بـين ـ أروقة الكُتب "اليمن"
14.1K subscribers
721 photos
50 videos
87 files
94 links
وأما ما ينفغُ النّاس فيمڭثُ في الأرض.
@sahar_sultan7284BOT
Download Telegram
بـين ـ أروقة الكُتب "اليمن"
حين لا تكون المأساة في رحيل من نحب، بل في بقائه. كل علاقة من حولنا تبدأ بافتراضات خفية، بوعدٍ غير معلن، يخبرك أن الإنسان الذي أمامك سيبقى، إلى حدّ ما، هو نفسه. ولذلك تُبنى الأحلام، ويُراهن على المستقبل، وتنعم بالسكينة، وتحاط بالألفة، دون أن تملك فكرة أن هذا…
النسخة التي لا تعود

لعل أكثر ما يرهق الإنسان خشية الفقد، وقسوة المآسي، صمت الأقدار، عمق الجراح ، انتزاع الأحبة، وبقية الملامح، الأصوات، الاسماء، وتترك جميعها أمامه ولا تبلغها الأيدي والنداءات،
وما أعجب الإنسان…
يبكي من يوارى في التراب، ولا يبكي من يُوارى في الحياة،ويرثي من أُغلق عليه القبر، ولا ينتبه إلى من أُغلقت عليه نفسه، ويظن أن الغياب رحلةُ الأجساد، مع أن أكثر الغياب قسوةً هو غياب الأرواح وهي لا تزال تُجيد المشي بين الناس.
ولطالما حسبنا أن الزمن وحده صانع التحولات، حتى غاب عنا أن الإنسان قد يكون أشد على نفسه من الزمن، وأقسـى عليها من الأيام، وأن بعض الأرواح لا يقتلها ما نزل بها، بل ما قاومته طويلًا، فما كل انطفاءٍ ولدته العواصف، بل قد يولد من كثرة الاحتمال، وما كل انهيارٍ بدأ بالسقوط، بل لعل أكثر الانهيارات تبدأ بالوقوف طويلًا، فالإنسان في أول الطريق، لا يشعر أنه يتغير؛إنه يؤجل تعبه، ثم يؤجل وجعه، ثم يؤجل دهشته، ثم يؤجل خوفه، ثم يؤجل نفسه، حتى إذا التفت بعد أعوام، وجد أن الذي كان يؤجله… كان عمره كله.
وليس لأن الأيام كانت أقوى منه، بل لأنه كان أقوى على نفسه مما ينبغي، كان كلما انكسر، جمع شتاته قبل أن يراه أحد، وكلما احترق أخفى رماده تحت ابتسامةٍ جديدة، وكلما ضاق صدره وسّع للآخرين صدورهم، حتى إذا فرغ من العالم، اكتشف أنه فرغ من نفسه، وهنا تبدأ المأساة التي لا يراها أحد، فالناس لا يرون إلا الثمرة إذا ذبلت، ولا يسألون عن الجذر الذي ظل يشرب الملوحة أعوامًا، يرون النهر حين يجف، ولا يعرفون عدد الفصول التي سرقت ماءه قطرةً بعد قطرة، يرون البرودة، ولا يعلمون كم نارًا احترقت حتى صار الرماد أكثر من اللهب، كم من إنسانٍ ظنه الناس قد تبدل، وهو في الحقيقة لم يتبدل…بل تعب من إعادة بناء نفسه بعد كل انهيار، وكم من روحٍ اتهموها بالقسوة، وما كانت إلا رحيمةً حتى استنزفت آخر ما فيها من رحمة، وكم من قلبٍ وصفوه بالجمود، وما كان إلا بحرًا ظل يمنح موجه للشواطئ، حتى لم يبق فيه ما يفيض.

إن أكثر الأرواح لا تموت حين تعجز عن الحب…
بل تموت حين تعجز عن حمل الحب، ولا تذبل لأنها كرهت الحياة…بل لأنها بالغت في الدفاع عنها، ولا تستسلم لأنها ضعفت…بل لأنها استنفدت كل صورةٍ من صور القوة.

