ندب صيام تسع ذي الحجة
منقول
في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبَّ إلى اللهِ من هذه الأيام، يعني: العشر».
ويدخل في هذا العموم، وهو قوله: «العمل الصالح»: الصيامُ؛ بل الصيام من أفضل الأعمال، وقد اختصه الله لنفسه من بين سائر الأعمال، فصيام التسع من ذي الحجة كلها= سُنّة؛ كما يدل عليه عموم الحديث، وهو مذهب أكثر أهل العلم.
وبعض الناس يقول؛ إنه بدعة، ويحتج بحديث عائشة -رضي الله عنها-: «ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا العشر قط» [رواه مسلم].
والجواب من وجوه:
١. أن السُنّة منها القولي والفعلي والإقراري، وبكل منها تثبت الأحكام، واستحباب الصيام ثابت بحديث ابن عباس الذي قدمناه آنفًا، وهو سُنّة قولية، وكافٍ في المطلوب، وإن لم يثبت بالسُنّة الفعلية، ومَن أخرج الصيام من العموم= طولب بالدليل على إخراجه، وعدمُ الفعل ليس دليلًا على ذلك، فكم من سُنّة ثابتةٍ بقول النبي ﷺ؛ لم يواظب عليها بفعله ﷺ؛ لانشغاله بما هو أولى، أو لغير ذلك من الأسباب المفصلة في موضعها.
٢. أن حديث عائشة أشار إلى ضعفه الإمام أحمد، حيث اﺧﺘُﻠﻒ ﻓﻲ ﺇﺳﻨﺎﺩه؛ ﻓﺄﺳﻨﺪﻩ اﻷﻋﻤﺶ، ﻭﺭﻭاﻩ ﻣﻨﺼﻮﺭ ﻋﻦ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻣﺮسلًا.
٣. أنه قد جاء في السُنّة الفعلية ما يعارض حديثَ عائشة -رضي الله عنها- ويُثبت أن النبي ﷺ صامهن..
ففي اﻟﻤﺴﻨﺪ ﻭاﻟﺴﻨﻦ ﻋﻦ ﺣﻔﺼﺔ -رضي الله عنها-: «ﺃﻥ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻛﺎﻥ ﻻ ﻳﺪﻉ ﺻﻴﺎﻡ ﻋﺎﺷﻮﺭاء ﻭاﻟﻌﺸﺮ ﻭﺛﻼﺛﺔ ﺃﻳﺎﻡ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺷﻬﺮ».
ﻭﺭﻭﻯ أبو داود ﻋﻦ ﺑﻌﺾ ﺃﺯﻭاﺝ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ: «ﺃﻥ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻛﺎﻥ ﻻ ﻳﺪﻉ ﺻﻴﺎﻡ ﺗﺴﻊ ﺫﻱ اﻟﺤﺠﺔ».
وﺇﺫا اﺧﺘﻠﻔﺖ ﻋﺎﺋﺸﺔ ﻭﺣﻔﺼﺔ -رضي الله عنهما- ﻓﻲ اﻟﻨﻔﻲ ﻭاﻹﺛﺒﺎﺕ هنا= ﺃُﺧﺬ ﺑﻘﻮﻝ اﻟﻤُﺜﺒِﺖ، كما هو مقرر عند أهل العلم؛ ﻷﻥ مع المُثبِت زيادة علم ﺧﻔﻲَ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺎﻓﻲ.
ﻭلذلك ﻛﺎﻥ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﻤﺮ -ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ- يصوم التسع، ﻭﻋﻦ اﻟﺤﺴﻦ ﻭاﺑﻦ ﺳﻴﺮﻳﻦ ﻭﻗﺘﺎﺩﺓ استحباب صيامهن، ﻭﻫﻮ ﻗﻮﻝ ﺃﻛﺜﺮ اﻟﻌﻠﻤﺎء.
٤. أن ﻋﺎﺋﺸﺔ -رضي الله عنها- ﺃﺭاﺩﺕ ﺃﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺼﻢ اﻟﻌﺸﺮ ﻛﺎملًا، ﻭﺣﻔﺼﺔ ﺃﺭاﺩﺕ أﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻳﺼﻮﻡ ﻏﺎﻟﺒﻪ.
ومعلوم أن عائشة لها من التسع يوم أو يومان، فهي إنما تخبر عما رأته، وغيرها يخبر عما رآه، وعدم العلم ليس علمًا بالعدم، ونفي الرؤية لا يقتضي نفي الوجود.
والحاصل: استحباب صيام تسع ذي الحجة، وآكده يوم التاسع، وهو يوم عرفة، وفي صيامه فضل عظيم..
