لا بد لمَن أراد أن يعالج شيئًا من العِلم -من تيسير لمادته، أو اختصار لكتبه، أو تنقيح لما يراه غير صالح فيه، أو أي تطوير أو تجديد فيه- أن يَفهم العلم أولًا.
وحتى يفهم العلم فإنّ لهذا الفهم طريقًا تُسلك وآلاتٍ تُحصَّل وضوابطَ تُلتَزم، ودونها تخضع مثلُ تلك المعالجات لأذواق أصحابها الأجنبيّة عن العلم، وتتحكم فيها تصوُّراتُهم المغلوطة، وربما أفسدتها الأهواء والعصبيَّات، وإن زعم أصحابُها أنهم قد فهموا، وحسبوا أنهم يحسنون صنعًا.
ومتى تكلم المرءُ في العلم فإنَّ لسانَه كاشفٌ عن فهمه، ومِن ثَمّ عن قدر تحصيلِه للوازم الفهم، وكلُّ هذا ممّا يُعرف به قدرُ عقله.
ولا يفتقر حكمُ الخبيرِ فيه إلى محاجَجة أو شهادة شاهد، فضلًا عن أن يتشوّش بزَيفِ الكثرة وعلوّ الأصوات .
وحتى يفهم العلم فإنّ لهذا الفهم طريقًا تُسلك وآلاتٍ تُحصَّل وضوابطَ تُلتَزم، ودونها تخضع مثلُ تلك المعالجات لأذواق أصحابها الأجنبيّة عن العلم، وتتحكم فيها تصوُّراتُهم المغلوطة، وربما أفسدتها الأهواء والعصبيَّات، وإن زعم أصحابُها أنهم قد فهموا، وحسبوا أنهم يحسنون صنعًا.
ومتى تكلم المرءُ في العلم فإنَّ لسانَه كاشفٌ عن فهمه، ومِن ثَمّ عن قدر تحصيلِه للوازم الفهم، وكلُّ هذا ممّا يُعرف به قدرُ عقله.
ولا يفتقر حكمُ الخبيرِ فيه إلى محاجَجة أو شهادة شاهد، فضلًا عن أن يتشوّش بزَيفِ الكثرة وعلوّ الأصوات .
❤31👍6
تحديدُ المهارات التي يحتاج إليها طالبُ التفسير لا يخرج إلا من رحم الدرس التفسيري وممارسةِ العلم نفسِه.
والعموميات شديدة السعة، كالتي تُذكر في شروط المفسِّر ونحوها، فإنها -مع فائدتها كإطار عامٍّ- لا تصلح في بناء تصورٍ إجرائيٍّ دقيق للمهارات.
وكذلك لا يصلح الاعتماد على التصوّرات الافتراضية التجريدية البعيدة عن ميدان التطبيق.
أمّا ما صُنِّف في أصول التفسير فلا يصح التعويل عليه تعويلًا مطلقًا، وقد يستفاد منه في إطار محدَّد؛ إذ إن صلاحيته في تحديد مهارات طالب التفسير تتوقف على مدى نضجه النظري، وقدرته على تمثيل الواقع التفسيري تمثيلًا دقيقًا، وواقع الأمر أنه لم يبلغ -في صورته التنظيرية المعاصرة- قدرَ النضج الذي يسمح له بأداء هذه الوظيفة.
والعموميات شديدة السعة، كالتي تُذكر في شروط المفسِّر ونحوها، فإنها -مع فائدتها كإطار عامٍّ- لا تصلح في بناء تصورٍ إجرائيٍّ دقيق للمهارات.
وكذلك لا يصلح الاعتماد على التصوّرات الافتراضية التجريدية البعيدة عن ميدان التطبيق.
أمّا ما صُنِّف في أصول التفسير فلا يصح التعويل عليه تعويلًا مطلقًا، وقد يستفاد منه في إطار محدَّد؛ إذ إن صلاحيته في تحديد مهارات طالب التفسير تتوقف على مدى نضجه النظري، وقدرته على تمثيل الواقع التفسيري تمثيلًا دقيقًا، وواقع الأمر أنه لم يبلغ -في صورته التنظيرية المعاصرة- قدرَ النضج الذي يسمح له بأداء هذه الوظيفة.
❤34👍4👏1
(التِّرِنْد)* كاشفُ عقولِ المنتسبين للعلم
ـــ
* قلتُ في حدّ (التِّرند) المقصود هنا: 😃
موضوعٌ رائجٌ، يتصدّر منصّات التواصل الاجتماعي، في زمان محدود، ينصرف إليه اهتمام دوائر مخصوصة إلى أن يروج غيره، فيحلَّ محلَّه.
ـــ
* قلتُ في حدّ (التِّرند) المقصود هنا: 😃
موضوعٌ رائجٌ، يتصدّر منصّات التواصل الاجتماعي، في زمان محدود، ينصرف إليه اهتمام دوائر مخصوصة إلى أن يروج غيره، فيحلَّ محلَّه.
❤27👍8😢6👌3😁1
Forwarded from • قناة عُثـمَــان •
هذه الحياة الحديثة الآلية التي وطئت بسنابكها على المعاني الإنسانية والروحية أفسدت علينا معنى «الخلوة» و«العزلة» فما عدنا نعرفها ولا نحسن تصورها ولو جهدنا أنفسنا على ذلك.
بودي أن تسرِّح ذهنك إلى القرن الأول أو الرابع أو السابع أو العاشر، واستحضر حياة رجلٍ لم يكن يعرف الجوالات والهواتف ولا سمع بالكهرباء ولم ير السيارات ولم يكن يتوقع الإنترنت ولا يتخيل الذكاء الاصطناعي، حين كان يعيش الناس كالناس، عوائدهم متفقة، وحيواتهم متشابهة، ومعيشتهم واحدة، ثم لذلك الرجل دار وعائلة وضيعة ومزرعة، وهو من كل ذلك في شغل..
تعال الآن فتخيل كيف كان وقته؟
وقته عند جلوسه في داره دون أهله، ووقته في خروجه من داره إلى ضيعته، ووقته يوم يغدو إلى مسجده، ووقته حين يمضي لقضاء حاجته، وقته في الطرقات، وقته في الأسواق، وقته في المساجد، وقته قبل النوم وبعده… ماذا يمكن أن تكون هذه الأوقات كلها؟
إنها في ميزان اليوم: عزلة انفرادية، ووحشة شديدة، وخواء فظيع!
ساعات يوميا.. لا جوال، لا إنترنت، لا كهرباء، لا قنوات إخبارية، لا سيارات، لا طيارات، لا شيء من هذا القبيل.. أيطيق أحد منا أن يعيش هذه الحال شهراً واحدا؟! أو أسبوعا؟! أو حتى يوما؟!
ثم انظر الآن، وتفكر أن ذلك الرجل عند المتقدمين ليس معدوداً من العزلة في شيء، ولم يعرف الوحشة ولا الانفراد، كيف وهو في الدور والطرقات والمساجد والأسواق والضياع وغيرها.. إذن ليست تلك العزلة التي يريدونها.
العزلة شيء أبعد من ذلك، شيء فيه انقطاع تام وخلوة تامة، حتى عن تلك الحياة القديمة التي نعدها في ميزاننا عزلةً موحشةً وانقطاعاً بالغا.
يا للأسف، فإن الحياة المعتادة للرجل القديم في القرية المتوسطة هي بالنسبة إلى حالنا عزلة ووحشة وانقطاع وخواء وانفراد.. هو شيء فظيع ما إخالنا نتحمله ولا نطيقه!
فما هو لون العزلة الذي عناه المتقدمون إذن؟ وفي أي معاني العزلة صنف الخطابي كتابه؟ وما هي الخلوة بالله التي يدندن حولها الغزالي وابن تيمية وابن القيم؟ وهل ستطيق نفوسنا المتخمة بحوادث الحياة الآلية المتسارعة أن تنكشف على ذلك الخواء وتأنس إلى تلك الخلوة وتفرح بتلكم العزلة؟ أم أن فهمنا لمعنى العزلة والخلوة شيء.. وكلام العلماء المتقدمين يدور حول شيء آخر؟!
