┊❥الكاتبة🦋 نرمين نحمدالله🦋
22.4K subscribers
1.46K photos
5 videos
31 files
302 links
تابع لجروب نيمو وآخواتها
https://www.facebook.com/groups/910845198981162/
Download Telegram
لوحت جوري بكفها في عدم اقتناع هاتفة باستهزاء مرح:
_كلام فارغ!!!!
ثم أسندت ذقنها علي راحتها لتهمس بهيام:
_وهل هناك أجمل من لقاء حبيبين بعد افتراق؟!!!
ضحكت آسيا بانطلاق وهي تضرب أحد كفيها بالآخر...
بينما اكتفت ساري بابتسامة واسعة وآسيا تهتف باستنكار مرح:
_ماذا حدث لكما في غيابي؟!!! جوري تتغزل في عمار الذي كانوا يخيفون به الصغار؟!!!
زمجرت جويرية بغضب مصطنع وهي تضم قبضتها في وجه آسيا هاتفةً:
_ماذا قلتِ؟!! أعيديها ثانية وسأشوه لكِ وجهكِ الجميل هذا حتي تعودين لجساركِ هذا بأسنانٍ مهشمة!!!
تعالت ضحكات آسيا وساري التي غلبها مرح الحوار هي الأخري...
خاصةً وقد غطت آسيا علي شفتيها بأحد كفيها قبل أن ترفع الآخر في وجه جويرية كإشارة استسلام...
فأعادت جوري كفها جوارها هاتفةً بنبرة تهديد:
_هكذا يكون الأدب!!!
ساعتها ضحكت ساري بخفة وهي تهز رأسها قائلةً بتهكم:
_وها هو ذا تأثير السيد عمار عليكِ...جوري الرقيقة الحالمة صارت تتعامل بالتهديد واللكمات...لا أستبعد أن تستبدلي المكتبة بتجارة السلاح!!!
تعالت ضحكاتهن جميعاً بعدها للحظات...
حتي هدأت نوبة المرح هذه لتلتفت جويرية إلي ساري قائلة بجدية هذه المرة:
_اسمعي نصيحتي يا صغيرتي...ليس أسوأ من أن يضيع الانسان حبه أو عمره...وأنتِ الآن تضيعينهما معاً!!!
أطرقت ساري برأسها دون رد...
فأردفت جويرية بنبرة أرق:
_طالما رآكِ حذيفة جاريةً منحوها له دون جهد...والآن تحررتِ أنتِ من قيد الجواري...فأريهِ عشق الحُرّة كيف يكون!!!
=============
عادت جويرية إلي شقتهما الصغيرة بعد تناولها الغداء مع شقيقتيها لتجده ينتظرها علي أريكة الصالة...
فابتسمت بحب وهي تندفع نحوه لتجلس علي ساقيه وتطوقه بذراعيها لتهمس بين قبلاتها التي نثرتها علي وجهه:
_افتقدتك يا عماري...افتقدتك جداً جداً.
ضحك ضحكة طويلة وهو يضمها إليه أكثر قبل أن يبتعد بوجهه لينظر لعينيها قائلاً بحنان:
_وأنا أيضاً افتقدتك هذه الساعة...لكن لا يهم...أنتِ تبدين سعيدة!
أراحت رأسها علي صدره وهي تهمس بشرود حالم:
_جداً يا عماري...لم أحظَ بهذا الشعور منذ فترة طويلة...أشعر أن قلبي صار متخماً بالحب...عودة آسيا لحضن العائلة واستقرارنا بعد انتهاء قصة الثأر هذه ورجوع حمزة الذي كان فاتحة الخير للجميع...
ثم رفعت إليه عينيها لتردف بهيام:
_وأنت وحبك الذي منحني أمان العمر كله...كل هذا كثيرٌ عليّ!!
احتضن وجهها بين راحتيه يقربه لوجهه أكثر قبل أن يهمس بحرارة:
_لا شئ كثيرٌ عليكِ أنتِ...أنتِ الجورية التي خلقت للحب وخلق الحب لها....أنتِ امرأةٌ قضيت نصف عمري أعشقها ونصفه الآخر أخشي أن أفقدها...هل تعلمين؟! أحياناً أستيقظ من نومي جواركِ لأتأمل ملامحكِ بتفحص مجنون وكأنني لا أصدق بعدُ أنك حقاً بين ذراعيّ... أنتِ الحلم الذي أرهقني حتي تحقق...فلما تحقق كان أروع من الخيال!!
ابتسمت بسعادة خالصة وهي تمرغ وجهها في صدره...
فامتدت أنامله تزيح عنها حجاب رأسها برفق...
لتقع عيناه علي ندبة رقبتها التي تركها السكّين ذاك اليوم الذي اعترفت له فيه بكل الحقيقة...
فضمها إليه أكثر وهو يلثم مكانها بشفتيه بعمق قبل أن يهمس بصوت مرتعش:
_سأبقي طوال عمري أعشق ندبتكِ هذه...ليتها لا تزول من مكانها أبداً..رغم أنني ليلتها كدت أموت قلقاً وخوفاً عليكِ من أن تؤذي نفسك...لكنني لن أنسي اعترافك ذاك أبداً...
تأوهت بضعف وهي تدفن وجهها في طيات قميصه أكثر ليصله همسها ذو الدلال الذي لا تجيده معه سواها:
_هل كان يجب أن يسيل دمي أمامك حتي تصدق؟!
مد أنامله الخشنة يتلمس موضع ندبتها برقة بالغة وهو يرد عليها بهمسه الحار المفعم بصدقه:
_فداكِ دمي وروحي يا جوريتي!!
تطلعت إلي عينيه اللتين كانتا تبرقان الآن كنجمتين في ليل بلا قمر...
وهي تشعر بحبه كرداءٍ منحه لها القدر بعد طول عُريٍ وبرد...
هل هذا هو ما يفعله بنا الحب عندما نعطيه فيرتد إلينا أضعافاً مضاعفة...؟!!!!
فيحيي بنا الأحلام التي ظننّاها قد ماتت...
وينبت لنا جناحين من نور نحلق بهما في سماءٍ لا تعرف نهاية....
ويزين ملامحنا بأطياف ملونة تعوضنا عما ضاع قبله من أيام باهتة؟!!!!

ظل الحديث يدور بين عينيهما طويلاً حتي رفعها من خصرها ليقف ويجذبها من يدها نحو غرفتهما...
حتي توقف بها أمام خزانة ملابسهما ليفتحها لها قبل أن يستخرج منها ثوباً ملفوفاً بورق شفاف لامع..
فشهقت بانبهار وهي تتناوله منه لتستخرجه هاتفةً بعد لحظات من الدهشة:
_يا إلهي...إنه نفس ثوب زفافنا الذي...
قطعت عبارتها وهي تغمض عينيها بقوة متحاشيةً الحديث عن تلك الذكري البغيضة...
لكنه استشعر ألمها فغمغم برفق حمل بعض أسفه:
_لقد طلبتُ منهم أن يصنعوا واحداً مثله خصيصاً لنا...
❤19👍2
فتحت عينيها وهي تبتسم بشحوب محاولةً تدارك تلك الغصة في حلقها لتهمس بعد فترة:
_ولماذا لم تشترِ واحداً آخر؟!
أطرق برأسه صامتاً للحظات ...قبل أن يهمس :
_أولاً...لأنني كنتُ مهووساً بجمالكِ فيه...لم أتصوركِ إلا به.
ضمت الثوب لصدرها بقوة وهي تتطاول علي أطراف أصابعها لتقبل وجنته هامسةً:
_وثانياً؟!
نظر إليها طويلاً بفيض عاطفته الذي كان محملاً الآن بالكثير من الندم للحظات طويلة...
قبل أن يهمس :
_كنت أريد أن أمحو من ذهنكِ هذه الذكري تماماً!!!
ابتسمت في تأثر وهي تضع الثوب جانباً...لتتعلق بذراعيها في عنقه هامسةً بدلال:
_قل لي سامحيني ...وسأسامحك!
رفع أحد حاجبيه باستهجان وهو يضمها إليه بعنف حتي تأوهت بقوة وهو يقول لها بخشونة:
_ألا تريدين أن أقبل يدك أيضاً؟!!!
ضحكت ضحكة طويلة قبل أن تغمز له بعينها هامسةً بغنج:
_لو طلبتها جوريتك فستفعلها لأجلها ...لكنني لن أفعلها.
خبطها بجبهته في جبهتها ببعض القوة فتأوهت من جديد لتهتف بعدها بمرح:
_حسناً...أنا التي سأعتذر وسأقبل يديك أيضاً!!!
اختلط صوت ضحكاتهما معاً للحظات...
قبل أن يسألها هو بجدية هذه المرة وسط نظراته التي رفعتها لأعالي سماوات العشق:
_حقاً سامحتِني؟!!
أومأت برأسها إيجاباً ببطء قبل أن تهمس بحرارة:
_أنت مزقت ثوباً لكنك أصلحتَ عُمراً...اغتصبت جسداً لكنك أحييتَ روحاً...فكيف لا أسامحك؟!!
=========================

_حذيفة؟!! لا أصدق نفسي!!!!ماذا تفعل هنا؟!!
هتفت بها تلك الفتاة بدهشة ممتزجة بميوعتها وهي تدخل للمركز الذي يديره الآن...
فالتفت نحوها ببعض الحرج وأنظار بعض الحضور تتوجه نحوه...
لكنه ظل جالساً علي مكتبه يرمقها ببرود يجيده حتي اقتربت منه بدلال اصطبغت به خطواتها قبل كلماتها:
_هل نسيتني بهذه السرعة؟!!
أطرق برأسه للحظة ثم عاد ينظر إليها نظرة زاجرة ناقضت برود صوته بعدها:
_عفواً...هل التقينا من قبل؟!
ضحكت الفتاة ضحكة طويلة ثم غمزته قائلةً بخبث:
_مادمت نسيت فسأتركك حتي تتذكر وحدك.
مط شفتيه باستياء واضح وهو يشعر بالاشمئزاز...
إنه يذكر هذه الفتاة بالذات جيداً ...فقد قضي أكثر من شهرين يحاول إيقاعها في حبائله حتي نجح...
لكنه زهدها كالعادة بعدها ليبحث عن صيدٍ جديد...
وقد كان هذا بالطبع قبل بداية تعلق قلبه بساحرته العنيدة التي طمست بعشقها آثار كل النساء قبلها...
استغفر الله بصمت عندما تذكر هذا وهو يجدد عهده علي توبته...
ثم قال لها بنبرة جافة :
_باشمهندس(......)في الغرفة الجانبية سيساعدكِ فيما جئتِ لأجله.
رمقته الفتاة بنظرة غيظ واضحة من نفوره قبل أن تغادره بخطواتٍ سريعة نحو الغرفة التي أشار إليها...
فزفر بقوة وهو يتشاغل بشاشة حاسوبه التي أدارها نحوه بحيث لا يراها سواه...
ثم تلاعبت أنامله بالأزرار حتي ظهرت له صورتها التي يخفيها في إحدي ملفاته الخاصة...
ابتسم ابتسامة حانية وملامحها الملائكية رغم بساطتها تبدو له وكأنها تغسل روحه من دنس ماضيه كاملاً...!!!
أغمض عينيه للحظات يسترجع آخر مرة رآها في حفل عقد قران حمزة...
وحبه الذي كان يلون حدقتيها رغم محاولتها الواهية للتظاهر بالبرود...
واحمرار وجنتيها الذي فضح له تأثيره الذي لازال قوياً عليها كما يثق تماماً...
يقولون أن الرجل يزهد في المرأة عندما يوقن من عشقها له...
فما باله هو كلما ازداد يقيناً من غرامها الصادق به...كلما تعلق بها أكثر...وخاف من فقدانها أكثر...؟!!!
ربما ..لأنه إلي الآن يدرك أنه -مع سواد خطايا ماضيه-لا يستحقها...!!!
وربما لأنه يعلم أنه لن يصادف أبداً امرأة مثلها...
امرأة شطره سيف حبها نصفين ثم أعاد وصلهما ليبعثه من جديد...!!
امرأة جرحته بأشد ما تكون القسوة...وداوته بأرقّ ما يكون الحنان...!!
امرأة قاتل نفسه لأجلها...لكنه عجز عن قتالها هي...فانهزم أمام عقلها الذي ألقاه طريداً خارج أسوار مدينتها وحده في العراء...!!
امرأة يقسم أنها لن تكون إلا له مع أنه يعلم أنها تقسم لنفسها كل يوم ألا تكون !!
هي التي عشقته كما لا يمكن أن تتقن امرأة سواها...
وجرحته كما لا يمكن أن تفعل امرأة سواها...
وأخفت دواءه في طيات ثوبها متحديةً أن يجد لنفسه شفاءً إلا بين ذراعيها!!!