ﻓﻔﻲ ﺻﺤﻴﺢ ﻣﺴﻠﻢ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻗﺘﺎﺩﺓ ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻗﺎﻝ: «ﺻﻴﺎﻡُ ﻳﻮﻡِ ﻋﺮﻓﺔ ﺃﺣﺘﺴﺐُ ﻋﻠﻰ اﻟﻠﻪِ ﺃﻥ ﻳُﻜﻔِّﺮَ اﻟﺴﻨﺔ اﻟﺘﻲ ﻗﺒﻠﻪ ﻭاﻟﺘﻲ بعده»
وفي ﻣﺴﻨﺪ اﻹﻣﺎﻡ ﺃﺣﻤﺪ ﻋﻦ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻗﺎﻝ: «ﻳﻮﻡُ ﻋﺮﻓﺔ.. ﻫﺬا ﻳﻮﻡٌ ﻣﻦ ﻣَﻠَﻚَ ﻓﻴﻪِ ﺳَﻤﻌَﻪُ ﻭﺑَﺼﺮَﻩُ ﻭﻟِﺴﺎﻧَﻪُ ﻏُﻔِﺮَ ﻟﻪ».
نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا في هذه العشر من الفائزين، ويوفقنا فيها لخير ما يحب ويرضى من القول والعمل، ولا يحرمنا فضله بذنوبنا، ويجعلها أيام فتح ونصر وبركة على بلاد الإسلام؛ إنه سبحانه خير مسؤول وأعظم مأمول.
منقول
منقول
في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «ما من أيامٍ العملُ الصالحُ فيها أحبَّ إلى اللهِ من هذه الأيام، يعني: العشر».
ويدخل في هذا العموم، وهو قوله: «العمل الصالح»: الصيامُ؛ بل الصيام من أفضل الأعمال، وقد اختصه الله لنفسه من بين سائر الأعمال، فصيام التسع من ذي الحجة كلها= سُنّة؛ كما يدل عليه عموم الحديث، وهو مذهب أكثر أهل العلم.
وبعض الناس يقول؛ إنه بدعة، ويحتج بحديث عائشة -رضي الله عنها-: «ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا العشر قط» [رواه مسلم].
والجواب من وجوه:
١. أن السُنّة منها القولي والفعلي والإقراري، وبكل منها تثبت الأحكام، واستحباب الصيام ثابت بحديث ابن عباس الذي قدمناه آنفًا، وهو سُنّة قولية، وكافٍ في المطلوب، وإن لم يثبت بالسُنّة الفعلية، ومَن أخرج الصيام من العموم= طولب بالدليل على إخراجه، وعدمُ الفعل ليس دليلًا على ذلك، فكم من سُنّة ثابتةٍ بقول النبي ﷺ؛ لم يواظب عليها بفعله ﷺ؛ لانشغاله بما هو أولى، أو لغير ذلك من الأسباب المفصلة في موضعها.
٢. أن حديث عائشة أشار إلى ضعفه الإمام أحمد، حيث اﺧﺘُﻠﻒ ﻓﻲ ﺇﺳﻨﺎﺩه؛ ﻓﺄﺳﻨﺪﻩ اﻷﻋﻤﺶ، ﻭﺭﻭاﻩ ﻣﻨﺼﻮﺭ ﻋﻦ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﻣﺮسلًا.
٣. أنه قد جاء في السُنّة الفعلية ما يعارض حديثَ عائشة -رضي الله عنها- ويُثبت أن النبي ﷺ صامهن..
ففي اﻟﻤﺴﻨﺪ ﻭاﻟﺴﻨﻦ ﻋﻦ ﺣﻔﺼﺔ -رضي الله عنها-: «ﺃﻥ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻛﺎﻥ ﻻ ﻳﺪﻉ ﺻﻴﺎﻡ ﻋﺎﺷﻮﺭاء ﻭاﻟﻌﺸﺮ ﻭﺛﻼﺛﺔ ﺃﻳﺎﻡ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺷﻬﺮ».
ﻭﺭﻭﻯ أبو داود ﻋﻦ ﺑﻌﺾ ﺃﺯﻭاﺝ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ: «ﺃﻥ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻛﺎﻥ ﻻ ﻳﺪﻉ ﺻﻴﺎﻡ ﺗﺴﻊ ﺫﻱ اﻟﺤﺠﺔ».
