قناة آثار العلامة محمد علي فركوس
في أفعالِه»(١٠). ـ وقوله ـ رحمه الله ـ: «الصِّفةُ متى قامت بموصوفٍ لَزِمَها أمورٌ أربعةٌ: أمرانِ لفظيَّان، وأمرانِ معنويَّان؛ فاللَّفظيَّانِ: ثبوتيٌّ وسَلبيٌّ: فالثُّبوتيُّ: أَنْ يُشتَقَّ للموصوف منها اسْمٌ، والسَّلبيُّ: أَنْ يَمتنِعَ الاشتقاقُ لغيره؛ والمعنويَّان:…
ـ الاشتقاق اللُّغويُّ:
كونُ الاسْمِ (كالبصير) مُشتَقًّا مِنَ الصِّفةِ (كالبصر) لُغوِيًّا وصرفيًّا جائزٌ، حيث تَعتمِدُ اللُّغةُ على ردِّ الكلمات إلى جُذورِها، فيُشتَقُّ اسْمُ الفاعل أو الصِّفةُ المُشبَّهةُ مِنَ الفعل، وهو ما يُعرَفُ بالقياس الصَّرفيِّ، كما يجوز صِياغةُ أسماءِ الأعيان والمَعاني مِنَ الصِّفات والأفعال والعكس، مثل صياغة المصادر والأسماء (كالحُمرة والحُسن) مِنَ الصِّفات والألوان، وتسميةُ النُّحاةِ المصدرَ والمُشتقَّ منه أصلًا وفرعًا ليس معناه أنَّ أحَدَهما تَولَّدَ مِنَ الآخَرِ، وإنَّما هو بِاعْتبارِ أنَّ أحَدَهما مُتضمِّنٌ للآخَرِ وزيادةٍ؛ فالمُرادُ بالاشتقاق في هذا المحلِّ: إنَّما هو اشتقاقُ تلازمٍ وتلاقٍ مع مَصادِرِها في اللَّفظ والمعنى؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «ومِمَّا ينبغي أَنْ يُعرَفَ في بابِ الاشتقاقِ: أنَّه إذا قِيلَ: «هذا مُشتَقٌّ مِنْ هذا» فله مَعْنَيَانِ: أَحَدُهما: أنَّ بين القولَيْنِ تَناسُبًا في اللَّفظِ والمعنى، سواءٌ كان أهلُ اللُّغةِ تَكلَّمُوا بهذا بعدَ هذا أو بهذا بعد هذا، وعلى هذا فكُلٌّ مِنَ القولَيْنِ مُشتَقٌّ مِنَ الآخَرِ، فإنَّ المقصودَ أنَّه مُناسِبٌ له لفظًا ومعنًى كما يُقالُ: هذا الماءُ مِنْ هذا الماءِ، وهذا الكلامُ مِنْ هذا الكلامِ؛ وعلى هذا فإذا قِيلَ: «إنَّ الفِعلَ مُشتَقٌّ مِنَ المصدرِ» أو «المصدرَ مُشتَقٌّ مِنَ الفِعلِ» كان كِلَا القولَيْنِ صحيحًا، وهذا هو الِاشتقاقُ الَّذي يقومُ عليه دليلُ التَّصريفِ؛ وأمَّا المعنى الثَّاني في الِاشتقاقِ وهو أَنْ يكونَ أَحَدُهما أصلًا لِلْآخَرِ، فهذا إذا عُنِيَ به أنَّ أحَدَهما تُكُلِّمَ به قبل الآخَرِ لم يَقُمْ على هذا دليلٌ في أكثرِ المواضع، وإِنْ عُنِيَ به أنَّ أحَدَهما مُتقدِّمٌ على الآخَرِ في العقل لكونِ هذا مُفرَدًا وهذا مُركَّبًا فالفعلُ مُشتَقٌّ مِنَ المصدر، والاشتقاقُ الأصغرُ اتِّفاقُ القولَيْنِ في الحروفِ وترتيبِها، والأوسطُ اتِّفاقُهما في الحروف لا في التَّرتيب، والأكبرُ اتِّفاقُهما في أعيانِ بعض الحروف وفي الجنس لا في الباقي، كاتِّفاقهما في كونهما مِنْ حروف الحلق إذا قِيلَ: حزر وعزر وأزر، فإنَّ الجميعَ فيه معنَى القُوَّةِ والشِّدَّة..»(١٣)؛ وقال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «زعَمَ السُّهيليُّ وشيخُه أبو بكرِ بنُ العربيِّ: أنَّ اسْمَ «اللهِ» غيرُ مُشتَقٍّ لأنَّ الاشتقاقَ يَستلزِمُ مادَّةً يُشتَقُّ منها، واسْمُه تعالى قديمٌ، والقديمُ لا مادَّةَ له، فيستحيل الاشتقاقُ؛ ولا ريبَ أنَّه إِنْ أُريدَ بالاشتقاقِ هذا المعنى وأنَّه مُستمَدٌّ مِنْ أصلٍ آخَرَ فهو باطلٌ؛ ولكنَّ الَّذين قالوا بالاشتقاقِ لم يريدوا هذا المعنى ولا أَلَمَّ بقلوبهم، وإنَّما أرادوا أنَّه دالٌّ على صفةٍ له تعالى وهي الإلهيَّةُ كسائر أسمائه الحُسنى كالعليمِ والقديرِ والغفورِ والرَّحيمِ والسَّميعِ والبصير؛ فإنَّ هذه الأسماءَ مُشتَقَّةٌ مِنْ مَصادِرِها بلا ريبٍ، وهي قديمةٌ، والقديمُ لا مادَّةَ له؛ فما كان جوابَكم عن هذه الأسماءِ فهو جوابُ القائلين بِاشْتقاقِ اسْمِ «الله»؛ ثمَّ الجوابُ عن الجميع: أنَّنا لا نعني بالاشتقاق إلَّا أنَّها مُلاقِيَةٌ لِمَصادِرِها في اللَّفظ والمعنى، لا أنَّها مُتولِّدةٌ منها تَولُّدَ الفرعِ مِنْ أصلِه؛ وتسميةُ النُّحاةِ للمصدرِ والمُشتَقِّ منه أصلًا وفرعًا ليس معناه أنَّ أحَدَهما تَولَّدَ مِنَ الآخَرِ، وإنَّما هو بِاعْتبارِ أنَّ أحَدَهما يتضمَّنُ الآخَرَ وزيادةً؛ وقولُ سِيبَوَيْهِ: إنَّ الفِعلَ أمثلةٌ أُخِذَتْ مِنْ لفظِ أحداثِ الأسماءِ هو بهذا الاعتبار، لا أنَّ العربَ تَكلَّموا بالأسماءِ أوَّلًا ثمَّ اشتَقُّوا منها الأفعالَ، فإنَّ التَّخاطُبَ بالأفعال ضروريٌّ كالتَّخاطبِ بالأسماء لا فَرْقَ بينهما؛ فالاشتقاقُ هنا ليس هو اشتقاقًا مادِّيًّا [وفي الأصل: اشتقاق مادي]، وإنَّما هو اشتقاقُ تلازمٍ: سُمِّيَ المُتضمِّنُ بالكسر: مُشتَقًّا والمُتضمَّنُ بالفتح: مُشتَقًّا منه، ولا محذورَ في اشتقاقِ أسماءِ الله تعالى بهذا المعنى»(١٤).
كونُ الاسْمِ (كالبصير) مُشتَقًّا مِنَ الصِّفةِ (كالبصر) لُغوِيًّا وصرفيًّا جائزٌ، حيث تَعتمِدُ اللُّغةُ على ردِّ الكلمات إلى جُذورِها، فيُشتَقُّ اسْمُ الفاعل أو الصِّفةُ المُشبَّهةُ مِنَ الفعل، وهو ما يُعرَفُ بالقياس الصَّرفيِّ، كما يجوز صِياغةُ أسماءِ الأعيان والمَعاني مِنَ الصِّفات والأفعال والعكس، مثل صياغة المصادر والأسماء (كالحُمرة والحُسن) مِنَ الصِّفات والألوان، وتسميةُ النُّحاةِ المصدرَ والمُشتقَّ منه أصلًا وفرعًا ليس معناه أنَّ أحَدَهما تَولَّدَ مِنَ الآخَرِ، وإنَّما هو بِاعْتبارِ أنَّ أحَدَهما مُتضمِّنٌ للآخَرِ وزيادةٍ؛ فالمُرادُ بالاشتقاق في هذا المحلِّ: إنَّما هو اشتقاقُ تلازمٍ وتلاقٍ مع مَصادِرِها في اللَّفظ والمعنى؛ قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «ومِمَّا ينبغي أَنْ يُعرَفَ في بابِ الاشتقاقِ: أنَّه إذا قِيلَ: «هذا مُشتَقٌّ مِنْ هذا» فله مَعْنَيَانِ: أَحَدُهما: أنَّ بين القولَيْنِ تَناسُبًا في اللَّفظِ والمعنى، سواءٌ كان أهلُ اللُّغةِ تَكلَّمُوا بهذا بعدَ هذا أو بهذا بعد هذا، وعلى هذا فكُلٌّ مِنَ القولَيْنِ مُشتَقٌّ مِنَ الآخَرِ، فإنَّ المقصودَ أنَّه مُناسِبٌ له لفظًا ومعنًى كما يُقالُ: هذا الماءُ مِنْ هذا الماءِ، وهذا الكلامُ مِنْ هذا الكلامِ؛ وعلى هذا فإذا قِيلَ: «إنَّ الفِعلَ مُشتَقٌّ مِنَ المصدرِ» أو «المصدرَ مُشتَقٌّ مِنَ الفِعلِ» كان كِلَا القولَيْنِ صحيحًا، وهذا هو الِاشتقاقُ الَّذي يقومُ عليه دليلُ التَّصريفِ؛ وأمَّا المعنى الثَّاني في الِاشتقاقِ وهو أَنْ يكونَ أَحَدُهما أصلًا لِلْآخَرِ، فهذا إذا عُنِيَ به أنَّ أحَدَهما تُكُلِّمَ به قبل الآخَرِ لم يَقُمْ على هذا دليلٌ في أكثرِ المواضع، وإِنْ عُنِيَ به أنَّ أحَدَهما مُتقدِّمٌ على الآخَرِ في العقل لكونِ هذا مُفرَدًا وهذا مُركَّبًا فالفعلُ مُشتَقٌّ مِنَ المصدر، والاشتقاقُ الأصغرُ اتِّفاقُ القولَيْنِ في الحروفِ وترتيبِها، والأوسطُ اتِّفاقُهما في الحروف لا في التَّرتيب، والأكبرُ اتِّفاقُهما في أعيانِ بعض الحروف وفي الجنس لا في الباقي، كاتِّفاقهما في كونهما مِنْ حروف الحلق إذا قِيلَ: حزر وعزر وأزر، فإنَّ الجميعَ فيه معنَى القُوَّةِ والشِّدَّة..»(١٣)؛ وقال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «زعَمَ السُّهيليُّ وشيخُه أبو بكرِ بنُ العربيِّ: أنَّ اسْمَ «اللهِ» غيرُ مُشتَقٍّ لأنَّ الاشتقاقَ يَستلزِمُ مادَّةً يُشتَقُّ منها، واسْمُه تعالى قديمٌ، والقديمُ لا مادَّةَ له، فيستحيل الاشتقاقُ؛ ولا ريبَ أنَّه إِنْ أُريدَ بالاشتقاقِ هذا المعنى وأنَّه مُستمَدٌّ مِنْ أصلٍ آخَرَ فهو باطلٌ؛ ولكنَّ الَّذين قالوا بالاشتقاقِ لم يريدوا هذا المعنى ولا أَلَمَّ بقلوبهم، وإنَّما أرادوا أنَّه دالٌّ على صفةٍ له تعالى وهي الإلهيَّةُ كسائر أسمائه الحُسنى كالعليمِ والقديرِ والغفورِ والرَّحيمِ والسَّميعِ والبصير؛ فإنَّ هذه الأسماءَ مُشتَقَّةٌ مِنْ مَصادِرِها بلا ريبٍ، وهي قديمةٌ، والقديمُ لا مادَّةَ له؛ فما كان جوابَكم عن هذه الأسماءِ فهو جوابُ القائلين بِاشْتقاقِ اسْمِ «الله»؛ ثمَّ الجوابُ عن الجميع: أنَّنا لا نعني بالاشتقاق إلَّا أنَّها مُلاقِيَةٌ لِمَصادِرِها في اللَّفظ والمعنى، لا أنَّها مُتولِّدةٌ منها تَولُّدَ الفرعِ مِنْ أصلِه؛ وتسميةُ النُّحاةِ للمصدرِ والمُشتَقِّ منه أصلًا وفرعًا ليس معناه أنَّ أحَدَهما تَولَّدَ مِنَ الآخَرِ، وإنَّما هو بِاعْتبارِ أنَّ أحَدَهما يتضمَّنُ الآخَرَ وزيادةً؛ وقولُ سِيبَوَيْهِ: إنَّ الفِعلَ أمثلةٌ أُخِذَتْ مِنْ لفظِ أحداثِ الأسماءِ هو بهذا الاعتبار، لا أنَّ العربَ تَكلَّموا بالأسماءِ أوَّلًا ثمَّ اشتَقُّوا منها الأفعالَ، فإنَّ التَّخاطُبَ بالأفعال ضروريٌّ كالتَّخاطبِ بالأسماء لا فَرْقَ بينهما؛ فالاشتقاقُ هنا ليس هو اشتقاقًا مادِّيًّا [وفي الأصل: اشتقاق مادي]، وإنَّما هو اشتقاقُ تلازمٍ: سُمِّيَ المُتضمِّنُ بالكسر: مُشتَقًّا والمُتضمَّنُ بالفتح: مُشتَقًّا منه، ولا محذورَ في اشتقاقِ أسماءِ الله تعالى بهذا المعنى»(١٤).
