في حوار بيني وبين صديق عن الحياة والكتب والشغف بالأشياء، والبحث عن شيء غير مألوف والتجارب، هذا الصديق لا أتحدث معه بالدقائق بل بالساعات، محادثته تطواف في عوالم الحياة والكتب، وهو قارئ فذ خرّيت، وفي سياق حديثنا عن تجاوز الأشياء، قال مقولة ما زلت ترن في أذني: “لن تستطيع تجاوز شيئًا حتى تجربه”، ومعناه أنّنا نتعلق بالكثير من الأشياء من حولنا، ونبني عليها تصورات عظيمة، وربما نبالغ في التوقعات، ونُعظم تلك الرؤى، ونتعلق بها بحبّ وشغف وأمنيات، ولكنّ ميدان التجربة يُرجعها لوضعها الطبيعي الواقعي، إذ من أول تجربة يتبيّن لنا أنها تجربة جيّدة، ولكنّها ليست بتلك العظمة.
❤25👍7👏5👌4
ثمة كتب تأتي في وقت مناسب ولحظة مناسبة، هذه الكتب هي الأجدر بالاحتفاء والاحتواء، إذ إنها تنقذنا من لحظة ارتباك وحيرة وربما من جهد مضن كذلك، حيث أنني أشعر في الفترة الحالية بضغوط الدراسة والعمل وتلك الأشياء تأخذ من الإنسان جهدًا ووقتًا وتعبًا وإرهاقًا، وتحوّله إلى آلة تلاحق الأشياء، أنا الذي اعتدت الراحة بعد العمل والنوم بعد الظهر باستقرار دون خوف من فوات محاضرات أو تقديم بحث أو مراجعة مسائل أو كتابة ورقة نقدية، أنا الذي كنت أقرأ دون إحساس بالواجب بل من أجل المتعة الخالصة التي يجد القارئ لذة في ممارستها كل يوم دون أن يفقد شغفه أو تأتيه حبسة، قارئ حر لا يقيده شيء، بل أمر بيده، يختار ما يريد، ويهجر ما لا يحبّ، لا سلطة لأحد عليه.
بعد اختبارات منتصف الفصل، أحب مكافأة نفسي باختيار رواية خفيفة لطيفة، أتخفف بها من وعثاء الضغوط، ما حصل أنني لم أجد رواية تليق بهذه الفترة، قلبت في صفحات كثيرة، وروايات من آداب شتى، ولكن طلعت خالي الوفاض وبخفي حنين، وعندما كنت أهمّ بالخروج إلى الجلسة الأسبوعية يوم الخميس، وقعت عيني على سيرة ذاتية اقتنيتها من متجر للكتب المستعملة، قلت : سآخذها معي، لعلها تفك هذا العقد السحري أو وهم الإصابة بالعين، اسمها : مذكرات ضابط سعودي، ولأنني لم أضع على عاتقها الكثير من التوقعات، أعجبت بها، ذات طابع سردي خفيف لطيف، في بداية المذكرات كتب : "هل أقول إنه : عندما نبدأ نقول الحكايات فذلك يعني أننا قد تقدمنا في السن.. ذلك يعني أننا كبرنا، وذلك يعني أن هناك من هم أصغر منّا.. وهذا أمر مزعج لي أنا على الأقل.. الذين يقولون إن الزمن لا يعنيهم لا أتفق معهم.. والحياة أشبه بساعات من الرمل.. تسقط ذرة ذرة المؤلم "ربما" أن ساعة الرمل نقلبها لتعود من جديد، أما الحياة فلا تستأنف.. نعم هي أشبه بساعة رمل ولكن لمرة واحدة ووحيدة....ويعتذر للقارئ باختراع أكاذيب صغيرة حتى يُجمل حياته، ويقول : إن أجمل الحكايات هي تلك التي لن تقال"، وصدق إذ أن هنالك حكايات نخفيها ونستمتع بها بيننا وبين أنفسنا.