وﺇﺫا اﺧﺘﻠﻔﺖ ﻋﺎﺋﺸﺔ ﻭﺣﻔﺼﺔ -رضي الله عنهما- ﻓﻲ اﻟﻨﻔﻲ ﻭاﻹﺛﺒﺎﺕ هنا= ﺃُﺧﺬ ﺑﻘﻮﻝ اﻟﻤُﺜﺒِﺖ، كما هو مقرر عند أهل العلم؛ ﻷﻥ مع المُثبِت زيادة علم ﺧﻔﻲَ ﻋﻠﻰ اﻟﻨﺎﻓﻲ.
ﻭلذلك ﻛﺎﻥ ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﻤﺮ -ﺭﺿﻲ اﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ- يصوم التسع، ﻭﻋﻦ اﻟﺤﺴﻦ ﻭاﺑﻦ ﺳﻴﺮﻳﻦ ﻭﻗﺘﺎﺩﺓ استحباب صيامهن، ﻭﻫﻮ ﻗﻮﻝ ﺃﻛﺜﺮ اﻟﻌﻠﻤﺎء.
٤. أن ﻋﺎﺋﺸﺔ -رضي الله عنها- ﺃﺭاﺩﺕ ﺃﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺼﻢ اﻟﻌﺸﺮ ﻛﺎملًا، ﻭﺣﻔﺼﺔ ﺃﺭاﺩﺕ أﻧﻪ ﻛﺎﻥ ﻳﺼﻮﻡ ﻏﺎﻟﺒﻪ.
ومعلوم أن عائشة لها من التسع يوم أو يومان، فهي إنما تخبر عما رأته، وغيرها يخبر عما رآه، وعدم العلم ليس علمًا بالعدم، ونفي الرؤية لا يقتضي نفي الوجود.
والحاصل: استحباب صيام تسع ذي الحجة، وآكده يوم التاسع، وهو يوم عرفة، وفي صيامه فضل عظيم..
ﻓﻔﻲ ﺻﺤﻴﺢ ﻣﺴﻠﻢ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻗﺘﺎﺩﺓ ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻗﺎﻝ: «ﺻﻴﺎﻡُ ﻳﻮﻡِ ﻋﺮﻓﺔ ﺃﺣﺘﺴﺐُ ﻋﻠﻰ اﻟﻠﻪِ ﺃﻥ ﻳُﻜﻔِّﺮَ اﻟﺴﻨﺔ اﻟﺘﻲ ﻗﺒﻠﻪ ﻭاﻟﺘﻲ بعده»
وفي ﻣﺴﻨﺪ اﻹﻣﺎﻡ ﺃﺣﻤﺪ ﻋﻦ اﺑﻦ ﻋﺒﺎﺱ ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻗﺎﻝ: «ﻳﻮﻡُ ﻋﺮﻓﺔ.. ﻫﺬا ﻳﻮﻡٌ ﻣﻦ ﻣَﻠَﻚَ ﻓﻴﻪِ ﺳَﻤﻌَﻪُ ﻭﺑَﺼﺮَﻩُ ﻭﻟِﺴﺎﻧَﻪُ ﻏُﻔِﺮَ ﻟﻪ».
نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا في هذه العشر من الفائزين، ويوفقنا فيها لخير ما يحب ويرضى من القول والعمل، ولا يحرمنا فضله بذنوبنا، ويجعلها أيام فتح ونصر وبركة على بلاد الإسلام؛ إنه سبحانه خير مسؤول وأعظم مأمول.
منقول
❤11👍1
Forwarded from متون الشافعية
الحمد لله وحده،
والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وقفت أمس على كتاب مفيد وهو (بغية المحتاج إلى مواطن الاختلاف بين نصوص الشافعي والمنهاج) لفضيلة الدكتور أبو عبد الباري محمود الشبلي.
وقد ذكر الدكتور مبحث مفيد نافع ذكر فيه قواعد الترجيح عند الإمام النووي، وحصرها في 5 قواعد.
وذكر بعدها وجوه المؤاخذة على (المنهاج) وسيأتي تفصيل ما فيها من خلال عرض المسائل.
ومما يُحمد للدكتور الكريم أنه صرّح أن ما ذكره من المسائل يسير إذا ما قُورن بمسائل الكتاب؛ فقد ذكر الدكتور 172 مسألة، وإذا عرفنا أن مسائل المنهاج أكثر من 11500 مسألة (كما عدها د. لؤي في خادم المنهاج). أي بفرض تسليم الاعتراض في جميع المسائل التي ذكرها الدكتور، فنسبة ذلك لا تبلغ 1.5% فقط من مسائل الكتاب، أي أن أكثر من 98.5% من الكتاب لم يخالف نصوص الإمام.
والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وقفت أمس على كتاب مفيد وهو (بغية المحتاج إلى مواطن الاختلاف بين نصوص الشافعي والمنهاج) لفضيلة الدكتور أبو عبد الباري محمود الشبلي.