قناة آثار العلامة محمد علي فركوس
ـ الاشتقاق اللُّغويُّ: كونُ الاسْمِ (كالبصير) مُشتَقًّا مِنَ الصِّفةِ (كالبصر) لُغوِيًّا وصرفيًّا جائزٌ، حيث تَعتمِدُ اللُّغةُ على ردِّ الكلمات إلى جُذورِها، فيُشتَقُّ اسْمُ الفاعل أو الصِّفةُ المُشبَّهةُ مِنَ الفعل، وهو ما يُعرَفُ بالقياس الصَّرفيِّ، كما…
ـ الاشتقاق الشَّرعيُّ:
فالظَّاهرُ الصَّحيحُ مِنَ الاشتقاق الشَّرعي: أنَّ الاسْمَ يُشْتَقُّ منه صِفَةٌ ولا عكسَ، والاشتقاق الممنوعُ هنا هو بمعنَى إثباتِ الاسْمِ على أنَّه مِنَ الأسماء الحُسنَى بمُجرَّدِ الاشتقاق مِنْ وصفٍ أو خبرٍ عن الله بما يتضمَّنُه الاسْمُ عند عدمِ ورود نصٍّ شرعيٍّ صحيحٍ بذلك الاسْمِ بعينه كإثبات بعضهم لِاسْمِ «البَاقي» مِنْ قوله تعالى: ﴿وَيَبقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجِلَالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرَّحمن: ٢٧]، فهذا ممنوعٌ لعدمِ ورودِ «البَاقي»؛ ذلك لأنَّ أسماءَ اللهِ تعالى توقيفيَّةٌ، فلا يُسمَّى سبحانه إلَّا بما سمَّى به نفسَه أو سمَّاهُ به رسولُه، ولا يصحُّ إثباتُ اسْمٍ لله تعالى إلَّا بدليلٍ سمعيٍّ مرفوعٍ صحيحٍ ينصُّ على الاسْمِ بعينِه مُطلَقًا بما يصلح دليلًا لِاعتبارِه مِنَ الأسماء الحُسنى [وليس على اعتبارِ الاسْمِ صفةً أو خبرًا كالمُسعِّر]، دون الاستناد في إثباته إلى وصفٍ مقيَّدٍ أو مجرَّدِ الاشتقاق أو التَّرادُفِ أو التَّفسير أو الاستدلالِ بالحِسِّ أو العقل أو الفِطرة ولو كان بدليلٍ صحيحٍ منها، فغايةُ ذلك ـ إِنْ صحَّ ـ أَنْ يكونَ على سبيلِ الإخبار والوصفِ لا التَّسمية(١٥)؛ فلا يجوز أَنْ يُسمَّى اللهُ تعالى بِاسْمٍ عن طريق دلالة العقل أو الفطرة الصَّحيحَيْنِ ولا القياسِ الأولويِّ أو الاشتقاق اللُّغويِّ مِنْ فعلٍ ونحوِه أو التَّرادُفِ أو تَقارُبِ المعنى كالسَّخيِّ مِنَ الجَوَادِ والكريم؛ وما ثبَتَ مِنْ أسماءِ الله تعالى نصًّا فهي مُشتَقَّةٌ، لا بمعنَى أنَّنا أَثبَتْناها بأنفُسِنا ابتداءً بمُجرَّدِ الاشتقاق، بل بمعنَى: «أنَّها تَتضمَّنُ معانِيَ وأوصافًا؛ فكُلُّ اسْمٍ منها يتضمَّنُ الصِّفةَ الَّتي اشتُقَّ منها، حتَّى اسْمُ «الله» يتضمَّنُ صفةً وهي «الألوهيَّةُ»، فأسماءُ اللهِ تعالى إذًا أعلامٌ دالَّةٌ على صفةٍ، ولولا ذلك ما كانت حُسنَى، لأنَّها إذا لم تتضمَّنْ معنًى صارت أسماءً جامدةً لا معنَى لها، وإذا كانت أسماءً جامدةً لا معنَى لها فلا تُوصَفُ بالحسنة، واللهُ عزَّ وجلَّ وصَفَها بأنَّها حسنةٌ أي: بالغةٌ في الحُسنِ كمالَه»(١٦).
هذا، وينبغي أَنْ يُعلَمَ أنَّه ليس بابُ الأسماءِ وحدها توقيفيَّةً، بل حتَّى الصِّفاتُ تُعَدُّ مِنَ الأبواب التَّوقيفيَّةِ على الدَّليل الشَّرعيِّ الصَّحيح، فإثباتُ اسْمٍ مِنْ أسماء الله سبحانه وتعالى أو صفةٍ مِنْ صِفاتِه عند أهل السُّنَّةِ مُعتبَرٌ بورود النَّصِّ المُفصِّل، فلا بُدَّ أَنْ يكون مبنيًّا على دليلٍ مُثبِتٍ له: إمَّا مِنْ كتاب الله، وإمَّا مِنْ سُنَّةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، إلَّا أنَّ الاسْمَ يتعيَّنُ فيه أَنْ لا يُسمَّى إلَّا بما سمَّى به نفسَه دون التَّوسُّع فيه بالاشتقاق والتَّرادُفِ والتَّفسير والتَّقريب للمعنى والاستدلال باللَّوازمِ ونحوِها، بينما يكفي في الوصفِ أَنْ يَثبُتَ الوصفُ بمعناه المُطابِق فنَصِفُه بأنَّه ذو الفضلِ والإنعامِ والجُود والمَنِّ أو بما يَتضمَّنُه النَّصُّ أو يقتضيه مِنَ المَعاني السَّالمةِ مِنَ النَّقائصِ والعيوبِ؛ كما أنَّنا نُثبِتُ الصِّفةَ مِنَ الاسْمِ الثَّابتِ ونحوِه ولو لم نقف على الصِّفةِ مذكورةً بلفظها في الكتاب أو السُّنَّة؛ فنُثبِتُ السَّمعَ والقُدرةَ مع عدمِ الوقوف على لفظهما في الكتاب أو السُّنَّة بالاشتقاق مِنِ اسْمَيِ السَّميعِ والقدير كما نُثبِتُ صِفَتَيِ العلمِ والبصرِ الثَّابتتَيْنِ بهذا اللَّفظِ في الكتاب والسُّنَّة.
أمَّا بابُ الأخبارِ فليس مِنَ الأبواب التَّوقيفيَّة، بل هو مِنَ الأبواب غيرِ المحدودة بحدٍّ معيَّنٍ، إلَّا أنَّ المُشترَطَ فيه صِحَّةُ الإخبار به عنه مِنْ جهة المعنى، وأَنْ يكونَ ممَّا يجوز على اللهِ تعالى وصفُه به، ولا يكونَ فيه نقصٌ أو عيبٌ بوجهٍ مِنَ الوجوه؛ قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «ما يُطلَقُ عليه في باب الأسماء والصِّفاتِ توقيفيٌّ، وما يُطلَقُ عليه مِنَ الأخبار لا يجب أَنْ يكونَ توقيفيًّا كالقديم والشَّيءِ والموجودِ والقائمِ بنفسه؛ فهذا فصلُ الخطابِ في مسألةِ أسمائه: هل هي توقيفيَّةٌ أو يجوزُ أَنْ يُطلَقَ عليه منها بعضُ ما لم يَرِدْ به السَّمعُ؟»(١٧) أي: لم يَرِدْ بلفظِه وإِنْ كان ربَّما ورَدَ بمعناهُ أو بما يقتضي معناهُ أو يدلُّ عليه وعلى صِحَّتِه بشرطه؛ لذلك كان بابُ الأسماءِ أَضيَقَ مِنْ باب الصِّفات ومِنْ باب الإخبار لكونه أقلَّ مِنَ الصِّفات، بَلْهَ الأخبار؛ وكذلك فإنَّ بابَ الصِّفاتِ أوسعُ مِنْ باب الأسماء، لأنَّ كُلَّ اسْمٍ فهو يتضمَّنُ صفةً، والصِّفةُ قد تُطابِقُ صفةً أخرى أو تَستلزِمُها بشرطِ تحقُّقِ المُطابقةِ أو المُلازَمةِ دون مانعٍ مِنْ إثبات الأخرى، و«أنَّ الاسْمَ إذا أُطلِقَ عليه جاز أَنْ يُشتَقَّ منه المصدرُ والفعلُ فيُخبَرَ به عنه فعلًا ومصدرًا، نحو السَّميعِ البصيرِ القديرِ: يُطلَقُ عليه منه السَّمعُ والبصرُ والقدرةُ، ويُخبَرُ عنه بالأفعال مِنْ ذلك نحو: ﴿قَدۡ
فالظَّاهرُ الصَّحيحُ مِنَ الاشتقاق الشَّرعي: أنَّ الاسْمَ يُشْتَقُّ منه صِفَةٌ ولا عكسَ، والاشتقاق الممنوعُ هنا هو بمعنَى إثباتِ الاسْمِ على أنَّه مِنَ الأسماء الحُسنَى بمُجرَّدِ الاشتقاق مِنْ وصفٍ أو خبرٍ عن الله بما يتضمَّنُه الاسْمُ عند عدمِ ورود نصٍّ شرعيٍّ صحيحٍ بذلك الاسْمِ بعينه كإثبات بعضهم لِاسْمِ «البَاقي» مِنْ قوله تعالى: ﴿وَيَبقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجِلَالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرَّحمن: ٢٧]، فهذا ممنوعٌ لعدمِ ورودِ «البَاقي»؛ ذلك لأنَّ أسماءَ اللهِ تعالى توقيفيَّةٌ، فلا يُسمَّى سبحانه إلَّا بما سمَّى به نفسَه أو سمَّاهُ به رسولُه، ولا يصحُّ إثباتُ اسْمٍ لله تعالى إلَّا بدليلٍ سمعيٍّ مرفوعٍ صحيحٍ ينصُّ على الاسْمِ بعينِه مُطلَقًا بما يصلح دليلًا لِاعتبارِه مِنَ الأسماء الحُسنى [وليس على اعتبارِ الاسْمِ صفةً أو خبرًا كالمُسعِّر]، دون الاستناد في إثباته إلى وصفٍ مقيَّدٍ أو مجرَّدِ الاشتقاق أو التَّرادُفِ أو التَّفسير أو الاستدلالِ بالحِسِّ أو العقل أو الفِطرة ولو كان بدليلٍ صحيحٍ منها، فغايةُ ذلك ـ إِنْ صحَّ ـ أَنْ يكونَ على سبيلِ الإخبار والوصفِ لا التَّسمية(١٥)؛ فلا يجوز أَنْ يُسمَّى اللهُ تعالى بِاسْمٍ عن طريق دلالة العقل أو الفطرة الصَّحيحَيْنِ ولا القياسِ الأولويِّ أو الاشتقاق اللُّغويِّ مِنْ فعلٍ ونحوِه أو التَّرادُفِ أو تَقارُبِ المعنى كالسَّخيِّ مِنَ الجَوَادِ والكريم؛ وما ثبَتَ مِنْ أسماءِ الله تعالى نصًّا فهي مُشتَقَّةٌ، لا بمعنَى أنَّنا أَثبَتْناها بأنفُسِنا ابتداءً بمُجرَّدِ الاشتقاق، بل بمعنَى: «أنَّها تَتضمَّنُ معانِيَ وأوصافًا؛ فكُلُّ اسْمٍ منها يتضمَّنُ الصِّفةَ الَّتي اشتُقَّ منها، حتَّى اسْمُ «الله» يتضمَّنُ صفةً وهي «الألوهيَّةُ»، فأسماءُ اللهِ تعالى إذًا أعلامٌ دالَّةٌ على صفةٍ، ولولا ذلك ما كانت حُسنَى، لأنَّها إذا لم تتضمَّنْ معنًى صارت أسماءً جامدةً لا معنَى لها، وإذا كانت أسماءً جامدةً لا معنَى لها فلا تُوصَفُ بالحسنة، واللهُ عزَّ وجلَّ وصَفَها بأنَّها حسنةٌ أي: بالغةٌ في الحُسنِ كمالَه»(١٦).
هذا، وينبغي أَنْ يُعلَمَ أنَّه ليس بابُ الأسماءِ وحدها توقيفيَّةً، بل حتَّى الصِّفاتُ تُعَدُّ مِنَ الأبواب التَّوقيفيَّةِ على الدَّليل الشَّرعيِّ الصَّحيح، فإثباتُ اسْمٍ مِنْ أسماء الله سبحانه وتعالى أو صفةٍ مِنْ صِفاتِه عند أهل السُّنَّةِ مُعتبَرٌ بورود النَّصِّ المُفصِّل، فلا بُدَّ أَنْ يكون مبنيًّا على دليلٍ مُثبِتٍ له: إمَّا مِنْ كتاب الله، وإمَّا مِنْ سُنَّةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، إلَّا أنَّ الاسْمَ يتعيَّنُ فيه أَنْ لا يُسمَّى إلَّا بما سمَّى به نفسَه دون التَّوسُّع فيه بالاشتقاق والتَّرادُفِ والتَّفسير والتَّقريب للمعنى والاستدلال باللَّوازمِ ونحوِها، بينما يكفي في الوصفِ أَنْ يَثبُتَ الوصفُ بمعناه المُطابِق فنَصِفُه بأنَّه ذو الفضلِ والإنعامِ والجُود والمَنِّ أو بما يَتضمَّنُه النَّصُّ أو يقتضيه مِنَ المَعاني السَّالمةِ مِنَ النَّقائصِ والعيوبِ؛ كما أنَّنا نُثبِتُ الصِّفةَ مِنَ الاسْمِ الثَّابتِ ونحوِه ولو لم نقف على الصِّفةِ مذكورةً بلفظها في الكتاب أو السُّنَّة؛ فنُثبِتُ السَّمعَ والقُدرةَ مع عدمِ الوقوف على لفظهما في الكتاب أو السُّنَّة بالاشتقاق مِنِ اسْمَيِ السَّميعِ والقدير كما نُثبِتُ صِفَتَيِ العلمِ والبصرِ الثَّابتتَيْنِ بهذا اللَّفظِ في الكتاب والسُّنَّة.
