المحب لا يسمع في طلب الحبيب سؤالًا فحسب، بل يسمع وراءه احتمالًا للخذلان ويرى خلفه حياء في كبرياء، فيستعجل رضاه ولو تأخر رضاه عن نفسه؛ وهكذا قد تصبح (نعم) أصدق تعبير عن الحب، وأشد الشواهد على ما يختبئ فيه من خوف الفقد، إذ لا يكون أعظم ما يمنحه المحب ما يملكه، بل ما يتخلى عنه من رغباته كيلا يرى الحزن في عيني من يحب. فكلمة (نعم) لا تخرج من القلب المحب كما تخرج من سواه؛ فهي عنده ليست حرفين يُنطق بهما، بل شيءٌ من روحه يمنحها طائعًا، ورغبة تُخفي ارتجافها خلف الطاعة، وحنان يوافق على ما لا يريده، لا عجزًا عن الرفض، بل عجزًا عن رد من يحب خائبًا.
❤38❤🔥5👏4
أكثر الكلمات ابتذالًا على ألسنة الناس كلمة (الحب)، حتى لكأن كثرة تداولها قد استنزفت معناها، فلم يبق منها إلا اسم يستعيره الجسد لرغبته، وتستعيره العاطفة لاضطرابها، وتقف وراءه النفس مختبأة حين تعجز عن التمييز بين لذة الامتلاك وبهجة الاتصال بالروح. وليس كل انجذاب حبًّا، ولا كل اشتعال شغفًا، ولا كل ما يهز القلب يلامس أعماقه؛ فقد تضطرم المشاعر في لحظة، ثم لا تترك وراءها إلا رمادًا، لأن ما أشعلها كان عابرًا في طبيعته، مهما بدا عاصفًا في أثره. أما الحب الذي يستحق اسمه، فله من الطهارة ما يصونه من الابتذال، ومن العمق ما يعجز الكلام عن استيعابه، ومن السمو ما يجعل صاحبيه كأنهما يتعارفان في منطقة خفية من الوجود لا تبلغها الحواس وحدها، في زوايا عالم الروح. إنهما لا يحتاجان إلى فيض العبارات ليتيقنا مما بينهما؛ إذ قد تقول نظرة مقتضبة ما تعجز عنه خطب طويلة، وقد يختصر الصمت بينهما تاريخًا كاملًا من البوح، حتى ليبدو لمن يرقبهما أن شيئًا لم يحدث، بينما تعبر في أعماقهما عواصف من الوجد لا يسمع هديرها سواهما. وفي هذا الحب مفارقة لا يدركها إلا من ذاقه: إنه سيل هادر في الباطن، وسكينة وادعة في الظاهر؛ شغف لا يخمد، ووقار لا يضطرب؛ افتتان لا يبتذل المحبوب، وتعلق لا يحوله إلى شيء يُمتلك ليستخدم ثم يستغنى عنه، بل يزداد به إدراكًا لفرادته وجماله. وحين يكون الحب كذلك، لا تعود الأيام خصمًا له، ولا يصبح تقادم العمر نذيرًا بأفوله؛ فما يفعله الزمن ليس أنه ينتزع منه بريق البدايات، بل إنه ينفذ به إلى طبقات أعمق من النفس، حيث تتساقط زينة الانبهار الأولى، ويبقى الجوهر عاريًا من كل ادعاء، أشد رسوخًا وأصدق معرفة بالمحبوب. فليس الحب الخالد أن تظل ترتجف أمامه كما ارتجفت أول مرة، بل أن تعرفه بعد انكشاف أوهامك، وبعد أن ترى ضعفه ونقصه وتقلباته، ثم تجد في روحك ما يزال يختاره، لا لأنك أسير نشوة عابرة، بل لأن بينكما قرابة لا تفسرها الرغبة وحدها، يمتزج فيها فرح اللقاء بالدموع التي تعجز عن الكلام، لترسم لوحة يعجز عن رسمها أعظم فنان. وذلك لأن ما يتصل بالجسد قد يشتعل حتى يحرق نفسه، أما ما يتصل بالروح فلا تنطفئ جذوته؛ فالروح وحدها تمنحه معناه الذي يقاوم الفقد، ويعبر تحولات العمر، ويظل حيًّا حتى حين لا يبقى من اللقاء إلا الذكرى. وما كان عميقًا في الروح فإنه يضمن له العمق خلودًا، ويمنحه جذورًا أقدر على احتمال العواصف؛ أما ما لم يتجاوز سطح الرغبة، فقد يزول بانقضائها، تاركًا خلفه سؤالًا موجعًا: أكان حبًّا حقًّا، أم أننا أطلقنا اسم الحب على حاجتنا إلى أن نشعر بشيء؟
❤37❤🔥12💔9
جاء رجُلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: "يا رسولَ اللهِ، علِّمْني وأوجِزْ". فقال النَّبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (إذا قُمْتَ في صلاتِكَ، فصَلِّ صلاةَ مُودِّعٍ، ولا تَكَلَّمْ بكلامٍ تعتذِرُ منه، وأجمِعِ اليَأْسَ عمَّا في أيدي النَّاسِ). صحيح ابن ماجه
❤61
كنتُ أتأمل في فكرة الاستغناء؛ كيف تُولد في النفس، فوجدتُ أن الامتلاء الكامل للنفس أو الفراغ التام لها يحدثان أحيانًا النتيجة نفسها، وهي الاستغناء عن الآخرين.
