يوميّات قارئ-خالد
13.1K subscribers
125 photos
70 videos
144 files
16 links
عاكفٌ في محْراب المكتبة أُرتّل نشيد الورق.
Download Telegram
ضبابية تكتنف الحياة، وتجعلنا نعيش في ارتياب مما هو قادم. نمشي بخطوات متثاقلة جدًا، ونحيا رهبة الاقتحام، لا ندري: نسير إلى أين؟ وهل نحن أحياء أم مجرد خيال عابر؟ هل نحن واقع أم حلم؟

‏تلك التساؤلات الوجودية المرهِقة تداعب خيالنا، ونحن نقتحم فصول هذه الرواية الفلسفية التي كتبها الفيلسوف والشاعر والروائي الإسباني: ميغيل دي أونامونو.

‏وما ألذ أن يكتب فيلسوف رواية، يبث في حواراتها وأحداثها أطروحات فلسفية وتساؤلات وجودية تجمع بين التراجيديا والكوميديا.

‏نصحب فيها الدون أوغوسطو في رحلة بحثه عن ذاته الأخرى، وبريق الحياة الذي لمع في عينيه عندما شاهد "إوخينيا"، تلك العصامية التي تعزف على البيانو بيدين ذات ملمس رقيق.

‏أيقظت هذه الفاتنة الحبّ في روح الدون، وجعلته يرى الوجود بعيون أخرى…ومن تلك اللحظة تبدأ الرواية وضبابيتها الممتعة….نصيحة إذا أردتم قراءة هذه الرواية تجاوزوا المقدّمة وافتحوا صفحة (27) فورًا؛ لأن في السطر الثاني من المقدمة كلمة كادت أن تُفسد الدهشة…
❤16👏2🕊2👎1
‏يُقلّب أوراق الذكريات صفحةً صفحة، يتأمل ما حدث في قديم الزمان، ويُرجع الذات إلى تلك الليالي والأيام.
‏يحاول تذكّر ما مضى من انطباعات عن حياته وحكاياته، ويتساءل: هل ما حدث كان حقيقة، أم أنها انطباعات شكّلها الزمان، وحوّلها إلى حقيقة غير قابلة للنقاش؟

‏تلك الأسئلة تُصبح جُهدًا مضاعفًا وإرهاقًا منهكًا، وتجعل الإنسان في ارتياب من ذاكرته، لأنها تعيد ترتيب الحكايات لتُشعرنا بشيء من الأمان النفسي، وتُبعدنا قليلًا عن الصدمات.

‏تلك رحلة "توني ويبستر" في رواية الإحساس بالنهاية؛ ذاكرةٌ منهكة، وصداقات تفكّكت عُراها، ومساءلات حادّة، ومحاولات لتفكيك ماضٍ سحيق.
❤16🔥2
كم هو قاتم وخانق أن تعجز عن أن تنبس ببنت شفة، أن تعيش حالة من الارتياب المرهق حتى تجاه أقرب الناس إليك، فكيف بالحديث مع الأبعدين؟ أن ترى في عيون الناس أحاديث كثيرة، لكن خشية الإفصاح والخوف من أن توضع في دائرة الاتهام أصبحا هاجسًا يؤرق العقول، فتتعلثم الألسن بالكلمات وتختار السكوت قسرًا. العسس والجواسيس منتشرون في كل زاوية من زوايا البلاد. ذلك هو زمن الدكتاتور، كما جسدته رواية عيناها للروائي الإيراني بزرگ علوي.

‏تبدأ أحداث الرواية عام 1938م، عندما توفي الأستاذ ماكان، أعظم رسامي إيران في القرن العشرين. سخّر فنه لقضايا مجتمعه، وللكفاح ضد الدكتاتورية. أقامت الحكومة معرضًا فنيًا لأعماله لحفظ ماء الوجه بعد وفاته. جاء الناس زرافات ووحدانًا ليروا ويتفرجوا على أنفسهم، ولكنهم توقفوا طويلًا أمام لوحة كتب أسفلها: "عيناها". يحدقون مطولًا، وتثور في أنفسهم أسئلة كثيرة حول لغز هاتين العينين اللتين تبوحان بكل شيء، وفي الوقت نفسه تنظران إلى الجميع بهدوء. يتساءل الناس: ماذا تخفي هاتان العينان؟ عمّ تكشفان؟ وماذا تفصحان؟ كلّ يعبر عن انطباعه وما فهمه، ولكن الآراء كانت متضاربة، ولذلك اشتد النقاش حولها.