أمَّا بابُ الأخبارِ فليس مِنَ الأبواب التَّوقيفيَّة، بل هو مِنَ الأبواب غيرِ المحدودة بحدٍّ معيَّنٍ، إلَّا أنَّ المُشترَطَ فيه صِحَّةُ الإخبار به عنه مِنْ جهة المعنى، وأَنْ يكونَ ممَّا يجوز على اللهِ تعالى وصفُه به، ولا يكونَ فيه نقصٌ أو عيبٌ بوجهٍ مِنَ الوجوه؛ قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «ما يُطلَقُ عليه في باب الأسماء والصِّفاتِ توقيفيٌّ، وما يُطلَقُ عليه مِنَ الأخبار لا يجب أَنْ يكونَ توقيفيًّا كالقديم والشَّيءِ والموجودِ والقائمِ بنفسه؛ فهذا فصلُ الخطابِ في مسألةِ أسمائه: هل هي توقيفيَّةٌ أو يجوزُ أَنْ يُطلَقَ عليه منها بعضُ ما لم يَرِدْ به السَّمعُ؟»(١٧) أي: لم يَرِدْ بلفظِه وإِنْ كان ربَّما ورَدَ بمعناهُ أو بما يقتضي معناهُ أو يدلُّ عليه وعلى صِحَّتِه بشرطه؛ لذلك كان بابُ الأسماءِ أَضيَقَ مِنْ باب الصِّفات ومِنْ باب الإخبار لكونه أقلَّ مِنَ الصِّفات، بَلْهَ الأخبار؛ وكذلك فإنَّ بابَ الصِّفاتِ أوسعُ مِنْ باب الأسماء، لأنَّ كُلَّ اسْمٍ فهو يتضمَّنُ صفةً، والصِّفةُ قد تُطابِقُ صفةً أخرى أو تَستلزِمُها بشرطِ تحقُّقِ المُطابقةِ أو المُلازَمةِ دون مانعٍ مِنْ إثبات الأخرى، و«أنَّ الاسْمَ إذا أُطلِقَ عليه جاز أَنْ يُشتَقَّ منه المصدرُ والفعلُ فيُخبَرَ به عنه فعلًا ومصدرًا، نحو السَّميعِ البصيرِ القديرِ: يُطلَقُ عليه منه السَّمعُ والبصرُ والقدرةُ، ويُخبَرُ عنه بالأفعال مِنْ ذلك نحو: ﴿قَدۡ
قناة آثار العلامة محمد علي فركوس
ـ الاشتقاق اللُّغويُّ: كونُ الاسْمِ (كالبصير) مُشتَقًّا مِنَ الصِّفةِ (كالبصر) لُغوِيًّا وصرفيًّا جائزٌ، حيث تَعتمِدُ اللُّغةُ على ردِّ الكلمات إلى جُذورِها، فيُشتَقُّ اسْمُ الفاعل أو الصِّفةُ المُشبَّهةُ مِنَ الفعل، وهو ما يُعرَفُ بالقياس الصَّرفيِّ، كما…
سَمِعَ ٱللَّهُ﴾ [المجادلة: ١]، ﴿فَقَدَرۡنَا فَنِعۡمَ ٱلۡقَٰدِرُونَ ٢٣﴾ [المُرسَلات: ٢٣]، هذا إِنْ كان الفعلُ مُتعدِّيًا؛ فإِنْ كان لازمًا لم يُخبَرْ عنه به نحوَ الحيِّ، بل يُطلَقُ عليه الاسْمُ والمصدرُ [أي: الحيُّ والحياةُ] دون الفعل، فلا يقال: حَيَّ»(١٨)؛ ولا عكسَ، فلا يصحُّ تسميةُ اللهِ تعالى بما اشتُقَّ مِنَ الصِّفةِ أو الفعل إذا لم يَرِدْ بلفظه بعَينِه تسميةً، مثل صفةِ نزولِ اللهِ إلى السَّماء الدُّنيا فلا يصحُّ تسميةُ اللهِ تعالى ﺑ «النَّازل»، ومثل صفة المجيء يومَ القيامةِ للفصل فلا يصحُّ تسميةُ الله تعالى ﺑ «الجائي» وكذلك صفةُ الكيدِ والمكرِ والمُخادَعةِ فلا يصحُّ أَنْ نُسمِّيَ اللهَ تعالى ﺑ «الكائد» و«الماكر» و«المُخادِع»، ونحوها؛ فكثيرٌ مِنَ الصِّفاتِ والأفعالِ والإخبار لا يصحُّ أَنْ نَشتَقَّ منها لله تعالى أسماءً؛ قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «.. لا يَلزَمُ مِنَ الإخبار عنه بالفعل مُقيَّدًا أَنْ يُشتَقَّ له منه اسْمٌ مُطلَقٌ، كما غَلِطَ فيه بعضُ المُتأخِّرين فجعَلَ مِنْ أسمائه الحُسنَى «المُضِلَّ» «الفاتنَ» «الماكرَ» تعالى الله عن قوله؛ فإنَّ هذه الأسماءَ لم يُطلَقْ عليه سبحانه منها إلَّا أفعالٌ مخصوصةٌ معيَّنةٌ؛ فلا يجوز أَنْ يُسمَّى بأسمائها المُطلَقة»(١٩)؛ لذلك كان بابُ الصِّفاتِ أَوسَعَ مِنْ باب الأسماء، لأنَّ الصِّفاتِ أكثرُ منها، ولأنَّه يجوز ـ في بعض الصِّفاتِ ـ إطلاقُها على الله تعالى إطلاقَ وصفٍ لا إطلاقَ تسميةٍ، وهو ـ أي: باب الصِّفات ـ أَضيَقُ مِنْ باب الأخبارِ والأفعال، فبابُ الأخبارِ والأفعالِ أَوسعُ لِمَا تَقدَّمَ ذِكرُه مِنْ أنَّه لا يُبنَى حُكمُه على التَّوقيف، وإنَّما يُبنَى جوازُ الإخبار عن الله تعالى به على صِحَّةِ معناهُ وعدمِ قُبْحِ لفظِه، وأَنْ لا يتضمَّنَ عيبًا ولا نقصانًا، ولو لم يَرِدْ لفظُه أو معناهُ في الوحيَيْن، بشرطِ أَنْ يكون الخبرُ صحيحًا معناهُ ثابتًا بدليلٍ صحيحٍ، يجوز على اللهِ وصفُه به، وبدون اعتقادِ أنَّ هذا الخبرَ مِنْ أسمائه ولا مِنْ صِفاتِه لِانتفاءِ الدَّليل على اللَّفظ تسميةً ووصفًا، مثالُه: أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ بنى السَّماءَ يقينًا؛ قال تعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ٤٧﴾ [الذَّاريات]، فليس «البنَّاء» ولا «الباني» ولا «باني السَّماء» مِنْ أسماءِ الله تعالى، وليس مِنْ صفاته أيضًا؛ ولكِنْ يصحُّ أَنْ يُطلَقَ على الله تعالى أو أَنْ يُوصَفَ مِنْ باب الإخبار عنه أو الدُّعاء، لأنَّه مِنْ أفعال الله تعالى الجائزةِ عليه.
وكذلك لا يُسمَّى اللهُ تعالى ﺑ «الزَّارع» ولا يُوصَفُ به مِنْ قوله تعالى: ﴿ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤﴾ [الواقعة: ٦٤]، ولكِنْ يجوز ـ مِنْ باب الإخبار ـ أَنْ يُطلَقَ عليه «الزَّارع» على أنَّه خبرٌ عن فعلٍ مِنْ أفعال الله تعالى، لا يُشتَقُّ له منه اسْمٌ أو صفةٌ.
ومثالُه أيضًا: أنَّ الله تعالى خلَقَ أصباغَ النَّبات والحيوان، وقال تعالى: ﴿صِبۡغَةَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]؛ ومع ذلك فلا يجوز تسمِيَتُه ﺑ «الصَّبَّاغ»(٢٠) لأنَّ ذلك ليس مِنْ أسماء الله تعالى ولا مِنْ صفاته، ولكِنْ يجوز الإخبارُ به عنه، لأنَّه خبرٌ عن فعلٍ مِنْ أفعال الله تعالى.
وكذلك أجاز العلماءُ إطلاقَ بعضِ الألفاظِ الجاريةِ على بعض الاصطلاحات الكلاميَّةِ أو المنطقيَّةِ بعد تَقرُّرِ معناها الاصطلاحيِّ كقولهم: «الموجودُ» و«القديمُ» و«الأزليُّ» و«واجبُ الوجودِ» و«الصَّانعُ»، ما دام المعنى المُعطى لها ثابتًا لله في نفسِ الأمر، حتَّى لو كان خلافَ المعنى اللُّغويِّ كالقديم، بشرطِ عدمِ قبحِ لفظِه؛ ومِنْ ذلك: إطلاقُ بعضِهم على الله تعالى أنَّه: «الفعَّال» و«الجاعل» أو «المُرسِل» أو «المُنزِّل» أو «المُنزِل» بِاعْتبارِ أفعالِه تعالى أنَّه ﴿فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧؛ البروج: ١٦]، وأنَّه ﴿جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، وأنَّه أرسلَ الرُّسلَ وأَنزلَ الكُتُبَ كما في آياتٍ كثيرةٍ وأحاديثَ منها: حديث: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ»(٢١)، أو أنَّه تعالى: «الشَّيء» لقوله تعالى: ﴿قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩]، أو «المُقلِّب» لِمَا يرويه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن ربِّه أنَّه قال: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ: يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ: [بِيَدِي الأَمْرُ]: أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»(٢٢).
فهذه الأمورُ كُلُّها ـ وغيرُها كثيرٌ ـ لا تدخل في باب الأسماء ولا بابِ الصِّفات، وإنَّما هي مِنْ باب الأخبار عن أفعال الله تعالى، لأنَّها أخبارٌ ثابتةٌ وصحيحةٌ تجوز على الله تعالى.
وكذلك لا يُسمَّى اللهُ تعالى ﺑ «الزَّارع» ولا يُوصَفُ به مِنْ قوله تعالى: ﴿ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤﴾ [الواقعة: ٦٤]، ولكِنْ يجوز ـ مِنْ باب الإخبار ـ أَنْ يُطلَقَ عليه «الزَّارع» على أنَّه خبرٌ عن فعلٍ مِنْ أفعال الله تعالى، لا يُشتَقُّ له منه اسْمٌ أو صفةٌ.
ومثالُه أيضًا: أنَّ الله تعالى خلَقَ أصباغَ النَّبات والحيوان، وقال تعالى: ﴿صِبۡغَةَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]؛ ومع ذلك فلا يجوز تسمِيَتُه ﺑ «الصَّبَّاغ»(٢٠) لأنَّ ذلك ليس مِنْ أسماء الله تعالى ولا مِنْ صفاته، ولكِنْ يجوز الإخبارُ به عنه، لأنَّه خبرٌ عن فعلٍ مِنْ أفعال الله تعالى.
وكذلك أجاز العلماءُ إطلاقَ بعضِ الألفاظِ الجاريةِ على بعض الاصطلاحات الكلاميَّةِ أو المنطقيَّةِ بعد تَقرُّرِ معناها الاصطلاحيِّ كقولهم: «الموجودُ» و«القديمُ» و«الأزليُّ» و«واجبُ الوجودِ» و«الصَّانعُ»، ما دام المعنى المُعطى لها ثابتًا لله في نفسِ الأمر، حتَّى لو كان خلافَ المعنى اللُّغويِّ كالقديم، بشرطِ عدمِ قبحِ لفظِه؛ ومِنْ ذلك: إطلاقُ بعضِهم على الله تعالى أنَّه: «الفعَّال» و«الجاعل» أو «المُرسِل» أو «المُنزِّل» أو «المُنزِل» بِاعْتبارِ أفعالِه تعالى أنَّه ﴿فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧؛ البروج: ١٦]، وأنَّه ﴿جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، وأنَّه أرسلَ الرُّسلَ وأَنزلَ الكُتُبَ كما في آياتٍ كثيرةٍ وأحاديثَ منها: حديث: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ»(٢١)، أو أنَّه تعالى: «الشَّيء» لقوله تعالى: ﴿قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩]، أو «المُقلِّب» لِمَا يرويه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن ربِّه أنَّه قال: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ: يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ: [بِيَدِي الأَمْرُ]: أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»(٢٢).
فهذه الأمورُ كُلُّها ـ وغيرُها كثيرٌ ـ لا تدخل في باب الأسماء ولا بابِ الصِّفات، وإنَّما هي مِنْ باب الأخبار عن أفعال الله تعالى، لأنَّها أخبارٌ ثابتةٌ وصحيحةٌ تجوز على الله تعالى.
قناة آثار العلامة محمد علي فركوس
ـ الاشتقاق اللُّغويُّ: كونُ الاسْمِ (كالبصير) مُشتَقًّا مِنَ الصِّفةِ (كالبصر) لُغوِيًّا وصرفيًّا جائزٌ، حيث تَعتمِدُ اللُّغةُ على ردِّ الكلمات إلى جُذورِها، فيُشتَقُّ اسْمُ الفاعل أو الصِّفةُ المُشبَّهةُ مِنَ الفعل، وهو ما يُعرَفُ بالقياس الصَّرفيِّ، كما…
والواجبُ على الطَّالبِ العاقلِ: العدلُ فيها، ومعرفةُ وجهِ التَّمييزِ فيها بين ما يُضافُ إلى أسماءِ الله تعالى، وبين ما يُضاف إلى صِفَاتِه سبحانه، وبين ما يُضاف إلى أفعالِه عزَّ وجلَّ.
والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: ٠٤ ربيع الأوَّل ١٤٤٨ﻫ
الموافق ﻟ: ١٧ أغسطس ٢٠٢٦م
والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: ٠٤ ربيع الأوَّل ١٤٤٨ﻫ
الموافق ﻟ: ١٧ أغسطس ٢٠٢٦م
قناة آثار العلامة محمد علي فركوس
والواجبُ على الطَّالبِ العاقلِ: العدلُ فيها، ومعرفةُ وجهِ التَّمييزِ فيها بين ما يُضافُ إلى أسماءِ الله تعالى، وبين ما يُضاف إلى صِفَاتِه سبحانه، وبين ما يُضاف إلى أفعالِه عزَّ وجلَّ. والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى…
______
(١) «بُغية المُرتاد» لابن تيميَّة (ص٣٥٣).
(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (١٢/ ٥١٢).
(٣) «النُّبوَّات» لابن تيميَّة (١/ ٢٦٥).
(٤) «درء تَعارُضِ العقل والنَّقل» لابن تيميَّة (١٠/ ٢٣٥).
(٥) «التِّسعينيَّة» (٢/ ٤٥٤) و«الفتاوى الكبرى» (٦/ ٤٣٤) كلاهما لابن تيميَّة.