❤56👍11👨💻3👏2
هناك علاقة وطيدة بين طلاقة اللسان أو تقييده وبين انشراح الصدر أو ضيقة، وهذه الحالة تكشف عن حقيقة نفسية عميقة، وهي: أن الكلام لا يخرج من اللسان وحده، بل يمر أولاً من الصدر؛ فإذا امتلأ الصدر بالهم والغم والحزن، أو أثقلته خشية التكذيب والبغضاء والعداوة أو الخوف من الناس الذين يريد الحديث معهم، ضاق به مجال التعبير، وكأن الكلمات نفسها تختنق قبل أن تبلغ الفم وتتعثر قبل أن تعبر من اللسان. لذلك قد يعرف الإنسان ما يريد قوله، ويملك العبارة في ذهنه، ثم يعجز عن إخراجها كما أراد؛ لا لعجز في لسانه، وإنما لأن في داخله ما يثقل اللسان ويبعثر العبارة. فطلاقة الكلام ثمرة لانشراح الصدر، وانحباسه قد يكون صدى لمعركة صامتة تجري في النفس قبل أن يسمعها أحد.
❤58👍10💔2
"استقر قلبي على أنه لا مصلحة للإنسان في التعويل على شَيْءٍ سوى فضل الله تعالى وإحسانه". فخر الدين الرازي
❤55😢3
صادفها منطوية في وحدتها، منزوية على ذاتها، فتنهدت حين رأته قائلة: نفسي تَئِطُّ من حملها الثقيل، وقلبي يئن من الهم، وكل يوم تتوارد الخواطر الجارحة إلى قلبي فتهد قوتي وتشتت أي فرح أحاول أن أمسك به!
فأجابها: ذلك لأنك جعلت قلبك في موضع سحيق بأسفل هوة عميقة، ثم أخذت في حياتك تجمعين إليه كل هم وغم يصادفك في يومك من الناس أو من خيالك، فتجمعت كل هذه الأثقال والأحمال عليك، فغلبتك وكسرت قلبك وأثقلت نفسك. وإذا أردت النجاة فاخرجي قلبك من تلك الحفرة، واجعليه في مجرى نهر متدفق، يغسله كل مرة يعلق به شيء من المكدرات مهما كان صغيرًا، وذلك بالتدرب على النسيان والتغافل وحسن الظن بالله، وبهذا تتعلمين في كل لحظة إلا يعلق في قلبك أي أَذىً تصادفينه من الناس أو الحياة، وبهذا تصفو لك حياتك وتملكين قلبك وتسعدين نفسك.
فأجابها: ذلك لأنك جعلت قلبك في موضع سحيق بأسفل هوة عميقة، ثم أخذت في حياتك تجمعين إليه كل هم وغم يصادفك في يومك من الناس أو من خيالك، فتجمعت كل هذه الأثقال والأحمال عليك، فغلبتك وكسرت قلبك وأثقلت نفسك. وإذا أردت النجاة فاخرجي قلبك من تلك الحفرة، واجعليه في مجرى نهر متدفق، يغسله كل مرة يعلق به شيء من المكدرات مهما كان صغيرًا، وذلك بالتدرب على النسيان والتغافل وحسن الظن بالله، وبهذا تتعلمين في كل لحظة إلا يعلق في قلبك أي أَذىً تصادفينه من الناس أو الحياة، وبهذا تصفو لك حياتك وتملكين قلبك وتسعدين نفسك.