وقد ذكر الدكتور مبحث مفيد نافع ذكر فيه قواعد الترجيح عند الإمام النووي، وحصرها في 5 قواعد.
وذكر بعدها وجوه المؤاخذة على (المنهاج) وسيأتي تفصيل ما فيها من خلال عرض المسائل.
ومما يُحمد للدكتور الكريم أنه صرّح أن ما ذكره من المسائل يسير إذا ما قُورن بمسائل الكتاب؛ فقد ذكر الدكتور 172 مسألة، وإذا عرفنا أن مسائل المنهاج أكثر من 11500 مسألة (كما عدها د. لؤي في خادم المنهاج). أي بفرض تسليم الاعتراض في جميع المسائل التي ذكرها الدكتور، فنسبة ذلك لا تبلغ 1.5% فقط من مسائل الكتاب، أي أن أكثر من 98.5% من الكتاب لم يخالف نصوص الإمام.
❤6👍4
Forwarded from متون الشافعية
واستطرد بشيء لطيف: هل هذا الكتاب هو أول كتاب استدرك على (المنهاج)؟
والجواب طبعا لا، فقد سبقه الكثير من الأئمة والعلماء وأفردوا الاستدراك في كتب؛ منها (السراج على نكت المنهاج) لابن النقيب، و(تصحيح المنهاج) للبلقيني، و(تحرير الفتاوي) للولي العراقي، و(هادي الراغبين) و(مغني الراغبين) كلاهما لابن قاضي عجلون، وكل واحد من هذه الكتب الخمسة في مجلدات.
أما الرسائل المختصرة فكثيرة، منها (بيان غرض المحتاج) للفركاح، و(نهاية المحتاج) لابن الملقن - وهو غير كامل - و(التنبيهات الأنيقة) لابن جعمان.
وهنا سؤال منطقي: لماذا لم يعترض أحد على الكتب السابقة، بينما اعترض البعض على كتاب الدكتور؟
والجواب: بسبب العنوان، فقد فهم البعض من العنوان أن الإمام النووي في (المنهاج) يخالف نصوص الإمام الشافعي "عن عمد".
وإلا فإن الشيخ في كل مسألة يوضح سلفه ممن اعترض على (المنهاج) من أئمة المذهب الشافعي.
وأحد الإشكالات أن الدكتور دمج أمرين: قول الشافعي، والمذهب الشافعي. فجعل الثاني لا بد أن يوافق الأول دائما وأبدا.
نعم - بلا شك - فالأصل والغالب أن قول إمام المذهب هو المعتمد في المذهب - كما هو واضح من النسبة المئوية المذكورة -،
لكن لا يخلو مذهب من اعتماد قول مخالف لقول إمامه؛ فالإمام أبو حنيفة مثلا يرى بطلان المزارعة والمعتمد في المذهب الحنفي صحتها، بل مشهور عند الحنفية ترجيح قول الإمام زفر في 20 مسألة على قول الأئمة الثلاثة كلهم.
إذن فالأمر مشهور في مختلف المذاهب وليس قاصرا على مذهبنا فقط. وهذا مما يؤخذ على الدكتور.
وعلى كل حال فهذه البحوث تثري البحث العلمي والفقهي، بعد أن كاد الركود يسدل ستاره على البحوث الفقهية. حتى صار حالنا كما قال الشاعر:
ما أرانا نقول إلا مُعارا *** أو معادًا من قولنا مكرورا
ورغم أن جل هذه المسائل بحث كثيرا في المهمات والملمات والخادم وغيرها من الكتب المصنفة في طبقة ما بين الإمامين وطبقة النظار، إلا أنه وبطرحها نجدد في المذهب روح البحث والتنقيب.
والدكتور مشكور - ومأجور إن شاء الله - على هذا الطرح وما بذل فيه من جهد كبير؛ سواء وافقناه فيما ذهب إليه أو خالفناه. وهذه طبيعة البحوث العلمية.
وإن أذن الدكتور وتكرم بسعة صدره لمناقشة ولو بعض هذه المسائل، ملتزمين جميعا قاعدة العدل والإنصاف، متأدبين بآداب أهل العلم.
ولا أزعم أني في رتبة الدكتور أو قريب منها حتى، ولكنها مشاركة ومحاولة لإحياء روح البحث في المذهب أيضا.
والجواب طبعا لا، فقد سبقه الكثير من الأئمة والعلماء وأفردوا الاستدراك في كتب؛ منها (السراج على نكت المنهاج) لابن النقيب، و(تصحيح المنهاج) للبلقيني، و(تحرير الفتاوي) للولي العراقي، و(هادي الراغبين) و(مغني الراغبين) كلاهما لابن قاضي عجلون، وكل واحد من هذه الكتب الخمسة في مجلدات.