(٦) «شفاء العليل» لابن القيِّم (٢/ ٣٦٦).
(٧) «نونيَّة ابنِ القيِّم الكافية الشَّافية» (ص ١٥٣).
(٨) «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (١/ ١٧).
(٩) «الصَّواعق المُرسَلة» لابن القيِّم (١/ ٥٨٢).
(١٠) «مدارج السَّالكين» (١/ ٤٣ ، ٤٧، ٤٩ ـ ٥٠)، «التَّفسير القيِّم» (ص ٣٢، ٣٤، ٣٦) كلاهما لابن القيِّم.
(١١) «فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحُسنى» لابن القيِّم (ص ٣٧).
(١٢) انظر المصادِرَ التَّالية: «تفسير القرطبي» (١/ ١٠٢)، «منهاج السُّنَّة النَّبويَّة» (٣/ ٣٥٤) و«الجواب الصَّحيح» (٣/ ٢٩٣، ٢٩٤) و«مجموع الفتاوى» (١٢/ ٥١٢) و«الفتاوى الكبرى» (٦/ ٤٣٤) و«التِّسعينيَّة» (٢/ ٤٥٤ ـ ٤٥٥) و«بُغية المُرتاد» (ص٣٥٣) و«شرح العقيدة الأصفهانيَّة» (ص٣٤، ١٠٩، ٢١٢) و«النُّبوَّات» (١/ ٢٦٥) و«درء تَعارُضِ العقل والنَّقل» (١٠/ ٢٣١، ٢٣٥) و«جامع المسائل» (٤/ ٤١٤ ـ ٤١٥) كُلُّها لابنِ تيميَّة، «شفاء العليل» (٢/ ٦، ٣٦٦) و«فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحُسنى» (ص٣٧) و«نونيَّة ابنِ القيِّم» (ص ١٥٣، ١٨٥) و«بدائع الفوائد» (١/ ١٧، ٢٢، ١٦٠، ١٦٢ ـ ١٦٣) و«الصَّواعق المُرسَلة» (١/ ١٣١، ٥٨٢) و«مدارج السَّالكين» (١/ ٤٣ ، ٤٧، ٤٩ ـ ٥٠، ٤/ ٣٩٤ ـ ٣٩٥)، «التَّفسير القيِّم» (ص ٣٢، ٣٤، ٣٦) كُلُّها لابنِ القيِّم، «تيسير العزيز الحميد» لسليمانَ بنِ عبدِ الله بنِ محمَّد بنِ عبدِ الوهَّاب (ص٩)، «شرح قصيدةِ ابنِ القيِّم» لأحمد بنِ إبراهيم بنِ عيسى النَّجدي (١/ ١٢)، «القول المُفيد على كتاب التَّوحيد» (٢/ ٢٥٧) و«أسماء الله وصِفاته وموقف أهل السُّنَّة منها» (ص١٣، ١٤) و«شرح العقيدة السَّفَّارينيَّة» (٣٦، ١٦٣) و«شرح العقيدة الواسطيَّة» (١/ ١٢١، ١٤٤) كُلُّها لابن العثيمين.
(١٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (١٧/ ٢٣١).
(١٤) «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (١/ ٢٢).
(١٥) فلا نُسمِّيه بالشَّيء، ولا السَّتَّار، ولا الفرد ولا الوحيد ولا المُتوحِّد ولا المُتفرِّد ولا المُنفرِد، ولا المُكرِم ولا المُتكرِّمِ ولا السَّخيِّ ولا المُتفضِّل، ولا المُهين، ولا المُتجبِّر، ولا الجابر، ولا العالي ولا المُستوي ولا المُرتفِعِ ولا المُستقِرِّ ولا الصَّاعد، ولا المُتكلِّم ولا المُريد ولا الباقي ولا الجليل ولا الماهدِ ولا الزَّارع ولا الباني ولا البنَّاء ولا المُنادي ولا المُناجي ولا المُجرِي ولا المُزجِي ولا الرَّاحم ولا الصَّبَّار ولا السَّاقي ولا المُطعِم ولا المُنير ولا الدَّائم ولا الحاسب ولا المُؤوِي ولا المارجِ ولا المُنزِل ولا الرَّامي ولا الماكر ولا الهازم ولا المُخادِع ولا المُقاتِل ولا الحفيِّ، ولا المُنتقِمِ، ولا المُسعِّرِ ولا الدَّهر، ولا الرُّكن ونحوِها، مع أنَّ تلك الأسماءَ المذكورةَ جاء الدَّليلُ على الصِّفات أو الأخبارِ المأخوذةِ منها أو على لفظةٍ أَشبهَ ما تكون بالتَّسمية؛ إلَّا أَنْ يَثبُتَ في أحَدِها نصٌّ مُطلَقٌ صحيحٌ يدلُّ على صِحَّةِ التَّسميةِ مُطلَقةً لا على مُجرَّدِ الوصف أو الإخبار، ودون إعمال الاشتقاق أو التَّرادف أو التَّفسير أو اعتبار اللَّازم مِنَ الأسماء الحُسنَى مع عدمِ ورودِه.
وللمزيد مِنَ التَّفصيل والضَّبطِ انظر: «القواعد المُثلى في صفاتِ الله وأسمائِه الحُسنى» لابن العثيمين (ص١٣ ـ ١٦) تحت عنوان: «أسماء الله تعالى غيرُ محصورةٍ بعددٍ معيَّنٍ» و(ص٢٩ ـ ٣٣) تحت عنوانٍ موسومٍ ﺑ «قواعد في أدلَّةِ الأسماء والصِّفَات: القاعدة الأولى: الأدلَّة الَّتي تَثبُتُ بها أسماءُ اللهِ تعالى وصِفاتُه هي كتابُ اللهِ تعالى وسُنَّةُ رسولِه».
(١٦) «شرح العقيدة السَّفَّارينيَّة» لابن عثيمين (١٦٣).
(١٧) «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (١/ ١٦٢).
(١٨) المصدر السَّابق (١/ ١٦٢).
(١٩) المصدر السَّابق (١/ ١٦٢).
(٢٠) انظر: «الفصل في المِلَل والأهواء والنِّحَل» لابن حزم (٢/ ١٠٨).
(٢١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» باب: كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا لم يُقاتِلْ أوَّلَ النَّهارِ أخَّرَ القتالَ حتَّى تزولَ الشَّمسُ (٢٩٦٦)، ومسلمٌ في «الجهاد والسِّيَر» (١٧٤٢)، مِنْ حديثِ عبدِ الله بنِ أبي أَوْفَى الأسلميِّ رضي الله عنهما.
(٢٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «التَّفسير» باب سورة الجاثية (٤٨٢٦)، ومسلمٌ في «الألفاظ مِنَ الأدب وغيرِها» (٢٢٤٦)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.
(١) «بُغية المُرتاد» لابن تيميَّة (ص٣٥٣).
(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (١٢/ ٥١٢).
(٣) «النُّبوَّات» لابن تيميَّة (١/ ٢٦٥).
(٤) «درء تَعارُضِ العقل والنَّقل» لابن تيميَّة (١٠/ ٢٣٥).
(٥) «التِّسعينيَّة» (٢/ ٤٥٤) و«الفتاوى الكبرى» (٦/ ٤٣٤) كلاهما لابن تيميَّة.
(٦) «شفاء العليل» لابن القيِّم (٢/ ٣٦٦).
(٧) «نونيَّة ابنِ القيِّم الكافية الشَّافية» (ص ١٥٣).
(٨) «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (١/ ١٧).
(٩) «الصَّواعق المُرسَلة» لابن القيِّم (١/ ٥٨٢).
(١٠) «مدارج السَّالكين» (١/ ٤٣ ، ٤٧، ٤٩ ـ ٥٠)، «التَّفسير القيِّم» (ص ٣٢، ٣٤، ٣٦) كلاهما لابن القيِّم.
(١١) «فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحُسنى» لابن القيِّم (ص ٣٧).
(١٢) انظر المصادِرَ التَّالية: «تفسير القرطبي» (١/ ١٠٢)، «منهاج السُّنَّة النَّبويَّة» (٣/ ٣٥٤) و«الجواب الصَّحيح» (٣/ ٢٩٣، ٢٩٤) و«مجموع الفتاوى» (١٢/ ٥١٢) و«الفتاوى الكبرى» (٦/ ٤٣٤) و«التِّسعينيَّة» (٢/ ٤٥٤ ـ ٤٥٥) و«بُغية المُرتاد» (ص٣٥٣) و«شرح العقيدة الأصفهانيَّة» (ص٣٤، ١٠٩، ٢١٢) و«النُّبوَّات» (١/ ٢٦٥) و«درء تَعارُضِ العقل والنَّقل» (١٠/ ٢٣١، ٢٣٥) و«جامع المسائل» (٤/ ٤١٤ ـ ٤١٥) كُلُّها لابنِ تيميَّة، «شفاء العليل» (٢/ ٦، ٣٦٦) و«فائدة جليلة في قواعد الأسماء الحُسنى» (ص٣٧) و«نونيَّة ابنِ القيِّم» (ص ١٥٣، ١٨٥) و«بدائع الفوائد» (١/ ١٧، ٢٢، ١٦٠، ١٦٢ ـ ١٦٣) و«الصَّواعق المُرسَلة» (١/ ١٣١، ٥٨٢) و«مدارج السَّالكين» (١/ ٤٣ ، ٤٧، ٤٩ ـ ٥٠، ٤/ ٣٩٤ ـ ٣٩٥)، «التَّفسير القيِّم» (ص ٣٢، ٣٤، ٣٦) كُلُّها لابنِ القيِّم، «تيسير العزيز الحميد» لسليمانَ بنِ عبدِ الله بنِ محمَّد بنِ عبدِ الوهَّاب (ص٩)، «شرح قصيدةِ ابنِ القيِّم» لأحمد بنِ إبراهيم بنِ عيسى النَّجدي (١/ ١٢)، «القول المُفيد على كتاب التَّوحيد» (٢/ ٢٥٧) و«أسماء الله وصِفاته وموقف أهل السُّنَّة منها» (ص١٣، ١٤) و«شرح العقيدة السَّفَّارينيَّة» (٣٦، ١٦٣) و«شرح العقيدة الواسطيَّة» (١/ ١٢١، ١٤٤) كُلُّها لابن العثيمين.
(١٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيميَّة (١٧/ ٢٣١).
(١٤) «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (١/ ٢٢).
(١٥) فلا نُسمِّيه بالشَّيء، ولا السَّتَّار، ولا الفرد ولا الوحيد ولا المُتوحِّد ولا المُتفرِّد ولا المُنفرِد، ولا المُكرِم ولا المُتكرِّمِ ولا السَّخيِّ ولا المُتفضِّل، ولا المُهين، ولا المُتجبِّر، ولا الجابر، ولا العالي ولا المُستوي ولا المُرتفِعِ ولا المُستقِرِّ ولا الصَّاعد، ولا المُتكلِّم ولا المُريد ولا الباقي ولا الجليل ولا الماهدِ ولا الزَّارع ولا الباني ولا البنَّاء ولا المُنادي ولا المُناجي ولا المُجرِي ولا المُزجِي ولا الرَّاحم ولا الصَّبَّار ولا السَّاقي ولا المُطعِم ولا المُنير ولا الدَّائم ولا الحاسب ولا المُؤوِي ولا المارجِ ولا المُنزِل ولا الرَّامي ولا الماكر ولا الهازم ولا المُخادِع ولا المُقاتِل ولا الحفيِّ، ولا المُنتقِمِ، ولا المُسعِّرِ ولا الدَّهر، ولا الرُّكن ونحوِها، مع أنَّ تلك الأسماءَ المذكورةَ جاء الدَّليلُ على الصِّفات أو الأخبارِ المأخوذةِ منها أو على لفظةٍ أَشبهَ ما تكون بالتَّسمية؛ إلَّا أَنْ يَثبُتَ في أحَدِها نصٌّ مُطلَقٌ صحيحٌ يدلُّ على صِحَّةِ التَّسميةِ مُطلَقةً لا على مُجرَّدِ الوصف أو الإخبار، ودون إعمال الاشتقاق أو التَّرادف أو التَّفسير أو اعتبار اللَّازم مِنَ الأسماء الحُسنَى مع عدمِ ورودِه.
وللمزيد مِنَ التَّفصيل والضَّبطِ انظر: «القواعد المُثلى في صفاتِ الله وأسمائِه الحُسنى» لابن العثيمين (ص١٣ ـ ١٦) تحت عنوان: «أسماء الله تعالى غيرُ محصورةٍ بعددٍ معيَّنٍ» و(ص٢٩ ـ ٣٣) تحت عنوانٍ موسومٍ ﺑ «قواعد في أدلَّةِ الأسماء والصِّفَات: القاعدة الأولى: الأدلَّة الَّتي تَثبُتُ بها أسماءُ اللهِ تعالى وصِفاتُه هي كتابُ اللهِ تعالى وسُنَّةُ رسولِه».
(١٦) «شرح العقيدة السَّفَّارينيَّة» لابن عثيمين (١٦٣).
(١٧) «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (١/ ١٦٢).
(١٨) المصدر السَّابق (١/ ١٦٢).
(١٩) المصدر السَّابق (١/ ١٦٢).
(٢٠) انظر: «الفصل في المِلَل والأهواء والنِّحَل» لابن حزم (٢/ ١٠٨).
(٢١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» باب: كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا لم يُقاتِلْ أوَّلَ النَّهارِ أخَّرَ القتالَ حتَّى تزولَ الشَّمسُ (٢٩٦٦)، ومسلمٌ في «الجهاد والسِّيَر» (١٧٤٢)، مِنْ حديثِ عبدِ الله بنِ أبي أَوْفَى الأسلميِّ رضي الله عنهما.