‏من تلك اللحظة، يبدأ هاجس البحث عن صاحبة هذه اللوحة: لماذا رسمها الأستاذ؟ وهل هي معشوقة أخفاها عن الناس؟ إذ إنه مات أعزب… وتتوالى الأحداث التي تكشف سر هذه اللوحة. عشت متعة حقيقية وأنا أتتبع تلك الحكاية التي استطاع الروائي من خلالها توظيف السرد توظيفًا بديعًا، يجسد من خلاله قصة النضال ضد الدكتاتور.

‏لن أحكي كثيرًا عن صاحبة اللوحة، لأنني أخشى أن أفسد عليكم الدهشة والمتعة. هي من طبقة راقية، وتعيش حالة من النرجسية المفرطة، والبحث عن الإشباع من خلال التفاف الناس حولها ومدحهم لها، وخصوصًا لعينيها اللتين تسحران كل من ينظر إليهما. الجميع يطلب ودها وحبها. كانت تحب الرسم، ومن حولها يمتدحون أعمالها، لكنها عندما ذهبت إلى الأستاذ تستشيره في أعمالها، تعامل معها تعاملاً مختلفًا؛ إذ انتقد أعمالها انتقادًا قاسيًا، ولم ينظر إليها نظرة العاشق الولهان المتيم. اشتعل الغضب في عينيها، وانقلبت حياتها رأسًا على عقب، لتخوض بعد ذلك معركة إثبات وجود. عقدت العزم على الدراسة في المعاهد الأوروبية حتى تتعلم الرسم وتعود فنانة مبدعة، لكن تلك الرحلة غيرت حياتها…

‏لن أكتب أكثر، أخشى أن أسرد عليكم الرواية كاملة من شدة إعجابي بها.
❤16🔥1🕊1
تنبيه ‼️
فيها شوية حرق😔
❤1
في كتاب “طعام… صلاة… حب” تتحدث إليزابيث جيلبرت عن تجربتها في تعلم اللغة الإيطالية، ورحلتها إليها، وتذوقها للطعام الإيطالي… رحلة رائعة وجميلة، غارقة في الكآبة، فإليزابيث خارجة من انفصال حطم أعمدة حياتها، وجعلها رهينة للاكتئاب. رحلت لإيطاليا بحثًا عن التجدد والتغيير من خلال تذوق الطعام وممارسة اللغة الإيطالية المطربة ذات الإيقاع الموسيقي.

‏ولك أن تتساءل- وحُقّ لك- عن مغزى العنوان، إنها تقصد بطعام (إيطاليا)، وبصلاة (الهند)، وبحبّ (جزيرة بالي)، وهي رحلات قامت بها لتلك البلاد.

‏قصتي مع الكتاب قرأته في إندونيسيا، ولم أستطع إكماله بسبب كآبة غلبتني في موطن بهجة.

‏واختياري للكتاب كان من أجل عيش تجربة رحلتي، الورق والواقع في آن واحد، وباءت بالفشل الذريع، حتى إنني كرهت الكتاب، والكاتبة، والمترجمة، والناشر، وشتمت في سري من عرفني إليه، وأردت أن أقذف به من النافذة وأدركت أننا في الطائرة، وكادت أن تفسد الرحلة و أُفسد أجوائها المبهجة حيث اعتراني حزن غريب و كآبة طاغية، لولا الله ثم تدخل عالم نفسي أطلق الحياة في صدري و محى الغبار المتراكم من آثار السنين العجاف، ومن تلك اللحظة أصبح الكتاب من أقرب الكتب إلى قلبي وأحبّها إلى فؤادي وكلما رأيته قبّلته عرفانًا وتكرمت له على إنقاذه لتلك الرحلة.