أولى فصول المذكرات عنونه بـ "خارج الجنة" تحدث فيها عن رحلته الأولى إلى باكستان، وعمره عشرون عاما، وكان ذلك في عام 1398هـ، يصف تلك الرحلة التي انطلقت من قرية في الجنوب المنسي إلى العاصمة أنها " الضياع الكبير"، بعد تركها لمقاعد الجامعة في الأشهر الأولى يبحث عن طريق مختصر للسفر والمال والانعتاق وتلبية نداءات الشباب ورؤية العالم الذي سمع عنه، اختار الذهاب إلى باكستان للالتحاق ببعثة عسكرية هناك، وفضّلها على أمريكا، لأنه سمع أحدهم يقول : إن الذين يذهبون إلى أمريكا يضيعون ويفشلون، ويقول "كنت على استعداد لتقبل كل شيء إلا الفشل"، والعجيب أنه كاد يضيع في باكستان، لولا أنه تعرّف على طبيب باكستاني في تلك الرحلة، وساعده بعد ما رآه حائرًا في المطار، لا يدري إلى أين يذهب....سرد يومه الأول في المعسكر وما جرى، وكان نومه في الليلة الأولى في المعسكر أشبه بالخروج من الجنة، مترعاً بالكوابيس وشتات الأحلام...ومن بعدها بدأت فصول في حياته العسكرية والتنقلات بين بنغلاديش وفرنسا وأمريكا، وسجل انطباعاته عن تلك البلاد، ثم ختم مذكراته بنوع من الشجن والألم عن حياة المتقاعد حيث يقول : أن تتقاعد يعني ألا تنتظر شيئاً من أحد، لأنه لا أحد ينتظر منك شيئاً تقدمه له، وليس لديك ما تبيعه للناس في مجتمع يقوم على المنفعة.. ولا نواد ولا أنشطة ولا مراكز أبحاث تقدم فيها خلاصة ما تعلمته في ثلث قرن، وكم هو مؤلم بل معيب عندما ترى جنرالًا كان يقود الفيالق، وقد إنزوى في مكتب عقار يرتل ما تبقى من أيامه.
لم أسرد كل ما في المذكرات من دروس وتجارب وحكايات ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
لم أشعر وأنا أغلق الصفحة الأخيرة، أنني أقرأ سيرة ضابط يستعرض إنجازاته ورحلاته وكفاحه، بل سيرة إنسان يبحث عن معنى ويطارد أحلام...وكانت تلك حكاية المذكرات المنقذة.
بعد اختبارات منتصف الفصل، أحب مكافأة نفسي باختيار رواية خفيفة لطيفة، أتخفف بها من وعثاء الضغوط، ما حصل أنني لم أجد رواية تليق بهذه الفترة، قلبت في صفحات كثيرة، وروايات من آداب شتى، ولكن طلعت خالي الوفاض وبخفي حنين، وعندما كنت أهمّ بالخروج إلى الجلسة الأسبوعية يوم الخميس، وقعت عيني على سيرة ذاتية اقتنيتها من متجر للكتب المستعملة، قلت : سآخذها معي، لعلها تفك هذا العقد السحري أو وهم الإصابة بالعين، اسمها : مذكرات ضابط سعودي، ولأنني لم أضع على عاتقها الكثير من التوقعات، أعجبت بها، ذات طابع سردي خفيف لطيف، في بداية المذكرات كتب : "هل أقول إنه : عندما نبدأ نقول الحكايات فذلك يعني أننا قد تقدمنا في السن.. ذلك يعني أننا كبرنا، وذلك يعني أن هناك من هم أصغر منّا.. وهذا أمر مزعج لي أنا على الأقل.. الذين يقولون إن الزمن لا يعنيهم لا أتفق معهم.. والحياة أشبه بساعات من الرمل.. تسقط ذرة ذرة المؤلم "ربما" أن ساعة الرمل نقلبها لتعود من جديد، أما الحياة فلا تستأنف.. نعم هي أشبه بساعة رمل ولكن لمرة واحدة ووحيدة....ويعتذر للقارئ باختراع أكاذيب صغيرة حتى يُجمل حياته، ويقول : إن أجمل الحكايات هي تلك التي لن تقال"، وصدق إذ أن هنالك حكايات نخفيها ونستمتع بها بيننا وبين أنفسنا.