(٢٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «التَّفسير» باب سورة الجاثية (٤٨٢٦)، ومسلمٌ في «الألفاظ مِنَ الأدب وغيرِها» (٢٢٤٦)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
قناة آثار العلامة محمد علي فركوس
Photo
• لا لتغريب المدرسة | من موقع الشيخ فركوس الجزائري حفظه الله
انطبع في أذهان كثير من التغريبيين فكرة غريبة، وهي أن إقحام مادة التربية الإسلامية في المنظومة التعليمية هو السبب في نمو ظاهرة العنف والإرهاب، وعابوا على المدرسة الجزائرية مثل هذا الإدراج، ورأوا أنَّ الإصلاح في الاستغناء عن مثل هذه المادة بالكلية، أو في التقليل من حجمها الساعي والتهوين من شأنها والوضع من معاملها في الامتحانات؛ وأن في مادة التربية المدنية عوضا عنها، مع تغليب اللغة الفرنسية؛ وهم بهذا يرمون إلى تغريب المدرسة و(عَلمَنتِها).
إن وظيفة المدرسة - كما يظهر لنا : هو العمل على تكوين التلميذ عقليا ومعرفياً وحتى بدنيا، فإن كانت ممارسة الرياضة البدنية حتما لازما، فليس من الحكمة أبدًا أن تغفل تكوينه الروحي الذي ينبغي أن يكون مواكباً لتكوينه البدني؛ لأنه إذا بلغ مرحلة المراهقة حيث تثور النزوات وتندفع الغرائز والشهوات لا يمكن تهذيبها ولا دفع غوائلها إلا إذا رَوَّدنا التلميذ بمعارف دينية تُرسِّخُ في نفسه شرف العلم والفضيلة، وجمال العفّة والحياء؛ وأن له ربًّا يطلع عليه ويراقبه؛ كما أن هذه المعرفة الدينية الصحيحة التي يتلقاها في مدرسته تصونه من المعاني الفاسدة والتأويلات الباطلة التي يمكن أن يتلقاها من جهات أخرى، وتكون عنده جدار حماية سميكا يمنع من أن يتسلل إلى قلبه أفكار الإرهاب والتكفير والغلو التي تموج بها وسائط الاتصال وشبكة الإنترنت.
فالدرس الديني عامل أساس في تكوين شخصية التلميذ المتكاملة، ويتيح له فرصة امتلاك الأدوات التي تساعده على فهم الحياة وولوج غمارها وخوض خُطوبها دون خوف أو تردُّد؛ لأنه مسلح بالعلم والإيمان.
وعلى هذا؛ لا نظن أن ناصحا أو مصلحًا يُريد الخير للبلاد والعباد يدعونا إلى أن نجعل التربية الدينية مادة ثانوية بالإمكان تجاوزها أو الاستغناء عنها، ولو أن هؤلاء التغريبيين اتهموا المنهج المقرر بأن فيه نقصا أو خللاً، أو اتهموا المدرس في علمه أو فهمه، قد يكون اتهامهم وجيها؛ أما أن يتعسفوا ويوجهوا أصابع الاتهام إلى مادة هي من أهم مواد الهوية فهو عين الظلم والإساءة.
وإننا نعتقد أنه لو أخذ التلميذ الدرس الديني من المعلم المؤهَّل وفق منهج سليم مبني على فهم صحيحالنشأ عندنا جيل متين الأخلاق، قوي العزيمة، صحيح الدين؛ صالح في نفسه، ومصلحلغيره؛ ونرى اليوم أنه مع قيام مادة التربية الدينية في مدارسنا إلا أنه لم يسلم شبابنا من رياحالشهوات والشبهات التي تعصف به من كل جانب فأضعفت دينه وقللت من حياءه وأضاعت عليه كثيرا من قيمه، فبات يعاني الانفصام في الشَّخصيَّةِ والتذبذب في الهوية، والسير في دروب الحياة على غير معالم واضحة، فكيف إذن لو أهملنا هذه المادة، ولم يأخذ التلميذ حاجته منها لتحفظه من هذه المزالق والمهالك ؟
فلو تكاتفت جهود المهتمين بالشأن التربوي على ترسيخ المعاني الدينية الصحيحة في نفوس الناشئة عبر مراحل التعليم، ما وُجِدَ بيننا أطباء يخونون مرضاهم، ولا مهندسون يغشون في مشاريعهم، ولا مسؤولون يختلسون أموالاً ليست لهم وهلم جرا... في سلسلة من نكبات أخلاقية رهيبة تعاني منها الأمة عناءً شديدًا.
ذلك؛ لأنَّ النفوس إذا ترسخت فيها معاني الإيمان امتلات جوانبها بخشية الله والخوف منه ومراقبته في السر والعلن وأثمر ذلك إتقان العمل والإحسان إلى الخلق والبعد عن كل أنواع الفساد في الأرض، والسعي في كل ما يعود بالخير والنفع على الوطن والمجتمع، وهي ملامح الشخصية التي تطمح المؤسسات التربوية الحديثة لإيجادها.
إنَّ منهج التربية والتعليم لكلِّ أُمَّةٍ إذا لم يُبْنَ على مقومات شخصيتها من دين ولغة ووطن، ولم يُراع معالم هويتها، فهو يسير في اتجاه مغاير لمصلحة الأمة، ويُقدِّم خدمة جليلة لأعدائها؛ نعم؛ ليس عيبا أن نستفيد من تجارب الأمم التي تقدمت في التكنولوجيا والمعرفة والتنظيم وطرق التدريس، لكن ليس على حساب الثوابت والأصول؛ فإنَّ الجيل الذي لم تغرس فيه أهم مقومات شخصية أمته ينشأ نشأة عَرْجَاءَ، فقد ينال علومًا ومعارف مختلفة؛ لكن لا تأمن معه أن يفشو فيه الإلحاد والخيانة، ويكثر فيه الإجرام والانحراف، ويسهل عليه الإفساد والعدوان؛ لأنَّ الرَّادِع - وهو الوازع الديني -قد أهمل في العملية التربوية.
أما طموحنا وطموح الآباء جميعا من التربية والتعليم أن يتكون عندنا جيل معظم لدينه وعقيدته، مفتخر بلسان قومه، حريص على نفع وطنه، يحمل نظرة صحيحة للحياة؛ ومتحليا بالفضائل والأعمال الصالحات.
وههنا أمر مهم يجب التنبه له وهو أنه جميل أن نسمع أصواتا مطالبة بإبقاء النصوص الشرعية آيات وأحاديث في الكتب، والتنديد بحذف شيء منها؛ لكن ما أحسن أن ترتفع الأصوات مطالبة بالاً تُصرف معاني هذه النصوص إلى معان جديدة لم يعرفها أهل العلم قديما ولا حديثا، حتى لا يتلقى الطلاب فهما للدين منكوسا ومحرفًا مقلوبًا على غير مُراد الله - عز وجل - ومراد رسوله ؛ إذ يعتقد بعض القائمين على أمر التعليم من المغلوبين فكريا
انطبع في أذهان كثير من التغريبيين فكرة غريبة، وهي أن إقحام مادة التربية الإسلامية في المنظومة التعليمية هو السبب في نمو ظاهرة العنف والإرهاب، وعابوا على المدرسة الجزائرية مثل هذا الإدراج، ورأوا أنَّ الإصلاح في الاستغناء عن مثل هذه المادة بالكلية، أو في التقليل من حجمها الساعي والتهوين من شأنها والوضع من معاملها في الامتحانات؛ وأن في مادة التربية المدنية عوضا عنها، مع تغليب اللغة الفرنسية؛ وهم بهذا يرمون إلى تغريب المدرسة و(عَلمَنتِها).
إن وظيفة المدرسة - كما يظهر لنا : هو العمل على تكوين التلميذ عقليا ومعرفياً وحتى بدنيا، فإن كانت ممارسة الرياضة البدنية حتما لازما، فليس من الحكمة أبدًا أن تغفل تكوينه الروحي الذي ينبغي أن يكون مواكباً لتكوينه البدني؛ لأنه إذا بلغ مرحلة المراهقة حيث تثور النزوات وتندفع الغرائز والشهوات لا يمكن تهذيبها ولا دفع غوائلها إلا إذا رَوَّدنا التلميذ بمعارف دينية تُرسِّخُ في نفسه شرف العلم والفضيلة، وجمال العفّة والحياء؛ وأن له ربًّا يطلع عليه ويراقبه؛ كما أن هذه المعرفة الدينية الصحيحة التي يتلقاها في مدرسته تصونه من المعاني الفاسدة والتأويلات الباطلة التي يمكن أن يتلقاها من جهات أخرى، وتكون عنده جدار حماية سميكا يمنع من أن يتسلل إلى قلبه أفكار الإرهاب والتكفير والغلو التي تموج بها وسائط الاتصال وشبكة الإنترنت.
فالدرس الديني عامل أساس في تكوين شخصية التلميذ المتكاملة، ويتيح له فرصة امتلاك الأدوات التي تساعده على فهم الحياة وولوج غمارها وخوض خُطوبها دون خوف أو تردُّد؛ لأنه مسلح بالعلم والإيمان.
وعلى هذا؛ لا نظن أن ناصحا أو مصلحًا يُريد الخير للبلاد والعباد يدعونا إلى أن نجعل التربية الدينية مادة ثانوية بالإمكان تجاوزها أو الاستغناء عنها، ولو أن هؤلاء التغريبيين اتهموا المنهج المقرر بأن فيه نقصا أو خللاً، أو اتهموا المدرس في علمه أو فهمه، قد يكون اتهامهم وجيها؛ أما أن يتعسفوا ويوجهوا أصابع الاتهام إلى مادة هي من أهم مواد الهوية فهو عين الظلم والإساءة.
وإننا نعتقد أنه لو أخذ التلميذ الدرس الديني من المعلم المؤهَّل وفق منهج سليم مبني على فهم صحيحالنشأ عندنا جيل متين الأخلاق، قوي العزيمة، صحيح الدين؛ صالح في نفسه، ومصلحلغيره؛ ونرى اليوم أنه مع قيام مادة التربية الدينية في مدارسنا إلا أنه لم يسلم شبابنا من رياحالشهوات والشبهات التي تعصف به من كل جانب فأضعفت دينه وقللت من حياءه وأضاعت عليه كثيرا من قيمه، فبات يعاني الانفصام في الشَّخصيَّةِ والتذبذب في الهوية، والسير في دروب الحياة على غير معالم واضحة، فكيف إذن لو أهملنا هذه المادة، ولم يأخذ التلميذ حاجته منها لتحفظه من هذه المزالق والمهالك ؟
فلو تكاتفت جهود المهتمين بالشأن التربوي على ترسيخ المعاني الدينية الصحيحة في نفوس الناشئة عبر مراحل التعليم، ما وُجِدَ بيننا أطباء يخونون مرضاهم، ولا مهندسون يغشون في مشاريعهم، ولا مسؤولون يختلسون أموالاً ليست لهم وهلم جرا... في سلسلة من نكبات أخلاقية رهيبة تعاني منها الأمة عناءً شديدًا.
ذلك؛ لأنَّ النفوس إذا ترسخت فيها معاني الإيمان امتلات جوانبها بخشية الله والخوف منه ومراقبته في السر والعلن وأثمر ذلك إتقان العمل والإحسان إلى الخلق والبعد عن كل أنواع الفساد في الأرض، والسعي في كل ما يعود بالخير والنفع على الوطن والمجتمع، وهي ملامح الشخصية التي تطمح المؤسسات التربوية الحديثة لإيجادها.
إنَّ منهج التربية والتعليم لكلِّ أُمَّةٍ إذا لم يُبْنَ على مقومات شخصيتها من دين ولغة ووطن، ولم يُراع معالم هويتها، فهو يسير في اتجاه مغاير لمصلحة الأمة، ويُقدِّم خدمة جليلة لأعدائها؛ نعم؛ ليس عيبا أن نستفيد من تجارب الأمم التي تقدمت في التكنولوجيا والمعرفة والتنظيم وطرق التدريس، لكن ليس على حساب الثوابت والأصول؛ فإنَّ الجيل الذي لم تغرس فيه أهم مقومات شخصية أمته ينشأ نشأة عَرْجَاءَ، فقد ينال علومًا ومعارف مختلفة؛ لكن لا تأمن معه أن يفشو فيه الإلحاد والخيانة، ويكثر فيه الإجرام والانحراف، ويسهل عليه الإفساد والعدوان؛ لأنَّ الرَّادِع - وهو الوازع الديني -قد أهمل في العملية التربوية.
أما طموحنا وطموح الآباء جميعا من التربية والتعليم أن يتكون عندنا جيل معظم لدينه وعقيدته، مفتخر بلسان قومه، حريص على نفع وطنه، يحمل نظرة صحيحة للحياة؛ ومتحليا بالفضائل والأعمال الصالحات.
وههنا أمر مهم يجب التنبه له وهو أنه جميل أن نسمع أصواتا مطالبة بإبقاء النصوص الشرعية آيات وأحاديث في الكتب، والتنديد بحذف شيء منها؛ لكن ما أحسن أن ترتفع الأصوات مطالبة بالاً تُصرف معاني هذه النصوص إلى معان جديدة لم يعرفها أهل العلم قديما ولا حديثا، حتى لا يتلقى الطلاب فهما للدين منكوسا ومحرفًا مقلوبًا على غير مُراد الله - عز وجل - ومراد رسوله ؛ إذ يعتقد بعض القائمين على أمر التعليم من المغلوبين فكريا
والمهزومين ثقافيًا أمام حضارة الغرب أن سبب نكستِنا وضعفنا هو التمسك بالإسلام على فهم السلف وعلماء الأمة؛ وأنَّ المخرج للحاقِ بركب الحضارة هو في إعادة صياغة الإسلام صياغة جديدة وتفسيره تفسيرًا حداثياً متوافقا مع العلمانية ومفاهيم اللائكية.
وهؤلاء التغريبيون أتوا من جهة أن عقولهم مُشبعة بثقافة غريبة عن ثقافة مجتمعهم، وألسنتهم لا تُحسن لغة قومهم، وهو ما يحجبهم عن إدراك عظمة الإسلام، والوصول إلى حقائق شريعته الناصعة، فضلاً عن التلذذ بكلام الله تعالى والشعور بكماله وحكمته وتذوق بلاغته العربية، لذا لا يجدون حرجًا في الطعن في هذا الموروث المعظم؛ والتهوين من شأن لغته العربية، مع أنَّ اللغة - كما يقول الإبراهيمي رحم الله : هي المقوم الأكبر من مقومات الاجتماع البشري، وما من أمة أضاعت لغتها إلا وأضاعت وجودها، واستتبع ضياع اللغة ضياع المقومات الأخرى» [«الآثار» (134/1)]؛ فمن اعتاد النظر إلى دينه ولغته بأعين أعدائه، أفرز عقله مثل هذه الأطروحات المشينة التي تظن ظن الجاهلية أن شريعة الإسلام تجاوزها الزمن وهي غير موائمة للحضارة الحديثة، وفي ذلك مساس فظيع بأعظم ثوابت الأمة، والعبث به يعني مسخ الهوية بكاملها.