وما أقسى أن يبلغ الإنسان تلك المرحلة التي يصبح فيها غريبًا عن نفسه، يجلس مع ذكرياته كما يجلس الغريب في بيتٍ كان يسكنه، يمر على ضحكته القديمة فلا يعرف كيف خرجت منه، ويقرأ كلماته القديمة، فيحسب أن كاتبها رجلٌ آخر، ويفتش في قلبه عن الطريق الذي كان يعود منه إلى نفسه، فلا يجد إلا آثار أقدامٍ محتها السنون.

هناك…لا يعود السؤال: ماذا فعلت الأيام؟
بل يصبح السؤال: كم مرةً فعل الإنسان بنفسه ما لم تستطع الأيام أن تفعله؟
كم مرةً أقنع قلبه أن يصبر، وهو يعلم أنه بلغ آخر الصبر؟
وكم مرةً أقنع عينيه أن تناما، وهما لم تفرغا بعد من السهر؟
وكم مرةً قال لنفسه: غدًا أخف…
حتى صار الغد أثقل من الأمس، والأمس أرحم من الغد. ولعل أعظم المآسي، أن الإنسان لا يشعر بلحظة غيابه عن نفسه، لا يسمع صوت الباب حين يُغلق، ولا يرى النسخة الأخيرة وهي تودع الأولى، ولا ينتبه إلى أن الأشياء التي كانت تدهشه، لم تعد تثير فيه سوى الصمت.
حتى إذا رآه الذين أحبوه، قالوا: لقد تغير، وما تغير في يوم، وما خانه قلبه في لحظة، وما غلبته الحياة بضربة. إنما ماتت فيه الأشياء كما تموت الأشجار؛ لا حين تسقط، بل قبل سقوطها بزمنٍ طويل، حين يبدأ النسغ في الانسحاب من جذورها، ولا يراه أحد. ولهذا…
لم أعد أخاف على الإنسان من اي شيءٍ آخر ؛
إنما أخاف عليه من نفسه…
حين يجعل منها آخر من يفكر في إنقاذه، حين يهب العالم أيامه، ويمنح الناس قلبه، ويقسم بينهم صبره، حتى إذا عاد في آخر النهار، لم يجد في داخله ما يكفي ليبقى هو.
فليس كل من بقي حيًا…بقي.
وليس كل من يبتسم…قد نجا.
وليس كل من أكمل الطريق…وصل.
فبعض الناس يبلغون آخر العمر… قبل أن يبلغوا آخر الطريق، ويعودون ولكن نسخته لا تعود.

_ عماد صالح.
‏الحياة السهلة لا تكشف الإنسان؛ لا يعرف أقصى قدراته، ولا حدود مشاعره، ولا حتى حجم الشر الكامن فيه، إلا حين تدفعه الشدائد إلى امتحان نفسه. وكل ما يظنه عن ذاته يبقى دعوى حتى تشهد له الأفعال أو تكذبه.

_صالح التويجري
‏واحترتُ فيكَ.. أغيب أم أبقى؟
في الحالتينِ، حرقتني حرقا

ويلومني عقلي فأهجرُهُ
أهل الهوى عُقلاؤهم حمقى.

_حذيفة العرجي.
ما أسهل المثالية عندما لا يعنيك الأمر، وما أسهل الحكمة عندما لا ينالك من الأمر شيء.

- غازي القصيبي
من أصعب ما يواجهه الإنسان أن يكتشف أن بعض قناعاته القديمة لم تكن سليمة، وأن اختيارات ظنها يومًا صائبة قادته إلى ما لم يكن يتمنى. فالاعتراف بذلك يعني مواجهة قرارات لا يمكن استردادها، وتضحيات بُذلت في غير موضعها، وصورة عن الذات يصعب التخلي عنها.

