقظ صاحب القلب الحي يعتبر بما يراه من مخلوقات الله وتدبيره لأحوال خلقه..
وقد ذَمَّ الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالّة على وجوده وصفاته وشرعه وقدره وآياته..
وأكثر النّاس قد عرفوا فضل التفكّر والتدبر والاعتبار، ولكن جهلوا حقيقته وثمرته، وغفلوا عن الإتيان به وتعويد القلب عليه.

قال أبو سليمان الداراني: (عوِّدوا أعينكم البكاء، وقلوبكم التفكّر)،
وقال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله: (الكلام بذكر الله حسن، والفكرة في نعم الله: أفضل العبادة)،
وعن الحسن: (تفكّر ساعة خير من قيام ليلة)..

وقال سفيان بن عيينة: (التفكّر مفتاح الرحمة، ألا ترى أنّه يتفكّر، فيتوب؟)،
وعنه أنه كان يتمثّل:
إذا المرءُ كانت له فكرةٌ … ففي كُلِّ شيء له عبرةٌ

قال أبو سليمان الداراني: (إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلاّ رأيت لله فيه نعمة ولي فيه عبرة)،
وقال بشر بن الحارث الحافي: (لو تفكّر الناس في عظمة الله لما عصوا الله).

[ فصل الشتاء (ص/25) ]
الذكر يكون بالقلب، وذلك بتعظيم الله تعالى ومحبته، والشوق إليه، وخوفه، ورجائه، ومعرفة حقه على عبده، ويكون باللسان بالنطق بالأذكار المشروعة.

ويكون بالقلب واللسان وهذا أفضل؛ لأنه عمل جارحة اللسان مع حضور الجنان في ذكر الرحمن.

يقول ابن القيم: (أفضل الذكر وأنفعه ما واطأ فيه القلب اللسان، وكان من الأذكار النبوية، وشهد الذاكر معانيه ومقاصده).

[ منحةُ العلاّم (385/10) ]
الذكر مع عِظَم فضله وجزيل أجره وكثرة فوائده هو من أيسر العبادات، فإن حركة اللسان أخف حركات الجوارح وأيسرها.

[ منحةُ العلاّم (385/10) ]
عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "يَقُولُ اللهُ تَعَالى: أنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكرنِي، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ". أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.

قوله: (أنا مع عبدي) المراد: المعية الخاصة وهي معية الإعانة والهداية والتوفيق المذكورة في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: ١٢٨] وقوله: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: ٤٦]،
وعلامتها: أن تأتي في سياق المدح أو الثناء، فإن جاءت في سياق المحاسبة والمجازاة فهي عامة، وهي معية العلم والإحاطة؛ كقوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: ٤].

قوله: (ما ذكرني).. أي: مدة ذكره إياي، وفي الرواية الأخرى: "إذا هو ذكرني".
قوله: (وتحركت بي شفتاه) مثنى شفة وهي معروفة..

الحديث دليل على فضل الاشتغال بذكر الله تعالى، وأن ذكره سبب فوز العبد بمعية الله له وتوفيقه وإعانته، وسماع كلامه وإثابته وإجابة دعائه.

[ منحةُ العلاّم (388/10) ]
ذكر الله تعالى.. سبب من أسباب النجاة من النار، وهذه من أعظم فضائل الذكر؛ لأن النجاة من النار هي مقصود وغاية كلِّ عبد مؤمن، وقد هيأ الله تعالى لعباده المؤمنين الأسباب التي تنال بها الجنة ويتوقى بها من النار، ومنها ذكر الله تعالى.

[ منحةُ العلاّم (391/10) ]
#صدر_حديثا ⁩ عن ⁧ #دار_ابن_الجوزي ⁩

‏ ⁧ #كتاب ⁩ سمطُ الفرائد من شذور الفوائد
‏المجموعة الأولى
‏تأليف: عبدالله بن صالح الفوزان
‏مجلد ٢٣٨ صفحة
[ دعاء عظيم ]

عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - قَال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِيني الّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنيَايَ الّتي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتي الّتي إِلَيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاة زِيادَةً لِي فِي كُلِّ خَيرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كلِّ شَرٍّ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

قوله: (أصلح لي ديني) أي: وفقني للقيام بآدابه بأن يكون على الوجه الأكمل الأتم، فيكون خالصًا صوابًا.