‏هل تبت؟ قطعًا لا، عاودت قراءة الكتاب، بعد ستة أشهر تقريبًا، وأكملت قراءة القسم الخاص بالطعام (إيطاليا) لأنني أحبّ مأكولاتهم وطعامهم اللذيذ الشهي، استمتعت بسردها الرائع لتلك الرحلة الإيطالية، وقفزت الحقبة الهندية ولا أدري لماذا؟

‏ثم قرأت القسم الذي تتحدث فيه عن جزيرة بالي، ورحلتها إلى الراهب وتجاربها المختلفة المفعمة بالعبق الآسيوي. ولأنني أحب تلك الجزيرة، قرأته ببطء شديد وتعمقت كأنني في رفقتها في تلك الأماكن التي تبعث في الروح الجمال والحيوية، وغضبت غضبًا شديدًا من أحكامها على ممارسات الشعب الإندونيسي، وإن كان في كلّ واد بنو سعد.
❤19👏1😐1
الصورة تعود إلى حقبة ما قبل الاحتراف😂
🤣15😁4🍓3👍2❤1
‏كان ذلك شيئًا لا بدّ منه، في لحظة أو أخرى، فلا أحد يملك منه فكاكًا. يحزنني الموت لسبب وحيد: أنني بموتي لن أعاود رؤيتك. كنتِ أنتِ أحبّ الناس إلى نفسي في هذا العالَم، والأكثر أمانةً، ونزاهةً، وطيبةً: كنتِ أنتِ الأفضل.

‏أشكركِ على كل ما أهديتِني من سعادة. تذكَّري لحظات السعادة التي عشناها معًا، وعسى أن تعينكِ الذكريات في هذه الأوقات الحزينة. لا تأذني للحزن بأن يستحوذ عليك. حاولي أن تكوني سعيدة، وأن تبقى فيكِ تلك الروح الرائعة المفعمة بالبهجة التي طالما تحلِّيتِ بها. لا تفقدي ابتسامتك الرائعة التي تشرق على العالَم. افعليها من أجل الحبّ الذي شعرتُ وما زلت أشعر به نحوكِ الآن وأنا أكتب إليك.

‏⁠بذلك الحبّ الهائل، أفكِّر وسأفكِّر فيكِ أبدًا. إليكِ قبلة طويلة جدًّا، لا تنتهي.
‏-
‏⁠أنخِل
❤28🔥1👏1
في رحلة العودة في مطار عُمان وروائح اللبان العابقة في أجوائه وصور الخناجر المتناثرة في أرجاء صالات المطار، أخذت شاهيًا وافتتحت صفحات “العيش مع ماضينا” و سرد فيه “شارل بيبان” كيف نعيش مع الماضي ونستوعبه ولا نتنكر له بل علينا أن نعيش معه؛ لأنه أسس هويتنا وتجارب حياتنا، ومن العبث الادعاء أننا نستطيع طي صفحاته ونسيانه، وفصّل في ذلك تفصيلات مهمة وخصوصًا في تشريحه لعمل الذاكرة مستعينا بالعلوم العصبية المعرفية، كان سرده ممتعًا ومتنوعًا ويستعين بالحكمة القديمة والفلسفة المعاصرة، وأنا أقرأ الكتاب، وقعت عيني على رواية أوهام العقل لبرنلف، وشرعت فيها ووجدتها تقارب أطروحات “بيبان” في كتاب العيش مع ماضينا، وطربت لهذا التوافق والتطبيق العملي من خلال قصة هذا المسن العاجز عن السيطرة على ذاكرته، وعندما انتهيت من الرواية، قلت: لماذا لا أكمل طريقي مع الأدب الهولندي؟ فاخترت رواية البحيرة السوداء. والعجيب أنني كنت أؤجل قراءتها حتى أقرأها في إندونيسيا، لأنّ أحداث الرواية تقع هناك. وهذه عادة اتخذتها في السفر: أن أقرأ رواية من أدب البلد ذاته، بسبب رواية عساكر قوس قزح التي قرأتها في إندونيسيا قبل سنوات، وكانت تجربة ممتعة، ذات صدى حي وواقعي؛ إذ شعرت أنني أرى أبطال الرواية أمامي يتجولون. نعود إلى الحديث عن رواية البحيرة السوداء: توقعتها أفضل، والحمد لله أنني قرأتها هنا، ولم تكن رفيقة سفر.