_هناء جابر
"‏ أكثر من سيعلمك قيمة مبادئك هو من خفضتها لأجله، واكثر من سيعلمك احترام ذاتك هو من كسرتها لإرضائه، واكثر من سيعلمك قيمة الثقة هو من منحته ثقةً عمياء، فالإنسان يولد كريمًا بمشاعره، صادقاً في عطائه، سخيًا في ثقته، حتى يعلمه الناس ان البخل احيانًا فضيلة."
كيف يمكن للإفراط في الشعور أن يُنتج سلوكًا يبدو، في ظاهره، نقيضًا لذلك الشعور!
عندما يدفع الإنسان صفةً ما إلى أقصى مداها، قد تبلغ منتهى الإفراط حتى تقترب، في أثرها ونتيجتها، من نقيضها. مفارقةٌ تكاد تكون مرعبة.

وقد التفت ابن حزم الأندلسي إلى هذه المفارقة منذ قرون، فقال في طوق الحمامة:
«والأضداد أنداد، والأشياء إذا أفرطت في غايات تضادها، ووقفت في انتهاء حدود اختلافها تشابهت، قدرةً من الله عز وجل تضل فيها الأوهام.»

فقد يبلغ الحب من شدته حد النفور، ويبلغ الحزن من فرطه حد اللامبالاة، وتبلغ القوة من الإفراط حد القسوة، كما قد يبلغ الحذر أقصاه حتى يشبه الجبن.