_حذيفة!
فتح عينيه ببطء عندما سمع همسها المبحوح باسمه ليجدها فجأة أمامه...
وكأنما قفزت من أفكاره !!!
ظل ينظر إليها للحظات وكأنه يتأكد أنها حقيقية قبل أن يتمالك نفسه ليغلق شاشة حاسوبه بسرعة...
ثم يقول لها بنبرة متحفظة جاهد نفسه كثيراً كي يستحضرها:
_أهلاً يا ابنة عمي...تفضلي بالجلوس.
تلفتت حولها لصالة المركز التي كانت خاليةً الآن إلا منهما لتقول له ببعض الارتباك:
_لماذا أري المكان خالياً؟! هل انتهي وقت العمل؟!!
❤22👍3
سحب عينيه من علي ملامحها بصعوبة ليفتح أحد الأدراج متظاهراً بالانشغال وهو يقول ببساطة مصطنعة:
_المكان مزدحم لكن الغرف مغلقة .
أومأت برأسها في تفهم ثم التفتت إليه لتسأله بنبرة ذات مغزي:
_هل أسألك أنت علي طلبي...أم أسأل "الباشمهندس" في الغرفة الجانبية؟!!
رمقها بنظرة طويلة متفحصة قبل أن يبتسم ابتسامة جانبية وهو يدرك أنها قد شهدت موقفه مع تلك الفتاة منذ دقائق...
ثم اقترب بجذعه ليستند علي المكتب مقتنصاً نظراتها بهيمنة لا يجيدها معه سواه...
فابتسمت رغماً عنها وهي تطرق برأسها لتصلها همساته الخفيضة مشتعلةً بمشاعره رغم برودها الظاهر:
_لا طبعاً...أنتِ ابنة عمي...يجب أن تكون لكِ معاملةً خاصة.
لكنها تصنعت الجدية علي ملامح وجهها الذي رفعته نحوه لتسأله بلهجة عملية:
_دورة(......)...أحتاجها في تخصصي...أريد أن أعرف كم يوماً ستستغرقه حتي أنسق مواعيدي.
أخفي ابتسامته بمهارة وقلبه يكاد يتواثب فرحاً...
ساري جاءته بقدميها بعدما منحها حريتها تتذرع بشئ وهمي...!!!
وهذا يعني أن عقلها الذي طالما كان عدوه الحقيقي قد بدأ يرضخ لرغبة قلبها...
ومن يدري...ربما يتصالحان معاً في نهاية الطريق فتريح نفسها وتريحه من هذا الصراع الذي أرهقهما معاً!!!
لهذا قام من مكانه ليتوجه نحوها قائلاً بجدية تامة متحاشياً النظر إليها:
_تعالي معي إلي المهندس المسئول.
ظلت جالسةً مكانها تنظر إليه بتردد..
قبل أن تستخرج من حقيبتها زجاجة عطر ملفوفةٍ بورق وردي لامع وعليها بطاقة صغيرة مكتوبٌ عليها:
_إلي الوردية في رقتها...البيضاء في نقائها...السوداء في غضبها...والزرقاء في سحرها...إلي الشفافة التي عبرت حياتي كالطيف فامتلكتني... وغادرتها كالروح فقتلتني.
تجمدت ملامحه تماماً وهو يقرأ الكلمات المكتوبة علي البطاقة ...
قبل أن يقول ببرود تام:
_لطيف...مباركٌ لكِ العطر وصاحبه!
انعقد حاجباها تماماً كلسانها وهي تقوم من مكانها ببطء قبل أن تجد القدرة لتسأله بصوت متقطع من فرط دهشتها:
_هل تعني أنك.... أنت لست مرسلها ؟!!!.ظننت...أقصد...اليوم عيد ميلادي...
قطعت عبارتها بارتباك وعيناها تدوران في المكان بشرود حائر!!
لقد وجدت هذه الهدية ملصقةً علي مقدمة سيارتها عندما نزلت من البيت في الصباح الباكر...
وكل ما دار في ذهنها وقتها أن حذيفة هو من أرسلها لها بمناسبة عيد ميلادها ...
خاصةً وقد وعدها من قبل أن يهديها عطراً يليق بها لا تغيره أبداً!!!
شعرت بالخيبة تملؤها وقتها مع هذا البرود الذي احتله كاملاً وهو يرد عليها:
_ومنذ متي كنت أرسل لكِ هدية في عيد ميلادك؟!! لا أذكر أنني فعلتها من قبل!!!
أومأت برأسها وهي تشعر ببعض الإهانة من كلماته مع بروده رغم يقينها من أنه يتصنعه...
فأطرقت برأسها للحظات تتمالك بعض قوتها...
قبل أن تتوجه نحو سلة للمهملات هناك وهي تهمّ بإلقاء هديتها...
عندما لحق بها ليمسك معصمها فيمنعها قائلاً بنفس البرود:
_لماذا؟!
رفعت رأسها للسقف متحاشية النظر إليه لتقول له بحزم:
_لو كانت منك فأنا جئت لأردها...ولو كانت من غيرك فلا حاجة لي بها...
ظل ينظر لعينيها طويلاً وإبهامه يداعب معصمها في كفه بحركته الأثيرة لديها...
لتبث لها عيناه فيضاً من غرامه المضفّر بعتابه....
وبينما كانت كل ذرة في كيانها تذوب فيه عشقاً واشتياقاً...
كانت كلماته جامدة وهو يعاود حديثه:
_خسارة!!العطر يبدو ثميناً...
ثم ضغط علي حروفه بلهجة ذات مغزي :
_ويليق بكِ كما تستحقين!!
ازدردت ريقها ببطء وهي تدرك عما يتحدث...
لو لم يكن حذيفة مرسلها فهو بالتأكيد بلال....
لهذا زفرت بضيق قبل أن تخفض بصرها عنه هامسةً باقتضاب:
_أخبرتك ألا حاجة لي فيه!
ابتسم ساعتها ابتسامة حقيقية مكللةً ببعض الخبث وعيناه تدوران في المكان ليتأكد من خلوه...
قبل أن يحتضن كفها بالزجاجة في يدها بين راحتيه ليرفعهما معاً إلي شفتيه في قبلة عميقة ارتجف لها جسدها كله...
قبل أن يهمس بنبرة دافئة:
_كل عام وأنتِ...."بخير"!!
تضرجت وجنتاها بحمرة خجلها وهي تكاد تقسم أنها سمعت بقلبها- دون أذنيها- كلمة "حبيبتي" التي استبدلها ب"بخير" ....
نعم ...قرأتها بعينيه حتي ولو بخل بها لسانه...!!
فأطرقت برأسها خجلاً ليميل عليها هامساً جوار أذنها:
_يا ابنة عمي!
رفعت رأسها إليه أخيراً بعد لحظات وهي تنتبه لنفسها...فابتعدت عنه وهي تسحب كفها منه بعنف ...
قبل أن تتلفت حولها هاتفةً بحدة :
_ومادمت أنت من أرسلها...فلماذا تنكر؟!!
تراقص حاجباه بمكر وهو يهز كتفيه قائلاً:
_أنا لم أقل أنني من أرسلها.
كزت علي أسنانها بغيظ وهي تكاد تقسم أنها له...
الماكر يتلاعب بها!!!
والمصيبة...أنها مستمتعة بهذه اللعبة رغم غيظها!!!!
لهذا تحركت لتضع الهدية علي مكتبه بعنف هاتفة بحنق :
_تصرف فيها بمعرفتك...لا أريدها.
لكنه كتم ضحكته التي ود لو يفلتها الآن...ليعود لصوته بروده وهو يقول بجدية مصطنعة:
_حسناً...كما تريدين...هيا بنا لأعرفكِ علي المهندس الذي سيكون مسئولاً عنكِ.
===================
❤21👍3
جلس حذيفة علي مكتبه في المركز يتطلع لساعته بقلق...
سمع صوت الرعد بالخارج فزفر بقوة وهو يكاد يجزم أنها لن تأتي في موعدها اليوم مع هذا الطقس السئ!!
لقد اعتذر غالبية العاملين معه...
والمركز الآن خالٍ إلا منه...
لكنه مع هذا أصرّ علي البقاء حتي موعدها ...لعلها هي الأخري تأتي!!!
فهي لم تخلف موعد محاضراتها هنا منذ أول مرة...
وقد بدا وكأنها تتخذها مجرد ذريعة لتلتقيه وتتحدث معه....
لهذا أدرك بشعوره أن شيئاً ما بها قد تغير وأن صراعها الداخلي بشأنه ربما أوشك علي الاندثار...!
قام من مكانه ليتوجه إلي ذاك الركن هناك حيث تناول الغلاية الكهربائية ليحضر له مشروباً دافئاً...
ضغط زر التشغيل ثم وقف أمام النافذة الزجاجية لينفث زفير فمه في الزجاج أمامه...
ثم ابتسم بحنين بالغ وهو يمد سبابته ليكتب اسمها علي البخار المتكاثف أمامه...
مستعيداً إحدي ذكرياتهما صغاراً عندما كان يفعل هذا معها وهي بعد طفلة ليثير انبهارها الطفولي به...
اتسعت ابتسامته وهو يستعيد بعض ذكرياته الأخري معها وقلبه يكاد ينفطر اشتياقاً...
ليس هناك أجمل من عشق يتأرجح بين طفولة المرء وشبابه...
فيجمع براءة وسحر الأولي ...وقوة وعنفوان الثاني!!!
ليزيد وثاق القلب بحبالٍ لا مرئية لكنها أصلب ما تكون...
وأدوم ما تكون!!!
ظل شارداً في الفراغ أمامه للحظات
حتي سمع صوتها خلفه:
_كنت تكتبها "سوسو"...وليس"ساري"!!!
التفت نحوها بحدة متبيناً ابتلال ملابسها بفعل المطر مع احمرار أنفها ووجنتيها الشديد....
قبل أن يبتسم وهو يشيح بوجهه متجاهلاً عبارتها ليقول ببرود مصطنع:
_ظننتكِ لن تأتي في مثل هذا الطقس!
ضمت ياقتي معطفها تلتمس بعض الدفء وهي تقول ببرود مماثل رغم ارتعاش صوتها برداً:
_ولماذا بقيت أنت؟!! المركز خالٍ علي ما يبدو!
هز كتفيه بلا معني وهو يتجاوزها ليصب لنفسه كوباً من القهوة قبل أن يسألها :
_تشاركينني القهوة؟!