قوله: (الذي هو عصمة أمري) أي: رباطه وعماده، والأمر بمعنى الشأن، فمعنى (عصمة أمري) أي: أعتصم به من الشر والفتن وجميع أموري، وصلاح دين العبد هو رأس ماله وغاية أمنيته ومراده؛ لأنه إذا فسد الدين لم يصلح للإنسان دنيا ولا آخرة.

قوله: (وأصلح لي دنياي) أي: بإعطاء الكفاف فيما يُحتاج إليه، وبأن يكون حلالًا معينًا على طاعة الله تعالى.

قوله: (التي فيها معاشي) أي: مكان عيشي وزمان حياتي؛ لأن الدنيا معاش يعيش فيها الإنسان ثم يتركها إلى دار القرار.

قوله: (وأصلح لي آخرتي) بالتوفيق للعمل الصالح وحسن الخاتمة، ثم دخول الجنة ونجاتي من النار.

قوله: (التي إليها معادي) أي: مكان عودتي أو زمان إعادتي؛ لأن كل إنسان مآله إلى الآخرة

قوله: (واجعل الحياة زيادة لي في كل خير) اي: اجعل مدة بقائي في دار الدنيا زيادة لي في كل خير من العلم النافع والعمل الصالح.

قوله: (واجعل الموت راحة لي من كل شر) أي: واجعل انقضاء أجلي راحة لي من كل شر من الفتن والمحن والابتلاء بالغفلة والمعصية.

الحديث دليل على أستحباب هذا الدعاء بهذه الجمل العظيمة؛ لأن هذا من الأدعية الجامعة؛ لأن محصله أن الداعي يسأل ربه أن يجعل عمره مصروفًا فيما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وأن يجنبه الله ما يكرهه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة،

يقول القرطبي: (هذا دعاء عظيم جمع خير الدنيا والآخرة، والدين والدنيا، فحق على كل سامع له أن يحفظه، ويدعو به آناء الليل وآناء النهار، لعل الإنسان يوافق ساعة إجابة، فيحصل على خير الدنيا والآخرة). والله تعالى أعلم.

[ منحةُ العلاّم (472/10) ]
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكثروا ذكر هادم اللذات: الموت". رواه الترمذي، والنسائي، وصححه ابن حبان.

الحديث دليل على أنه ينبغي للمؤمن أن يكثر من ذكر الموت ولا يغفل عنه؛ لأن الموت حق، ولا بد منه، فينبغي أن يكون على بال المؤمن دائمًا، حتى يستعد له؛ لأن تذكره يزهد في الدنيا، ويرغب في الآخرة، فيستكثر القليل، ويستقل الكثير، ويتخفف من تعلقه بالدنيا وشهواتها والإسراف في طلبها، بخلاف ما إذا غفل عن ذكر الموت فإنه تشتد نهمته في طلب الدنيا ويرغب في جمعها وإنفاق الوقت والجهد في طلبها، وذكر الموت يحث العبد على الطاعة واجتناب المعصية خشية أن يفجأه الأجل.

قال ثابت البناني: (طوبى لمن ذكر ساعة الموت، وما أكثر عبد ذكر الموت إلا رؤي ذلك في عمله).

[ منحةُ العلاّم (232/4) ]
«أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نُصرتُ بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأُحلت لي الغنائم، ولم تُحلَّ لأحد قبلي، وأعطيتُ الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثتُ إلى الناس عامة»، هذا لفظ البخاري.

• الحديث دليل على اختصاص النبي صلّى الله عليه وسلّم بالشفاعة العظمى التي يتدافعها كبار الرسل عليهم الصلاة والسلام.

• الحديث دليل على أن رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم عامة لجميع الناس إلى يوم القيامة، فكلهم ملزمون بشريعته بعد بعثته.

[ منحةُ العلاّم (72/2) ]
[ الدعاء بالعلم ونفعه ]

عَنْ أنسٍ - رضي الله عنه - قَال: كَان رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: "اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَارْزُقْنِي عِلْمًا يَنْفَعُنِي". رَوَاهُ النَّسائي، وَالحَاكِمُ.