بعد الفراغ منها، شرعتُ في قراءة رواية الاعتداء، وأُعجبت كثيرًا بها؛ إذ إنها تتحدث عن طفل تعرض لموقف عصيب، ويعيش معاناة شديدة إبان الاحتلال النازي لهولندا. تعكس الرواية عذاب الذاكرة والماضي، والتساؤل عن النسيان: وهل يمكن ذلك؟

قد تقول في نفسك، إذا وصلت إلى هذه الجملة: ماذا تريد أن تقول أيها المتفذلك؟ ما أريد قوله أنّ القراءات، مهما تعددت، فإنها تأخذ بعضها ببعض…
❤14👍2
في ليلةٍ من ليالي يناير الجميلة، ووسط الرياض حيث الابتهاج والسرور في شتائها الخالد، وصلتُ إلى مقهى "أدب الشاي"، وهو مشهى ذو طرازٍ رفيعٍ وتصميمٍ بديع. منذ أن تضع يديك على بابه وتدخل، تصافحك رائحة الشاي المحكور بأنواعه المختص والعادي.

دخلتُ، واستقبلني صاحب المقهى، إذ كان بيننا تنسيقٌ مسبق بخصوص إلقاء محاضرةٍ أدبيةٍ عن "أدب الفقد" ومناقشة كتاب كيف تُصلح قلبًا مكسورًا؟

المقهى مقسم إلى دَرَوين، وهذه من مميزاته التي قلَّ أن تجدها في المقاهي ذات الطابع الأدبي، إذ تُصاب أحيانًا بالإحباط وأنت تتحدث من شدة إزعاج مرتادي المقاهي، لأنها لا تخصص مكانًا للفعاليات. وما علينا، فذلك موضوع آخر لسنا بصدد الخوض فيه الآن.

وصلتُ القاعة فإذا بها تفتح النفس وتُفرح الروح. من حيث الاتساع والإطلالة، أخرجتُ الحاسوب المحمول ووضعته على الطاولة، وجاء الشاي المحكور مع خفايف لذيذة شهية، لتخفف من أعباء السفر وساعات الانتظار في المطارات والتكاسي.

استرددتُ أنفاسي، وجاء شركاء الاهتمام ومحبو المعرفة والأصدقاء، وازدحم المكان بهم. أبهجني ذلك وأسعدني. بدأتُ اللقاء شارحًا ومناقشًا أفكار الكتاب، وكانت مداخلات الحضور ثرية ومُلهمة.

لكن كانت هناك مداخلة لن أنساها؛ من امرأةٍ متلفعةٍ بعباءتها، وبين يديها دفترٌ تكتب فيه. رفعت يدها طالبةً الحديث، فعمّ الصمت المكان، وبدأت تتحدث بصوتٍ ملؤه الحزن والفقد والأسى. تحدثت عن ابنها الذي فقدته قبل أربع سنوات، وقالت: لم أستطع نسيان هذا الحدث، وكأنه حدث بالأمس.

اكتسى المكان بالكآبة، كأنما انطفأت أنواره جميعًا، حتى وجوه الحضور أصابها الوجوم. استمعتُ إليها بإنصاتٍ واهتمام، ولم أُقاطعها، بل تركتُها تتحدث عن كل شيء. وفي النهاية قالت: أريد حلًّا لمعالجة هذا الفقد.
غلبتني مشاعري، وأردت أن أتماسك أمامها، وأن أواسيها. ضاعت الكلمات في فمي، وأنا الذي أُجيد التعبير، وأصبت بالتلعثم. لم أجد بدًّا من الحديث كيفما اتفق، لعلّي أُلهم بكلمةٍ تخفف عنها هذا الفقد الموجع المؤلم.