أولى فصول المذكرات عنونه بـ "خارج الجنة" تحدث فيها عن رحلته الأولى إلى باكستان، وعمره عشرون عاما، وكان ذلك في عام 1398هـ، يصف تلك الرحلة التي انطلقت من قرية في الجنوب المنسي إلى العاصمة أنها " الضياع الكبير"، بعد تركها لمقاعد الجامعة في الأشهر الأولى يبحث عن طريق مختصر للسفر والمال والانعتاق وتلبية نداءات الشباب ورؤية العالم الذي سمع عنه، اختار الذهاب إلى باكستان للالتحاق ببعثة عسكرية هناك، وفضّلها على أمريكا، لأنه سمع أحدهم يقول : إن الذين يذهبون إلى أمريكا يضيعون ويفشلون، ويقول "كنت على استعداد لتقبل كل شيء إلا الفشل"، والعجيب أنه كاد يضيع في باكستان، لولا أنه تعرّف على طبيب باكستاني في تلك الرحلة، وساعده بعد ما رآه حائرًا في المطار، لا يدري إلى أين يذهب....سرد يومه الأول في المعسكر وما جرى، وكان نومه في الليلة الأولى في المعسكر أشبه بالخروج من الجنة، مترعاً بالكوابيس وشتات الأحلام...ومن بعدها بدأت فصول في حياته العسكرية والتنقلات بين بنغلاديش وفرنسا وأمريكا، وسجل انطباعاته عن تلك البلاد، ثم ختم مذكراته بنوع من الشجن والألم عن حياة المتقاعد حيث يقول : أن تتقاعد يعني ألا تنتظر شيئاً من أحد، لأنه لا أحد ينتظر منك شيئاً تقدمه له، وليس لديك ما تبيعه للناس في مجتمع يقوم على المنفعة.. ولا نواد ولا أنشطة ولا مراكز أبحاث تقدم فيها خلاصة ما تعلمته في ثلث قرن، وكم هو مؤلم بل معيب عندما ترى جنرالًا كان يقود الفيالق، وقد إنزوى في مكتب عقار يرتل ما تبقى من أيامه.
لم أسرد كل ما في المذكرات من دروس وتجارب وحكايات ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
لم أشعر وأنا أغلق الصفحة الأخيرة، أنني أقرأ سيرة ضابط يستعرض إنجازاته ورحلاته وكفاحه، بل سيرة إنسان يبحث عن معنى ويطارد أحلام...وكانت تلك حكاية المذكرات المنقذة.
❤18😢3
كونديرا يُفلسف كل شيء عبر الرواية. عندما تقرأ له تشعر أنك تتجول في عوالم مختلفة؛ تبدأ الرواية من مَزْحَةٍ ساذجة إلى تَحلِيلٍ لقيمة السخرية والتهكم في عالم طافح بالجدية إبان الأنظمة الاشتراكية، على أن ذلك العالم ليس إلا مَزْحَة كبرى وبَحثًا طوباويا عن فِردوسٍ مستعار، يرزح فيه الإنسان تحت تَفْتِيشٍ قاس في دواخل نواياه وتَحليلٍ صارم لخطراته وكلماته.
وعبر شخصيات متعددة تُحْكَى رواية تتكامل في النهاية، لتصبح مَرثيَّة خالدة، وموسيقى جنائزية، ورِثَاءاتٍ لذات ممزقة في عالم لا يرحم.
عشت قصصا لا تُنْسَى؛ قصص لودفيك ولوسي وهيلينا وكوستكا وجاروسلاف.
قَسَّم "كونديرا" الرواية بأصوات متعددة، كل يحكي القصة من زاويته ونظرته، ولك أن تتخيل أي جمالية لرواية كهذه.
وعبر شخصيات متعددة تُحْكَى رواية تتكامل في النهاية، لتصبح مَرثيَّة خالدة، وموسيقى جنائزية، ورِثَاءاتٍ لذات ممزقة في عالم لا يرحم.
عشت قصصا لا تُنْسَى؛ قصص لودفيك ولوسي وهيلينا وكوستكا وجاروسلاف.
قَسَّم "كونديرا" الرواية بأصوات متعددة، كل يحكي القصة من زاويته ونظرته، ولك أن تتخيل أي جمالية لرواية كهذه.
❤10🔥3💯1
لودفيك… شخصية من رواية المَزحة، شخصية مرحة تُحبّ التهكّم والسخرية، وتُحيط نفسها بهالةٍ من عدم الاكتراث بالنساء، في يوم من الأيام حاول التقرب من فتاة اسمها "ماركيتا"، هذه الفتاة الجادّة بإفراط، كأنها معلمة رياضيات؛ ذات شخصية علمية لا تعرف للمزاح طريقًا ولا للسخرية سبيلًا. في إحدى رسائل "لودفيك" إليها، حاول استفزازها واستمالتها والمزاح معها، مدح تروتسكي وانتقد التفاؤل، وكانت تلك كبيرة من الكبائر، إذ من جرّائها يُعاقَب الإنسان معاقبةً شديدة في معسكراتٍ ذات أشغال شاقة. وهذا ما حدث مع لودفيك بعد أن تسربت رسائله.
صُدم لودفيك صدمةً أطاحت به وجعلته منبوذًا من الجميع، وقُذِف به في جحيم المعسكرات وحياة الشقاء في المناجم. وفي يومٍ من أيام السماح بالخروج من المعسكر، ذهب إلى السينما، وهناك رأى ما يسرّ النظر ويستدعي التأمل ويبهج الرّوح. رأى “لوسي”، تلك الفتاة الفاتنة ذات الملابس الرثّة، تمشي ببطء شديد. كانت هي الأخرى ذاهبة إلى السينما. حاول التقرب منها وظفر بذلك، وأصبحت اللقاءات بينهما دواءً للأرواح المتعبة من عناء الأيام ووعثاء الزمان. كانت "لوسي" شمعةً في عالم شديد الظلمة والقسوة.