الحديث دليل على فضل الدعاء بهؤلاء الكلمات الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، وهي أن يسأل الله تعالى أن ينفعه بما علمه، وذلك بالعمل بمقتضى العلم، وأن يعلمه ما ينفعه في دينه ودنياه، وذلك بألا يطلب من العلم إلا النافع وأن يزيده من العلم النافع علمًا مضافًا إلى ما علمه..

لأن العلم الذي لا ينفع وبال على صاحبه، فلا يهذب الأخلاق، ولا ينفع في حيازة الفضل والثواب، ولهذا ثبت في "صحيح مسلم" من حديث زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: كان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع … "

والعلم النافع له علامات، منها:

١ - أن له ثمرة خاصة به، وهي خشية الله تعالى كما قال-عزَّ وجلَّ-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: ٢٨]..

٢ - ومن علامة العلم النافع المسارعة إلى طاعة الله ونيل رضاه، والبعد عما يكرهه ويسخطه، قال بعض السلف: (من خشي الله فهو عالم، ومن عصاه فهو جاهل).

٣ - القناعة والزهد في الدنيا، قال الحسن البصري: (إنما الفقيه: الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المواظب على عبادة ربه).

٤ - ومن علامة العلم النافع: التواضع وقبول الحق والانقياد له.

٥ - ومن علامته كراهة المدح والتزكية والبعد عن الرئاسة والشهرة، فإن وقع شيء من ذلك من غير قصد واختيار كان صاحبه في خوف شديد من عاقبته.

٦ - أن صاحب العلم النافع لا يدعي العلم ولا يفخر به على أحد، ويعترف بفضل السلف الصالح من الأئمة والعلماء ويحسن الظن بهم، والله تعالى أعلم.

[ منحةُ العلاّم (473/10) ]
من شأن ابن آدم الخطأ والوقوع في الذنب؛ لما جبل عليه هذا النوع من الخلق من الضعف، وعدم الانقياد لمولاه في فعل ما إليه دعاه، وترك ما عنه نهاه، وهذا أمر لا يسلم منه أحد من البشر، لكن منهم المقل ومنهم المكثر، ومن فضل الله ورحمته أن فتح باب التوبة لجبر هذا الخلل الذي يقع من الإنسان.

وقد جاءت الأدلة من الكتاب والسنّة في وجوب التوبة على كل مسلم وبيان فضلها وأثرها، ووصف الأنبياء بها، ومحبة الله تعالى للتائبين، ووعده بقبولها، قال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: ٣١]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم: ٨]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} [البقرة: ٢٢٢]، وقال تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ} [طه: ٨٢]..

قال رسول الله ﷺ: "يا أيها الناس توبوا إلى الله؛ فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة"

قال القرطبي: (اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين)، وقال في موضع آخر: (لا خلاف بين الأمة في وجوب التوبة وأنها فرض متعين).

فالواجب على المؤمن إذا تلبس بمعصية أن يبادر بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى مما يكرهه الله ظاهرًا وباطنًا إلى ما يحبه الله ظاهرًا وباطنًا، ندمًا على ما مضى، وتركًا في الحال، وعزمًا على ألا يعود؛ لأن الإنسان لا يدري في أي لحظة يموت؛ ولأن السيئات تجر أخواتها، وإذا كانت التوبة واجبة على الفور، فإن تأخير التوبة ذنب يجب التوبة منه.

فإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي زيد على هذه الشروط الثلاثة شرط رابع، وهو أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كان مالًا أو نحوه ردَّه إليه، وإن كان غيبة استحله منها إن لم يترتب على ذلك مفسدة.

[ منحةُ العلاّم (187/10) ]
لقمان: اسم أعجمي على ما ذكر الألوسي في "تفسيره"، وهو مختلف في نسبه، فقيل: لقمان بن عنقاء بن سدون، ويقال: لقمان بن ثاران، حكاه السهيلي، وكان في زمان بني إسرائيل، وقد قيل: إنه تولى القضاء، والمشهور أنه كان عبدًا حبشيًّا نجارًا، وورد أنه رعى الغنم، وقد نقل ابن كثير وغيره روايات عن الصحابة - رضي الله عنهم - ومن بعدهم حول شخصية لقمان.