بودي أن تسرِّح ذهنك إلى القرن الأول أو الرابع أو السابع أو العاشر، واستحضر حياة رجلٍ لم يكن يعرف الجوالات والهواتف ولا سمع بالكهرباء ولم ير السيارات ولم يكن يتوقع الإنترنت ولا يتخيل الذكاء الاصطناعي، حين كان يعيش الناس كالناس، عوائدهم متفقة، وحيواتهم متشابهة، ومعيشتهم واحدة، ثم لذلك الرجل دار وعائلة وضيعة ومزرعة، وهو من كل ذلك في شغل..
تعال الآن فتخيل كيف كان وقته؟
وقته عند جلوسه في داره دون أهله، ووقته في خروجه من داره إلى ضيعته، ووقته يوم يغدو إلى مسجده، ووقته حين يمضي لقضاء حاجته، وقته في الطرقات، وقته في الأسواق، وقته في المساجد، وقته قبل النوم وبعده… ماذا يمكن أن تكون هذه الأوقات كلها؟
إنها في ميزان اليوم: عزلة انفرادية، ووحشة شديدة، وخواء فظيع!
ساعات يوميا.. لا جوال، لا إنترنت، لا كهرباء، لا قنوات إخبارية، لا سيارات، لا طيارات، لا شيء من هذا القبيل.. أيطيق أحد منا أن يعيش هذه الحال شهراً واحدا؟! أو أسبوعا؟! أو حتى يوما؟!
ثم انظر الآن، وتفكر أن ذلك الرجل عند المتقدمين ليس معدوداً من العزلة في شيء، ولم يعرف الوحشة ولا الانفراد، كيف وهو في الدور والطرقات والمساجد والأسواق والضياع وغيرها.. إذن ليست تلك العزلة التي يريدونها.
العزلة شيء أبعد من ذلك، شيء فيه انقطاع تام وخلوة تامة، حتى عن تلك الحياة القديمة التي نعدها في ميزاننا عزلةً موحشةً وانقطاعاً بالغا.
يا للأسف، فإن الحياة المعتادة للرجل القديم في القرية المتوسطة هي بالنسبة إلى حالنا عزلة ووحشة وانقطاع وخواء وانفراد.. هو شيء فظيع ما إخالنا نتحمله ولا نطيقه!
فما هو لون العزلة الذي عناه المتقدمون إذن؟ وفي أي معاني العزلة صنف الخطابي كتابه؟ وما هي الخلوة بالله التي يدندن حولها الغزالي وابن تيمية وابن القيم؟ وهل ستطيق نفوسنا المتخمة بحوادث الحياة الآلية المتسارعة أن تنكشف على ذلك الخواء وتأنس إلى تلك الخلوة وتفرح بتلكم العزلة؟ أم أن فهمنا لمعنى العزلة والخلوة شيء.. وكلام العلماء المتقدمين يدور حول شيء آخر؟!
😢21❤10👍5
غايات التدبر؛ المحددات والآثار
محمد مصطفى عبد المجيد
🌱 غايات التدبر؛ المحددات والآثار 🌱
من الأسئلة المهمة المؤثرة في تصوُّر عملية تدبر القرآن الكريم: ما هي الغاية التي نسعى إليها في تدبر القرآن؟ وما هي الثمرة المرجوة منه؟
وجواب هذا السؤال له أثره في التعامل مع آليات التدبر، والحكم على ثمراته ومدى التوفيق فيه من عدمه.
وهذه المحاضرة تهدف إلى تقويم عملية "تحديد غايات التدبر" في ضوء الغايات التي من أجلها نزل القرآن، وتبيِّن أثر هذا التقويم في طريقة التعاطي مع القرآن تدبرًا وعنايةً، وفي تصوُّر عملية التدبر إجمالًا وآلياتها ومعوقاتها.
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
🔹 soundcloud
🔘🔘🔘🔘
https://t.me/mmmageed
من الأسئلة المهمة المؤثرة في تصوُّر عملية تدبر القرآن الكريم: ما هي الغاية التي نسعى إليها في تدبر القرآن؟ وما هي الثمرة المرجوة منه؟
وجواب هذا السؤال له أثره في التعامل مع آليات التدبر، والحكم على ثمراته ومدى التوفيق فيه من عدمه.
وهذه المحاضرة تهدف إلى تقويم عملية "تحديد غايات التدبر" في ضوء الغايات التي من أجلها نزل القرآن، وتبيِّن أثر هذا التقويم في طريقة التعاطي مع القرآن تدبرًا وعنايةً، وفي تصوُّر عملية التدبر إجمالًا وآلياتها ومعوقاتها.
ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا.
🔹 soundcloud
🔘🔘🔘🔘
https://t.me/mmmageed
❤13👍9
كل عام وأنتم بخير
والحمد لله أن بلغنا رمضان
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
والحمد لله أن بلغنا رمضان
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
❤59🎉3👍2
محمد مصطفى عبد المجيد pinned «نسأل الله أن يبلغنا رمضان على خير وأن يعيننا فيه على ذكره وشكره وحسن عبادته تتوقف دروس البث المباشر إلى نهاية رمضان إن شاء الله ثم إن تيسر بثٌّ عارضٌ في قراءة رسالة أو فصل أو بكلمة موجزة فسأعلن قبلها بإذن الله تعالى ورسائل القناة متاحة خلال شهر رمضان، والأولوية…»
مقدمات الكتاب الصادر مؤخرًا للدكتور/ بشير بن حسن الحميري (المصحف المخطوط في مكتبة باريس الوطنية برقم 399 - دراسة وإخراجًا) = مما ينبغي أن يطَّلع عليه المعتنون بعلوم المصحف الشريف، خاصة علم الرسم.
والكتاب صادر في مجلدين عن الهيئة العامة للقرآن والسنة بالكويت، وهو على طريقة تفريغ النص والتعليق عليه كإخراجات د. طيار آلتي قولاج.
وقد اشتملت مقدمات هذا العمل على عدد من الإشارات المنهجية المهمّة في صُلب بحث المصاحف جاءت مِن رَحِم التطبيق العملي، ومنها مسائل متكررة في كلام د. بشير في مواضع أخرى من مؤلفاته، إلا أنني أودّ الإشارة هنا إلى بعض ما أرى فيه فرادة في هذه المقدمات:
1- الكلام على مخالفة منهجه لمنهج د. قولاج في دراسة المصاحف وإخراجها، ومنها أمور علميّة منهجيّة لا يقتصر الأمر فيها على الجوانب الفنيّة، ومِن شأنها أن تُغيّر النظر في كثير من التطبيقات.
2- تعيين وجه الإفادة من إخراج المصاحف القديمة، وتقليله في هذا السياق مِن التدقيق في متابعة نقط الإعجام والإعراب للإفادة منها في مسائل القراءات، وبيان وجه ذلك.
والخلاصة عند الشيخ: (أن أهم مسألة نستفيدها من إخراج المصاحف القديمة هي في مسائل الرسم، ولا نستفيد شيئًا ذا قيمة غيره)، وهذا مع إثباته الإفادة بالوقوف على مذاهب العلماء وملاحظة التطور ونحو ذلك.
3- التأكيد على حجيّة المصاحف كمصدر للرسم والعدّ والضبط، وهي مسألة يعرض لها الشيخ كثيرًا، إلا أنه عدّد هنا أمثلة من جهات نظر مختلفة، ومن ذلك: ما يتعلق بالإفادة من ظواهر الحذف والزيادة في تنزيل الوارد في عدّ الحروف على الرسم فيما سُكت عنه، ممّا جرى عمل المتأخرين فيه على الاجتهاد في تقدير رأي الساكت، وهي مسألة دقيقة نفيسة.