أومأت برأسها إيجاباً فصب لها كوباً معه ...
ناوله لها برفق قبل أن يعود للجلوس علي مكتبه لتجلس هي أمامه متلفتةً حولها وهي تقول:
_لم يتبقّ لي سوي محاضرة واحدة هنا قبل أن أنتهي من دورتي...
أومأ برأسه متظاهراً بالبرود وهو يتحاشي النظر إليها كعادته مؤخراً معها....
مع هذه الوخزة التي شعرها في قلبه ...
فقد كانت هذه المحاضرات ذريعتها للقائه هنا...
ولا يدري كيف سيمكنه رؤيتها بعد ذلك...
فالحمقاء العنيدة لازالت تكابر...
وهو لن يزيدها بعنادها إلا عناداً!!!!
لكنها عادت تنظر إليه لتقول بتردد:
_كنت أتمني لو أنتهي من هذه المحاضرة اليوم قبل سفري .
عقد حاجبيه وهو يرفع رأسه إليها قائلاً بحدة:
_أي سفر؟!
أطرقت برأسها وهي تجيبه بهدوء:
_ياسين ورقية سيسافران إلي لندن للعلاج برفقة حمزة ومارية...وجدي أذن لي بالسفر معهم.
ازداد انعقاد حاجبيه وهو يعاود سؤالها بنفس النبرة الحادة:
_ولماذا تفعلين؟!
ظلت مطرقةً برأسها دون رد للحظات...
قبل أن ترفع إليه وجهها لتنظر لعينيه المشتعلتين قائلةً بأسي:
_أريد الابتعاد عن كل شئ هنا حتي تصفو أفكاري...أحتاج لاتخاذ قرارات كثيرة دون ضغوط.
ضاقت عيناه بتفحص وهو يقول من بين أسنانه:
_عمار أخبرني أن بلال الهاشمي طلبك من جدي من جديد...هل هذه هي القرارات التي تريدين اتخاذها؟!!
زفرت بقوة ثم أشاحت بوجهها عنه لتقول بحزم:
_لقد أبلغتُ جدي برفضي لبلال.
ارتخت ملامحه بعض الشئ وإن حافظ صوته علي جفافه وهو يسألها باستهجان:
_لماذا؟!هو الآخر لا يليق بكِ ولا تأتمنينه علي نفسك؟!
أصابتها عبارته بسهم ندمٍ غادر فقامت من مكانها لتتناول حقيبتها قائلةً دون أن تنظر إليه:
_مادمتَ تتحدث بهذه الطريقة فالأفضل أن أنصرف!!
قالتها وهي تعطيه ظهرها بالفعل فقام واقفاً ليهتف بصرامة:
_اجلسي!
ظلت واقفةً تعطيه ظهرها للحظات عندما أردف هو خلفها بنفس النبرة الصارمة:
_اجلسي لنكمل حديثنا أولاً!!
أطاعته في استسلام غريبٍ علي طبيعتها المعهودة ...فقرّب منها كوب قهوتها قائلاً بنبرة أكثر رفقاً:
_اشربيها قبل أن تبرد.
احتضنت الكوب بين كفيها تلتمس منه بعض الدفء وهي تتحاشي النظر إليه فعاد يسألها بإصرار وعيناه تطوقان ملامحها بتفحص:
_لماذا رفضتِ عرضه؟!
تنهدت بحرارة ثم قالت ببعض العتاب:
_لا تتذاكي عليّ يا حذيفة...أنت تعلم أنني لن أتزوج رجلاً وقلبي معلّقٌ بآخر!!
ابتسم ابتسامة شاحبة وهو يعود بظهره للوراء قائلاً بسخرية مريرة:
_نعم...ذاك الآخر الذي لن تتزوجيه لأن عقلك لا يرتضيه!!!
تناولت رشفةً من كوبها وهي تنظر للفراغ أمامها قائلةً بشرود:
_لا داعي لهذا الكلام الآن...أنا سأترك كل هذا خلفي...لعلني أتمكن من التفكير دون ضغوط.
كز علي أسنانه بغضب وهو يكاد يمنع نفسه بصعوبة من تحطيم رأسها...
❤18👍3
رأسها الذي هو سبب كل معاناتها ومعاناته معها...!!!
لو كان الأمر بيده لجذبها من كفها الآن لأقرب مأذون قسراً وهو يعلم أن جزءاً بداخلها يتمني هذا مثله وربما أكثر...!!!
لكنه عاهد نفسه منذ زمن أن يتركها هي تأخذ طريقها نحوه خطوة خطوة...
لهذا سيصبر معها للنهاية فهو يعلم أنها مهما ابتعدت لن يكون لها مستقرٌ إلا بين ذراعيه!!!!
وبهذه الفكرة الأخيرة كظم غيظه وهو يقول لها ببرود لم يخفِ غضبه المشتعل:
_كما تشائين...حظاً سعيداً يا ابنة عمي.
رمقته بنظرة عميقة طويلة وكأنها تودعه...
قبل أن تقوم من مكانها لتقول باقتضاب وقد ساءتها ردة فعله الباردة:
_سأعود غداً لتلقي آخر محاضراتي هنا!!
تظاهر بالتشاغل بشاشة حاسوبه إمعاناً في إثارة غيظها وهو يقول ببساطة مصطنعة:
_أنا مسافرٌ غداً...لكن لا بأس ...لا حاجة لكِ بوجودي...العاملين هنا سيقومون معك بالواجب.
ابتلعت غصة حلقها وهي تضع كوبها علي المكتب أمامه لتهمس بعاطفة لم تستطع مداراتها:
_أراك علي خير!
رمقها بنظرة مشتعلة بغضبه المكتوم ثم نظر نحو النافذة للحظات...
قبل أن يقول دون أن ينظر إليها:
_لقد طلعت الشمس وتوقف سقوط المطر...يمكنكِ الانصراف الآن!!
==================
كانت تركب جواره السيارة عائدين إلي المزرعة ورأسها مستريحٌ علي كتفه تنظر للطريق بشرود...
فقبّل رأسها بحنان هامساً:
_فيمَ شرودكِ يا حبيبتي؟!!
رفعت إليه عينيها بابتسامة عاشقة قبل أن تهمس بهدوء:
_في كل مرة أعود معك إلي المزرعة أحمل هم العم كساب ...كم أتمني لو ينتهي حلمه بتحقيقه كما كان يحلم...لكنني أعرف أن أمي لن توافق...هذا بالطبع بعيداً عن تسلط جدي !!
هز رأسه وهو يقول بتعقل:
_بعض الأحلام خُلقت لتبقي أحلاماً...مجرد خيال عاقر لن يتمخض يوماً عن حقيقة!!
تنهدت بحرارة وهي تهز رأسها نفياً لتهتف باعتراض:
_لا...لا أتفق معك...المرء لابد أن يطارد حلمه مادام في صدره نفسٌ يتردد...إنه عمرٌ واحد...حياةٌ واحدة...فلماذا نضيعها؟!!
ربت علي رأسها برفق وهو يرمقها بنظرة جانبية ليقول بعدها بحنان لا يخلو من إعجاب:
_صغيرتي الثائرة لازالت مشبعةً بحماسها...لكن الواقع كثيراً ما يقيد أحلامنا !!
هزت رأسها بعدم اقتناع ثم قالت لتغير الموضوع:
_كيف حال ياسين؟!! عندما حدثني آخر مرة علي الهاتف كان صوته باكياً...هل هو ضائقٌ بوحدته دوني؟!
هز رأسه نفياً وهو يقول ببساطة:
_لا ...لقد بدأ يعتاد الأمر...خاصةً أنه لم يعد الآن وحده...نغم ابنة عمة سمية أتت للإقامة معنا في المزرعة بصورة دائمة بعد وفاة والدتها.
اتسعت عيناها بصدمة وهي ترفع رأسها عن كتفه بذهول...
ذهول تحول إلي غضب شديد وهي تهتف بحدة لم تتعمدها:
_كيف هذا يا جسار؟!! ودون علمي؟!
أوقف السيارة علي جانب الطريق ثم التفت نحوها قائلاً بغضب مكتوم:
_أخفضي صوتكِ يا آسيا...منذ متي تحتدين عليّ بحديثك هكذا؟!!
أشاحت بوجهها في ضيق دون رد...
فأردف موضحاً:
_نغم فقدت وظيفتها قبل وفاة والدتها...وبعد وفاتها لم يعد لها أحد...وأنا لن أتخلي عنها أبداً...إنها لم تكن قريبة سمية فحسب...بل كانت صديقتها أيضاً.
التفتت نحوه بحدة وهي تحاول التحكم في نبرات صوتها لتسأله بتوتر:
_وأين ستقيم؟!
صمت للحظات ثم قال بضيق:
_لم أجد لها مكاناً سوي الغرفة الخارجية .
عقدت ساعديها أمام صدرها وهي تسأله بعصبية ساخرة:
_ونحن أين سنقيم؟!!! مادامت غرفة سمية لن تكون إلا لسمية..وغرفتي الخارجية أخذتها قريبة سمية؟!!
كانت تضغط علي كلمة "سمية"في كل مرة بتهكم غارق بمرارة شعورها...
فانعقد حاجباه بغضب وهو يهتف بها :
_طريقتك في الحديث عن الأمر لا تعجبني...
لوحت بكفها وقد أثارها غضبه أكثر لتهتف بدورها:
_وطريقتك في إدارة حياتنا لا تعجبني كذلك...إلي متي سأظل أنا هامشاً في الظل ينتظر ما بقي منك كي يلتقطه؟!!
زفر زفرة مشتعلة وهو يشيح بوجهه عنها...
فدمعت عيناها وهي تشعر بالإهانة وهو ما جعلها تقول له بحزم:
_لازلنا في بداية الطريق يا جسار...عد بي إلي المدينة لمنزل عائلتي حتي تجد لي مكاناً في بيتك!
خبط بقبضته علي المقود وهو يقول بغضب:
_افهمي حقيقة الوضع أولاً قبل أن تثوري هكذا...الطابق الجديد الذي أبنيه لنا أوشك علي الانتهاء...ساعتها لن تكون هناك مشكلة في إقامة نغم معنا...سنحتمل هذا الوضع فقط مؤقتاً لبضعة أيام!!
هزت رأسها وهي تهتف بانفعال:
_هذه ليست المشكلة الوحيدة في بقائها في المزرعة؟!! كيف تريدني أن أقبل وجود امرأة أخري معك في نفس المكان وفي غيابي أنا؟!!!
كز علي أسنانه بقوة وقد تجمدت ملامحه للحظات ...
قبل أن يقول ببطء ضاغطاً علي حروفه:
_كما قبلتُ أنا إقامتك مع حبيب طفولتك في نفس البيت وفي غيابي أيضاً!!!