ربما ليست المتناقضات متباعدة كما نظن..
ما لم تقله زرقاء اليمامة

شَيءٌ يُطلُّ الآنَ مِنْ هذي الذُّرى
أَحتاجُ دَمعَ الأنبِياءِ لِكَيْ أَرَى

النصُّ للعرَّافِ والتّأويلُ لِيْ
يَتَشَاكَسَانِ هُنَاكَ قَالَ، وفَسّرَا

مَا قُلْتُ للنجمِ المُعلّقِ دُلّنِيْ
مَا نمتُ كي أصطادَ رُؤيا في الكَرَى

شَجَرٌ من الحدسِ القَدِيْمِ هَزَزتُهُ
حَتّى قَبضتُ المَاءَ حينَ تبخّرَا

لا سِرّ .. فانُوسُ النُبوة قالَ لِيْ
ماذا سيجري حينَ طالعَ مَا جَرَى

فِيْ الموسمِ الآتي سيأكُلُ آدمٌ
تفاحَتَيْنِ وَذنبهُ لن يُغْفَرَا

الأرْضُ سَوفَ تشيخُ قبل أوانِهَا
الموتُ سوفَ يكونُ فينا أنهُرَا

وَسَيعبُرُ الطوفانُ مِن أوطانِنَا
مَنْ يُقنع الطُّوفان ألا يَعْبُرَا

ستقولُ ألْسِنةُ الذّبَابِ قَصيْدَةً
وسيرتقي ذئبُ الجبالِ المِنْبَرَا

فَوضى وتنبئ كل من مرّت بهم
سيعود سيفُ القرمطيّ ليثأرا

وسيسقط المعنى على أنقاضِنَا
حَتّى الأمامُ سيستَدِيْرُ إِلَى الوَرَا

في الموسم الآتي ستشتبكُ الرؤى
ستزيدُ أشجارُ الضّبابِ تَجَذُرَا

وَسَيُنكرُ الأعمَى عَصَاهُ ويَرتَدِيْ
نظّارتينِ من السّرَابِ لِيبصِرَا

سيرَى القَبِيْلَةَ وهي تَصلُبُ عبْدَها
فالأزْدُ لا زالت تخافُ الشّنفرَا

سيرى المُؤذّنَ والإمام كِلاهُما
سيقولُ إنّا لاحِقَانِ بقيصرا

في الموسمِ الآتِيْ مزادٌ مُعلنٌ
حتّى دَمُ الموتى يُباعُ ويُشتَرَى

ناديتُ يَا يَعْقُوب تِلكَ نُبُوءَتِيْ
الغيمةُ الحُبْلَى هُنَا لن تُمْطِرَا

قَالَ اتّخِذْ هَذَا الظلام خَرِيْطَةً
عندَ الصّباحِ سيحمد القَوم السُّرَى

لا تَبتَئِس فالبئرُ يومٌ واحِدٌ
وغداً تُأمّركَ الرياحُ على القُرَى

إخلعْ سَوادَكَ .. في المدينة نسوةٌ
قَطّعنَ أيديهنّ عنكَ تَصَبُّرَا

قُمْ .. صَلّ نَافلة الوصولِ تحيّةً
للخارجينَ الآن مِنْ صَمتِ الثّرَى

واكْشِف لِأخوتِكَ الطريقَ لِيَدخُلُوا
مِنْ ألفِ بابٍ إِنْ أَرادُوا خَيْبَرَا

ستَجيءُ سَبعٌ مُرّةٌ .. فلتَخزِنُوا
من حكمةِ الوجعِ المُصَابِر سُكّرَا

سبعٌ عِجافٌ .. فاضبِطُوا أنفَاسَكُم
مِنْ بعدِهَا التّاريخُ يرجِعُ أَخْضَرَا

هِيَ تلكَ قافلةُ البشيرِ تَلُوحُ لِيْ
مُدُّوا خيامَ القلبِ، واشتَعِلُوا قِرَى

أشتمُّ رائِحَةَ القَمِيصِ .. وطالمَا
هطَلَ القَميصُ على العُيُون وبَشّرَا

_محمد عبد الباري.
لم أكن أمتلك في السابق معيارًا واضحًا في اختيار من حولي من الناس، فمرةً يغريني في الإنسان سعة علمه واطلاعه، وتارةً يغريني ذكاؤه وسرعة بداهته، وكرةً فصاحته وحسن حديثه، وطورًا اجتهاده وتجلّده في العمل، وغير ذلك من المعايير التي تجعلك تميل للاقتراب منه والعمل معه.

لكن حين عدتُ إلى القرآن وجدت المعيار واضحًا، وهو معيار الصدق {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}.

تساءلت: ما الفئات الأخرى التي أمرنا الله أن نكون معها؟ ذهبت أبحث في القرآن وكانت المفاجأة أن جملة "كونوا مع" لم تأت في القرآن إلا مع فئة الصادقين!

وحين تتفكر تجد أن الواقع يثبت فعلاً أن صفة الصدق هي المركز والجوهر، لأن غياب الصدق يعني انتفاء الثقة، وانتفاء الثقة يعني انتفاء الأرضية التي يُمكن أن تُبنى عليها أي علاقة إيجابية دائمة.


_نايف بن نهار.
"أن يُسَاء فهمك، أن يَسهُل تكذيب نواياك، أن تُنشَر عنك وشاية، أن يُستهان بِشخصك، أن يُستخفّ بقدراتك، أن يَتأسّى بك إنسانٌ بناءً على تصوُّرٍ رَسَمَه عنك، أن تكون شامخًا محبوبًا في نظر إنسان، مَكروهًا تافهًا في نظر الآخَر، كل هذه الانطباعات تثبت حقيقة أنه لا يعرفك إلا الله."
قصاص الغربة يكمن في كونها تُنقص منك ما جئت تأخذ منها . بلد كلّما احتضنك إزداد الصقيع في داخلك ، لأنها في كل ما تُعطيك تعيدك إلى حرمانك الأول . لذا تذهب نحو الغربة لتكتشف شيئاً وإذ بك تنكشِف بإغترابك .

_أحلام مستغانمي.
مُنعطفات العمر الحادة، تَسنّ البصيرة.
لدى موطنٍ يشتاقه كلُّ سيّدٍ
ويقصرُ عن إدراكِه المتناولُ