4- تقديمه أنموذجًا عمليًّا مميّزًا لمقاربة تعيين القراءة التي كتب عليها المصحف، بتتبع الانفرادات والمخالفات والموافقات وما لم يقرأ به أحدٌ من العشر في الكبرى.
وفي الجملة؛ فالدراسة الوصفية الإجمالية للمصحف محلّ الدراسة -في القراءات وغيرها- مميّزة ومليئة بالفوائد، ويمكن أن يُنسج على منوالها في الدراسات الوصفية للمصاحف القديمة.
5- باب نفيس عقده حول مصحف المدينة النبوية، ذكر فيه تفرُّداته بالإثبات عن المصاحف القديمة بالحذف ممّا لم يذكره الأئمة، ذكر فيه ما يزيد على (240) موضعًا منها ما هو مكرّر في أكثر من موضع في القرآن، وألحق به ذكر مواضع مخالفته لأئمة الرسم أو بعضهم، واستحداثه وجهًا لم يأتِ في المصاحف القديمة ولا نص عليه الأئمة، ومخالفته لأبي داود خاصة.
ولم يظهر لي أن المؤلف قد ذكر مسوّغًا واضحًا لإيراد هذا الباب، إلا أنه صالح لبحث مستقل لا يقتصر على الوصف، بل: يقف أولًا على المنطلقات المنهجية التي أدّت إلى مثل ذلك كمنهج التعامل مع ما سكت عنه الأئمة، ثم يخرج بتوصيات تتسع فيها دائرة النظر عن الكلام في إجراءات تتعلق بمصحف أو مصاحف بعينها -كما يذكره بعض الباحثين- وهي توصيات قليلة الفائدة ولا مجال لإعمالها، بل تتجاوز ذلك إلى توصيات تتعلق بطريقة النظر للعِلم نفسه وطرق تلقِّيه والتعامل مع مصنفاته.
نفع الله بالشيخ بشير الحميري، وزاده علمًا وفضلًا وهدًى وتقًى، ومتّعنا به.
#رسم_المصحف
والكتاب صادر في مجلدين عن الهيئة العامة للقرآن والسنة بالكويت، وهو على طريقة تفريغ النص والتعليق عليه كإخراجات د. طيار آلتي قولاج.
وقد اشتملت مقدمات هذا العمل على عدد من الإشارات المنهجية المهمّة في صُلب بحث المصاحف جاءت مِن رَحِم التطبيق العملي، ومنها مسائل متكررة في كلام د. بشير في مواضع أخرى من مؤلفاته، إلا أنني أودّ الإشارة هنا إلى بعض ما أرى فيه فرادة في هذه المقدمات:
1- الكلام على مخالفة منهجه لمنهج د. قولاج في دراسة المصاحف وإخراجها، ومنها أمور علميّة منهجيّة لا يقتصر الأمر فيها على الجوانب الفنيّة، ومِن شأنها أن تُغيّر النظر في كثير من التطبيقات.
2- تعيين وجه الإفادة من إخراج المصاحف القديمة، وتقليله في هذا السياق مِن التدقيق في متابعة نقط الإعجام والإعراب للإفادة منها في مسائل القراءات، وبيان وجه ذلك.
والخلاصة عند الشيخ: (أن أهم مسألة نستفيدها من إخراج المصاحف القديمة هي في مسائل الرسم، ولا نستفيد شيئًا ذا قيمة غيره)، وهذا مع إثباته الإفادة بالوقوف على مذاهب العلماء وملاحظة التطور ونحو ذلك.
3- التأكيد على حجيّة المصاحف كمصدر للرسم والعدّ والضبط، وهي مسألة يعرض لها الشيخ كثيرًا، إلا أنه عدّد هنا أمثلة من جهات نظر مختلفة، ومن ذلك: ما يتعلق بالإفادة من ظواهر الحذف والزيادة في تنزيل الوارد في عدّ الحروف على الرسم فيما سُكت عنه، ممّا جرى عمل المتأخرين فيه على الاجتهاد في تقدير رأي الساكت، وهي مسألة دقيقة نفيسة.
4- تقديمه أنموذجًا عمليًّا مميّزًا لمقاربة تعيين القراءة التي كتب عليها المصحف، بتتبع الانفرادات والمخالفات والموافقات وما لم يقرأ به أحدٌ من العشر في الكبرى.
وفي الجملة؛ فالدراسة الوصفية الإجمالية للمصحف محلّ الدراسة -في القراءات وغيرها- مميّزة ومليئة بالفوائد، ويمكن أن يُنسج على منوالها في الدراسات الوصفية للمصاحف القديمة.
5- باب نفيس عقده حول مصحف المدينة النبوية، ذكر فيه تفرُّداته بالإثبات عن المصاحف القديمة بالحذف ممّا لم يذكره الأئمة، ذكر فيه ما يزيد على (240) موضعًا منها ما هو مكرّر في أكثر من موضع في القرآن، وألحق به ذكر مواضع مخالفته لأئمة الرسم أو بعضهم، واستحداثه وجهًا لم يأتِ في المصاحف القديمة ولا نص عليه الأئمة، ومخالفته لأبي داود خاصة.
ولم يظهر لي أن المؤلف قد ذكر مسوّغًا واضحًا لإيراد هذا الباب، إلا أنه صالح لبحث مستقل لا يقتصر على الوصف، بل: يقف أولًا على المنطلقات المنهجية التي أدّت إلى مثل ذلك كمنهج التعامل مع ما سكت عنه الأئمة، ثم يخرج بتوصيات تتسع فيها دائرة النظر عن الكلام في إجراءات تتعلق بمصحف أو مصاحف بعينها -كما يذكره بعض الباحثين- وهي توصيات قليلة الفائدة ولا مجال لإعمالها، بل تتجاوز ذلك إلى توصيات تتعلق بطريقة النظر للعِلم نفسه وطرق تلقِّيه والتعامل مع مصنفاته.
نفع الله بالشيخ بشير الحميري، وزاده علمًا وفضلًا وهدًى وتقًى، ومتّعنا به.
#رسم_المصحف
❤14
Forwarded from • قناة عُثـمَــان •
رمضان فرصة لإحياء معاني القرآن وبثها بين عامة الناس.. فرصة ليكون الموسم السنوي للجرعة القرآنية المكثفة.
وهذا الواجب يتوجه إلى طلبة العلم وأئمة المساجد وأرباب البيوت ومدرسي الحلقات وغيرهم ممن له قدرة وبين يديه منبر.
لكن الحذر كل الحذر أن يغدو هذا الشهر موسماً لاستعراض المهارات العلمية والتنقير عن اللطائف القرآنية والإغراق في فروع المعاني ومحتملات الأقاويل، ففي المحكم من معاني القرآن غنيةٌ عن مثل هذا، والناس اليوم أحوج ما يكونون إلى تعرف أصول معاني كتاب الله وقواعد الشريعة ومبادئ الدين، وفيها من الحِكم الشريفة والمقاصد الرفيعة شأن عجيب.
وأما فروع المعاني ومحتملات اللطائف فلها مقام آخر وموطن مختلف، وعامة الناس عنها في شغل، ولو علِمَ صاحبُ اللطائف ما في المعاني الأصلية والمطالب العليا من الإحكام والإتقان والدقة وما فيها من النور والهدى والحكمة وما يجد العارف بها من الأنس والإيمان واللذة لأعرض عن الفروع المحتملة واشتغل بالأصول الثابتة.
ومن مارس التفسير (حق الممارسة) واشتغل به (حق الاشتغال) وجد صدقَ هذا المعنى في نفسه، وكان صُلب أمره في المحكمات الثوابت، ووجد في الاشتغال بها شغلاً عن غيرها.
وهذا الواجب يتوجه إلى طلبة العلم وأئمة المساجد وأرباب البيوت ومدرسي الحلقات وغيرهم ممن له قدرة وبين يديه منبر.