❤33😢11👏7
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا يَفْرَكْ* مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ" أَوْ قَالَ: غَيْرَهُ). رواه الإمام مسلم.
*يفرك: يبغض.
درس بليغ في أن يتعلم الإنسان المؤمن أن ينظر للإنسان ككل، تمتزج عيوبه بحسناته وتذوب فيها، وليس من الإنصاف أن يضخم الأخطاء ويكفر بالحسنات والفضائل.
*يفرك: يبغض.
درس بليغ في أن يتعلم الإنسان المؤمن أن ينظر للإنسان ككل، تمتزج عيوبه بحسناته وتذوب فيها، وليس من الإنصاف أن يضخم الأخطاء ويكفر بالحسنات والفضائل.
❤33👍5👏2
إذا أتاك من تحبه وترحمه مذنبًا، وعيناه التي ينظر بها إليك تتعلق بك وترجوك وهي لو نطقت لتشفعت له، فاقبل توبته واصفح عنه، ولا ترده مكسورًا، ولا تهز نظراته المنكسرة بصوت عالٍ أو إشارة عنيفة بيدٍ، فكفى بانكسار عينيه شفيعًا، وبحبك له ملجأ، وبقلبك مسكنًا له.
❤31🥰4🤝3😢2
للعيش في التعاسة إدمانٌ تشبه حالة إدمان المواد المخدرة، تتأذى منها وتضج وتشتكي منها، لكنك تتمسك بالبقاء فيها.
😢25👍10💔8❤6
كان يؤلمه أن كل ما استطاع أن يمدكِ به من عونٍ لم يكن سوى ضوء شحيح ألقاه على أطراف ليلكِ الطويل، لكن، كان في صدره من الإشفاق ما يفيض عن العبارة، حتى كأن فرط شعوره بكِ قد أثقل يده عن الامتداد؛ يخشى أن تقع مواساته على موضع الجرح، وأن تستدعي كلماته من وجعكِ ما آثرتِ أن تتركيه ساكنًا في الصمت. لقد كان يتهيب الاقتراب من حزن يسكن نفسًا مرهفة؛ فثمة أبواب في الروح لا تُفتح بقوة ولو كانت قوة المحبة، وثمة عتبات حتى أقرب الناس لا بُدَّ أن يقفوا عندها ولا يتجاوزوها، ولا يملكون حينها إلا الانتظار. ومن جرب معاناة الأرواح وانكسارات النفوس، علم جيدًا أن للقلب مرارته التي لا يعرف مذاقها سواه؛ وقد يرى الآخرون أثرها في العين، ويسمعون رجعها في الصوت، لكن شيئًا عميقًا منها لا يُرى ولا يُسمع يظل وحيدًا في أعماقه، لا تبلغ إليه يد. لهذا، وَقَفَ عند حافة حزنكِ، يحمل من الحنان أكثر مما يحسن أن يبذل، ويتمنى لو يعرف كيف يؤنس وحدتكِ من غير أن يقتحمها، تلك معضلة لا بُدَّ أن يذوقها من يتردد عند حدود غامضة في مجاهيل الأرواح ودروبها الصعبة نحو الاستشفاء.
❤32😢7👏4
مهما حاولت أن تتفلسف بالكلمات أو أن تنمق الحروف؛ من أجل أن تخاطب عقلاً تطمع في أن تغير قناعاته، فإنك حتمًا لن تفلح، إذا كانت مشكلته -بكل بساطة- تنبع من قلبه، حيث المشاعر الغامضة والعمياء التي لا تتعقل بالضرورة، ولسوف تخسر تلك المحاولات كلها. ومرد ذلك إلى أن القلوب لا تتحرك بمنطق واضح، فضلاً عن أن القلب المحطم لا يستنهضه الجدل العقلي، ولا يلتفت إليه. بل ربما سخر ذلك القلب المجروح منك، سخر في باطنه أدبًا معك أو سخر علانية ودون مواربة، لأنه يرى كلمات المعافى إلى المبتلى نوع من الرفاهية كمن يجلس في مكان مريح وجميل وينصح شخصًا آخر يحترق بالنار بأن يكون هادئًا وفرحًا!
❤35💔15👍8😢4
قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حجَّةِ الوداعِ: (ألَا أُخبِرُكم بالمؤمنِ: مَن أمِنه النَّاسُ على أموالِهم وأنفسِهم، والمسلمُ مَن سلِم النَّاسُ مِن لسانِه ويدِه).
❤51😢2