ولمّا رأيتُ الجهلَ في الناسِ فاشيًا
تجاهلتُ حتى ظُنَّ أنّي جاهلُ

فوا عجبًا كم يدّعي الفضلَ ناقصٌ
ووا أسفًا كم يُظهرُ النقصَ فاضلُ

وكيف تنامُ الطيرُ في وُكُناتِها
وقد نُصبتْ للفرقدينِ الحوائلُ

وقال السُّهى للشمسِ: أنتِ خَفِيّةٌ
وقال الدُّجى: يا صبحُ، لونُكَ حائلُ

وطاولتِ الأرضُ السماءَ سفاهةً
وفاخرتِ الشُّهْبُ الحصى والجنادلُ

تحامى الرزايا كل خُفُ وَمَنْسِم
وتلقى رِداهُنَّ الذُّرى والكواهلُ

وترجعُ أعقابُ الرماحِ سليمةً
وقد حُطِّمتْ في الدارعينَ العواملُ

فإن كنتَ تبغي العُرْفَ فائعَ توَسُّطًا
فعندَ التناهي يقصرُ المتطاولُ

توقَّ البدورُ النقصَ وهي أهِلّةٌ
ويُدركُها النقصانُ وهي كواملُ.

_أبو العلاء المعري.
عِش، تأمل وتقبل.
لا يقع الفقد دفعة واحدة. الموت يحدث في لحظة، لكن إدراك ما أخذه معه يحدث على مراحل. في البداية كان الغياب نفسه هو الحقيقة الأكبر، أبي لم يعد هنا، هذا ما كان واضحًا. ثم مع مرور الوقت بدأت خسارات أخرى كانت مختبئة داخل الخسارة الأولى بالظهور واحدة تلو الأخرى.

بعد أربعة أشهر بدأتُ أكتشف المساحة التي كان يشغلها أبي في بنية حياتي، كان نقطة ثابتة تنتظم حولها أشياء كثيرة: شكل العائلة، موقعي بين أفرادها، علاقتي بأمي، إحساسي بأن هناك جيلًا يسبقني يحمل شيئًا من ثقل الحياة، صورتي عن البيت، وحتى الطريقة التي أرى بها نفسي.

عندما ترك أبي مقعده فارغًا تحرّكت بقية المقاعد وتغيّرت مواقعها، ولهذا أشعر بالغرابة، وهذا الشعور أعمق من الحزن بمعناه المعتاد. لم يظلّ شيء على حاله تمامًا، لا العالم، لا عائلتي، ولا أنا.
وأتساءل عمّا ستحمله لي الأشهر القادمة، فالكثير من معاني الفقد لا يمكن إدراكها إلا حين تصل الحياة إليها.

_هناء جابر.
(اللهم علّمني من عِلمك ما يجعلني أرى جلالك في كل ذرة، وهذّبني حتى لا يخرج مني إلا طيِّب، ولا يستقر فيّ إلا طاهر، واجعلني يا ربّ ممن قُلتَ فيهم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾؛ فلا غاية أرجى من أن أكون محبوبًا عندك، مَقبولاً في رحابك، مُهذبًا بنورِ هدايتك).
••
مسار حياتك لا يسير مستقيمًا كما تتخيل، بل ينثني فجأة، وينعطف بغتة، بأسبابٍ لا تخطر لك ببال، خططك الطويلة، ظنونك بمسار حياتك، كلها كانت مسطورة في اللوح منذ الأزل بطريقة أخرى لم تحسب لها حسابًا, الطريق الذي اجتهدت في تعبيده، ثم وجدته يُسدّ أمامك فجأة، التخصص الذي أحببته، ثم اضطرك القدر إلى غيره، الصحبة التي ظننتها رفيقة العمر، ثم فرق بينك وبينها زمان ومكان، الحلم الذي كانت كل الإشارات تؤكد اقترابه، ثم أزيح عن طريقك بلطف خفي، الفرصة التي أفلتت من يدك وأنت تبكي عليها، ثم اكتشفت لاحقًا أنها كانت سرّ نجاتك، النعمة التي لم تدرك أنها نعمة إلا بعد أن كُشِف عنك غطاؤها.

كل هذا التحوّل العجيب في المسار كان مدبرًا بأدق مما تتخيل، حتى هذه اللحظة التي تقلب فيها ذكرياتك الآن. وهكذا، لا دواءَ أنجع ولا زاد أعمق من التسليم المتجدد بأن «وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ»، وأن الخير الحقيقي لا يعرفه إلا هو سبحانه، وأن التبدل المفاجئ في الطريق هو عين اللطف الخفي.
••

_علي آل حواء.