لكن الحذر كل الحذر أن يغدو هذا الشهر موسماً لاستعراض المهارات العلمية والتنقير عن اللطائف القرآنية والإغراق في فروع المعاني ومحتملات الأقاويل، ففي المحكم من معاني القرآن غنيةٌ عن مثل هذا، والناس اليوم أحوج ما يكونون إلى تعرف أصول معاني كتاب الله وقواعد الشريعة ومبادئ الدين، وفيها من الحِكم الشريفة والمقاصد الرفيعة شأن عجيب.
وأما فروع المعاني ومحتملات اللطائف فلها مقام آخر وموطن مختلف، وعامة الناس عنها في شغل، ولو علِمَ صاحبُ اللطائف ما في المعاني الأصلية والمطالب العليا من الإحكام والإتقان والدقة وما فيها من النور والهدى والحكمة وما يجد العارف بها من الأنس والإيمان واللذة لأعرض عن الفروع المحتملة واشتغل بالأصول الثابتة.
ومن مارس التفسير (حق الممارسة) واشتغل به (حق الاشتغال) وجد صدقَ هذا المعنى في نفسه، وكان صُلب أمره في المحكمات الثوابت، ووجد في الاشتغال بها شغلاً عن غيرها.
❤31👍16👏2
Forwarded from مركز تفسير للدراسات القرآنية
استنباط لطائف القرآن وفوائده داخلٌ إجمالًا في التدبُّر، وإنما الإشكال في حصر التصوُّر عن التدبُّر في هذا الأمر، فما هو تدبُّر القرآن الكريم المأمورُ به، واللازمُ لكلِّ أحد؟ وهل لا يُعَدُّ المرء متدبرًا إلا إذا تمكَّن من الوقوف على اللطائف والمعاني الدقيقة للآيات؟..
أسئلة تُعنى بمناقشتها هذه المقالة.
https://tafsir.net/article/5087
من #أرشيف #موقع_تفسير
#رمضان #مركز_تفسير
أسئلة تُعنى بمناقشتها هذه المقالة.
https://tafsir.net/article/5087
من #أرشيف #موقع_تفسير
#رمضان #مركز_تفسير
❤13👍8
تعليقًا على منشور الشيخ مشاري الشثري -حفظه الله- بعنوان: (أفضل مختصرات التفسير):
وصفُ (المتقدمين في العلم والتحصيل) وصفٌ غير منضبط لبناء الأحكام عليه، وإطلاقُه قد يكون عامًّا أو خاصًّا؛ فقد يُطلق عامًّا مرادًا به المتقدِّم في جملة من العلوم ممّن اكتسب في سبيل تحصيلها ملكاتٍ وآلاتٍ تعينه على حسن التفهّم والتعامل مع مصنّفاتِ ما لم يتعنَّ تحصيلَه والتدقيقَ فيه، فهذا قد يُوصف في المجمل بأنه متقدِّم في التحصيل، وقد يكون في نفس الوقت مبتدئًا في علم من العلوم كالتفسير، وهذا قد يناسبه هذا المقترح؛ فهو يحسن لغة أهل العلم، وله دُربة في التعامل مع مصنفاته بإجمال، وغايته من التفسير مقتصرة على جمع ما يناسب مأربَه ويوافق غاياتِه، فلا بأس بهذا الأمر والحالة هذه.
أمّا طالب التفسير -متقدِّمًا بل متوسطًا بل مبتدئًا- فلا يناسبه مثلُ ذلك، بل هو مما يُعطّل سيرَه ويُفسد تصورَه ويُعطّل آلته ويَعوق سيرَه، والشأنُ في هذا كأن تقول لمتوسط في الفقه أن يجمع من كتب الفقه ما يروق له ليصنع لنفسه كتابه الفقهي الذي يرجع إليه الفينة بين الفينة، أو لطالب البلاغة أن يجمع لنفسه كتابًا يضمُّ فيه حاجاته من مسائل العلم فيكون مثابتَه في العلم، وقُل مثل ذلك في النحو أو أصول الفقه أو غير ذلك، ومثل هذا لا يقول به أحد من أهل الاختصاص في أيِّ فن من الفنون ولا يرضاه لطلّابه، ولو عددتُ آفات هذا المسلك لطال المقام، لكن يكفي من ذلك ما يُدرَك بالقياس مِن أهل كل اختصاص في اختصاصهم إذا قيل لهم: أبدلوا من (التفسير) علمَ (كذا) ممّا تشتغلون به وتنصرف إليه عنايتكم.
ونحو هذا المقترح إنما يصدر عن تصوُّر لكتب التفسير أنها مجرد وعاء لمسائل الفروع، مع الغفلة عما وراء ذلك من مقصود طالب التفسير من استنباط الأصول، وإدراك الصنعة صياغةً وترجيحًا وتوجيهًا وغير ذلك، ممّا لا يُحسنه في صنعته الأولى لمختصره، فيخفض بذلك سقف إفادته -إن لم يكن قد أفسده- ويعطِّل سيره في العلم.
والنصيحة لطالب علم التفسير ألا يصنع لنفسه مختصرًا، ولا يلتفت إلى المختصرات مبهمة المنهج أو ما لا يُعرف أصحابها بدقّة النظر في هذا العلم المخصوص، وليدمن النظر في كتب التفسير المحرّرة، ويقف على أيدي أهل الاختصاص على بُغيته من هذه المصنفات، ويعرف طبيعة التفسير وواقع تأصيله الكاشف عن حاجته إلى الملابسة المباشرة المستمرة مع كلام أهل الصنعة، فذلك الذي يُكسب الملكة ويورث الرسوخ، وتلك جادّة العلم.
أمَّا غير المختص في التفسير من الموصوفين بـ(المتقدمين في العلم والتحصيل) فهو بالخيار في مثل هذه المقترحات، والرأي فيها محتملٌ للأخذ والردّ، وفيها سعة بإذن الله تعالى.
وصفُ (المتقدمين في العلم والتحصيل) وصفٌ غير منضبط لبناء الأحكام عليه، وإطلاقُه قد يكون عامًّا أو خاصًّا؛ فقد يُطلق عامًّا مرادًا به المتقدِّم في جملة من العلوم ممّن اكتسب في سبيل تحصيلها ملكاتٍ وآلاتٍ تعينه على حسن التفهّم والتعامل مع مصنّفاتِ ما لم يتعنَّ تحصيلَه والتدقيقَ فيه، فهذا قد يُوصف في المجمل بأنه متقدِّم في التحصيل، وقد يكون في نفس الوقت مبتدئًا في علم من العلوم كالتفسير، وهذا قد يناسبه هذا المقترح؛ فهو يحسن لغة أهل العلم، وله دُربة في التعامل مع مصنفاته بإجمال، وغايته من التفسير مقتصرة على جمع ما يناسب مأربَه ويوافق غاياتِه، فلا بأس بهذا الأمر والحالة هذه.
أمّا طالب التفسير -متقدِّمًا بل متوسطًا بل مبتدئًا- فلا يناسبه مثلُ ذلك، بل هو مما يُعطّل سيرَه ويُفسد تصورَه ويُعطّل آلته ويَعوق سيرَه، والشأنُ في هذا كأن تقول لمتوسط في الفقه أن يجمع من كتب الفقه ما يروق له ليصنع لنفسه كتابه الفقهي الذي يرجع إليه الفينة بين الفينة، أو لطالب البلاغة أن يجمع لنفسه كتابًا يضمُّ فيه حاجاته من مسائل العلم فيكون مثابتَه في العلم، وقُل مثل ذلك في النحو أو أصول الفقه أو غير ذلك، ومثل هذا لا يقول به أحد من أهل الاختصاص في أيِّ فن من الفنون ولا يرضاه لطلّابه، ولو عددتُ آفات هذا المسلك لطال المقام، لكن يكفي من ذلك ما يُدرَك بالقياس مِن أهل كل اختصاص في اختصاصهم إذا قيل لهم: أبدلوا من (التفسير) علمَ (كذا) ممّا تشتغلون به وتنصرف إليه عنايتكم.