تعدّدت اللقاءات بينهما، حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم، وتلك اللحظة النكدة التي باعدت بينه وبينها، عاش "لودفيك" تباريح الفراق و جحيم التساؤل حاول اختفاء "لوسي" أظلمت دُنياه وأصبح يعيش جسدًا بلا روح، كأنما قلبه نُزع منه، لم يعد يكترث لشيء أبدًا، لقد تهدّم في داخله كل شيء.
بعد عدة أعوام، وفي لحظة تأمل وتفكّر في تلك العلاقة، جلس "لودفيك" يُحلّل ويُفسّر ويُبرّر، وربما يُداوي صدمة الفراق، محاولًا التخفيف من وطأة ما أنهك روحه. رأى أنّ تلك العلاقة كانت محكومة بظروفها، وأنه لم يكن يعرف "لوسي" حق المعرفة، بل كانت بعيدة عنه في جوهرها.
وهنا يبرز تساؤل عميق حول نسج العلاقات وبنائها: هل تُبنى في ظروفٍ وتحكمها أحوالٌ محددة، فإذا انقضت ذبلت وانتهت؟
صُدم لودفيك صدمةً أطاحت به وجعلته منبوذًا من الجميع، وقُذِف به في جحيم المعسكرات وحياة الشقاء في المناجم. وفي يومٍ من أيام السماح بالخروج من المعسكر، ذهب إلى السينما، وهناك رأى ما يسرّ النظر ويستدعي التأمل ويبهج الرّوح. رأى “لوسي”، تلك الفتاة الفاتنة ذات الملابس الرثّة، تمشي ببطء شديد. كانت هي الأخرى ذاهبة إلى السينما. حاول التقرب منها وظفر بذلك، وأصبحت اللقاءات بينهما دواءً للأرواح المتعبة من عناء الأيام ووعثاء الزمان. كانت "لوسي" شمعةً في عالم شديد الظلمة والقسوة.
تعدّدت اللقاءات بينهما، حتى جاء ذلك اليوم المشؤوم، وتلك اللحظة النكدة التي باعدت بينه وبينها، عاش "لودفيك" تباريح الفراق و جحيم التساؤل حاول اختفاء "لوسي" أظلمت دُنياه وأصبح يعيش جسدًا بلا روح، كأنما قلبه نُزع منه، لم يعد يكترث لشيء أبدًا، لقد تهدّم في داخله كل شيء.
بعد عدة أعوام، وفي لحظة تأمل وتفكّر في تلك العلاقة، جلس "لودفيك" يُحلّل ويُفسّر ويُبرّر، وربما يُداوي صدمة الفراق، محاولًا التخفيف من وطأة ما أنهك روحه. رأى أنّ تلك العلاقة كانت محكومة بظروفها، وأنه لم يكن يعرف "لوسي" حق المعرفة، بل كانت بعيدة عنه في جوهرها.
وهنا يبرز تساؤل عميق حول نسج العلاقات وبنائها: هل تُبنى في ظروفٍ وتحكمها أحوالٌ محددة، فإذا انقضت ذبلت وانتهت؟
❤6👍3👏2
ضمن فعاليات #ملتقى_القراءة الدولي سألتقيكم يا أصدقاء في لقاء بعنوان
(صناعة المحتوى في القراءة)
وذلك يوم الجمعة 19-12
الساعة 7:00م
في #بيت_الثقافة في مدينة الرياض
-
للتسجيل لحضور اللقاء:
culturebridgesa.com/events/8720
#الشريك_الأدبي
(صناعة المحتوى في القراءة)
وذلك يوم الجمعة 19-12
الساعة 7:00م
في #بيت_الثقافة في مدينة الرياض
-
للتسجيل لحضور اللقاء:
culturebridgesa.com/events/8720
#الشريك_الأدبي
❤5👍5
في مكتبة إثراء
سأكون محاورًا للمترجم المبدع أحمد عبداللطيف وسنتحدث عن الأدب الإسباني المترجم.
-
وذلك
يوم الخميس 22- يناير
الساعة 7:30م
سأكون محاورًا للمترجم المبدع أحمد عبداللطيف وسنتحدث عن الأدب الإسباني المترجم.
-
وذلك
يوم الخميس 22- يناير
الساعة 7:30م
❤9🥰1