❤15👍4
اتسعت عيناها بصدمة وقد ألجمتها كلماته فلم تجد رداً...
بينما أشاح هو بوجهه وهو يعيد تشغيل السيارة لينطلق بها من جديد ...
وقد عجز كلاهما عن إكمال هذا الحوار...
حتي وصلا إلي المزرعة ليستقبلهما العم كساب وياسين الصغير بترحاب كبير أضاع بعضاً من شحنات التوتر بينهما...
والتي عادت مضاعفةً عندما قدمت نغم بدورها للترحيب بآسيا!!
آسيا التي لم تتقبل وجود نغم هنا...
ليس فقط من باب غيرتها علي جسار...
ولكن من ذكري سمية التي تشعر أنها لازالت تسيطر علي جسار بجنون...
لهذا صافحت نغم ببرودٍ لم تحاول إخفاءه...
قبل أن يحيط جسار كتفيها بذراعه ليدخل بها إلي غرفة ياسين الصغير فيغلق بابها خلفه ثم نظر إليها هامساً بعتاب:
_إذا كنتِ تضيقين بوجود امرأة أخري هنا في غيابك...فلا تغادرينا!!
أطرقت برأسها دون رد ...فرفع ذقنها إليه مردفاً بنفس النبرة العاتبة:
_إذا كنتُ أنا أحتمل هذا الوضع لأجلك...لأجل أن تحققي حلمك...ألا تحتملين أنتِ لأجلي؟!
امتلأت عيناها بالدموع لكنها لم تسمح لها بالانهمار وهي تضغط علي شفتيها بقوة...
عندما أكمل هو حديثه بنفس النبرة العاتبة:
_هل عرفتِني رجلاً يتخلي عن أحدٍ يحتاجه؟!!فما بالكِ لو كانت قريبة سمية؟!!!
وضعت كفها علي صدرها وهي تهمس بألم:
_وأنا ؟!! ألا تهتم بمشاعري وسط وفائك العظيم هذا؟!! هل يجب أن أموت مثلها كي تشعر بما أعانيه؟!!
لم تكد تكمل عبارتها حتي جذبها بقوة ليعتصرها بين ذراعيه هاتفاً بحدة:
_اسكتي...إياكِ أن تنطقيها ثانية!!!
ارتجف جسدها بدموعها التي هطلت أخيراً كسيلٍ سخي فابتعد بوجهه ليمسح دموعها بأنامله قائلاً بضيق:
_الأمر لا يستحق كل هذا يا آسيا...لماذا تضخمين الأمور هكذا؟!!
أغمضت عينيها بألم فعاد يضمها من جديد محاولاً احتواء ارتجافتها ليربت علي ظهرها بعدها هامساً برفق:
_حسناً...اهدئي الآن...واستريحي من عناء الطريق ...وبعدها نتفاهم علي مهل!!
==============
استيقظت من نومها بعد وقتٍ ما لتجد نفسها وحدها في غرفة ياسين الصغير...
تلفتت حولها بتفحص ثم قامت لتبدل ملابسها وتغادر نحو الخارج...
لم تحاول البحث عن جسار فقد كانت تريد أولاً خلوةً مع أفكارها ...
قادتها قدماها نحو الاسطبل لكنها عدلت مسارها قبل أن تصل عندما رأت نور الغرفة الخارجية التي كانت لها -قبل نغم- مضاءً...
توجهت نحوها بحذر عندما وجدت النافذة نصف مفتوحة وعلي الفراش كان ياسين الصغير جوار نغم التي كانت تحتضنه بحنان قائلةً:
_نم يا صغيري ...لقد وعدتني أن تنام بعد الحكاية!!
تذمر الصغير وهو يهتف بغضب طفولي:
_حكايتك قصيرة...آسيا حكاياتها أطول...لماذا لم تتركيني أنام معها؟!
ضحكت نغم ضحكة رائقة ثم قالت بتعاطف:
_آسيا متعَبة من السفر...
تأفف الصغير وهتافه الساخط يعلو أكثر:
_لماذا تتركونني جميعاً؟!! في البداية أمي ثم آسيا وأنتِ أيضاً تقولين أنكِ سترحلين.
ضمته نغم بحنان وهي تقول بحزن غزا ملامحها:
_لا تغضب حبيبي...آسيا لم تتركك..هي ترحل مضطرة للعمل لكنها تعود إليك عندما تستطيع.
رفع الصغير رأسه إليها قائلاً:
_وأنتِ؟!!لماذا تتركينني؟!!ألم تقولي لي يوماً أن العيش وحدكِ أمرٌ مؤلم؟!
انقبض قلب آسيا عندما سمعت هذا وهي تتبين -لتوها- مدي معاناة نغم الحقيقية...
فتراجعت لتختفي بجسدها أكثر عندما ربتت نغم علي وجنة الصغير بحنان ثم قالت بشرود:
_والعيش هنا أكثر ألماً!!!
اكتفت آسيا بما سمعته منها فكتفت ساعديها مبتعدةً بخطواتٍ متثاقلة نحو الاسطبل...
حيث حصانها المفضل جسار هناك...
مسدت علي ظهره برفق قبل أن تحتضن رقبته بذراعيها هامسة:
_افتقدتك يا جسار.
قالتها وهي تغمض عينيها مسندةً رأسها علي رقبته للحظات...
تحاول التفكير ببعض الحيادية...
هي تثق بجسار كثقتها بنفسها تماماً...
ونغم حقاً ليس لها أحد ...
وهي تعرف أن شهامة جسار ستمنعه التخلي عنها مهما حدث!!!
لكنها رغماً عنها لازالت تشعر بعدم الاستقرار...
ظروف عملها ودراستها التي تستدعي غيابها عنه...
مع كل تلك الظروف المعقدة والمتشابكة التي قابلتهما منذ ارتباطهما والتي تشعرها بالتذبذب...
ورغماً عنها وجدت نفسها تشعر ببعض الذنب نحو جسار...
هو تحمل هذا الوضع لأجلها فقط...
ولأجل أن يفي بوعده معها لتحقق نجاحها الذي ترجوه...
فهل من الإنصاف أن تمنعه عن مساعدة فتاة في ورطة إكراماً لذكري الغالية الراحلة؟!!!
قطعت أفكارها عندما شعرت بكفيه علي خصرها من الخلف وهمساته الدافئة تداعب أذنها:
_"جسار"يغار من "جسار"..علي حضن حبيبة "جسار"!!
فكت ذراعيها من علي الحصان لتلتفت نحوه بابتسامة عاشقة فأدارها نحوه لينظر لعينيها هامساً بحنان:
_نمتِ جيداً؟!!
أومأت برأسها إيجاباً...ثم خفضت بصرها عنه لتهمس بتردد مشوب بالخجل:
❤18👍3
_أنا آسفة علي انفعالي...أنا فقط كنت...
قاطعها بسبابته علي شفتيها قبل أن يسحبها من كفها ليعود بها إلي غرفة الصغير ...
وما إن أغلق بابها خلفه حتي استخرج من جيبه علبة صغيرة فتحها أمام عينيها المترقبتين ليتناول منها دبلة ذهبية وضعها في إصبعها ثم همس لها بعدها بما يشبه الاعتذار:
_لقد نسيت أمرها طوال هذه الفترة.
منحته أجمل ابتساماتها قبل أن تهمس بحب:
_ما بيننا لا يحتاج لهذا...اسمك منقوش علي قلبي قبل خاتمك.
تنهد بحرارة وهو يستخرج الدبلة الأخري من العلبة...
لينظر إليها نظرة طويلة لم تفهمها وإن شعرت أنها تخفي الكثير من عميق شعور غامضٍ يكتسحه...
خاصةً عندما رفع لها كفه هامساً بحزم:
_اخلعي دبلة سمية وضعي دبلتك مكانها!
اتسعت عيناها بصدمة وهي تنظر إليه بذهول لا تكاد تصدق ما سمعته...!!!
جسار يطلب منها أن تنزع دبلة سمية بنفسها؟!!!
رمشت بعينيها للحظات تحاول استيعاب دهشتها...
قبل أن تنقل بصرها بين دبلة سمية في إصبعه والأخري في يده للحظات...
لتزدرد ريقها بعدها ببطء وهي ترفع إليه عينيها من جديد هامسةً:
_لماذا؟!
أغمض عينيه يخفي عنها حديثهما قبل أن يهمس بعاطفة صادقة:
_إذا كان هذا سيرضيكِ وينزع من رأسكِ هواجسه!!
ظلت تنظر إليه مبهوتة للحظات...
ففتح عينيه ليرمقها بنظراتٍ عاشقة لم يخطئها قلبها وهو يومئ لها برأسه مشجعاً...
فرفعت كفه لتتلمس دبلة سمية بتردد...
قبل أن تبدأ في نزعها من إصبعه ببطء...
لكنها توقفت عند اللحظة الأخيرة ...
لتعيدها مكانها بحسم قبل أن تلبسه الدبلة الجديدة فوقها!!!!
فابتسم بحنان غارقٍ في عاطفته وكأنه كان يتوقع فعلتها ...
عندما رفعت هي إليه عينيها لتهمس بصوت متهدج:
_سمية جزء من جسار الذي عشقته بكل ذرة في كياني...فكيف أنزع بيدي جزءاً منك؟!
ساعتها لم يشعر بنفسه وهو يجذبها إليه بقوة ليلصقها بصدره قبل أن يغمر وجهها كله بقبلاته الحارة ثم همس بعدها أمام عينيها الدامعتين:
_أحبك يا آسيا...وكم أتمني لو تشعري بحبي حقاً كما أراه بقلبي!!
هزت رأسها بتأثر ليقترب بوجهه أكثر هامساً بين شفتيها :
_إياكِ أن تشكّي به أبداً...أبداً...أبداً...
ظل يرددها بين قبلاته الحارة التي أذابتها عشقاً وقلبها يترنح ثملاً بين ضلوعها بنشوة العشق التي غلفت روحها الآن ...
حتي رفعت عينيها إليه بعد نوبة غرامٍ طويلة...
بنظراتٍ ما عادت تحمل خوفاً ولا شكاً...
بل يقيناً صارخاً بحب ليس كمثله حب...!!!
حب خُلق ليبني لا ليهدم...
ليُسعد لا ليشقي...
ليكمل طريقاً ...لا ليقطعه!!!
لهذا لم يكن غريباً أن توجهت -بنفسها- صبيحة اليوم التالي لغرفة نغم....
حتي أقنعتها -بإخلاص- أن تبقي هناك معهم!!!