أما الرسائل المختصرة فكثيرة، منها (بيان غرض المحتاج) للفركاح، و(نهاية المحتاج) لابن الملقن - وهو غير كامل - و(التنبيهات الأنيقة) لابن جعمان.
وهنا سؤال منطقي: لماذا لم يعترض أحد على الكتب السابقة، بينما اعترض البعض على كتاب الدكتور؟
والجواب: بسبب العنوان، فقد فهم البعض من العنوان أن الإمام النووي في (المنهاج) يخالف نصوص الإمام الشافعي "عن عمد".
وإلا فإن الشيخ في كل مسألة يوضح سلفه ممن اعترض على (المنهاج) من أئمة المذهب الشافعي.
وأحد الإشكالات أن الدكتور دمج أمرين: قول الشافعي، والمذهب الشافعي. فجعل الثاني لا بد أن يوافق الأول دائما وأبدا.
نعم - بلا شك - فالأصل والغالب أن قول إمام المذهب هو المعتمد في المذهب - كما هو واضح من النسبة المئوية المذكورة -،
لكن لا يخلو مذهب من اعتماد قول مخالف لقول إمامه؛ فالإمام أبو حنيفة مثلا يرى بطلان المزارعة والمعتمد في المذهب الحنفي صحتها، بل مشهور عند الحنفية ترجيح قول الإمام زفر في 20 مسألة على قول الأئمة الثلاثة كلهم.
إذن فالأمر مشهور في مختلف المذاهب وليس قاصرا على مذهبنا فقط. وهذا مما يؤخذ على الدكتور.
وعلى كل حال فهذه البحوث تثري البحث العلمي والفقهي، بعد أن كاد الركود يسدل ستاره على البحوث الفقهية. حتى صار حالنا كما قال الشاعر:
ما أرانا نقول إلا مُعارا *** أو معادًا من قولنا مكرورا
ورغم أن جل هذه المسائل بحث كثيرا في المهمات والملمات والخادم وغيرها من الكتب المصنفة في طبقة ما بين الإمامين وطبقة النظار، إلا أنه وبطرحها نجدد في المذهب روح البحث والتنقيب.
والدكتور مشكور - ومأجور إن شاء الله - على هذا الطرح وما بذل فيه من جهد كبير؛ سواء وافقناه فيما ذهب إليه أو خالفناه. وهذه طبيعة البحوث العلمية.
وإن أذن الدكتور وتكرم بسعة صدره لمناقشة ولو بعض هذه المسائل، ملتزمين جميعا قاعدة العدل والإنصاف، متأدبين بآداب أهل العلم.
ولا أزعم أني في رتبة الدكتور أو قريب منها حتى، ولكنها مشاركة ومحاولة لإحياء روح البحث في المذهب أيضا.
❤5👍1
مستجدات الفقه وأصوله - القناة
«الغيث الهامع شرح جمع الجوامع» لولي الدين العراقي (ص720): وقلت مرة لشيخنا الإمام البلقيني- رحمه الله تعالى-: ما يقصر بالشيخ تقي الدين السبكي عن الاجتهاد وقد استكمل آلاته؟ وكيف يقلد؟ ولم أذكره هو استحياء منه لما أريد أن أرتب على ذلك، فسكت عنه. فقلت: ما عندي…
قال الشيخ ولي الله الدهلوي تعقيبًا:
«قلت: أما أنا فلا أعتقد أن المانع لهم من الاجتهاد ما أشار إليه، حاشا منصبهم العلي على ذلك وأن يتركوا الاجتهاد مع قدرتهم عليه لغرض القضاء أو الأسباب هذا ما لا يجوز لأحد أن يعتقده فيهم وقد تقدم أن الراجح عند الجمهور وجوب الاجتهاد في مثل ذلك كيف ساغ للولي نسبتهم إلى ذلك ونسبة البلقيني إلى موافقته على ذلك...»
- الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف.
«قلت: أما أنا فلا أعتقد أن المانع لهم من الاجتهاد ما أشار إليه، حاشا منصبهم العلي على ذلك وأن يتركوا الاجتهاد مع قدرتهم عليه لغرض القضاء أو الأسباب هذا ما لا يجوز لأحد أن يعتقده فيهم وقد تقدم أن الراجح عند الجمهور وجوب الاجتهاد في مثل ذلك كيف ساغ للولي نسبتهم إلى ذلك ونسبة البلقيني إلى موافقته على ذلك...»
- الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف.
❤6
وأما إيجاب معرفة الأصول، على ما يقوله المتكلمون، فبعيدٌ جدًا عن الصواب. ومتى أوجبنا ذلك، فمتى يوجد في العوام من يعرف ذلك، وتصدر عقيدته عنه؟ بل يكون أكثر العوام بحيث لو عُرضت عليهم تلك الدلائل لم يفهموها أصلًا، فضلًا عن أن يصيروا أصحاب دلائل، ويقفوا على العقائد بالطرق البرهانية.
وإنما غاية العامي أن يتلقى ما يريد أن يعتقده، ويلقى زنةً من العلماء، ويتبعهم في ذلك ويقلدهم، ثم يسلمون عليها بقلوب سليمة، طاهرة عن الأدغال والأهوال، ثم يعضّون عليها بالنواجذ، فلا يحولون ولا يزولون، ولو قُطّعوا إربًا؛ فهنيئًا لهم السلامة، والبعد عن الشبهات الداخلة على أهل الكلام، والورطات التي تورطوا فيها حتى أدّت بهم إلى المهاوي والمهالك.
ودخلت عليهم الشبهات العظيمة، وصاروا في الآخرة متحيّرين عمين. ولهذا لا يوجد منهم متورع متعفف إلا القليل؛ لأنهم أعرضوا عن ورع اللسان، وأرسلوا بما في صفات الله تعالى بجرأة عظيمة، وعدم مهابة وحرمة، ففاتهم ورع سائر الجوارح. وذهب ذلك عنهم بذهاب ورع اللسان؛ والإنسان كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا، وإذا خرب جانبٌ منه تداعى سائر جوانبه للخراب.
ولأنه ما من دليل لفريقٍ منهم يعتمدون عليه إلا ولخصومهم عليه الشبه القوية، بل يدّعون لأنفسهم مثل ذلك الدليل سواء. وغاية الواحد منهم في الفلح والعلو على صاحبه زيادة الحذق في طريقة الجدل. وبينهم أوضاعٌ يناظرون عليها، ويطالبون الخصم بطردها، فإذا لم يفوا بطردها سموها انقطاعًا وعجزًا.
وعلى أنا لا ننكر من الدلائل العقلية بقدر ما ينال المسلم به ردّ اليقين، ويزداد به ثقة فيما يعتقده وطمأنينة، وإنما ننكر إيجاب التوصل إلى العقائد في الأصول بالطريق الذي اعتقدوه، وساموا جميع المسلمين سلوك طريقته، وزعموا أنه من لم يفعل ذلك فلم يعرف الله تعالى.
[أبو المظفر السمعاني، قواطع الأدلة]
وإنما غاية العامي أن يتلقى ما يريد أن يعتقده، ويلقى زنةً من العلماء، ويتبعهم في ذلك ويقلدهم، ثم يسلمون عليها بقلوب سليمة، طاهرة عن الأدغال والأهوال، ثم يعضّون عليها بالنواجذ، فلا يحولون ولا يزولون، ولو قُطّعوا إربًا؛ فهنيئًا لهم السلامة، والبعد عن الشبهات الداخلة على أهل الكلام، والورطات التي تورطوا فيها حتى أدّت بهم إلى المهاوي والمهالك.
ودخلت عليهم الشبهات العظيمة، وصاروا في الآخرة متحيّرين عمين. ولهذا لا يوجد منهم متورع متعفف إلا القليل؛ لأنهم أعرضوا عن ورع اللسان، وأرسلوا بما في صفات الله تعالى بجرأة عظيمة، وعدم مهابة وحرمة، ففاتهم ورع سائر الجوارح. وذهب ذلك عنهم بذهاب ورع اللسان؛ والإنسان كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا، وإذا خرب جانبٌ منه تداعى سائر جوانبه للخراب.
ولأنه ما من دليل لفريقٍ منهم يعتمدون عليه إلا ولخصومهم عليه الشبه القوية، بل يدّعون لأنفسهم مثل ذلك الدليل سواء. وغاية الواحد منهم في الفلح والعلو على صاحبه زيادة الحذق في طريقة الجدل. وبينهم أوضاعٌ يناظرون عليها، ويطالبون الخصم بطردها، فإذا لم يفوا بطردها سموها انقطاعًا وعجزًا.
وعلى أنا لا ننكر من الدلائل العقلية بقدر ما ينال المسلم به ردّ اليقين، ويزداد به ثقة فيما يعتقده وطمأنينة، وإنما ننكر إيجاب التوصل إلى العقائد في الأصول بالطريق الذي اعتقدوه، وساموا جميع المسلمين سلوك طريقته، وزعموا أنه من لم يفعل ذلك فلم يعرف الله تعالى.