ونحو هذا المقترح إنما يصدر عن تصوُّر لكتب التفسير أنها مجرد وعاء لمسائل الفروع، مع الغفلة عما وراء ذلك من مقصود طالب التفسير من استنباط الأصول، وإدراك الصنعة صياغةً وترجيحًا وتوجيهًا وغير ذلك، ممّا لا يُحسنه في صنعته الأولى لمختصره، فيخفض بذلك سقف إفادته -إن لم يكن قد أفسده- ويعطِّل سيره في العلم.
والنصيحة لطالب علم التفسير ألا يصنع لنفسه مختصرًا، ولا يلتفت إلى المختصرات مبهمة المنهج أو ما لا يُعرف أصحابها بدقّة النظر في هذا العلم المخصوص، وليدمن النظر في كتب التفسير المحرّرة، ويقف على أيدي أهل الاختصاص على بُغيته من هذه المصنفات، ويعرف طبيعة التفسير وواقع تأصيله الكاشف عن حاجته إلى الملابسة المباشرة المستمرة مع كلام أهل الصنعة، فذلك الذي يُكسب الملكة ويورث الرسوخ، وتلك جادّة العلم.
أمَّا غير المختص في التفسير من الموصوفين بـ(المتقدمين في العلم والتحصيل) فهو بالخيار في مثل هذه المقترحات، والرأي فيها محتملٌ للأخذ والردّ، وفيها سعة بإذن الله تعالى.
❤21👍4
Forwarded from محمد مصطفى عبد المجيد
لا يكن درسُك للقرآن درسَ الخواص، وصلاتُك به صلاةَ العوام!
😢38👍9💔9
Forwarded from محمد مصطفى عبد المجيد
إن مِن شريف وظيفة إمام التراويح أن يُقيم للناس صلاتَهم ويُسمعهم كلام ربّهم عز وجل، لا أن ينشغل بالتطريب وتقليد القراء وتصوير نفسه، فضلًا عن الصراخ أو ترقيق الصوت أو المبالغة في التنغيم أو غير ذلك مما ابتُلينا به، وكل هذا مما يحول بين الإمام وانتفاعه هو نفسه بالقرآن، فضلًا عن أدائه وظيفته العظمى في إسماع الناس كلام ربهم، ولا يُغتر في ذلك بحفاوة بعض السامعين بمثل هذا؛ فهؤلاء مساكين لا يعلمون أين حاجتهم ممّا يسمعون، وحالهم مع شرع الله وأوامره ونواهيه شاهدةٌ على ذلك، فلا ينبغي للإمام أن يسوقه أمثال هؤلاء؛ بل ينبغي عليه أن يسوقهم هو إلى ما فيه نفعُهم.
واستحضِر قدر الحواجز التي بناها الشيطان بين الناس وكلام الله تعالى، حتى صاروا يُسلّمون بمخالفة محكمات القرآن التي يتكرّر ذكرها فيه دون أن ينتبهوا لمخالفة ذلك لصريح كلام الله، ومن ذلك: تصحيح غير ملة الإسلام، والقول بنجاة المكذّب برسول الله ﷺ كاليهود والنصارى، وتسويغ التحاكم إلى غير شرع الله تعالى، واستحلال الدماء والأموال والأعراض بدعاوى باطلة، والاستهانة بالكبائر حتى ألفها الناس، وتعطيل شعار الإسلام: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل الإنكار على من قام به، والكلام في هذا يطول جدًّا، وما مِن عامٍ يمرّ علينا إلا وقد نُقض فيه شيء مِن عُرَى الإسلام.
وإن كانت المنابر وسط هذا الفتن معطلةً عن وظيفتها، منشغلة بذكر إرشادات المزارع المسلم وفضل جبر الخواطر وحب الأوطان ونحو ذلك عن إنقاذ الناس مِن نار وقودها الناس والحجارة، وإن كان دعاة الباطل يعبثون بمعاني القرآن ويحرّفون معانيه عن مراد الله تعالى = فإن القرآن المتلوّ -صافيًا خالصًا دون زيادة كلمة أو تأويل مؤول- سيظلُّ هو العروة الوثقى والحبل الموصول بيننا وبين ربنا سبحانه وتعالى، لا يمسه تحريف المحرفين ولا عبث العابثين، ويكفي في معرفة أثره في النفوس -مجردًا عن أي تفسير أو بيان- أن تستحضر أنه كلام الله رب العالمين يخاطب به خلقه وهو أعلم بهم، فلا بد لأثر له في نفوس الناس، وإن ضعف علمهم بلغته، وإن لم يدركوا تفاصيل المعاني.
فكيف لا يُغتنم هذا الموسم العظيم والقلوب مقبلة على ربها وأبواب الجنة مفتحة وأبواب الجحيم مغلقة، وينشغل إمام التراويح بما لا ينبغي أن ينشغل به عن وظيفة هذا المحراب الذي يحمل أمانته؟!
فيا إمام التراويح.. أنت في محرابك مبلّغ عن الله رسالته، تُنذر الناس بالوحي كما كان نبيّنا ﷺ يُنذرهم به (قل إنما أنذركم بالوحي)، والله عز وجل يسمعك قبل أن يسمعك الناس، ويعلم مِن قلبك ما لا يعلمه الناس، فاستحي من نظر الله إليك، واتق الله فيما حمّلك مِن أمانة، واعلم أنّ الكلمة من كلام الناس تنفذ إلى القلوب بحسن قصد قائلها، فكيف الشأن بكلام الله رب العالمين إن أحسنت قصدك في إيصاله للناس، وسألت ربك أن يشرح له صدورهم، وأن يهديهم به؟!
إن تبيّن هذه الوظيفة والإخلاص في تحقيقها مِن شأنه أن يغيّر في نفوس السامعين ما لا تغيّره ألف خطبة، وأن يهدم ما بناه أولياء الشيطان في نفوسهم، ومِن شأنها أيضًا أن تضبط وجهة الإمام وتعالج كثيرًا مِن آفات الإمامة الدالة على عدم وضوح القصد والغاية مِن هذا المقام بالناس.
أسأل الله أن يهدينا لما يحب ويرضى، وأن يصلح حال مساجدنا، وأن ينفعنا بكتابه المجيد، ويجعله لنا نورًا في الدنيا والآخرة.
واستحضِر قدر الحواجز التي بناها الشيطان بين الناس وكلام الله تعالى، حتى صاروا يُسلّمون بمخالفة محكمات القرآن التي يتكرّر ذكرها فيه دون أن ينتبهوا لمخالفة ذلك لصريح كلام الله، ومن ذلك: تصحيح غير ملة الإسلام، والقول بنجاة المكذّب برسول الله ﷺ كاليهود والنصارى، وتسويغ التحاكم إلى غير شرع الله تعالى، واستحلال الدماء والأموال والأعراض بدعاوى باطلة، والاستهانة بالكبائر حتى ألفها الناس، وتعطيل شعار الإسلام: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل الإنكار على من قام به، والكلام في هذا يطول جدًّا، وما مِن عامٍ يمرّ علينا إلا وقد نُقض فيه شيء مِن عُرَى الإسلام.
وإن كانت المنابر وسط هذا الفتن معطلةً عن وظيفتها، منشغلة بذكر إرشادات المزارع المسلم وفضل جبر الخواطر وحب الأوطان ونحو ذلك عن إنقاذ الناس مِن نار وقودها الناس والحجارة، وإن كان دعاة الباطل يعبثون بمعاني القرآن ويحرّفون معانيه عن مراد الله تعالى = فإن القرآن المتلوّ -صافيًا خالصًا دون زيادة كلمة أو تأويل مؤول- سيظلُّ هو العروة الوثقى والحبل الموصول بيننا وبين ربنا سبحانه وتعالى، لا يمسه تحريف المحرفين ولا عبث العابثين، ويكفي في معرفة أثره في النفوس -مجردًا عن أي تفسير أو بيان- أن تستحضر أنه كلام الله رب العالمين يخاطب به خلقه وهو أعلم بهم، فلا بد لأثر له في نفوس الناس، وإن ضعف علمهم بلغته، وإن لم يدركوا تفاصيل المعاني.