========
❤41👍3
الخاتمة:

جلس كساب في غرفته يحتضن قلادتها "العزيزة" بين راحتيه مستعيداً ذكرياته معها...
والتي تبدو قصيرة بعد كل هذا العمر لكنها ثريةٌ حقاً بكل ما منحته له من مشاعر لم تكن يوماً لامرأة سواها...
غريبٌ هذا الحب الذي يتملك أرواحنا فيفقدنا الإحساس بمذاق العمر...
لتهون أمام نشوته الأيام والساعات ...
وترخص جواره غوالي الليالي...!!

طرقاتٌ خافتة علي باب غرفته قاطعت أفكاره...
لتدخل بعدها آسيا بابتسامة واسعة وهي تنتبه لما يفعله فتقول بحنانٍ ممزوج بإشفاقها:
_كيف حالك يا عمي؟!
ابتسم وهو يقول بشرود:
_كيف حالها هي؟!
تضاءلت ابتسامتها وهي تشعر بمدي أساه لعجزه عن تحقيق أمنيته ...فصمتت قليلاً ثم قالت ببعض الأمل:
_ألا يمكن أن تفاتح جدي في الأمر من جديد؟!
كانت تعلم أن قاسم النجدي ليس هو العائق الوحيد بينهما ففريدة نفسها لن توافق علي الأمر...
العادات والتقاليد والأعراف والسن ...كلها تقف أمام هذا الحب...
لكنها تعجبت عندما التفت نحوها من شروده ليهمس بابتسامة يائسة:
_أنا كنت أعلم أن طلبي سيُرفض ...تماماً كما أعلم علم اليقين أنها أبداً لن توافق...لكنني فقط فعلتها حتي لا ألوم نفسي فيما بعد...على أنني لم أبذل آخر ما أستطيع كي أفوز بها.
دمعت عيناها في تأثر وهي تشعر بمدي معاناته...
ورغم عدم اقتناعها بكل هذا فهي تري أن الحب كالموت...كلاهما لا نختار موعده ومكانه...
ولا يعترف بعمر أو زمن...
لكنها بدأت تستسلم لرأي جسار ...
بعض الأحلام خُلقت فقط لتبقي كذلك...
مجرد خيال عاقر لن يتمخض عن حقيقة!!
لهذا صمتت طويلاً احتراماً لمشاعره...حتي قال هو ليغير الموضوع:
_ألازلتِ تضيقين بوجود نغم هنا؟!!
انعقد حاجباها بدهشة وهي تسأله:
_من أخبرك بهذا؟!!جسار؟!
اتسعت ابتسامته وهو يقول لها مشاكساً:
_لا أحتاج لمن يخبرني...يكفيني منظركِ المتجهم عندما عندما عدتِ لتجديها هنا...لقد أوشكتِ علي نفث النيران من فمك ك"تنّين " ثائر!!!!
تعالي صوت ضحكتها المرحة للحظات قبل أن تهمس بعتاب مرح:
_أنا تنين يا عمي؟!!
ضحك بدوره وهو يربت علي كتفها قائلاً:
_نعم...حورية البحر الحسناء التي قلبت كيان ابن أخي تعرف كيف تتحول ل"تنين" غاضب متي تريد!!
تنهدت بحرارة ثم قالت بشرود:
_لا بأس يا عمي...أنا ذهبت لها بنفسي وطلبت منها البقاء هنا !!
ارتفع حاجباه بدهشة للحظة ثم ارتسمت ابتسامة إعجاب علي شفتيه وهو يقول بفخر:
_ابنة فريدة !!
تعالي صوت ضحكاتها من جديد ليشاركها ضحكها هو الآخر...
قبل أن ينظر في عينيها قائلاً بجدية هذه المرة:
_أنا أعرف ما يدور برأسك ويحرم قلبكِ راحته...لكن بعض الجروح لا دواء لها إلا الزمن...فامنحيه فرصته!
===================
وقفت رقية وحدها أمام حوض الزهور التي أسمتها باسمه في أول لقاء لهما وهي تراقب الأفق بشرود...
لقد تحدد موعد السفر ...
وبرغم لهفتها وترقبها لهذه الرحلة التي قد تنتهي بتحقيق حلمها الذي صار أغلي ما لديها الآن....
لكنها تشعر بانقباض قلبها خوفاً من أن تعود خائبة!!!
تنهدت بحرارة وهي تتحسس بطنها بكفها تتخيل طفلاً لها منه...
بجبينه الوضاء وعينيه اللتين احتكرتا بحار حنان العالم كاملةً وحصرية...
وملامحه التي ما عادت ترى سواها على كل الوجوه!!!
لترتسم ابتسامةً حالمة علي شفتيها وهي ترى طفلهما بعين خيالها يجري هنا وسط الحديقة بخطواته المتعثرة ...
أو يصفق بكفيه مع ضحكة خلابة بسنيّتيه الأماميتين الوحيدتين في فمه...
أو يحبو علي أربعٍ وهو يرمقها بنظراته المشاكسة...
أو حتى يبكي وهو يتعلق بها لترضعه....
وكم يبدو الحلم رائعاً شهياً...لكنه يبقي مجرد حلم...!!!!
وضع يده علي كتفها فالتفتت إليه من شرودها لتبتسم قائلة:
_أهلاً ياسين...متى عدت؟!
ابتسم بحنانه الرائق وهو يمسح دموعها العالقة بين رموشها بأنامله هامساً :
_بيني وبين قلبك عهدٌ ألا تسيل دموعك إلا علي صدري.
اتسعت ابتسامتها الشاحبة وهي تلقي رأسها علي صدره هامسة بالحقيقة التي تخفيها عن الجميع إلا عنه هو...:
_خائفة يا ياسين!
ضمها إليه بقوة وهو يكاد يخفي رأسها بين ضلوعه ليرد بكل ما أوتي من قوة وحنان:
_الخوف لا يليق بمليكتي رقية...قولي أنكِ فقط تنتظرين الأفضل.
مرغت وجهها في صدره وهي تتأوه بقوة قبل أن ترفع عينيها إليه هامسة :
_كلما اقترب موعد السفر أشعر أنني علي وشك السقوط في هاوية الأمل من جديد...نعم...الأمل أقسى من اليأس أحياناً لأنه يدفعنا لطريق طويل من الانتظار...
ربت علي رأسها برفق ثم همس بتعقل:
_أحسني الظن في الله يا غاليتي فهو سبحانه عند ظن عبده به...حدسي يخبرني أننا لن نحصد سوى الخير في النهاية.
صمتت للحظات ثم رفعت عينيها إليه لتهمس بتأثر:
_شكراً يا ياسين...لقد كنت نعم السند لي بعد أبي.
❤19👍1
ابتسم وهو يقبل جبينها بعمق ثم ابتعد عنها قليلاً ليقتطف إحدي تلك الزهور المميزة...
ثم وضعها في راحتها مطبقاً أناملها عليها كما يفعل كل مرة منذ علم سر تسميتها لها...
فابتسمت بعاطفة جارفة وهي تضم الزهرة أكثر في راحتها هامسة بحرارة:
_رقية تحتضن "قلب ياسين".
هز رأسه نفياً وهو يلامس شفتيها بأنامله مصححاً:
_بل "قلب ياسين "دوماً بيد رقية!!
لم يكد يتم عبارته حتي رن هاتفه في جيبه فقبلها بخفة ثم تناوله ليرد علي الاتصال قبل أن يغلقه بعد دقيقة واحدة وقد تغضنت ملامح وجهه بقلق...
فاشتعلت ملامحها بقلق مماثل وهي تسأله بترقب:
_ما الأمر يا ياسين؟!
زفر بقوة ثم عاود ضم رأسها لصدره وهو يرد بدهشة مشوبة بتوجسه:
_إنه حمزة!!جدي يريدنا جميعاً عنده الآن!!
=======
التفت العائلة كاملة حول فراش قاسم النجدي الذي كان مستنداً علي ظهره الآن ينتحل القوة التي بدأ الشيب والمرض ينالان منها...
وهو يرمق الجميع بنظراته المتفحصة العميقة قبل أن يقول بصوته المسيطر رغم ضعفه:
_هل ظلمت أياً منكم؟!!
تبادل الجميع نظراتٍ مكتظة بالتردد والدهشة...
ليظلل الصمت المكان للحظات...
قبل أن تهتف آسيا بشجاعة :
_نعم يا جدي...ظلمتنا جميعاً!
شهقت فريدة بعنف وهي ترمقها بنظرات حانقة فهي -بالكاد- حصلت علي رضا النجدي الكبير بعد فعلتها الأخيرة...
لكن آسيا أردفت بنفس النبرة الواثقة:
_أنت منحتنا حبك واهتمامك بل وعمرك أيضاً...لكنك سلبتنا أعمارنا في المقابل...نعم يا جدي...لو سُرقت من المرء حريته فماذا بقي له من عمره؟!!
صمت الجميع صاغرين أمام منطقية ما تقول...
بينما ضاقت عيناه هو وهو يقول بنبرة غريبة:
_ألا تلاحظين أنكم سرتم في نفس الطريق الذي اخترته لكم من البداية ؟!!جويرية عادت برغبتها لعمار الذي زعمت أنها تزوجته غصباً....وساري هي التي اختارت حذيفة من البداية رغم وجود ابن الهاشمي كبديل أفضل...وياسين خالف أوامري تشبثاً بامرأته التي تزعمون أنني أجبرته علي الزواج منها ...كلكم انتهيتم إلي ما أردته أنا من البداية...فعلامَ تلومنني؟!
تنهدت آسيا بحرارة ثم قامت من مكانها لتجلس علي طرف فراشه قائلة بهدوء:
_الفارق في حرية الاختيار يا جدي...إحساس كل منا أنه ليس مجرد أداة في يد غيره...ربما تكون علي حق في أنك اخترت لنا الأصوب والأفضل من البداية...لكن القيد يبقي قيداً حتي لو كان من ذهب!!
أطرق قاسم برأسه للحظات...
عندما تقدم حمزة ليجلس علي طرف فراشه الآخر قائلاً بحزمه الحنون:
_أنت وتد هذه العائلة يا جدي...ولا أحد فينا يشك ولو مثقال ذرة أنك لا تريد الخير لنا...لكن آسيا علي حق ...لو كنتَ منحتنا أنت حرية اتخاذ القرار تحت كنف رعايتك ...لما كنا سنصل لهذه المرحلة من الشتات والفرقة.
أغمض قاسم عينيه وهو يرفع رأسه لأعلي قائلاً بشرود:
_لو جربتم شعور فقدان الابن لأدركتم لماذا كنت أفعل هذا...أنتم جميعاً أمانتي التي عشت عمري فقط لأؤديها علي أكمل وجه.
عاد الجميع يتبادلون النظرات المتباينة...
ما بين الامتنان والإشفاق والحيرة...
حتي قالت راجية بنبرة متوسلة:
_أستحلفك بالله يا عمي...ردّ إليّ أولادي...عسي ألا ينفرط عقد العائلة وأنت علي ظهر الأرض!!
ظل قاسم مغمضاً عينيه للحظات أخري طويلة...
قبل أن يفتحهما ليلتقط من تحت وسادته تلك المسبحة التي رأتها آسيا في رؤياها والتي كانت لعمها والد ياسين...
فتطلعت إليه عيون الجميع بترقب...
عندما ناولها لحمزة قائلاً بحزم:
_هذه مسبحة عمك...أنت تعرف قصتها...أنا حفظت أمانتها طيلة هذه السنوات...واليوم أمنحها لك لتكون الأمانة لك من بعدي...فهل ستقوى عليها؟!
صمت الجميع مع تألق الدموع في العيون كلها...
وقد بدا الأمر وكأنه -حقاً - وصية وداع...
النجدي الكبير أدرك الآن بحق أن غايته النبيلة لا تبرر لعنف الوسيلة...
وأن حمزة برفقه الحازم هو القطب المضاد لشريعته هو القاسية...
حمزة الذي ازدرد الآن ريقه ببطء وهو يدرك بشعوره الخاص بجده معني ما يفعله الآن...
ومقدار ثقله علي عاتقهما معاً...
لكنه سيكون علي قدر المسئولية ...
لهذا تناول المسبحة من جده ليقبل يده بعدها باحترام قبل أن يقول بحب صادق:
_أطال الله لنا عمرك يا جدي...أعدك أننا دوماً سنكون يداً واحدة مهما حدث...
ابتسم قاسم النجدي ابتسامة ارتياح لم يعرفها منذ زمن بعيد ....
لتختلط عاطفته لأول مرة بهذا الوضوح مع تجاعيد وجهه الذي ارتخى بسكينة وهو يدور بعينيه في وجوه الجميع...
حتي تقدم كل من ياسين وعمار وحذيفة ليضع كل منهم كفه -تباعاً- علي كف الآخر فوق يد حمزة الممسكة بكف جده لتنتهي الصورة ببنيان مرصوص من كفوف متماسكة تعاهدت علي حفظ كيان العائلة...
مهما طال الزمن ومهما اشتدت الكروب...
❤18👍1
فما بُني علي باطل فهو باطل...
وما بُني علي قناعة...فهو إلي قيام الساعة....!!
========
تململت في نومها عندما شعرت بلمسة شفتيه الرفيقة علي وجنتها لتشعر به بعدها يغادر فراشهما ببطء ...
فتحت عينيها بصعوبة لتراه وهو يخرج من الغرفة ببطء حذر كي لا يوقظها...
فتنهدت بحرارة وهي تدرك مبتغاه...
منذ انتقلا إلي طابقهما الجديد الذي بناه خصيصاً لهما وهو يخصص جزءاً من وقته ليلاً لغرفة سمية...
وعندما تسللت في إحدي الليالي خلفه لترى ما الذي يفعله هناك...صُدمت بما طالعته عيناها...
فقد كان...يصلي!!!
ليلتها ظلت تراقبه حتى انتهى ليرفع يديه بدعاء صامت...
وعندما سألته عن ذلك أخبرها أنه عاهد نفسه علي أن يخصص ركعتين من صلاة الليل للدعاء لسمية في غرفتها...
ورغم أنها كان من المفترض أن تشعر بالغيرة وقتها لكنها لم تملك مع كل ذاك الإخلاص الذي كان يتحدث به إلا أن تزداد فخراً وعشقاً لهذا الرجل الذي لن يتكرر...
رجلٌ يتضافر عنده الحب مع الرجولة والوفاء ليصنعوا معاً أروع مزيج...!!
قامت من نومتها لتنفض عنها غطاءها ثم توجهت إلي حمام غرفتهما الصغير لتغسل وجهها وقد أدركت أنها لن تنام من جديد بسهولة طالما قلقت في نومها...
خرجت بعدها من غرفتهما لتهبط الدرج نحو الطابق السفلي ثم اتخذت طريقها لتطمئن علي ياسين الصغير في غرفته بعدما ألقت نظرة عميقة علي غرفة سمية التي كانت مضاءة كما توقعت...
رفعت الغطاء علي الصغير الذي كان قد رفسه بقدميه عنه كالعادة...