[أبو المظفر السمعاني، قواطع الأدلة]
❤13👍1
قال الخطابي في «معالم السنن» في حديث القلتين:
«وقد تكلم بعض أهل العلم في إسناده... وكفى شاهدا على صحته أن نجوم الأرض من أهل الحديث قد صححوه وقالوا به وهم القدوة وعليهم المعول في هذا الباب»
«وقد تكلم بعض أهل العلم في إسناده... وكفى شاهدا على صحته أن نجوم الأرض من أهل الحديث قد صححوه وقالوا به وهم القدوة وعليهم المعول في هذا الباب»
❤16
«الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمين» (1/ 4113 بترقيم الشاملة آليا):
كان أحد الخطباء يخطب يوم العيد ويقول: السُّنة أن يقول عند الذبح باسم الله وجوبًا، والله أكبر استحبابًا، فذهب العامة، وصار الواحد منهم إذا ذبح يقول: باسم الله وجوبًا، والله أكبر استحبابًا، ظن أن هذا هو المشروع، ولهذا ينبغي للخطيب أن يكون عنده انتباه؛ لأن العامة ليسوا كطلبة العلم.
كان أحد الخطباء يخطب يوم العيد ويقول: السُّنة أن يقول عند الذبح باسم الله وجوبًا، والله أكبر استحبابًا، فذهب العامة، وصار الواحد منهم إذا ذبح يقول: باسم الله وجوبًا، والله أكبر استحبابًا، ظن أن هذا هو المشروع، ولهذا ينبغي للخطيب أن يكون عنده انتباه؛ لأن العامة ليسوا كطلبة العلم.
❤24
أثر_مباحث_الأدلة_الأصولية_في_نشأة_علم_مقاصد_الشريعة.docx
753.5 KB
أثر مباحث الأدلة الأصولية في نشأة علم مقاصد الشريعة.docx
❤9
Forwarded from قناة الشيخ د. عبد الله الجديع
*دورة: القضايا الشرعية في الطب والعلاج*
*الموعد:* 20 - 21 يونيو 2026
دورة فقهية مكثفة تؤصل الأحكام المتعلقة بالمرض والتداوي، وتجيب عن أبرز النوازل الطبية المعاصرة.
*أبرز المحاور:*
*مفاهيم أساسية:* المرض والقدر، العدوى، وحقيقة "الطب النبوي" والرقى.
*الممارسة الطبية:* مكونات اللقاحات، وضوابط التطبب بين الجنسين أو مع غير المسلمين.
*قضايا الحياة والموت:* الإجهاض، التلقيح الصناعي، موت الدماغ، رفع أجهزة الإنعاش، "القتل الرحيم"، وتشريح الموتى.
*التبرع:* أحكام نقل وزراعة الأعضاء والتبرع بالدم.
*الفئة المستهدفة:* الكوادر الطبية، الأئمة والوعاظ، طلاب العلم الشرعي، وعموم المثقفين.
للتسجيل يرجى زيارة
https://shorturl.at/GuAhk
*الموعد:* 20 - 21 يونيو 2026
دورة فقهية مكثفة تؤصل الأحكام المتعلقة بالمرض والتداوي، وتجيب عن أبرز النوازل الطبية المعاصرة.
*أبرز المحاور:*
*مفاهيم أساسية:* المرض والقدر، العدوى، وحقيقة "الطب النبوي" والرقى.
*الممارسة الطبية:* مكونات اللقاحات، وضوابط التطبب بين الجنسين أو مع غير المسلمين.
*قضايا الحياة والموت:* الإجهاض، التلقيح الصناعي، موت الدماغ، رفع أجهزة الإنعاش، "القتل الرحيم"، وتشريح الموتى.
*التبرع:* أحكام نقل وزراعة الأعضاء والتبرع بالدم.
*الفئة المستهدفة:* الكوادر الطبية، الأئمة والوعاظ، طلاب العلم الشرعي، وعموم المثقفين.
للتسجيل يرجى زيارة
https://shorturl.at/GuAhk
❤6👍1
في الصحيحين من حديث سهل بن سعد «أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب ليصلح بين عمرو بن عوف فجاء وأبو بكر يصلي بالناس فأشار إليه أن امكث مكانك فرفع أبو بكر يده فحمد الله وأثنى عليه ذلك ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى ثم انصرف فقال يا أبا بكر: ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم».