نظرتُ يمنةً ويسرةً، وقلبتُ أجفاني في العالم كله، ورجعتُ بالذهن إلى كثيرٍ من الصفحات المسوَّدة في الحديث عن الفقد، فلم أجد إلا الركن الشديد، والحبل المتين، والسراج المنير: الإيمان بأنكما ستلتقيان يومًا، وأن الفقد جزء من الحياة، فنحن إما فاقدين أو مفقودين، لذا علينا أن نتعيش ونتأقلم مع هذه السنة الكونية الربانيّة.
❤42😢9💔5😭3
‏في حوار بيني وبين صديق عن الحياة والكتب والشغف بالأشياء، والبحث عن شيء غير مألوف والتجارب، هذا الصديق لا أتحدث معه بالدقائق بل بالساعات، محادثته تطواف في عوالم الحياة والكتب، وهو قارئ فذ خرّيت، وفي سياق حديثنا عن تجاوز الأشياء، قال مقولة ما زلت ترن في أذني: “لن تستطيع تجاوز شيئًا حتى تجربه”، ومعناه أنّنا نتعلق بالكثير من الأشياء من حولنا، ونبني عليها تصورات عظيمة، وربما نبالغ في التوقعات، ونُعظم تلك الرؤى، ونتعلق بها بحبّ وشغف وأمنيات، ولكنّ ميدان التجربة يُرجعها لوضعها الطبيعي الواقعي، إذ من أول تجربة يتبيّن لنا أنها تجربة جيّدة، ولكنّها ليست بتلك العظمة.
❤25👍7👏5👌4
‏ثمة كتب تأتي في وقت مناسب ولحظة مناسبة، هذه الكتب هي الأجدر بالاحتفاء والاحتواء، إذ إنها تنقذنا من لحظة ارتباك وحيرة وربما من جهد مضن كذلك، حيث أنني أشعر في الفترة الحالية بضغوط الدراسة والعمل وتلك الأشياء تأخذ من الإنسان جهدًا ووقتًا وتعبًا وإرهاقًا، وتحوّله إلى آلة تلاحق الأشياء، أنا الذي اعتدت الراحة بعد العمل والنوم بعد الظهر باستقرار دون خوف من فوات محاضرات أو تقديم بحث أو مراجعة مسائل أو كتابة ورقة نقدية، أنا الذي كنت أقرأ دون إحساس بالواجب بل من أجل المتعة الخالصة التي يجد القارئ لذة في ممارستها كل يوم دون أن يفقد شغفه أو تأتيه حبسة، قارئ حر لا يقيده شيء، بل أمر بيده، يختار ما يريد، ويهجر ما لا يحبّ، لا سلطة لأحد عليه.

‏بعد اختبارات منتصف الفصل، أحب مكافأة نفسي باختيار رواية خفيفة لطيفة، أتخفف بها من وعثاء الضغوط، ما حصل أنني لم أجد رواية تليق بهذه الفترة، قلبت في صفحات كثيرة، وروايات من آداب شتى، ولكن طلعت خالي الوفاض وبخفي حنين، وعندما كنت أهمّ بالخروج إلى الجلسة الأسبوعية يوم الخميس، وقعت عيني على سيرة ذاتية اقتنيتها من متجر للكتب المستعملة، قلت : سآخذها معي، لعلها تفك هذا العقد السحري أو وهم الإصابة بالعين، اسمها : مذكرات ضابط سعودي، ولأنني لم أضع على عاتقها الكثير من التوقعات، أعجبت بها، ذات طابع سردي خفيف لطيف، في بداية المذكرات كتب : "هل أقول إنه : عندما نبدأ نقول الحكايات فذلك يعني أننا قد تقدمنا في السن.. ذلك يعني أننا كبرنا، وذلك يعني أن هناك من هم أصغر منّا.. وهذا أمر مزعج لي أنا على الأقل.. الذين يقولون إن الزمن لا يعنيهم لا أتفق معهم.. والحياة أشبه بساعات من الرمل.. تسقط ذرة ذرة المؤلم "ربما" أن ساعة الرمل نقلبها لتعود من جديد، أما الحياة فلا تستأنف.. نعم هي أشبه بساعة رمل ولكن لمرة واحدة ووحيدة....ويعتذر للقارئ باختراع أكاذيب صغيرة حتى يُجمل حياته، ويقول : إن أجمل الحكايات هي تلك التي لن تقال"، وصدق إذ أن هنالك حكايات نخفيها ونستمتع بها بيننا وبين أنفسنا.