أما المدرسة التي أشرف عليها العلماء؛ كالعلامة ابن باديس تحملله وأمثاله، فعملت على تثبيت مقومات الهوية من دين ولغة ووطن؛ شعارها الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا؛ وهو ما ساعد على نشوء جيل تحركت فيه الغيرة الدينية فقام مدافعا عن ثوابته في وجه العدو المستعمر ورده من حيث أتى خائبا مدحورًا، وما نظن أنه فعل ذلك إلا لأجل أن تواصل المدرسة التي وضع لبناتها العلامة ابن باديس تخلله مسيرتها آخذةً بعين الاعتبار المتغيرات، دون إخلال بالثوابت؛ فالتزحزح عن خط هذه المدرسة يعني الحيدة عن الجادة والبعد عن الصواب، والارتماء في المجهول ونكون كمن استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
وفي الأخير؛ يجب أن نعي أنَّ التلميذ إنسان يحمل بين جنبيه روحا، وهو بحاجة ماسة إلى تربية دينية مرجِعُها الوحي المنزل، تُحيي فيه الواعظ القلبي، وترسخ في وعيه أن شرفه وعزه وكرامته بقدر تمسكه بدينه؛ حتى لا تجرفه حبائل الشيطان المحيطة به، ويواصل حياته العلمية والعملية دون أن تنهار عنده الثوابت، أو تختل عنده المعايير، وبهذا نكون قد نجحنا في تكوين إنسان صالح قد حاز خيري الدنيا والآخرة؛ والله الهادي إلى سواء السبيل.
#الجزائر في : 15 صفر 1438هـ
المافق لـ05 نوفمبر 2016م
وهؤلاء التغريبيون أتوا من جهة أن عقولهم مُشبعة بثقافة غريبة عن ثقافة مجتمعهم، وألسنتهم لا تُحسن لغة قومهم، وهو ما يحجبهم عن إدراك عظمة الإسلام، والوصول إلى حقائق شريعته الناصعة، فضلاً عن التلذذ بكلام الله تعالى والشعور بكماله وحكمته وتذوق بلاغته العربية، لذا لا يجدون حرجًا في الطعن في هذا الموروث المعظم؛ والتهوين من شأن لغته العربية، مع أنَّ اللغة - كما يقول الإبراهيمي رحم الله : هي المقوم الأكبر من مقومات الاجتماع البشري، وما من أمة أضاعت لغتها إلا وأضاعت وجودها، واستتبع ضياع اللغة ضياع المقومات الأخرى» [«الآثار» (134/1)]؛ فمن اعتاد النظر إلى دينه ولغته بأعين أعدائه، أفرز عقله مثل هذه الأطروحات المشينة التي تظن ظن الجاهلية أن شريعة الإسلام تجاوزها الزمن وهي غير موائمة للحضارة الحديثة، وفي ذلك مساس فظيع بأعظم ثوابت الأمة، والعبث به يعني مسخ الهوية بكاملها.
أما المدرسة التي أشرف عليها العلماء؛ كالعلامة ابن باديس تحملله وأمثاله، فعملت على تثبيت مقومات الهوية من دين ولغة ووطن؛ شعارها الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا؛ وهو ما ساعد على نشوء جيل تحركت فيه الغيرة الدينية فقام مدافعا عن ثوابته في وجه العدو المستعمر ورده من حيث أتى خائبا مدحورًا، وما نظن أنه فعل ذلك إلا لأجل أن تواصل المدرسة التي وضع لبناتها العلامة ابن باديس تخلله مسيرتها آخذةً بعين الاعتبار المتغيرات، دون إخلال بالثوابت؛ فالتزحزح عن خط هذه المدرسة يعني الحيدة عن الجادة والبعد عن الصواب، والارتماء في المجهول ونكون كمن استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
وفي الأخير؛ يجب أن نعي أنَّ التلميذ إنسان يحمل بين جنبيه روحا، وهو بحاجة ماسة إلى تربية دينية مرجِعُها الوحي المنزل، تُحيي فيه الواعظ القلبي، وترسخ في وعيه أن شرفه وعزه وكرامته بقدر تمسكه بدينه؛ حتى لا تجرفه حبائل الشيطان المحيطة به، ويواصل حياته العلمية والعملية دون أن تنهار عنده الثوابت، أو تختل عنده المعايير، وبهذا نكون قد نجحنا في تكوين إنسان صالح قد حاز خيري الدنيا والآخرة؛ والله الهادي إلى سواء السبيل.
#الجزائر في : 15 صفر 1438هـ
المافق لـ05 نوفمبر 2016م
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
(حكم قول وشبي ربك)
لقد سأل الأخ الحبيب أبو معاوية منير الحاميدي فضيلة الشيخ فركوس في حكم
من يقول عند الخصام أو إذا غضب :" وشبي ربّك .. وحط ربّ هذا الشيء.. "
وإذا نوصح القائل قال أنا لا أقصد سب اللّه.. فهل هذا يعدّ كفرا ؟!
#الجواب:
" نعم هذا كلام كفري مستهجن فيه دلالة على امتهان وعدم تعظيم الله عزوجل.. ولأنه لم تجر العادة في كلّ المناطق على أن الربّ يعنى به صاحب الشيء..
تجدهم يسبون الله ويسبون دينه !! ممكن يسبّون من يقسم بينهم الأرزاق.. عبارة قسامك.. قسّام الأرزاق.. يسبّه.. وهذا دليل على أنّه لايعظّم الله عزوجل. فلو كان فوق رأسه إنسان جبار وفرعوني يقطع الرؤوس لما تكلم بهذا اللفظ... فمابالك يسب اللٌه وهو يعلم به وهو قادر عليه.. فيضمر اللعن.. وتسمع ربك.. ومرات بدل اللّعن يقولون كلام فحش .. ويظنون أنه بهذا ينتفخ ويصبح قويا ..
قد أجمع أهل العلم أن من استهزء بشيء من الدّين معلوم بالضرورة أنه يكفر .. واتفقوا أنّ السبّ أشدّ من الاستهزاء.. ففي قول اللّه: لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم.. الآية. بعدما قالوا إنما كنا نخوض ونلعب.. كفروا بهذا الاستهزاء .
الذي يستهزء بالصّلاة.. والصّيام، وبشعار المسلمين... أو يُنكّت عليهم ..
أو في التّمثيليات ليُضحك الناس.. كل هذا استهزاء.. وهو كفر.. والواجب على من وقع فيه التوبة وتجديد إيمانه..
السبّ أشدّ من ذلك.. سواء أظهر أو أضمر..وهذا كفر صريح .. لا احتمال له.. قصد أو لم يقصد .. لا ننظر لنيّته.. هناك أمور تحتاج إلى بحث في النيّة، نعم. لكن هذا لابد أن يبادر إلى التوبة .. والرجوع إلى اللّه والكفّ عن مثل هذا الكلام.. ولهذا جاء في الحديث يقول الكلمة لا يلقي لها بال تهوي به في النار سبعين خريفا.. والمالكية في الحكم على هذا أشد من كل المذاهب...
مَجْلِس اَلْقُبَّةِ لِشَيْخِنَا أَبِي عَبْد اَلْمُعِزْ مُحَمَّدْ عَلِي فرْكُوسْ - حَفِظَهُ اَللَّهُ - الخميس 27 رَجَبْ 1445 هـ
___
الخلاصة قول واشبي قسامك. واشبي ربك .جيب ربها"أستغفر اللّه"
قال الشيخ فركوس
هذا كفر صريح سواءا قصد أو لم يقصد واجب عليه المبادرة إلى التوبة ]
#منقول
لقد سأل الأخ الحبيب أبو معاوية منير الحاميدي فضيلة الشيخ فركوس في حكم
من يقول عند الخصام أو إذا غضب :" وشبي ربّك .. وحط ربّ هذا الشيء.. "
وإذا نوصح القائل قال أنا لا أقصد سب اللّه.. فهل هذا يعدّ كفرا ؟!
#الجواب:
" نعم هذا كلام كفري مستهجن فيه دلالة على امتهان وعدم تعظيم الله عزوجل.. ولأنه لم تجر العادة في كلّ المناطق على أن الربّ يعنى به صاحب الشيء..
تجدهم يسبون الله ويسبون دينه !! ممكن يسبّون من يقسم بينهم الأرزاق.. عبارة قسامك.. قسّام الأرزاق.. يسبّه.. وهذا دليل على أنّه لايعظّم الله عزوجل. فلو كان فوق رأسه إنسان جبار وفرعوني يقطع الرؤوس لما تكلم بهذا اللفظ... فمابالك يسب اللٌه وهو يعلم به وهو قادر عليه.. فيضمر اللعن.. وتسمع ربك.. ومرات بدل اللّعن يقولون كلام فحش .. ويظنون أنه بهذا ينتفخ ويصبح قويا ..
قد أجمع أهل العلم أن من استهزء بشيء من الدّين معلوم بالضرورة أنه يكفر .. واتفقوا أنّ السبّ أشدّ من الاستهزاء.. ففي قول اللّه: لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم.. الآية. بعدما قالوا إنما كنا نخوض ونلعب.. كفروا بهذا الاستهزاء .
الذي يستهزء بالصّلاة.. والصّيام، وبشعار المسلمين... أو يُنكّت عليهم ..
أو في التّمثيليات ليُضحك الناس.. كل هذا استهزاء.. وهو كفر.. والواجب على من وقع فيه التوبة وتجديد إيمانه..
السبّ أشدّ من ذلك.. سواء أظهر أو أضمر..وهذا كفر صريح .. لا احتمال له.. قصد أو لم يقصد .. لا ننظر لنيّته.. هناك أمور تحتاج إلى بحث في النيّة، نعم. لكن هذا لابد أن يبادر إلى التوبة .. والرجوع إلى اللّه والكفّ عن مثل هذا الكلام.. ولهذا جاء في الحديث يقول الكلمة لا يلقي لها بال تهوي به في النار سبعين خريفا.. والمالكية في الحكم على هذا أشد من كل المذاهب...
مَجْلِس اَلْقُبَّةِ لِشَيْخِنَا أَبِي عَبْد اَلْمُعِزْ مُحَمَّدْ عَلِي فرْكُوسْ - حَفِظَهُ اَللَّهُ - الخميس 27 رَجَبْ 1445 هـ
___
الخلاصة قول واشبي قسامك. واشبي ربك .جيب ربها"أستغفر اللّه"
قال الشيخ فركوس
هذا كفر صريح سواءا قصد أو لم يقصد واجب عليه المبادرة إلى التوبة ]
#منقول
👍4
قناة آثار العلامة محمد علي فركوس
(حكم قول وشبي ربك) لقد سأل الأخ الحبيب أبو معاوية منير الحاميدي فضيلة الشيخ فركوس في حكم من يقول عند الخصام أو إذا غضب :" وشبي ربّك .. وحط ربّ هذا الشيء.. " وإذا نوصح القائل قال أنا لا أقصد سب اللّه.. فهل هذا يعدّ كفرا ؟! #الجواب: " نعم هذا كلام كفري مستهجن…
الواحب النشر على أوسع نطاق لأن الأمر عملت به البلوى والوقوع فيه قد كثر من الناس.
نسأل الله السلامة والعافية.
نسأل الله السلامة والعافية.
جديد
.
في حُكمِ تزويرِ العُقودِ والوثائقِ للتَّوصُّلِ إلى مقصودٍ نَفْعيٍّ
السُّؤال:
قامَ رجلٌ بِاسْتخراجِ أوراقٍ ووَثائقَ إداريَّةٍ وعلى رأسِها الجنسيَّةُ باسْمٍ عائليٍّ مزوَّرٍ كُلِّيًّا [أي: أنَّ اسْمَ المعنيِّ بالأمرِ واسْمَ أبيهِ وأُمِّه مُختَلَقٌ مَكذوبٌ]؛ واتَّفقَ على هذا الإجراءِ مع أُناسٍ لا علاقَةَ له بهم في إِحدَى الدُّوَلِ الإفريقيَّةِ المُجاوِرَة لأسبابٍ خاصَّةٍ منها: تَسهيلُ التَّنقُّلِ والسَّفرِ مِنْ غيرِ إجراءاتٍ صعبَةٍ ومعقَّدةٍ، وإمكانيَّةُ امْتِلاكِ العَقَارِ والسَّكنِ وشِرائه وبَيعِه، وتغييرُ العُملةِ وصَرفُها، وتدريسُ الأولادِ في مَدارِسَ خاصَّةٍ، ونحوُ ذلك مِنَ المَنافِعِ؛ وبعد مرورِ فترةٍ زمنيَّةٍ ـ وهو على هذه الحالِ ـ أرادَ التَّوبَةَ إلى الله مِنْ هذه الأفعالِ السَّابقَةِ الَّتي ترتَّبَ عليها امتلاكُ عَقَارٍ وحقوقُ الأولادِ ووثائِقُهم الإداريَّةُ وشهاداتُهم المدرسيَّةُ بهذا الاسْمِ المُختَلَقِ؛ وقد دايَنَ به؛ فهل يتنازَلُ عن الجنسيَّةِ وعمَّا يترتَّبُ عليها؟ وإذا كان الجوابُ بالاحتفاظِ بالوثائِقِ فما الحلُّ بالنِّسبَةِ لإشكالاتِ الميراثِ المُحتمَلَةِ؛ لأنِّي وأولادي لَسنَا بأسمائِنا الأصليَّةِ؛ فما الحلُّ؟ وجوابُكم ضروريٌّ؛ وجزاكُم الله خيرًا.
الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلام على مَنْ أرسلَهُ الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فيُشرَعُ لكُلِّ شخصٍ أَنْ يسعَى لتحقيقِ الحظِّ لنَفسِه، وأَنْ يأخُذَ نصيبَه مِنَ الخيرِ والفَضْلِ، غيرَ أنَّ سعيَهُ يجبُ أَنْ يَتِمَّ بالوسائلِ المشروعَةِ، وليسَ مِنَ المشروعِ ـ ألبتَّةَ ـ أَنْ يتَّخِذَ وسيلةَ تَزويرِ الوثائقِ والعُقودِ والمُستنَداتِ الإداريَّةِ بشهاداتٍ باطلَةٍ وادِّعاءاتٍ كاذبَةٍ، سواءٌ تَعلَّقَ أمرُ التَّزويرِ بالجنسيَّةِ أو غيرِها مِنَ الوثائِقِ الشَّخصيَّةِ أو الإداريَّةِ للتَّوصُّلِ إلى مَقصدٍ صَحيحٍ أو بُغيَةٍ جائِزةٍ، حتَّى ولو كانَ القصدُ بذلك الوصولَ إلى الحقِّ، فهذا يتنافى معَ مقاصِدِ الشَّريعةِ الَّتي تنصُّ على أنَّ «دَرْءَ المَفسدةِ أَوْلى مِنْ جلبِ المَصلحةِ»، وأيُّ مفسدةٍ أعظمُ مِنْ شَهادةِ الزُّورِ الَّتي أَجمعَ العُلماءُ على تحريمِها، وأنَّها مِنَ الكبائرِ(١)، لِقولِ الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]، ولحديثِ أبي بَكرةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» قُلْنَا: «بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ»، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ»، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ»، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ(٢)؛ علمًا أنَّ المَقاصِدَ إِنْ كانت حسنةً أو جائزةً بِاعْتبارِ غاياتِها فلا تُبرِّرُ الوسيلةَ إليها إِنْ كانت فعلًا محرَّمًا أو تصرُّفًا منهيًّا عنه، والقاعِدَةُ الميكيافليَّةُ الزَّاعمَةُ أنَّ «الغايةَ تبرِّرُ الوسيلةَ» فهي باطلةٌ في شريعَتِنا، فالتَّعامُلُ بالوسائِلِ المُحرَّمَةِ كالتَّعامُلِ بالمقاصِدِ السَّيِّئةِ المنهيِّ عنها، لذلك فهو آثِمٌ عاصٍ بفعلِه، غير أنَّهُ يَأثَمُ على الوَسيلةِ المحرَّمَةِ دون المقصود الجائِزِ، وكفَّارةُ التَّزويرِ هي التَّوبَةُ إلى الله بشُروطِها المعهودَةِ وهي: الاعترافُ بخطيئَةِ التَّزويرِ وما آلتْ إليه، والنَّدمُ على ارتكابِها واتِّخاذِها وسيلةً محرَّمةً، والإنابَةُ إلى الله، وعدمُ الإصرارِ على هذه الخطيئَةِ ولا على غيرها مِنَ الذُّنوبِ والآثامِ، والرُّجوعُ إلى الوثائِقِ الأولى والمُستنَداتِ الأصليَّةِ، والعدولُ عن العُقودِ والوثائِقِ المُزوَّرَةِ، تصحيحًا لوضعيَّتِه القانونيَّةِ؛ فإِنْ تعذَّرَ عليه معرفةُ طُرُقِ التَّخلُّص منها؛ فلَهُ أَنْ يستَعينَ بمُستَشارٍ قانونيٍّ ليُبيِّنَ له الاجراءاتِ لتَصحيحِ وضعيَّتِه الحُقوقِيَّة وتجنُّبِ العُقوباتِ المترتِّبَة على التَّزويرِ، كمَا يجبُ عليه ردُّ المظالِم ـ إِنْ وُجِدَت ـ إلى أهلِها، وإذا كانَ لا يعلَمُ أهلَها فإنَّه يجبُ عليهِ التَّصدُّقُ على ذِمَّتِهم مِنْ أجلِ تَعويضِهم عنها.
هذا، ولا يجوزُ ـ بحالٍ ـ أَنْ يَنتَسِبَ أو يُدْعى إلى غيرِ أبيهِ، سواءٌ مِنْ جِهَتِه أو مِنْ جهةِ أولادِه، لقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ [أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ] فَالجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ»(٣)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا»(٤).
.
في حُكمِ تزويرِ العُقودِ والوثائقِ للتَّوصُّلِ إلى مقصودٍ نَفْعيٍّ
السُّؤال:
قامَ رجلٌ بِاسْتخراجِ أوراقٍ ووَثائقَ إداريَّةٍ وعلى رأسِها الجنسيَّةُ باسْمٍ عائليٍّ مزوَّرٍ كُلِّيًّا [أي: أنَّ اسْمَ المعنيِّ بالأمرِ واسْمَ أبيهِ وأُمِّه مُختَلَقٌ مَكذوبٌ]؛ واتَّفقَ على هذا الإجراءِ مع أُناسٍ لا علاقَةَ له بهم في إِحدَى الدُّوَلِ الإفريقيَّةِ المُجاوِرَة لأسبابٍ خاصَّةٍ منها: تَسهيلُ التَّنقُّلِ والسَّفرِ مِنْ غيرِ إجراءاتٍ صعبَةٍ ومعقَّدةٍ، وإمكانيَّةُ امْتِلاكِ العَقَارِ والسَّكنِ وشِرائه وبَيعِه، وتغييرُ العُملةِ وصَرفُها، وتدريسُ الأولادِ في مَدارِسَ خاصَّةٍ، ونحوُ ذلك مِنَ المَنافِعِ؛ وبعد مرورِ فترةٍ زمنيَّةٍ ـ وهو على هذه الحالِ ـ أرادَ التَّوبَةَ إلى الله مِنْ هذه الأفعالِ السَّابقَةِ الَّتي ترتَّبَ عليها امتلاكُ عَقَارٍ وحقوقُ الأولادِ ووثائِقُهم الإداريَّةُ وشهاداتُهم المدرسيَّةُ بهذا الاسْمِ المُختَلَقِ؛ وقد دايَنَ به؛ فهل يتنازَلُ عن الجنسيَّةِ وعمَّا يترتَّبُ عليها؟ وإذا كان الجوابُ بالاحتفاظِ بالوثائِقِ فما الحلُّ بالنِّسبَةِ لإشكالاتِ الميراثِ المُحتمَلَةِ؛ لأنِّي وأولادي لَسنَا بأسمائِنا الأصليَّةِ؛ فما الحلُّ؟ وجوابُكم ضروريٌّ؛ وجزاكُم الله خيرًا.
الجواب:
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلام على مَنْ أرسلَهُ الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فيُشرَعُ لكُلِّ شخصٍ أَنْ يسعَى لتحقيقِ الحظِّ لنَفسِه، وأَنْ يأخُذَ نصيبَه مِنَ الخيرِ والفَضْلِ، غيرَ أنَّ سعيَهُ يجبُ أَنْ يَتِمَّ بالوسائلِ المشروعَةِ، وليسَ مِنَ المشروعِ ـ ألبتَّةَ ـ أَنْ يتَّخِذَ وسيلةَ تَزويرِ الوثائقِ والعُقودِ والمُستنَداتِ الإداريَّةِ بشهاداتٍ باطلَةٍ وادِّعاءاتٍ كاذبَةٍ، سواءٌ تَعلَّقَ أمرُ التَّزويرِ بالجنسيَّةِ أو غيرِها مِنَ الوثائِقِ الشَّخصيَّةِ أو الإداريَّةِ للتَّوصُّلِ إلى مَقصدٍ صَحيحٍ أو بُغيَةٍ جائِزةٍ، حتَّى ولو كانَ القصدُ بذلك الوصولَ إلى الحقِّ، فهذا يتنافى معَ مقاصِدِ الشَّريعةِ الَّتي تنصُّ على أنَّ «دَرْءَ المَفسدةِ أَوْلى مِنْ جلبِ المَصلحةِ»، وأيُّ مفسدةٍ أعظمُ مِنْ شَهادةِ الزُّورِ الَّتي أَجمعَ العُلماءُ على تحريمِها، وأنَّها مِنَ الكبائرِ(١)، لِقولِ الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]، ولحديثِ أبي بَكرةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» قُلْنَا: «بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ»، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ»، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ»، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ(٢)؛ علمًا أنَّ المَقاصِدَ إِنْ كانت حسنةً أو جائزةً بِاعْتبارِ غاياتِها فلا تُبرِّرُ الوسيلةَ إليها إِنْ كانت فعلًا محرَّمًا أو تصرُّفًا منهيًّا عنه، والقاعِدَةُ الميكيافليَّةُ الزَّاعمَةُ أنَّ «الغايةَ تبرِّرُ الوسيلةَ» فهي باطلةٌ في شريعَتِنا، فالتَّعامُلُ بالوسائِلِ المُحرَّمَةِ كالتَّعامُلِ بالمقاصِدِ السَّيِّئةِ المنهيِّ عنها، لذلك فهو آثِمٌ عاصٍ بفعلِه، غير أنَّهُ يَأثَمُ على الوَسيلةِ المحرَّمَةِ دون المقصود الجائِزِ، وكفَّارةُ التَّزويرِ هي التَّوبَةُ إلى الله بشُروطِها المعهودَةِ وهي: الاعترافُ بخطيئَةِ التَّزويرِ وما آلتْ إليه، والنَّدمُ على ارتكابِها واتِّخاذِها وسيلةً محرَّمةً، والإنابَةُ إلى الله، وعدمُ الإصرارِ على هذه الخطيئَةِ ولا على غيرها مِنَ الذُّنوبِ والآثامِ، والرُّجوعُ إلى الوثائِقِ الأولى والمُستنَداتِ الأصليَّةِ، والعدولُ عن العُقودِ والوثائِقِ المُزوَّرَةِ، تصحيحًا لوضعيَّتِه القانونيَّةِ؛ فإِنْ تعذَّرَ عليه معرفةُ طُرُقِ التَّخلُّص منها؛ فلَهُ أَنْ يستَعينَ بمُستَشارٍ قانونيٍّ ليُبيِّنَ له الاجراءاتِ لتَصحيحِ وضعيَّتِه الحُقوقِيَّة وتجنُّبِ العُقوباتِ المترتِّبَة على التَّزويرِ، كمَا يجبُ عليه ردُّ المظالِم ـ إِنْ وُجِدَت ـ إلى أهلِها، وإذا كانَ لا يعلَمُ أهلَها فإنَّه يجبُ عليهِ التَّصدُّقُ على ذِمَّتِهم مِنْ أجلِ تَعويضِهم عنها.
هذا، ولا يجوزُ ـ بحالٍ ـ أَنْ يَنتَسِبَ أو يُدْعى إلى غيرِ أبيهِ، سواءٌ مِنْ جِهَتِه أو مِنْ جهةِ أولادِه، لقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ [أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ] فَالجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ»(٣)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا»(٤).
أمَّا الأموالُ التِّجاريَّةُ والماليَّةُ المُباحةُ فهي مَشروعةٌ لأنَّها مِنْ كَسبِه وعملِه، وكذلك مَا أَجْراهُ مِنْ صفَقاتِ بيعٍ أو شراءٍ وغيرها مِنَ المُعاملاتِ الماليَّةِ المشروعَةِ والمُباحَةِ فهي صَحيحةٌ يمتَلِكُها بكسبِهِ الحلالِ، وهي محلٌّ لإرثِ أولادِه والمُستحِقِّينَ لها مِنَ الورثةِ؛ بِغَضِّ النَّظرِ عن تَزويرِ أوراقِ الجنسيَّةِ الَّتي يجبُ تَصحيحُ حالَتِها بالرُّجوعِ إلى أَصلِ النَّسَب.
والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: ٢٩ جمادى الأولى ١٤٤٧ﻫ
الموافق ﻟ : ٢٠ نـوفمبر ٢٠٢٥ م
والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.
الجزائر في: ٢٩ جمادى الأولى ١٤٤٧ﻫ
الموافق ﻟ : ٢٠ نـوفمبر ٢٠٢٥ م
قال العلاّمة محمد علي فركوس حفظه الله :
♦️👈لا خلافَ في أنَّ المُسافِرَ الضاربَ في الأرضِ السائرَ في الطريق يَقْصُرُ صلاتَه ما دامَ في سفرِه، ولكنَّ الخلاف في المسافر إذا أقامَ ببلدٍ لحاجةٍ ينتظر قضاءَها ولم يَنْوِ الإقامةَ الدائمة فيه، ولا يعلم متى يرجع مِنْ سفره؛ فإنَّ حُكْمَهُ القَصْرُ ولو أقامَ مُدَّةً طويلةً تفوق مدَّةَ القَصْر ـ أي: ولو أقامَ سنينَ ـ ما لم يُصَلِّ وراءَ إمامٍ مُقيمٍ أو يَنْوِ استيطانَ البلد الذي سافَرَ إليه، وهو ـ عندي ـ أَرْجَحُ أقوالِ أهلِ العلم، وبه قال إسحاقُ بنُ راهويه، ورُوِيَ هذا عن ابنِ عُمَرَ وأنسٍ وغيرِهما؛ لأنَّ الإقامةَ لا تخرج عن حكمِ السفر؛ سواءٌ طالَتْ أم قَصُرَتْ إذا لم يَسْتوطِنِ المكانَ، وهو ما اختارَهُ ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ، ونَقَلَ ابنُ قدامة عن ابنِ المنذر ـ رحمهما الله ـ إجماعَ أهل العلمِ «أنَّ للمسافرِ أَنْ يَقْصُرَ ما لم يُجْمِعْ إقامةً وإِنْ أتى عليه سِنُونَ»؛ وذلك لأنه ليس في كتابِ اللهِ وسنَّةِ رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا مقيمٌ ومسافرٌ كما قال تعالى: ﴿يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ﴾، والمُقيمُ هو المُسْتوطِنُ الذي اتَّخَذَ مَسْكَنًا خاصًّا يَنْوِي الإقامةَ فيه مُطْمَئِنًّا؛ فهذا لا يُشْرَعُ له القَصْرُ.