وقد وقع خلاف بين السلف في نبوته، والجمهور على أنه ليس بنبي، وإنما هو عبد صالح آتاه الله الحكمة، وهي الصواب في القول والعمل والفهم السليم لما يصلح الناس في دينهم ودنياهم، وقد ذكره الله تعالى في القرآن، وأثنى عليه، وحكى من كلامه فيما وعظ به ولده الذي هو أحب الخلق إليه، وهو أشفق الناس عليه.

[ منحةُ العلاّم (191/10) ]
"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"

في الصمت فضائل عظيمة، فهو دليل كمال الإيمان، وحسن الإسلامِ، ورجاحة العقل، وحسن الخلق، وطهارة النفس، وفيه السلامة من فضول القول، والعصمة من زيغ المنطق؛ لأن الصمت قلة وزْرٍ، وخفة من الذنوب، ورحم الله امرأ قال خيرًا فغنم، أو سكت فسلم.

وقد ذكر العلماء أن للكلام شروطًا أربعة:

١ - أن يكون الكلام لداع يدعو إليه، إما جلب منفعة أو دفع مضرة.

٢ - أن يكون الكلام بقدر الحاجة؛ لأن الكلام ليس له نهاية.

٣ - أن يكون الكلام في موضعه بحيث يتوخى به إصابة غرضه.

٤ - أن يتخير الألفاظ المناسبة للمقام.

[ منحةُ العلاّم (192/10) ]
حلية طالب العلم أن يستقيم على الأخلاق الكريمة، وأن يبتعد عن الأخلاق الذميمة حتى يكون ممن استنار بنور الإيمان، واستفاد من علمه، وهذا أقرب إلى سعادته في الدنيا وفلاحه في الدار الآخرة، وانتفاع الناس بعلمه وأخلاقه.
وعن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: (ليتق الرجل دناءة الأخلاق، كما يتقي الحرام).

[ منحةُ العلاّم (194/10) ]
قَال رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

والمعنى: ليس القوي الممدوح هو القوي الذي لا يصرعه الرجال ولا يغلبونه، بل يصرعهم ويطرحهم، وإنما هو الذي يملك نفسه عند الغضب؛ لأن الغضب في حكم الأعداء الكثيرين، وغَلَبَةُ النفس عما تشتهيه في حكم من هو شديد القوة في غلبة الجماعة الكثيرين فيما يريدون منه، وسرعة الغضب والانقياد له عنوان ضعف الإنسان ولو ملك السواعد القوية والجسد الصحيح..

الحديث دليل على أن مجاهدة النفس عند الغضب أشد من مجاهدة العدو؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - جعل الذي يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوة، فهو أقوى وأكمل من الذي يصرع الناس ويطرحهم بقوته، وفي هذا دليل على أنه ينبغي لمن غضب وأرادت منه النفس المبادرة إلى الانتقام ممن أغضبه أن يجاهدها ويمنعها عما طلبت، فَيُثَبِّتُ نفسه، ويتذكر عاقبة الغضب وما يترتب عليه، ويتذكر فضل كظم الغيظ في قوله تعالى في ذكر صفات من أعدت لهم الجنة: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيظَ} [آل عمران: ١٣٤].

وهذا أسلوب من أساليب علاج الغضب وهو العلاج بالكظم، ومعناه: إحداث مقاومة ذاتية داخلية، تؤدي إلى إضعاف انفعال الغضب وتهدئته، وتمنع من رد الفعل أو التشفي.

وكظم الغيظ: رده في الجوف إذا كاد أن يخرج من كثرته، فضبطه ومنعه كظم له..
وليس معنى كظم الغيظ حفظه في القلب فيتحول إلى ضغينة.. إنما المقصود ضبطه إلى أن يهدأ، وتصريفه في هدوء حتى ينتهي بالعفو عن المسيء.