ثم قبلت جبينه بعمق قبل أن تجلس علي طرف الفراش جواره تطالع السقف بشرود...
لقد حققت حلمها كما تمنت بمساعدة جسار الذي لم يبخل عليها بدعمه...
وها هي ذي تثبت خطواتها في طريقها الذي اختارته للعمل والدراسة...
وعلي عكس ما كانت تشعر به من نفور نحو وجود نغم هنا لكنها حقاً كانت خير عونٍ للجميع في غيابها...
وكأن القدر اختار هذا التوقيت بالذات لوفاة والدتها كي تكون جوار ياسين الصغير في تلك الأيام التي تتغيب فيها آسيا بسبب ظروف عملها...
أفاقت من شرودها عندما لمحته يدخل مبتسماً إلي الغرفة ليلقي نظرة مطمئنة علي الصغير...
قبل أن يتناول كفها ليجذبها نحوه برفق كي لا يوقظه ...
ثم سار بها إلي صالة البيت حيث استقر جوارها علي الأريكة ليهمس بحنان:
_لماذا استيقظتِ الآن؟!
ابتسمت وهي تربت علي وجنته هامسةً بدورها:
_لقد أقلقتني أنت بقبلتك وأنت تعرف أنني عندما أقلق لا أعاود نومي بسهولة...فادفع ثمن خطئك.
ضحك ضحكة قصيرة ثم ضمها إليه بقوة وهو يهمس بخبث:
_وأي ثمنٍ يساوي أرق أميرتي؟!
أراحت رأسها علي كتفه للحظات ثم رفعت عينيها إليه لتهمس بدلال :
_نحن لم نلعب"الشطرنج" منذ وقت طويل...اشتقت لأن أغلبك.
داعب وجنتها بأنامله وهو يلتقط نظراتها التي طالما فتنت روحه لترتسم ابتسامة حملت كل عشقه علي شفتيه اللتين انسابتا علي وجنتها بنعومة للحظات...
ثم همس بعينين لامعتين:
_ولو غلبتكِ أنا؟!!
ضحكت وهي تميل رأسها لتهمس بلهجة متحدية:
_لا يا سيد جسار...صغيرتك "الجديدة" ما عاد يغلبها أحد!
تعالت ضحكاته صافية منطلقة هذه المرة قبل أن يغمر وجهها بقبلاته المشبعة بحنانه الخالص...
ثم همس أمام عينيها بصدق:
_نعم...هذه هي الصورة التي أتمنى أن أراكِ عليها دوماً..ملكة حقيقية تعرف قيمتها وقدرها.
تأملته بنظرات ممتنة للحظات...
قبل أن ترفع كفه إلي شفتيها لترد بكل ما أوتيت من عاطفة:
_ملكةٌ لم تكن لترتفع علي عرش أحلامها دونك...بعض الحب كحبال مهترئة تخذلنا وقتما نتعلق بها...وبعض الحب كجسور قوية تمنحنا الثقة للعبور بأمان...
======
جلس حذيفة علي الأرجوحة القديمة هناك علي السطح وهو يراقب السماء التي تزينت ببدرها الكامل وحوله رعاياه من نجومه الملتمعة بسحرها في هذا الوقت من الليل...
مد قدميه أمامه في استرخاء مشبكاً أنامله علي صدره وهو يستعيد ذكرياته معها هنا...
ببراءة طفولتهما تارة...
وعنفوان عشقهما تارة أخري...
ليخفق قلبه بصدره بجنون وهو يلعن غباءه الذي جعله يفرط فيها...
لكنه -وللحق-ليس نادماً!!
لقد كانت هذه فرصة القدر الذهبية لكليهما حتى يتأكد من مشاعره...
وبرغم ارتياحه الشديد لعودته لمنزل العائلة لأسباب كثيرة ليس القرب منها أولها ولا آخرها...
لكنه كان بحاجة حقاً للابتعاد عن سلطان آل النجدي حتى يجد نفسه الحقيقية...
وحتى يذوق حلاوة الاجتهاد لأجل ما ينفع بعدما أضاع جُلّ عمره في اللهاث خلف شهوات نفسه فحسب!!
والآن هو يشعر بالرضا عما وصل إليه... ليس فقط في عمله...
بل في علاقته بها...
رغم أنها لاتزال متشبثة بجدران صمتها وعنادها لكنه يعرف -وربما يأمل- أن تعترف قريباً بحاجتها هي الأخرى له دون قيود!!
زفر بقوة وهو لايزال مغمضاً عينيه عندما تذكر أن موعد سفرها سيكون غداً ...
❤23
العنيدة ستهرب من قلبها ككل مرة!!!
قطعت أفكاره عندما سمع صوت خطواتها المترددة ففتح عينيه ليراها تتقدم نحوه محتضنةً دميتها كالعادة وقد بدت متفاجئةً بوجوده هنا الآن!!
وقفت مكانها للحظات تنظر إليه نظرة غريبة مزجت كل مشاعرها المختلطة نحوه...
ندمٌ وعتابٌ ورجاءٌ وأسفٌ وحيرةٌ وألمٌ ودعوة للابتعاد تتلوها ألف دعوة بالاقتراب!!
ولم يكن قلبه العاشق ليفوت دعواتها هذه رغماً عن كبريائه...
لهذا بادلها نظرتها بنظرةٍ أكثر عمقاً وهو يتسلح بصمته للحظات ...
قبل أن يقول بهدوء مشوب بعتابه:
_هل تريدين الجلوس معي هنا أم تفضلين أن أغادر لتكوني علي راحتك؟!!
أطرقت برأسها للحظة ثم حسمت أمرها لتكمل خطواتها نحوه حتي جلست علي طرف الأرجوحة الآخر محافظةً علي مسافةٍ مناسبة بينهما لتهمس بعد فترة صمت طويلة دون أن تنظر إليه:
_أنا سعيدةٌ بعودتك إلينا !
ابتسم بخبث وهو يلاحظ نبرتها المتحفظة التي يعلم أنها تداري بها طوفاناً من مشاعر طالما أغرقهما معاً...
ليعتدل في جلسته مسنداً ذراعه بطوله علي ظهر الأرجوحة ثم همس وعيناه تحتضنان عينيها بعاطفة :
_وأنا أسعد بعودتي...إليكم!
دمعت عيناها بتأثر وهي تحاول السيطرة علي دقات قلبها التي شارفت علي الجنون الآن...
لتهرب بصعوبة من سجن عينيه وهي تتلفت حولها هامسةً بصوت مرتعش:
_لماذا جئتَ إلي هنا ؟!
اتسعت ابتسامته وهو يسحب منها دميتها برفق ليتلمس وجه الدمية بأنامله ببطء حانٍ...
قبل أن يهمس وهو يتشاغل عنها بدميتها:
_أنا أعشق هذا المكان...هدوءه ودفأه...سكينته وحميميته ...أجمل ذكريات طفولتي...و...
قطع عبارته عامداً ثم صمت قليلاً...
فهمست تستحثه علي إكمال عبارته:
_وماذا؟!
رفع عينيه إليها بنظراته التي اشتعلت بوميض عشقه وهو يردف بحرارة:
_وأول مرة اعترفتُ أنا بحبي دون وعي...وأول مرة سمعت كلمة "حبيبي" ممن كنت أعشقها.
شعرت بروحها تنسحب منها وعيناها تطاردان حمائم الشوق السارحة بفضاء عينيه ...
ثم ازدردت ريقها الجاف بتوتر والخوف يزرع بذوره في عينيها الدامعتين لتهمس بعتاب:
_كنت؟!
أشاح بوجهه دون رد...فعادت تلح بسؤالها بوجل:
_كنتَ ...يا حذيفة؟!!!
ظل مشيحاً بوجهه للحظات ثم عاد يلتفت إليها هاتفاً بحدة:
_ماذا تريدين الآن ؟!
لم يكد يتم عبارته حتي انقطع التيار الكهربائي فجأة ليسود الظلام حولهما نوعاً إلا من ضوء القمر ونجومه ...
شهقت ببعض الخوف وهي تهمس بارتباك:
_لابد أن أعود لشقتنا الآن.
قالتها وهي تقوم من جواره فقام بدوره قائلاً بخشونة:
_لن تستطيعي نزول الدرج في هذا الظلام...اجلسي..أظنني أستطيع الحفاظ عليكِ أم أنكِ لازلتِ لا تأتمينني علي نفسك؟!
ضغطت علي شفتيها بتوتر ثم عادت لتجلس في إجابة واضحة علي سؤاله...
هي لم تعد تخافه بل علي العكس هي الآن تثق أن أمانها لن يكون إلا معه...
أما هو فقد جلس جوارها ليسألها بلهجة جافة تداري اشتعال حواسه بشعوره الجارف بها:
_هل ستسافرين غداً حقاً؟!
تنهدت بحرارة ثم غمغمت بتردد:
_نعم...وكنت أريد أن أطلب منك توصيلي للمطار .
ابتسم بسخرية وهو يتبين ملامحها بصعوبة في الضوء الخافت ليسألها بتهكم:
_ولماذا أنا؟!حمزة وياسين سيكونان معك.
انخفض صوتها أكثر وهي تهمس بصوت أكثر انخفاضاً:
_ظننتك أنت من ستسعي لهذا دون طلب مني.
أخفت الظلمة احتقان وجهه الشديد وهو يرد عليها بغيظ لم يستطع كظمه:
_لا يا ابنة عمي...لم أعد ذاك الأحمق الذي يطاردكِ دون كلل...افعلي ما يرضي عقلك الكبير الذي لا يخطئ أبداً!!
صمتٌ ثقيل مشحونٌ بمشاعر مختلفة ظللهما بعد عبارته الساخطة...
حتي قطعته هي بقولها:
_معك حق...سأفعل ما يرضي عقلي.
ثم غمغمت برجاء خفي:
_لا أريد أن أسافر وأنت ناقم علي!
قذف دميتها ليضعها بينهما هاتفاً بحدة:
_لن أريح ضميرك يا ساري...نعم أنا ناقمٌ عليكِ وسأبقي كذلك حتي تعودي إليّ بقدميكِ دون ضغوط...فتحملي ذنب قلبك وقلبي...مادام عنادك هو سيد قرارك.
عاد التيار الكهربائي في هذه اللحظة ليغشي النور المفاجئ عينيهما للحظات...
قبل أن يقوم من جوارها ليردف بحزم:
_تصبحين علي خير.
قالها وهو يغادرها بخطوات مندفعة فتبعته بسرعة وهي تناديه عدة مرات...
لكنه لم يلتفت إليها وهو يشعر أنها تمادت حقاً في عنادها اللعين...
فتسارعت خطواتها أكثر حتي وقفت أمامه لتهتف بانفعال:
_حذيفة قف واسمعني...هل تظن الأمر حقاً بهذه السهولة؟!!!أن أحبك كل هذه السنوات دون أمل ودون اقتناع بقيمة هذا الحب ؟!!!...أحبك وأعرف أنني سأكون لك في النهاية ومع هذا لم أكن راضية بهذا القدروفي نفس الوقت أتمناه؟!!!هل تعلم عن عدد الليالي التي قضيتها أحلم بك وأنت في أحضان امرأة أخري غيري؟!!عن صلاة الفجر التي كنت أخصك فيها بدعائي لأسمع صوت خطواتك بعدها علي السلم عائداً من إحدي سهراتك الماجنة؟!!!عن كرامتي التي كنت تهدرها كل مرة تنظر فيها إليّ عيناك ولا تراني؟!!عن إحساسي الدائم معك بعدم الأمان؟!!عن شعوري تلك الليلة التي كدت أفقد فيها شرفي كتصفية حساب لمجونك القديم؟!!
❤26
كان وجهه يزداد احتقاناً مع كل كلمة منها حتي وصلت لعبارتها الأخيرة فكور قبضته بقوة أمام وجهه وهو يهتف بانفعال:
_ولم تسألي نفسكِ عن شعوري أنا وقتها وأنا أراني سبباً في أن يصيبك مكروه ؟!!عن رغبتي الصادقة في التوبة لأستحق فتاة مثلك لا تبرح تكرر أنني لا أليق بها؟!!عن ذبحك لقلبي يوم واجهتِ أنتِ جدي بأنك لا تأتمنينني علي نفسك؟!عن جرحك لرجولتي في كل مرة تصرخين فيها أنني الوغد الذي تكرهين نفسكِ لأنها معلقةٌ به؟!!
أغمضت عينيها بألم ممتزج ببعض الندم...
كم تود الآن لو تخبره أنها حسمت صراعها بشأنه...
أنها حقاً تحبه الآن بكل جوارحها...
لكن كبرياءها اللعين لازال يمنعها!!
بينما أردف هو بصوت أهدأ هذه المرة:
_كلانا جرح صاحبه لكنني علي الأقل اعترفت بذنبي تجاهك بينما أنت...
قطع عبارته دون أن يكملها مكتفياً بتأمل ملامحها بأسف مشوب بعاطفته...
ففتحت عينيها ببطء لتلتقط نظراته الفياضة بمشاعره...
لتهمس بعدها بتردد:
_حذيفة...أنا...
دمعت عيناها بقهر حقيقي وهي تشعر بالعجز عن قولها...
أنا أحبك...؟!!!
أنا آسفة...؟!!!!
أنا أريد العودة إليك...؟!!!!
كلها كلماتٌ سهلة بسيطة لكن ما حيلتها في لسانها الذي يعاندها ككبريائها الآن؟!!!
ولما طال صمتها العاجز أمامه وشعر هو باليأس من أن تكمل جملتها...
استعاد قناع بروده لتقسو نظراته المشتعلة وهو يدفعها من طريقه ليكمل هو لها جملتها- التي قطعتها -بلهجة ثلجية:
_أنتِ ...حرة!!
===============
وفي اليوم التالي كانت راكبة جواره في سيارته بعدما فوجئت به يطرق باب غرفتها ليخبرها أنه من سيقوم بتوصيلها إلي المطار...
ورغم أن هذا صدمها بعدما كان من حوارهما بالأمس لكنها لم تستطع كتم تأثرها الفرح بمبادرته هذه...
والتي جعلتها تزداد سعادة بالمفاجأة التي أعدتها هي له...
ابتسمت ببعض الخجل وهي تختلس نظرة لجانب وجهه المتجمد جوارها وهو ينظر للطريق أمامه بتركيز...
ثم تنحنحت لتغمغم برجاء ممتزج ببعض الأسف:
_هل ستبقي صامتاً هكذا طوال الطريق؟!
اختلس نظرة جانبية إليها ثم ابتسم ليجيبها متهكماً:
_ألازالت كلماتي تجدي معك ؟!!
وخزت عبارته قلبها وهي تود لو تصرخ الآن بمشاعرها نحوه...
لكنها اكتفت بضم حقيبة يدها إلي صدرها وهي تهمس بصوت خفيض:
_حسناً...مادمت لا تريد الكلام...فأسمعني أغنيةً علي ذوقك!
زفر زفرة مشتعلة وهو يلتفت نحوها ثم قال بنبرة عاتبة:
_لازلتِ تحبين سماع القيصر أم تغير ذوقك مع ما تغير؟!
ابتسمت وهي تشيح بوجهها قائلةً لتغيظه:
_الكلمات التي تمس روحنا لا يغيرها زمن ولا ظروف!
مط شفتيه باستياء ثم تلاعبت أنامله بمشغل الأغاني في السيارة...
لتنبعث النغمات المميزة لتلك الغنوة...