🔹️[ الفتوى (رقم: ٥٦) ]
♦️👈لا خلافَ في أنَّ المُسافِرَ الضاربَ في الأرضِ السائرَ في الطريق يَقْصُرُ صلاتَه ما دامَ في سفرِه، ولكنَّ الخلاف في المسافر إذا أقامَ ببلدٍ لحاجةٍ ينتظر قضاءَها ولم يَنْوِ الإقامةَ الدائمة فيه، ولا يعلم متى يرجع مِنْ سفره؛ فإنَّ حُكْمَهُ القَصْرُ ولو أقامَ مُدَّةً طويلةً تفوق مدَّةَ القَصْر ـ أي: ولو أقامَ سنينَ ـ ما لم يُصَلِّ وراءَ إمامٍ مُقيمٍ أو يَنْوِ استيطانَ البلد الذي سافَرَ إليه، وهو ـ عندي ـ أَرْجَحُ أقوالِ أهلِ العلم، وبه قال إسحاقُ بنُ راهويه، ورُوِيَ هذا عن ابنِ عُمَرَ وأنسٍ وغيرِهما؛ لأنَّ الإقامةَ لا تخرج عن حكمِ السفر؛ سواءٌ طالَتْ أم قَصُرَتْ إذا لم يَسْتوطِنِ المكانَ، وهو ما اختارَهُ ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ، ونَقَلَ ابنُ قدامة عن ابنِ المنذر ـ رحمهما الله ـ إجماعَ أهل العلمِ «أنَّ للمسافرِ أَنْ يَقْصُرَ ما لم يُجْمِعْ إقامةً وإِنْ أتى عليه سِنُونَ»؛ وذلك لأنه ليس في كتابِ اللهِ وسنَّةِ رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا مقيمٌ ومسافرٌ كما قال تعالى: ﴿يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ﴾، والمُقيمُ هو المُسْتوطِنُ الذي اتَّخَذَ مَسْكَنًا خاصًّا يَنْوِي الإقامةَ فيه مُطْمَئِنًّا؛ فهذا لا يُشْرَعُ له القَصْرُ.
🔹️[ الفتوى (رقم: ٥٦) ]
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
خمسُ أسابيعَ تمُرُّ على غيابِ شيخنا علاّمةِ البلد …
فاللّهُم ياواحد ياأحد يافردُ ياصمد ألبسهُ لباس الصحّة والعافية و أطِل عُمُرَهُ على عملٍ صالح ورُدَّهُ إلى أبنائه فقد أضناهُم الغياب
فاللّهُم ياواحد ياأحد يافردُ ياصمد ألبسهُ لباس الصحّة والعافية و أطِل عُمُرَهُ على عملٍ صالح ورُدَّهُ إلى أبنائه فقد أضناهُم الغياب
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
جديد
في حُكمِ زكاةِ الشُّوفان أو الخرطال
السؤال:
هل في الشُّوفانِ أو الخرطال زكاةٌ؟ وكيف يتمُّ إخراجُه؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.
الجواب:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فالشُّوفان الزِّراعيُّ أو الخرطالُ أو القُرْطُمَان أو غيرُها مِنَ التَّسمياتِ: هو نوعٌ مِنَ الحبوب المُغذِّيَةِ الكاملة، تُستخدَمُ بذورُه في تغذيةِ الإنسانِ والحيوانِ، وحُكمُه يدورُ بين العملِ بعمومِ العِلَّةِ أو الاقتصارِ على النَّصِّ:
• فمَنِ اعتبر العلَّةَ ـ وهي: الاقتياتُ(١) والادِّخارُ والكيلُ أو بعضُها ـ المُستنبَطةُ مِنْ عمومِ قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «ولَيْسَ فيمَا دُونَ خَمسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ»(٢)، وفي رواية:ٍ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ»(٣)؛ فالحديثُ يدلُّ على وجوب الزَّكاة في المُقتاتِ المُدَّخَرِ والمَكيل، لأنَّ الَّذي يُكالُ أو يُوسَّقُ ـ في العادة ـ إنَّما هو الَّذي يُقتاتُ به ويُدَّخَرُ، ولعموم لفظةِ الحَبِّ ـ عنده ـ للذُّرَةِ والسُّلت والدُّخْن والأَرُزِّ والعَدَس وغيرِها؛ وضعَّفَ حديثَ أبي موسى ومُعاذِ بنِ جبلٍ رضي اللهُ عنهما(٤) في الباب ـ الَّذي سيأتي ذِكرُه ـ قال: إنَّ الشُّوفانَ وغيرَه مِنَ الزُّروعِ الَّتي تَتحقَّقُ فيها العِلَّةُ تُزكَّى بنِسبةِ العُشرِ إِنْ كان يُسقَى بماءِ المَطر، أو نصفِ العُشر إِنْ كان يُسقَى بالتَّكلُفةِ والنَّضح، لقول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ»(٥).
علمًا أنَّه لا زكاةَ واجبة إلَّا بعد تحقُّقِ النِّصابِ وهو خمسةُ أَوْسقٍ، والوَسْقُ بسِتِّين صاعًا؛ وتُؤتَى زكاتُه يومَ حصادِه للآية: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦ﴾ [الأنعام: ١٤١]؛ فأمَرَ اللهُ تعالى بإخراجِ هذا الحقِّ المُتمثِّلِ في الزَّكاةِ المفروضةِ في الزُّروعِ والثِّمار في اليوم الَّذي يَتِمُّ فيه الحصادُ أو الجدادُ(٦) (قطفُ الثِّمار).
· ومَنْ صحَّح حديثَ أبي موسى ومُعاذٍ رضي الله عنهما وما في معناه مِنَ الحصر، واقتصر على ما ورَدَ به النَّصُّ وهو القمحُ والشَّعيرُ والتَّمرُ والزَّبيبُ تنصيصًا وحصرًا، أو قصَرَ لفظةَ الحبِّ ـ في حديثِ أبي سعيدٍ رضي الله عنه السَّابقِ ـ على القمح والشَّعير دون غيرهما لغةً(٧)، ولم يُعلِّلِ الحُكمَ؛ قال: لا زكاةَ في الشُّوفان ولا غيرِه مِنَ الزُّروع إلَّا في الأصنافِ الأربعةِ السَّالفةِ الذِّكرِ؛ فقَدْ روى البيهقيُّ وغيرُه عن أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُمَا إِلَى اليَمَنِ، فَأَمَرَهُمَا أَنْ يُعَلِّمَا النَّاسَ أَمْرَ دِينِهِمْ وَقَالَ: «لَا تَأْخُذَا فِي الصَّدَقَةِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الأَصْنَافِ الأَرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ وَالحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ»(٨)؛ وعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: «عِنْدَنَا كِتَابُ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنَ الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ»(٩)، وعن موسى بنِ طلحة عن عمرَ بنِ الخطَّاب رضي الله عنه قال: «إِنَّمَا سَنَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ فِي هَذِهِ الأَرْبَعَةِ: الحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ»(١٠)، وهذه الأحاديثُ وغيرُها وإِنْ كان فيها بعضُ المَقالِ فإنَّها مع غيرِها تَتقوَّى ببعضٍ؛ فقَدْ حصَرَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الزَّكاةَ في الأصناف الأربعة؛ والأصلُ ـ عند مَنْ ثبَتَ عنده حُكْمُ هذه الأحاديثِ بمجموعها ـ براءةُ الذِّمَّةِ حتَّى يقومَ الدَّليلُ على الوجوبِ في غيرِها.
والظَّاهرُ الرَّاجحُ: أنَّ الشُّوفانَ الزِّراعيَّ ـ وإِنْ كان معدودًا مِنَ الحبوب المُغذِّيَةِ والمُدَّخَرةِ، وتخضع للمِكيال الإسلاميِّ، وليست مِنَ الخُضرَوَات والفواكه الَّتي لا يُقتاتُ بها ولا تُدَّخَرُ ـ إلَّا أنَّه يُعكِّر على القولِ بوجوب إخراجِ الزَّكاةِ فيه كالأصناف المنصوصِ عليها: حديثُ أبي موسى ومُعاذٍ رضي الله عنهما المُتقدَّمُ حين بَعَثَهما رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى اليمن يُعلِّمان النَّاسَ أَمْرَ دِينِهم، فكان ممَّا قال: «لَا تَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الأَرْبَعةِ: الشَّعِيرِ والحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ»، وهذه المذكوراتُ في الحديثِ مُجْمَعٌ عليها(١١)، قد خصَّها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأَعْرَضَ عمَّا سِواها، وقد كان يَعلمُ أنَّ للنَّاس أقواتًا وأموالًا ممَّا تُخْرِجُ الأرضُ سِواها؛ فكان تركُه ذلك وإعراضُه عنه عفوًا منه
في حُكمِ زكاةِ الشُّوفان أو الخرطال
السؤال:
هل في الشُّوفانِ أو الخرطال زكاةٌ؟ وكيف يتمُّ إخراجُه؟ وجزاكم اللهُ خيرًا.
الجواب:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:
فالشُّوفان الزِّراعيُّ أو الخرطالُ أو القُرْطُمَان أو غيرُها مِنَ التَّسمياتِ: هو نوعٌ مِنَ الحبوب المُغذِّيَةِ الكاملة، تُستخدَمُ بذورُه في تغذيةِ الإنسانِ والحيوانِ، وحُكمُه يدورُ بين العملِ بعمومِ العِلَّةِ أو الاقتصارِ على النَّصِّ:
• فمَنِ اعتبر العلَّةَ ـ وهي: الاقتياتُ(١) والادِّخارُ والكيلُ أو بعضُها ـ المُستنبَطةُ مِنْ عمومِ قولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «ولَيْسَ فيمَا دُونَ خَمسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ»(٢)، وفي رواية:ٍ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسَاقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ»(٣)؛ فالحديثُ يدلُّ على وجوب الزَّكاة في المُقتاتِ المُدَّخَرِ والمَكيل، لأنَّ الَّذي يُكالُ أو يُوسَّقُ ـ في العادة ـ إنَّما هو الَّذي يُقتاتُ به ويُدَّخَرُ، ولعموم لفظةِ الحَبِّ ـ عنده ـ للذُّرَةِ والسُّلت والدُّخْن والأَرُزِّ والعَدَس وغيرِها؛ وضعَّفَ حديثَ أبي موسى ومُعاذِ بنِ جبلٍ رضي اللهُ عنهما(٤) في الباب ـ الَّذي سيأتي ذِكرُه ـ قال: إنَّ الشُّوفانَ وغيرَه مِنَ الزُّروعِ الَّتي تَتحقَّقُ فيها العِلَّةُ تُزكَّى بنِسبةِ العُشرِ إِنْ كان يُسقَى بماءِ المَطر، أو نصفِ العُشر إِنْ كان يُسقَى بالتَّكلُفةِ والنَّضح، لقول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ»(٥).
علمًا أنَّه لا زكاةَ واجبة إلَّا بعد تحقُّقِ النِّصابِ وهو خمسةُ أَوْسقٍ، والوَسْقُ بسِتِّين صاعًا؛ وتُؤتَى زكاتُه يومَ حصادِه للآية: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦ﴾ [الأنعام: ١٤١]؛ فأمَرَ اللهُ تعالى بإخراجِ هذا الحقِّ المُتمثِّلِ في الزَّكاةِ المفروضةِ في الزُّروعِ والثِّمار في اليوم الَّذي يَتِمُّ فيه الحصادُ أو الجدادُ(٦) (قطفُ الثِّمار).
· ومَنْ صحَّح حديثَ أبي موسى ومُعاذٍ رضي الله عنهما وما في معناه مِنَ الحصر، واقتصر على ما ورَدَ به النَّصُّ وهو القمحُ والشَّعيرُ والتَّمرُ والزَّبيبُ تنصيصًا وحصرًا، أو قصَرَ لفظةَ الحبِّ ـ في حديثِ أبي سعيدٍ رضي الله عنه السَّابقِ ـ على القمح والشَّعير دون غيرهما لغةً(٧)، ولم يُعلِّلِ الحُكمَ؛ قال: لا زكاةَ في الشُّوفان ولا غيرِه مِنَ الزُّروع إلَّا في الأصنافِ الأربعةِ السَّالفةِ الذِّكرِ؛ فقَدْ روى البيهقيُّ وغيرُه عن أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُمَا إِلَى اليَمَنِ، فَأَمَرَهُمَا أَنْ يُعَلِّمَا النَّاسَ أَمْرَ دِينِهِمْ وَقَالَ: «لَا تَأْخُذَا فِي الصَّدَقَةِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الأَصْنَافِ الأَرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ وَالحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ»(٨)؛ وعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: «عِنْدَنَا كِتَابُ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنَ الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ»(٩)، وعن موسى بنِ طلحة عن عمرَ بنِ الخطَّاب رضي الله عنه قال: «إِنَّمَا سَنَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ فِي هَذِهِ الأَرْبَعَةِ: الحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ»(١٠)، وهذه الأحاديثُ وغيرُها وإِنْ كان فيها بعضُ المَقالِ فإنَّها مع غيرِها تَتقوَّى ببعضٍ؛ فقَدْ حصَرَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الزَّكاةَ في الأصناف الأربعة؛ والأصلُ ـ عند مَنْ ثبَتَ عنده حُكْمُ هذه الأحاديثِ بمجموعها ـ براءةُ الذِّمَّةِ حتَّى يقومَ الدَّليلُ على الوجوبِ في غيرِها.
والظَّاهرُ الرَّاجحُ: أنَّ الشُّوفانَ الزِّراعيَّ ـ وإِنْ كان معدودًا مِنَ الحبوب المُغذِّيَةِ والمُدَّخَرةِ، وتخضع للمِكيال الإسلاميِّ، وليست مِنَ الخُضرَوَات والفواكه الَّتي لا يُقتاتُ بها ولا تُدَّخَرُ ـ إلَّا أنَّه يُعكِّر على القولِ بوجوب إخراجِ الزَّكاةِ فيه كالأصناف المنصوصِ عليها: حديثُ أبي موسى ومُعاذٍ رضي الله عنهما المُتقدَّمُ حين بَعَثَهما رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى اليمن يُعلِّمان النَّاسَ أَمْرَ دِينِهم، فكان ممَّا قال: «لَا تَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الأَرْبَعةِ: الشَّعِيرِ والحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ»، وهذه المذكوراتُ في الحديثِ مُجْمَعٌ عليها(١١)، قد خصَّها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأَعْرَضَ عمَّا سِواها، وقد كان يَعلمُ أنَّ للنَّاس أقواتًا وأموالًا ممَّا تُخْرِجُ الأرضُ سِواها؛ فكان تركُه ذلك وإعراضُه عنه عفوًا منه