فكيف لا يُغتنم هذا الموسم العظيم والقلوب مقبلة على ربها وأبواب الجنة مفتحة وأبواب الجحيم مغلقة، وينشغل إمام التراويح بما لا ينبغي أن ينشغل به عن وظيفة هذا المحراب الذي يحمل أمانته؟!
فيا إمام التراويح.. أنت في محرابك مبلّغ عن الله رسالته، تُنذر الناس بالوحي كما كان نبيّنا ﷺ يُنذرهم به (قل إنما أنذركم بالوحي)، والله عز وجل يسمعك قبل أن يسمعك الناس، ويعلم مِن قلبك ما لا يعلمه الناس، فاستحي من نظر الله إليك، واتق الله فيما حمّلك مِن أمانة، واعلم أنّ الكلمة من كلام الناس تنفذ إلى القلوب بحسن قصد قائلها، فكيف الشأن بكلام الله رب العالمين إن أحسنت قصدك في إيصاله للناس، وسألت ربك أن يشرح له صدورهم، وأن يهديهم به؟!
إن تبيّن هذه الوظيفة والإخلاص في تحقيقها مِن شأنه أن يغيّر في نفوس السامعين ما لا تغيّره ألف خطبة، وأن يهدم ما بناه أولياء الشيطان في نفوسهم، ومِن شأنها أيضًا أن تضبط وجهة الإمام وتعالج كثيرًا مِن آفات الإمامة الدالة على عدم وضوح القصد والغاية مِن هذا المقام بالناس.
أسأل الله أن يهدينا لما يحب ويرضى، وأن يصلح حال مساجدنا، وأن ينفعنا بكتابه المجيد، ويجعله لنا نورًا في الدنيا والآخرة.
👍24❤17😢4
محمد مصطفى عبد المجيد pinned «لا يكن درسُك للقرآن درسَ الخواص، وصلاتُك به صلاةَ العوام!»
Forwarded from إسلام عفيفي
أولا تستطيع أن تتخفف من (رسوم) طالب العلم وتكلفاته في تتبع النكات والنوادر، وتُقبل على القرآن إقبال من علم أنه نورٌ وهدى به نجاته!
أفلا تتجه إلى القرآن ليخرجك أنت من الظلمات إلى النور؛ فتكون أول من ينتفع به، لا أن تقف منه موقف الواعظ غيره!
ومن قبيح ما يظنه المرء: أنه قد ارتقى في الفهم والعلم عن الحاجة إلى رسوخ معاني القرآن الظاهرة في قلبه؛ فيحسب أن تلك المعاني تليق بالعامي والمبتدئ، وأن مثله يحتاج إلى الفوائد الدقيقة والغوامض التي تعز على غيره، يصعب عليه فهمها؛ فتتراءى له نفسه من علو تسمو عن خطاب القرآن للناس.
ومن القبيح كذلك: أن يكون حظه من كتاب الله ﷻ التقاط الفوائد ناشرا لأفانين النكات المعجبة، ولا يسمح لقلبه أن يأخذ حظَّه من الصلة بكلام الله ﷻ، والعيش معه.
أفلا تتجه إلى القرآن ليخرجك أنت من الظلمات إلى النور؛ فتكون أول من ينتفع به، لا أن تقف منه موقف الواعظ غيره!
ومن قبيح ما يظنه المرء: أنه قد ارتقى في الفهم والعلم عن الحاجة إلى رسوخ معاني القرآن الظاهرة في قلبه؛ فيحسب أن تلك المعاني تليق بالعامي والمبتدئ، وأن مثله يحتاج إلى الفوائد الدقيقة والغوامض التي تعز على غيره، يصعب عليه فهمها؛ فتتراءى له نفسه من علو تسمو عن خطاب القرآن للناس.
ومن القبيح كذلك: أن يكون حظه من كتاب الله ﷻ التقاط الفوائد ناشرا لأفانين النكات المعجبة، ولا يسمح لقلبه أن يأخذ حظَّه من الصلة بكلام الله ﷻ، والعيش معه.
👍25❤19
إسلام عفيفي
أولا تستطيع أن تتخفف من (رسوم) طالب العلم وتكلفاته في تتبع النكات والنوادر، وتُقبل على القرآن إقبال من علم أنه نورٌ وهدى به نجاته! أفلا تتجه إلى القرآن ليخرجك أنت من الظلمات إلى النور؛ فتكون أول من ينتفع به، لا أن تقف منه موقف الواعظ غيره! ومن قبيح ما يظنه…
قريب من هذا المعنى في منشور الشيخ عثمان الذي شاركته منذ أيام.
وفي النفس مِن هذا كثير، وإنّي على قلة البضاعة متى طالعتُ بعض ما يُنشر من فوائد ونكات، وما يخصّ به بعضُ الكرام هذا الشهر من مشاركة فوائدهم مما يقرأون في كتب التفسير، وما يعرض لي من أسئلة الناس = يقع في نفسي كثيرًا أنّ مِن تتبُّع تلك النكات والغرائب واللطائف الدقيقة ما هو حاجز حقيقي عن الاستهداء بالقرآن، وهو حاجزٌ خادعٌ؛ فالصورة صورة المقبل، والحال حال الهاجر.
وكاتب هذا ليس غريبًا عن مثل هذه النكات والغرائب، ويزعم أنه خبير بقدر لا بأس به من مواردها ومنازعها، فليست النّكرة لأجنبيةٍ عنها ولا لتقليل من شأنها، لكن ما هذا هو الاستهداء بكتاب الله، وما تلك هي حاجة القلوب التي أقفرت وقتلها الظمأ.
والله المستعان على أنفسنا، لا حول ولا قوة إلا به.
وفي النفس مِن هذا كثير، وإنّي على قلة البضاعة متى طالعتُ بعض ما يُنشر من فوائد ونكات، وما يخصّ به بعضُ الكرام هذا الشهر من مشاركة فوائدهم مما يقرأون في كتب التفسير، وما يعرض لي من أسئلة الناس = يقع في نفسي كثيرًا أنّ مِن تتبُّع تلك النكات والغرائب واللطائف الدقيقة ما هو حاجز حقيقي عن الاستهداء بالقرآن، وهو حاجزٌ خادعٌ؛ فالصورة صورة المقبل، والحال حال الهاجر.
وكاتب هذا ليس غريبًا عن مثل هذه النكات والغرائب، ويزعم أنه خبير بقدر لا بأس به من مواردها ومنازعها، فليست النّكرة لأجنبيةٍ عنها ولا لتقليل من شأنها، لكن ما هذا هو الاستهداء بكتاب الله، وما تلك هي حاجة القلوب التي أقفرت وقتلها الظمأ.
والله المستعان على أنفسنا، لا حول ولا قوة إلا به.
👍23❤11😢6
Forwarded from محمد مصطفى عبد المجيد
يا مَن تساءلت العام الماضي قبل رمضان: أيهما أفضل كثرة الختمات أم ختمة بتدبر؟ وهل أجعل ختمة للقراءة وختمة للتدبر؟ وما خطوات هذا التدبر والانتفاع بما أقرأ؟ وتحصّلت على أجوبة من كتب ومحاضرات وغيرها، ثم أنت تعاود السؤال هذا العام من جديد، لتسمع نفس الأجوبة....