‏أولى فصول المذكرات عنونه بـ "خارج الجنة" تحدث فيها عن رحلته الأولى إلى باكستان، وعمره عشرون عاما، وكان ذلك في عام 1398هـ، يصف تلك الرحلة التي انطلقت من قرية في الجنوب المنسي إلى العاصمة أنها " الضياع الكبير"، بعد تركها لمقاعد الجامعة في الأشهر الأولى يبحث عن طريق مختصر للسفر والمال والانعتاق وتلبية نداءات الشباب ورؤية العالم الذي سمع عنه، اختار الذهاب إلى باكستان للالتحاق ببعثة عسكرية هناك، وفضّلها على أمريكا، لأنه سمع أحدهم يقول : إن الذين يذهبون إلى أمريكا يضيعون ويفشلون، ويقول "كنت على استعداد لتقبل كل شيء إلا الفشل"، والعجيب أنه كاد يضيع في باكستان، لولا أنه تعرّف على طبيب باكستاني في تلك الرحلة، وساعده بعد ما رآه حائرًا في المطار، لا يدري إلى أين يذهب....سرد يومه الأول في المعسكر وما جرى، وكان نومه في الليلة الأولى في المعسكر أشبه بالخروج من الجنة، مترعاً بالكوابيس وشتات الأحلام...ومن بعدها بدأت فصول في حياته العسكرية والتنقلات بين بنغلاديش وفرنسا وأمريكا، وسجل انطباعاته عن تلك البلاد، ثم ختم مذكراته بنوع من الشجن والألم عن حياة المتقاعد حيث يقول : أن تتقاعد يعني ألا تنتظر شيئاً من أحد، لأنه لا أحد ينتظر منك شيئاً تقدمه له، وليس لديك ما تبيعه للناس في مجتمع يقوم على المنفعة.. ولا نواد ولا أنشطة ولا مراكز أبحاث تقدم فيها خلاصة ما تعلمته في ثلث قرن، وكم هو مؤلم بل معيب عندما ترى جنرالًا كان يقود الفيالق، وقد إنزوى في مكتب عقار يرتل ما تبقى من أيامه.

‏لم أسرد كل ما في المذكرات من دروس وتجارب وحكايات ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

‏لم أشعر وأنا أغلق الصفحة الأخيرة، أنني أقرأ سيرة ضابط يستعرض إنجازاته ورحلاته وكفاحه، بل سيرة إنسان يبحث عن معنى ويطارد أحلام...وكانت تلك حكاية المذكرات المنقذة.
❤18😢3
‏كونديرا يُفلسف كل شيء عبر الرواية. عندما تقرأ له تشعر أنك تتجول في عوالم مختلفة؛ تبدأ الرواية من مَزْحَةٍ ساذجة إلى تَحلِيلٍ لقيمة السخرية والتهكم في عالم طافح بالجدية إبان الأنظمة الاشتراكية، على أن ذلك العالم ليس إلا مَزْحَة كبرى وبَحثًا طوباويا عن فِردوسٍ مستعار، يرزح فيه الإنسان تحت تَفْتِيشٍ قاس في دواخل نواياه وتَحليلٍ صارم لخطراته وكلماته.
‏وعبر شخصيات متعددة تُحْكَى رواية تتكامل في النهاية، لتصبح مَرثيَّة خالدة، وموسيقى جنائزية، ورِثَاءاتٍ لذات ممزقة في عالم لا يرحم.

‏عشت قصصا لا تُنْسَى؛ قصص لودفيك ولوسي وهيلينا وكوستكا وجاروسلاف.

‏قَسَّم "كونديرا" الرواية بأصوات متعددة، كل يحكي القصة من زاويته ونظرته، ولك أن تتخيل أي جمالية لرواية كهذه.
❤10🔥3💯1