[ منحةُ العلاّم (199/10) ]
ضبط الصرعة

"لَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

(بالصُّرَعَةِ) بضم الصاد المهملة وفتح الراء على وزن هُمَزَة، صيغة مبالغة، وهو القوي الذي يصرع الناس كثيرًا، ويطرحهم ويغلبهم لقوته وشدته.

أما الصُّرْعَةُ بضم الصاد وسكون الراء فهو بضد المعنى المتقدم؛ لأن المراد به من يصرعه غيره كثيرًا، وكل ما جاء بهذا الوزن - بالضم والسكون - فهو وصف للمفعول به كخُدْعَةٍ وضُحْكَةٍ وغيرهما، فإن كان بالضم والفتح فهو وصف للفاعل كخُدَعَةٍ وضُحَكَةٍ وسُخَرَةٍ .

[ منحةُ العلاّم (198/10) ]
عَنْ عَائِشةَ - رضي الله عنها -؛ أَن النّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلّمَهَا هذَا الدُّعَاءَ:

"اللَّهُمَّ إنِّي أَسْألكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ، عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ، مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، اللهُمَّ إنِّي أَسْأَلكَ مِنْ خَيرِ مَا سَأَلكَ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَاذَ بِهِ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، اللهُمَّ إنِّي أَسَأَلُكَ الجَنَّةَ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، وَمَا قَرَّبَ إِلَيهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ، وَأَسْأَلكَ أَنْ تَجْعَلَ كُل قَضَاءٍ قَضَيتَهُ لِي خَيرًا". أَخْرَجَهُ ابْن ماجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ.

جمع في هذا الحديث خمسة مطالب في خمس دعوات:

الأول: سؤال الخير كله الذي يشمل منافع الدنيا والآخرة العاجل منها والآجل المعلوم للداعي وغير المعلوم مما لا يحصيه ولا يعلمه إلا الله.

الثاني: الاستعاذة من الشر كله الذي يشمل مضار الدنيا والآخرة العاجل منها والآجل ما علمه الداعي وما جهله.

الثالث: الترقي في العموم إلى ما هو أبلغ من ذلك وهو أن يسأل الله تعالى من خير ما سأله الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويستعيذ مما استعاذه منه الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

الرابع: سؤال الجنة وسؤال الوسيلة التي تقرب إلى الجنة من الأقوال والأعمال، والاستعاذة من النار وما يكون سببًا في دخولها.

الخامس: سؤال العبد ربه أن يجعل كُلَّ قضاءٍ قضاه خيرًا وأن تكون عاقبته إلى خير.

ثم ينبغي للمسلم أن يتأسى بنبيه - صلى الله عليه وسلم - الذي علم أهله هذا الدعاء أن يعلمه زوجته وأولاده، والله تعالى أعلم.

[ منحةُ العلاّم (479/10) ]
خْرَجَ الشَّيخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلي الرَّحْمنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ. سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ"

خص الرحمن بالذكر دون غيره من الأسماء؛ لأن المقصود من الحديث بيان سعة رحمة الله تعالى بعباده حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل.

[ منحةُ العلاّم (481/10) ]
خْرَجَ الشَّيخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إلي الرَّحْمنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزانِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ. سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ"

الحديث دليل على فضل هاتين الكلمتين الخفيفتين؛ لأن الله تعالى يحبهما ويحب من عمل بهما؛ ولأنهما ثقيلتان في ميزان الأعمال؛ لعظم ثوابهما عند الله تعالى، ولاشتمالهما على تسبيح الله وتنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله؛ سواء في ذاته أو صفاته أو أفعاله مقرونًا هذا التسبيح بالحمد المطلق الذي هو وصف الله بالكمال والثناء عليه بجميع المحامد مع محبته وتعظيمه، ثم إعادة التنزيه مرة أخرى مع وصفه بالعظمة المطلقة التي لا يستحقها إلا من اتصف بصفات الكمال.
في الحديث حث على المواظبة على هذا الذكر وترغيب في ملازمته.

[ منحةُ العلاّم (482/10) ]
يُستحبُّ لمن رغّب غيره في عمل خير أن يذكر له شيئًا من فوائده وما يحصل له إذا عمل به، ليرغب فيه وينشط للعمل به.

[ منحةُ العلاّم (484/10) ]