أين كنت طوال العام من كتاب الله تعالى؟ وأين أنت من هذه الأجوبة التي حصلتها؟ هل تسأل لأنك جربتها فلم تجدِ نفعًا؟ أم انتفعت بها وتريد أن تحصل على جواب آخر؟ أم أنك نسيتها لأنك هجرت كتاب ربك العزيز؟
هذه الأسئلة إنما يسألها من يبدأ طريقه مع القرآن، أما مَن يسأل كل عام، ويدخل في نقاشات ومساجلات ليصل إلى حقيقة ثم لا يعمل بها، ويأتي عليه رمضان جديد كأنه لا يعرف كيف يقرأ القرآن، فهذا من البطالة وعدم التوفيق، أعيذ نفسي وإياك من ذلك.
اعلم أخي أنّ ما تسمعه ما هو إلا إرشادات لتسير في الطريق، وإن كنت قد سرت وتعثرت فإن سيرك كان كفيلًا بأن تُبصر ما يُصلحك مع القرآن، فليست هناك قواعد صارمة تصلح لكل أحد، وإنما نُهدى السبيل إذا سِرنا ورأى الله منّا صدقًا: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).
فإن كان حالك على غير هذا فلتدخل رمضان لا بإجابات هذه الأسئلة، ولكن ادخله بحياء من الله تعالى وأسفٍ على حالك مع كتابه، وأنت أنت الذي تدور كل عام حول القرآن، ثم لا تلج إليه، وعمرك يجري وتحسب أنك تحسن صنعًا، فوالله إني لأحسب أنّ دخولك مستحييًا مِن ربك على تقصيرك رغم علمك، نادمًا على هجرانك طوال العام حتى نسيت كل شيء، حتى أن كثير كلامك لم تنتفع به بشيء = لأن تدخل رمضان بهذا القلب أنفع لك مِن ألف جواب وجواب.
وأؤكد أنه لا بأس بهذه الأسئلة، بل هي دالة على حرص صاحبها على أن يكون من الفائزين بكتاب الله العزيز في رمضان، إنما العتب على اتخذ هذه الأسئلة سُنّة كل عام، ثم هو لا يتقدم خطوة في علاقته بكتاب الله عز وجل.
أرجو أن تُقبل من أخ ناصح.
أين كنت طوال العام من كتاب الله تعالى؟ وأين أنت من هذه الأجوبة التي حصلتها؟ هل تسأل لأنك جربتها فلم تجدِ نفعًا؟ أم انتفعت بها وتريد أن تحصل على جواب آخر؟ أم أنك نسيتها لأنك هجرت كتاب ربك العزيز؟
هذه الأسئلة إنما يسألها من يبدأ طريقه مع القرآن، أما مَن يسأل كل عام، ويدخل في نقاشات ومساجلات ليصل إلى حقيقة ثم لا يعمل بها، ويأتي عليه رمضان جديد كأنه لا يعرف كيف يقرأ القرآن، فهذا من البطالة وعدم التوفيق، أعيذ نفسي وإياك من ذلك.
اعلم أخي أنّ ما تسمعه ما هو إلا إرشادات لتسير في الطريق، وإن كنت قد سرت وتعثرت فإن سيرك كان كفيلًا بأن تُبصر ما يُصلحك مع القرآن، فليست هناك قواعد صارمة تصلح لكل أحد، وإنما نُهدى السبيل إذا سِرنا ورأى الله منّا صدقًا: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).
فإن كان حالك على غير هذا فلتدخل رمضان لا بإجابات هذه الأسئلة، ولكن ادخله بحياء من الله تعالى وأسفٍ على حالك مع كتابه، وأنت أنت الذي تدور كل عام حول القرآن، ثم لا تلج إليه، وعمرك يجري وتحسب أنك تحسن صنعًا، فوالله إني لأحسب أنّ دخولك مستحييًا مِن ربك على تقصيرك رغم علمك، نادمًا على هجرانك طوال العام حتى نسيت كل شيء، حتى أن كثير كلامك لم تنتفع به بشيء = لأن تدخل رمضان بهذا القلب أنفع لك مِن ألف جواب وجواب.
وأؤكد أنه لا بأس بهذه الأسئلة، بل هي دالة على حرص صاحبها على أن يكون من الفائزين بكتاب الله العزيز في رمضان، إنما العتب على اتخذ هذه الأسئلة سُنّة كل عام، ثم هو لا يتقدم خطوة في علاقته بكتاب الله عز وجل.
أرجو أن تُقبل من أخ ناصح.
❤41👍10😢10👏5
ممّا ينبغي أن يُنتبَه له في فضائل الأعمال أنّ العمل إذا ورد فضلُه في الحديث الشريف مقارنًا بغيره من الأعمال فالمقصود منه الحثُّ على العمل المذكور أجرُه، لا التزهيد في العمل الآخر الممثَّل به.
ومَن سمع حديثًا في فضل عمل من الأعمال فزَهِد في غيره من الأعمال الصالحة واستقلّه فتلك أمارةٌ على سوء فهمه لمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتلك قاعدة شريفة، تزلّ الأقدام بجهلها أو الغفلة عنها.
ومثال ذلك: مَن سمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد قلتُ بعدكِ أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وُزِنَتْ بما قُلتِ منذ اليوم، لَوَزَنْتهنَّ: سبحان الله وبحمده، عَدَدَ خلقِه، ورِضا نفسه، وزِنَةَ عَرْشِه، ومِدَادَ كلماتِه"، ففهم منه التزهيد في سائر الذكر سوى هذه الكلمات؛ فما أبعده عن مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم! وأمارةُ ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسَه لم يقتصر في ذكره على هذا الذكر، بل ضمّ إليه غيره، ثم لم يفهم الصحابة منه أن يتركوا ما سواه من الذكر، بل ضمّوا إليه غيره ممّا أخذوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقس على هذا الكثير والكثير مما ورد في أحاديث الفضائل؛ فإن ذكر فضل الأعمال بذكر ما يعادلُها أو بذكر مفاضلتِها غيرَها متكررٌ في الأحاديث النبوية الشريفة.
والداعي إلى هذا التنبيه أنَّ بعض البطَّالين من المنتسبين لطلب العلم يزهِّدون في مثل هذه المواسم من الاستكثار من أصناف من الطاعات، أو بعبارة أدق: من أجناس من الطاعات لا يألفونها ولا تألفُها نفوسُهم، وقد قرأت مراتٍ تزهيدًا في الاجتهاد في ليالي العشر بإحيائها كلِّها باستحضار الأحاديث في فضل مَن صلَّى العشاء والصبح في جماعة وأنه كمَن قام الليل كله، أو في فضل مَن صلَّى مع الإمام حتى ينصرف، ونحو ذلك، مع إشارة إلى أنّ الأحاديث الشريفة دالة على أن الأمر أهون من ذلك، ومثل هذا يروّجه أمثالهم مِن البطالين مِن المنتسبين للعلم، المتبجّحين في كل مناسبة بوقوفهم على ما لم يقف عليه غيرهم، وفهمهم لما يفهمه غيرهم.
وإن ناقشنا الأمر بالحجة: فمُبلِغُنا بهذه الفضائل -صلوات الله وسلامه عليه- هو نفسُه الذي كانت إذا دخل العشر أحيا ليله -أي: كلَّه- وشدَّ المئزر، بل في غير رمضان لا يترك قيام الليل، وطول قيامه صلى الله عليه وسلم ومداومته عليه وحُسن صلاته وركوعه وسجوده ممّا تواترت به الأحاديث، وهو هو -صلى الله عليه وسلم- الذي أخبر أنّ مَن صلى العشاء والصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله، ومن قرأ آخر آيتين من البقرة قبل نومه كفتاه -على وجه في تفسيرها أنه عن قيام الليل- وغير ذلك من الأحاديث.
ثم صحابته الكرام -أحرص الناس على الخير ونقلة سنته الشريفة- ما فهم منهم أحد مثل هذا، ولا زهّد في عبادة بمثل هذا، بل كانوا أحرص الناس على اقتفاء أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يكاد يُعلم عن أحد من كبار الصحابة أنه كان لا ورد له من الليل.