وفي شرح الإمام النووي -رحمه الله- على هذا الحديث:
«وفيه أن التابع إذا أمره المتبوع بشيء وفهم منه إكرامه بذلك الشيء لا يتحتم الفعل فله أن يتركه ولا يكون هذا مخالفة للأمر، بل يكون أدبا وتواضعا وتحذقا في فهم المقاصد».
صلى الله وسلم على سيدنا محمد، ورضي الله عن أبي بكر.
وفي شرح الإمام النووي -رحمه الله- على هذا الحديث:
«وفيه أن التابع إذا أمره المتبوع بشيء وفهم منه إكرامه بذلك الشيء لا يتحتم الفعل فله أن يتركه ولا يكون هذا مخالفة للأمر، بل يكون أدبا وتواضعا وتحذقا في فهم المقاصد».
صلى الله وسلم على سيدنا محمد، ورضي الله عن أبي بكر.
❤14👍5😢3
((موازين وقواعد في الحكم على الأشخاص والطوائف فيما يفعلونه من أمور تجمع مصالح ومفاسد))
قال ابن تيمية رحمه الله في «الاستقامة» (2/ 216):
«القاعدة العامة: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد:
فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له: فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به؛ بل يكون محرما؛ إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته؛
-لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر وقل إن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام-.
وعلى هذا:
إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما؛ بل إما أن يفعلوهما جميعا أو يتركوها جميعا:
لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا من منكر؛ بل ينظر:
1- فإن كان المعروف أكثر: أمر به؛ وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه؛ بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله، وزوال فعل الحسنات.
2- وإن كان المنكر أغلب: نهى عنه؛ وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله.
3- وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما.
فتارة يصلح الأمر؛ وتارة يصلح النهي؛ وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المعروف والمنكر متلازمين؛ وذلك في الأمور المعينة الواقعة.
وأما من جهة النوع: فيؤمر بالمعروف مطلقا، وينهى عن المنكر مطلقا.
وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة: يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها، ويحمد محمودها ويذم مذمومها؛ بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه، وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق؛ فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية؛ وإذا تركها كان عاصيا فترك الأمر الواجب معصية؛ وفعل ما نهي عنه من الأمر معصية. وهذا باب واسع ولا حول ولا قوة إلا بالله».
قال ابن تيمية رحمه الله في «الاستقامة» (2/ 216):
«القاعدة العامة: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد:
فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له: فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورا به؛ بل يكون محرما؛ إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته؛
-لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر وقل إن تعوز النصوص من يكون خبيرا بها وبدلالتها على الأحكام-.
وعلى هذا:
إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما؛ بل إما أن يفعلوهما جميعا أو يتركوها جميعا:
لم يجز أن يؤمروا بمعروف ولا أن ينهوا من منكر؛ بل ينظر:
1- فإن كان المعروف أكثر: أمر به؛ وإن استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم ينه عن منكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه؛ بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله، وزوال فعل الحسنات.
2- وإن كان المنكر أغلب: نهى عنه؛ وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرا بمنكر وسعيا في معصية الله ورسوله.
3- وإن تكافأ المعروف والمنكر المتلازمان لم يؤمر بهما ولم ينه عنهما.
فتارة يصلح الأمر؛ وتارة يصلح النهي؛ وتارة لا يصلح لا أمر ولا نهي حيث كان المعروف والمنكر متلازمين؛ وذلك في الأمور المعينة الواقعة.
وأما من جهة النوع: فيؤمر بالمعروف مطلقا، وينهى عن المنكر مطلقا.
وفي الفاعل الواحد والطائفة الواحدة: يؤمر بمعروفها وينهى عن منكرها، ويحمد محمودها ويذم مذمومها؛ بحيث لا يتضمن الأمر بمعروف فوات أكثر منه أو حصول منكر فوقه، ولا يتضمن النهي عن المنكر حصول أنكر منه أو فوات معروف أرجح منه، وإذا اشتبه الأمر استبان المؤمن حتى يتبين له الحق؛ فلا يقدم على الطاعة إلا بعلم ونية؛ وإذا تركها كان عاصيا فترك الأمر الواجب معصية؛ وفعل ما نهي عنه من الأمر معصية. وهذا باب واسع ولا حول ولا قوة إلا بالله».
❤12👍2
"حكم الصحابة بالرأي والقياس لا من تلقاء أنفسهم، بل فهموا -من مصادر الشرع وموارده، ومداخل أحكامه ومخارجه ومجاريه ومباعثه-: أنه عليه السلام كان يتبع المعاني، ويتبع الأحكام الأسباب المتقاضية لها".
- شفاء الغليل، للغزالي.
- شفاء الغليل، للغزالي.
❤9👍1