وقُلتُ: "إن ناقشنا الأمر بالحجة"؛ لأن مأخذ هذا الغلط ليس مجرد سوء الفهم، وأمارة ذلك أنها طريقة مسلوكة في التهوين من شأن بعض العبادات التي لا تألفها نفس المتكلم، مع اقتحام وجرأة في الجهر ببعض المحرمات، وهو نفسه الذي يقيم الدنيا ولا يُقعدها إذا أخطأ أحد في فهم كلام عالم من العلماء، أو غلط في مسألة فرعية في أي علم من العلوم، وربما جعله موضوع سخريته في منشوراته لأيام متتابعة.
وتلك من آفات العلم التي ينبغي الحذر منها؛ فإن بعض المنتسبين للعلم يجادلون عن عجزهم وكسلهم وخورهم وزللهم بلَحْن القول، وتتبُّع المتشابه، والاختلاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتعالي على خلق الله.
وكثير من عوام الناس في ذلك أفضل منهم حالًا؛ يسمعون حديث رسول الله عليه وسلم سماع المعظّم، ويعترفون بتقصيرهم بسهولة دون كثير جدال، ويسعَون في تكميل نقصهم، ويتقربون إلى الله تعالى ببضاعة مزجاة وهم يحسنون الظن أن يتقبل منهم، لا لحسن عملهم، بل لأنَّه الكريم الجواد سبحانه وتعالى، ثم ليس لهم ما يتترَّسون به من النصوص والآثار والتأويلات التي يُرضون بها أنفسهم، ويُرضون بها الناس عنهم، بل يحملون الناس على مثل ما هم عليه من عجز وكسل.
فإن قلتَ: ما فقه هذه الأحاديث؟ وما وجه عدم الاقتصار بها عن سائر العمل؟ وما دلالة هذه المفاضلات؟ وما دلالة التفاوت في المفاضلات في العمل الواحد؟
فكل هذا وغيره مِن العلم الذي يُتعلّم ويُتفقه فيه، وهو من العلم النافع للعبد في الدنيا والآخرة، وهو أنفع للطالب من كثير كلامٍ فيما لا ينفع.
ومَن سمع حديثًا في فضل عمل من الأعمال فزَهِد في غيره من الأعمال الصالحة واستقلّه فتلك أمارةٌ على سوء فهمه لمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتلك قاعدة شريفة، تزلّ الأقدام بجهلها أو الغفلة عنها.
ومثال ذلك: مَن سمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد قلتُ بعدكِ أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وُزِنَتْ بما قُلتِ منذ اليوم، لَوَزَنْتهنَّ: سبحان الله وبحمده، عَدَدَ خلقِه، ورِضا نفسه، وزِنَةَ عَرْشِه، ومِدَادَ كلماتِه"، ففهم منه التزهيد في سائر الذكر سوى هذه الكلمات؛ فما أبعده عن مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم! وأمارةُ ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسَه لم يقتصر في ذكره على هذا الذكر، بل ضمّ إليه غيره، ثم لم يفهم الصحابة منه أن يتركوا ما سواه من الذكر، بل ضمّوا إليه غيره ممّا أخذوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقس على هذا الكثير والكثير مما ورد في أحاديث الفضائل؛ فإن ذكر فضل الأعمال بذكر ما يعادلُها أو بذكر مفاضلتِها غيرَها متكررٌ في الأحاديث النبوية الشريفة.
والداعي إلى هذا التنبيه أنَّ بعض البطَّالين من المنتسبين لطلب العلم يزهِّدون في مثل هذه المواسم من الاستكثار من أصناف من الطاعات، أو بعبارة أدق: من أجناس من الطاعات لا يألفونها ولا تألفُها نفوسُهم، وقد قرأت مراتٍ تزهيدًا في الاجتهاد في ليالي العشر بإحيائها كلِّها باستحضار الأحاديث في فضل مَن صلَّى العشاء والصبح في جماعة وأنه كمَن قام الليل كله، أو في فضل مَن صلَّى مع الإمام حتى ينصرف، ونحو ذلك، مع إشارة إلى أنّ الأحاديث الشريفة دالة على أن الأمر أهون من ذلك، ومثل هذا يروّجه أمثالهم مِن البطالين مِن المنتسبين للعلم، المتبجّحين في كل مناسبة بوقوفهم على ما لم يقف عليه غيرهم، وفهمهم لما يفهمه غيرهم.
وإن ناقشنا الأمر بالحجة: فمُبلِغُنا بهذه الفضائل -صلوات الله وسلامه عليه- هو نفسُه الذي كانت إذا دخل العشر أحيا ليله -أي: كلَّه- وشدَّ المئزر، بل في غير رمضان لا يترك قيام الليل، وطول قيامه صلى الله عليه وسلم ومداومته عليه وحُسن صلاته وركوعه وسجوده ممّا تواترت به الأحاديث، وهو هو -صلى الله عليه وسلم- الذي أخبر أنّ مَن صلى العشاء والصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله، ومن قرأ آخر آيتين من البقرة قبل نومه كفتاه -على وجه في تفسيرها أنه عن قيام الليل- وغير ذلك من الأحاديث.
ثم صحابته الكرام -أحرص الناس على الخير ونقلة سنته الشريفة- ما فهم منهم أحد مثل هذا، ولا زهّد في عبادة بمثل هذا، بل كانوا أحرص الناس على اقتفاء أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يكاد يُعلم عن أحد من كبار الصحابة أنه كان لا ورد له من الليل.
وقُلتُ: "إن ناقشنا الأمر بالحجة"؛ لأن مأخذ هذا الغلط ليس مجرد سوء الفهم، وأمارة ذلك أنها طريقة مسلوكة في التهوين من شأن بعض العبادات التي لا تألفها نفس المتكلم، مع اقتحام وجرأة في الجهر ببعض المحرمات، وهو نفسه الذي يقيم الدنيا ولا يُقعدها إذا أخطأ أحد في فهم كلام عالم من العلماء، أو غلط في مسألة فرعية في أي علم من العلوم، وربما جعله موضوع سخريته في منشوراته لأيام متتابعة.
وتلك من آفات العلم التي ينبغي الحذر منها؛ فإن بعض المنتسبين للعلم يجادلون عن عجزهم وكسلهم وخورهم وزللهم بلَحْن القول، وتتبُّع المتشابه، والاختلاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتعالي على خلق الله.
وكثير من عوام الناس في ذلك أفضل منهم حالًا؛ يسمعون حديث رسول الله عليه وسلم سماع المعظّم، ويعترفون بتقصيرهم بسهولة دون كثير جدال، ويسعَون في تكميل نقصهم، ويتقربون إلى الله تعالى ببضاعة مزجاة وهم يحسنون الظن أن يتقبل منهم، لا لحسن عملهم، بل لأنَّه الكريم الجواد سبحانه وتعالى، ثم ليس لهم ما يتترَّسون به من النصوص والآثار والتأويلات التي يُرضون بها أنفسهم، ويُرضون بها الناس عنهم، بل يحملون الناس على مثل ما هم عليه من عجز وكسل.
فإن قلتَ: ما فقه هذه الأحاديث؟ وما وجه عدم الاقتصار بها عن سائر العمل؟ وما دلالة هذه المفاضلات؟ وما دلالة التفاوت في المفاضلات في العمل الواحد؟
فكل هذا وغيره مِن العلم الذي يُتعلّم ويُتفقه فيه، وهو من العلم النافع للعبد في الدنيا والآخرة، وهو أنفع للطالب من كثير كلامٍ فيما لا ينفع.
❤36👍12
محمد مصطفى عبد المجيد
ممّا ينبغي أن يُنتبَه له في فضائل الأعمال أنّ العمل إذا ورد فضلُه في الحديث الشريف مقارنًا بغيره من الأعمال فالمقصود منه الحثُّ على العمل المذكور أجرُه، لا التزهيد في العمل الآخر الممثَّل به. ومَن سمع حديثًا في فضل عمل من الأعمال فزَهِد في غيره من الأعمال…
تعقيب على المنشور
❤12👍1💯1