قالت لكل الاصدقاء
هذا الذي ما حركته أميرة بين النساء
سيستدير كخاتم في إصبعي
ويشب نارا لو رأى شخصا معي
سترونه بيدي أضعف من ضعيف
سترونه ما بين أقدامي كأوراق الخريف

يا مستبدة
أنتِ التي أسميتها تاج النساء
إقسي على قلبي ومزقيه لو أساء

الويل لي الويل لي يا مستبدة
الويل لي من خنجر طعن الموده
الويل لي كم نمت مخدوعا على تلك المخده
الويل لي من فجر يوم ليتني ما عشت بعده
الويل لي الويل لي يا مستبدة

إني أعاني إني أموت إني حطام
حاشاكي عمري أن أفكر بإنتقام
إني لكي قلب وحب وإحترام

صبرا يا عمري لن تري دمعا يسيل
سترين معنى الصبر في جسدي النحيل
فتفرجي هذا المساء رقصي الجميل!!

كانت ابتسامتها تتسع تدريجياً مع كلمات الغنوة حتي انتهت بضحكة قصيرة عندما انتهي اللحن المميز بالصفير المعتاد...
فابتسم رغماً عنه وهو يعيد الالتفات نحوها قائلاً بعينين ملتمعتين رغم عتابهما:
_أعجبتك؟!
اقتربت بوجهها منه أكثر لترفع أحد حاجبيها هامسةً بثقة بدت له مثيرة حقاً:
_جداً...جداً!
ارتفع حاجباه بدهشة للحظة ثم أشاح بوجهه قائلاً بتسلية:
_تبدين سعيدة بتلك الرحلة...أتمني أن تكون علي مستوي تطلعاتك.
أطرقت برأسها للحظات دون رد...
قبل أن تعود لصمتها الغامض طوال الطريق بعدها ...
حتي وصل بها إلي حيث سيلتقيان بحمزة وياسين اللذين كانا علي وشك اللحاق بهما مع مارية ورقية وبلال...
وعندما توقفت السيارة فتحت هي حقيبتها لتستخرج منها مظروفاً مغلقاً ناولته له وهي تقول بعاطفتها الممتزجة بأسفها:
_لا تقرأها قبل أن أرحل!
نظر إليها نظرة طويلة غامضة لم تفهمها...
ثم تناول منها المظروف ليضعه في جيبه قائلاً بلا مبالاة:
_حسناً...كما تريدين!
ثم أشاح بوجهه قائلاً ببرود:
_لقد وصل الجميع هناك...الحقي بهم...رحلة سعيدة!
التفتت برأسها خارج السيارة حيث وقفت سيارتهم...
ثم عادت تنظر إليه وقلبها يتوسلها ألا تتركه ...
لتجد نفسها تقول بعد تردد:
_لو طلبت مني ألا أسافر فلن أفعل.
❤24
لم ينظر إليها للحظات وقد بدا في غاية البرود...
قبل أن يقول ببطء ضاغطاً علي حروفه:
_لن أطلب منكِ شيئاً بعد!!! أنتِ الآن....حرة!
ثم التفت إليها أخيراً ليلتقط نظراتها الحائرة بوهج عينيه الآسر وهو يكرر بحسم:
_حرة!!
تنهدت بحرارة وهي تومئ برأسها موافقة قبل أن تفتح الباب جوارها بتثاقل لتترجل من السيارة...
ثم عادت تنظر إليه قائلة بابتسامة عاشقة:
_أراك علي خير!
تألقت عيناه بعاطفته هو الآخر للحظات...
قبل أن يشيح بوجهه قائلاً:
_اعتني بنفسك يا ابنة عمي!!
دمعت عيناها بحيرة وهي تنقل بصرها بينه وبين السيارة هناك...
حيث كان الجميع ينتظرونها ليدخلوا المطار سوياً...
حتي حسمت أمرها لتتوجه نحوهم بخطوات ثابتة وهي تتجاهل نداءات قلبها كالعادة...!!!
أما هو فقد تابعها بنظرات متحسرة لدقائق حتي غابت عن ناظريه...
ثم استخرج مظروفها من جيبه ليفتحه فيفاجأ بشئ معدني يصطدم بأنامله...
ابتسم بجذل وهو يتبين ماهيته...
لقد كانت...دبلة جديدة له!!
قلبها بين أصابعه للحظات ثم فتح الورقة المطوية التي كانت بداخل المظروف:
_لقد أطلقت سراح جاريتك ونسيت أن قلبها سيبقي دوماً أسيرك...فإما رددتَ إليّ قلبي وإما رددتني أنا إليك...لو كان قلبك لايزال علي عهده معي فاجعلني أرَ دبلتي في إصبعك عندما أعود...قد قلتَ لي يوماً افعلي ما يرتضيه عقلك...والآن أقولها بملء روحي...أنت من يرتضيه عقلي وقلبي .
اتسعت ابتسامته العاشقة وهو يعيد قراءة كلماتها مرة تلو الأخري...
وقلبه يكاد يصرخ فرحاً...!!!
لقد قالتها ساري أخيراً...
صحيحٌ أنها -كعادتها- هربت من مواجهته بمشاعرها لكنه سيعرف كيف يقتنص اعترافها من شفتيها بقوة سلاح عشقه...!
الآن ما عاد يمنعه عنها شئ...
فليطلق مارد جنونه إذن كيفما شاء!!
وبهذا الخاطر الأخير أعاد دبلتها إلي المظروف مع وريقتها ثم وضعه في جيبه بخفة...
قبل أن يتناول هاتفه ليجري أغرب اتصال تصور أن يجريه يوماً !!!

وبعدها بما يقارب الساعة كانت هي تتخذ مكانها في الطائرة وهي تشعر بقلبها يتواثب بين ضلوعها بقوة اشتياقه...
وكل أفكارها تتمرد علي ابتعادها الأحمق هذا...
لماذا سافرت طالما اعترفت له في خطابها بأنها لازالت تريده؟!!
لماذا هربت من مشاعرها كما تفعل دوماً معه؟!!
لماذا تشبثت بأسوار كبريائها التي طالما وقفت بينها وبينه؟!!
لماذا تعاند نفسها وتعانده؟!!!
لماذا؟!!!
لماذا؟!!
قطع بلال -الذي كان يجلس الآن جوارها -أفكارها وهو يسألها بهدوء لا يخلو من حسرة:
_لازلتِ تأثمين بالدوران في فلك خاطئ؟!!
صمتت لحظة تستجمع قوتها ثم التفتت نحوه بابتسامة مشفقة لتجيبه برفق:
_النجم لا يتفلت أبداً من مداره ...وإثم الحب لا تلزمه توبة!!
أطرق برأسه في أسي وهو يزداد منها يأساً بعد يأس...عندما أردفت هي بحسم:
_اعذرني يا بلال...هو أمرٌ ليس بيدي!
أومأ برأسه في تفهم ثم اغتصب ابتسامة باهتة على شفتيه ليقول بفتور:
_أتمني لكِ السعادة التي تستحقينها!
أشاحت بوجهها وهي تستشعر الكثير من الحرج في موقف كهذا...
لتتشاغل عنه بالنظر من النافذة لوقت ما تنتظر إقلاع الطائرة بشئ من الترقب...
عندما سمعت صوته -الحبيب-يصدح جوارها :
_عفواً...هذا مكاني!
التفتت نحو الصوت بحدة عندما وجدته هو يقولها لبلال ببعض التحفز...
لكن بلال قام واقفاً ليتجاوزه إلي المقعد المجاور دون كلمة أخري تاركاً له مكانه!!!
انطلقت منها صيحة دهشة قصيرة وهي تنظر إليه بعدم تصديق قبل أن تهمس بدهشة:
_أنت ستسافر معنا؟!
مد أنامله بجرأة ليشبكها بأناملها وهو يميل علي أذنها هامساً بمكر:
_بل أنتِ التي ستسافرين معي!
توردت وجنتاها بخجل وهي تحاول سحب كفها منه لكنه تشبث به أكثر وهو يعاود همسه الحار في أذنها:
_بعد كلمات خطابك الأخير احمدي الله أني اكتفيت باحتضان كفك...لو استجبتُ لجنون قلبي الآن لكانت فضيحة!!
أشاحت بوجهها في خجل ودقات قلبها تحكي سطوراً من عشق واشتياق...
لكنه أدار وجهها نحوه بكفه الآخر ليهمس أمام عينيها بنبرة دافئة:
_لم أكن لأدعكِ تسافرين وحدك...أنا الذي حجزت التذاكر عامداً ليكون مقعدي جوارك لكنني طلبت منهم ألا يخبروكِ بسفري معكم.
اتسعت عيناها بدهشة فرفع أناملها المشتبكة بأنامله إلي شفتيه يقبلها قبل أن يهمس وعيناه تغزوان عينيها ذاك الغزو الآسر:
_هلّا ألبستِني دبلتي بنفسك؟!
ابتسمت برقة وهي تسأله بترقب:
_القديمة أم الجديدة؟!
وضع يده في جيبه ليلتقط دبلتها الجديدة وهمسه الساحر يداعب أذنها:
_القديمة كانت لجارية منحوها لسيد لا ترتضيه...لكن الجديدة لملكتي التي رفعتني جوارها علي عرشها!
اتسعت ابتسامتها وهي تتناولها منه لتلبسها له بارتباك لذيذ...
وشعورها الجديد به يملؤها بالثقة في حبهما أكثر...
❤20
ثم رفعت عينيها إليه لتهمس بعشق جارف:
_يقولون أن الأشياء تفقد قيمتها بالتقادم...فمالي أري حبك يزداد مع الأيام غلوّاً؟!
نظر إليها طويلاً في افتتان ...
ثم رفع كفها إلي شفتيه من جديد في قبلة عميقة قبل أن يهمس بحزم:
_سفرنا لن يكون مجرد رحلة...بل تمهيداً ل"شهر عسل"!!!
شهقت بدهشة وهي تنظر إليه بذهول ...
فابتسم وهو يحدثها عن مكالمته "المجنونة" التي أجراها منذ قليل...
والتي كانت ل"قاسم النجدي" نفسه!!!
نعم...لقد استأذنه في أن يعقد قرانه علي ساري في لندن أثناء سفرهما بعد موافقتها....
ورغم أنه كان يتوقع رفضاً صارماً ومجادلات كثيرة من جده...
لكنه فوجئ به يوافق بعد صمت طويل بشرط أن يكون حمزة وكيلها في العقد وأن يتم الزفاف عقب رجوعهما مباشرة...!!!
بينما كانت هي تستمع إليه مصدومة لتهمس بعد فترة:
_جدي تغير كثيراً!!
اتسعت ابتسامته وهو يضغط كفها أكثر في راحته هامساً بمكر:
_من حسن حظك...وإلا كنت سأخطفك وليكن ما يكون!
ضحكت ضحكة صافية لم يعرفها قلبها منذ زمن بعيد ثم همست بنبرة متحدية:
_لم تعد تخاف قاسم النجدي !!
هز كتفيه وهو يقترب بوجهه منها أكثر ليهمس بشقاوته المعهودة:
_شقة أمي موجودة وعملي موجود ....أم أن العروس ستتكبر عليّ؟!
تألقت عيناها بوهج عاطفتها دون رد فانعكس ضياء عشقها علي مقلتيه وهو يردف بيقين :
_لم يعد لديكِ خيارٌ يا مليكتي...أنتِ لي كما سأكون دوماً لكِ.
دمعت عيناها بفرحتها الطاغية وامتدت أناملها بتردد لتحتضن كفيهما معاً ...
قبل أن تهمس بحب:
_دوماً يا سيد العقل والقلب...دوماً !
=============================
*زفاف ساري وحذيفة:

تعلقت عيون الحاضرين بالعروسين اللذين ظللت وجهيهما السعادة الخالصة وهما يجلسان مكانهما علي منصة العرس...
صحيح أن البعض تبادل الهمزات واللمزات عن أسباب طلاقهما بعد عقد القران ثم تراجعهما...
لكن هذا لم يكن وحده الحادث الغريب في هذه العائلة التي شهدت الكثير من الأحداث الملتهبة في وقت قصير...
بداية من ليلة زفاف ياسين الكارثية...
ثم خبر انتحار آسيا...التي عادت للحياة بعد أشهر في ظروف غامضة لتتزوج رجلاً كان يبادل العائلة عداءها...
وفقدان شقيقتها للنطق صبيحة زفافها...
ثم استعادتها لعافيتها ...ثم طلاقٌ عقبه تراجعٌ سريع!!!!
لهذا كانت عائلة النجدي مثار حديث مجتمع مدينتهم الصغيرة التي لم تعتد هذه التغيرات السريعة!!

وفي مكانهما كان ياسين ورقية جالسين بهدوء بعدما انتهت رحلتهما في لندن على خير...
لقد قطعت رقية شوطاً كبيراً من طريق العلاج ولم يبقَ إلا النذر اليسير....
صحيح أنها كانت تطمح في أكثر من هذا...
بل إنها كانت تحلم أن تعود من سفرها وقد حملت أحشاؤها بذرة حبهما الأولى...
لكن القدر كانت له كلمة أخرى...ولعل في التأخير خير!!
نعم...لعل في التأخير خير!!
كانت هذه جملة ياسين التي كان ولا يزال يداعب بها أذنيها كلما رآها حزينة...
ورغم أنها تكاد تموت اشتياقاً لطفل...لكنها راضية على أي حال...
كفاها من هذه الدنيا ياسين وحبه...
ياسين الذي هزم شبح ضعفه لأجلها بل إنه ولد بحبها من جديد...
لهذا ابتسمت بحب وهي تحتضن ذراعه بذراعيها هامسة جوار أذنه:
_سلطانتك عاتبة عليك...لقد نسيت اليوم هديتها.
ابتسم بدوره وهو يضع يده في جيب سترته ليستخرج لوحاً كبيراً من "الشيكولاتة البيضاء" التي تعشقها ...
ثم لوح به في وجهها هامساً بمرح:
_تقصدين هذه؟!
ضحكت بسعادة وهي تتناوله منه لتهمس بدلال ممتزج بعاطفتها:
_ظننتك انشغلت بإعدادت العرس ونسيتني!
اقترب بوجهه منها حتي ما عاد يفصل بينهما سوى أنفاسهما وهو يهمس بحرارة:
_أبداً يا غاليتي...أبداً.
توردت وجنتاها بخجلها وهي تبتعد بوجهها لتتلفت حولها هامسة باعتراض:
_ياسين!!!الناس !!
لكنه عاد يقترب بوجهه أكثر ليهمس بصدقه الذي يلمس قلبها دوماً:
_ومالي وللناس؟!!!أنتِ كل الناس!!

وعلي مائدة مجاورة كان حمزة ومارية يجلسان مكانهما...
عندما التفت حمزة نحوها ليسألها باهتمام:
_ما رأيك في طقوس الزفاف هذه؟!!تعجبك؟!!
تألقت عيناها بانبهار طفولي كعادتها وهي تريه ظاهر كفيها المخضبين بالحناء لتقول بالانجليزية كعهدها عندما تنفعل:
_خيال يا حمزة...أتمني أن يكون زفافنا مثل هذا...سحر الشرق حقاً لا يقاوم!!
ضحك بسعادة هو الآخر وهو يتلقف كفيها ليحتضنهما بكفيه قائلاً بحب:
_السحر فيكِ أنتِ يا سيدة الشرق والغرب.
ضحكت بدلال وهي تهز كتفيها لتقترب من أذنه هامسة بمكر:
_من كان يقول أن دكتور حمزة النجدي الوقور يجيد هذا الغزل؟!
تنهد بحرارة وهو يلتقط سحر عينيها الفاتنتين ليهمس بحرارة:
_لم أعرفه إلا لكِ أنتِ...قلب حمزة النجدي لم يخفق إل لماريته.
ورغم الفرحة التي تزينت بها مقلتاها ارتفع أحد حاجبيها بمكر طفولي وهي تنظر في عمق عينيه هامسةً بتحدٍ:
❤27👍1
_وعقل حمزة النجدي؟!
تعالى صوت ضحكته الطويلة هذه المرة وهو يضغط كفيها بين راحتيه أكثر ليهمس بعد لحظات بما يشبه الاعتذار:
_ألازلتِ ناقمةً عليّ لأجل ذاك الأمر؟!!قلبك أسود يا "عروس لندن الحسناء"!!!
قال جملته الأخيرة بالانجليزية فضحكت بمرح...
ثم ألقت رأسها علي كتفه وهي تهمس بشرود:
_عندما أستعيد الآن ذكرياتنا الأولي أشعر أنك كنت هدية القدر لي كي أرسو علي شاطئ الأمان بعد طول تخبطٍ في أمواج حيرة...بين "ماري عروس لندن" و "مارية عاشقة الشرق"!!
ابتسم بفخر وهو يطالع ملامحها بإعجاب حقيقي...
كم من الرجال عشق امرأة لجمالها...فزهدها بعد حين عندما اعتادت العين هذا الجمال...
لكنه عشق مارية حقاً بكل ما فيها...
بروحها الطفولية رغم رجاحة عقلها...
وقلبها البرئ رغم نضج أفكارها...
وعاطفتها التي لا تعرف سدوداً ولا قيود...
حرة...جموح...
كخطوط الشمس في كبد السماء...!!!
وعشقٌ كهذا لا يزهده المرء أبداً بل ينقش علي الصدر كرسم علي الحجر لا يبلي أبداً!!!

وعلى منصة العروسين كان حذيفة يميل علي أذن ساري هامساً بخبث :
_هل تعلمين ما الذي أنتوي فعله بكِ هذه الليلة؟!
اتسعت عيناها بصدمة وهي ترمقه بنظرة مترقبة...
فالتقط عينيها بنظراته المتوعدة وهو يهمس بين أسنانه:
_سأنتقم من كل ما فعلتِه بي طوال الأيام السابقة!!!
شهقت بخوف حقيقي وهي تبتعد عنه بوجهها هامسة بحدة:
_حذيفة...احترم نفسك...أنا متوترة بطبيعة الحال فلا تعصبني أكثر!!
تراقص حاجباه بمكر وهو يعاود الاقتراب من وجهها هامساً ليغيظها:
_أحترم نفسي؟!!!لا يا ابنة عمي...انسي كلمة "الاحترام" هذه الليلة تماماً...هل تعلمين كم مرة أجبرت فيها نفسي علي مناداتك ب"ابنة عمي" بدلاً من "حبيبتي"؟!!!
ابتسمت رغماً عنها وهي تشيح بوجهها المحمر خجلاً...
لكنه أدار وجهها إليه ليهمس بثقة:
_مائة وثلاثون مرة!!!
ضحكت بدهشة وهي تهز رأسها هامسة :
_هل كنت تعدها يا مجنون؟!
تنهد بحرارة وهو ينظر في عينيها ليهمس بجدية هذه المرة:
_كانت تلك أقسى فترة عشتها في عمري كله...ليس فقط لأن جدي نبذني بعيداً عن العائلة...لكن لأنني كنت أذبح نفسي بسكين بارد في كل مرة ألتقيكِ فيها ولا أستطيع أن أصرخ لكِ بحبي وأنا أعتصرك بين ذراعيّ...ورغم أنني كنت واثقاً أنكِ تعانين مثلي وأنني لا أحتاج كثير ضغطٍ لأستعيدكِ...لكنني كنت أريدكِ أن تعودي حرة بكامل إرادتك.
ابتسمت بحب وهي تتطلع لعينيه قبل أن تهمس بثقة:
_حرة يا حذيفة...وبكامل إرادتي.
وبعدها بقليل جمعتهما شقتهما في منزل العائلة وحدهما لأول ليلة...
بعد انصراف الجميع...
عندما نزع عنها "طرحة زفافها" برفق ليتبعها بحجابها ...
ثم تخلل شعرها بأنامله ليهمس بعينين مشتعلتين بعاطفته:
_لدي قسمٌ واعتراف!!
ابتسمت وهي تومئ برأسها ...فأردف وهو يقبل باطن كفها:
_أقسم لكِ بحق من أصلح بكِ حالي بعد عِوج...ألا أعود لضلالي القديم.
دمعت عيناها بتأثر فضمها إليه بقوة وهو يدفن وجهه في خصلات شعرها هامساً:
_أما اعترافي...فهو أنكِ الآن بعيني...أجمل النساء!!
ابتسمت وهي ترفع عينيها إليه هامسة بعتاب رقيق:
_"المسترجلة"؟!!
انسابت شفتاه علي وجهها بنعومة وهو يضمها أكثر للحظات..
قبل أن يهمس بعينين غائمتين بعاطفته:
_أفضل النساء من هي "امرأةٌ "معي...و"رجلٌ " مع غيري!!
خفق قلبها بجنون وهي تشعر بكلماته الساحرة تذيبها في وهج عاطفته...
لتمرغ وجهها في صدره قبل أن تهمس بعد آهة طويلة:
_لم يعد حضنك غربة يا حذيفة...بل صار "وطناً"!!
=========================
استيقظ من نومه ليجدها تدور أمام المرآة متفحصةً جسدها ببصرها فابتسم وهو يقوم من نومته ليتكئ علي ذراعه مواجهاً لها ليقول بخبث:
_معكِ حق...زاد وزنكِ قليلاً!!
شهقت بحدة وهي تلتفت نحوه لترمقه بنظرة مشتعلة وهي تهتف بغيظ:
_عد لنومك يا عمار ودعني لشأني...ألا يكفيني ما أنا فيه؟!!!
ضحك ضحكته الخشنة المميزة وهو يدرك سر غضبها المشتعل...
فمنذ علمت عن حملها وهي مصابة بهوس "السِمنة" ولا يكاد يمر عليها يوم دون أن تراقب وزنها علي الميزان بهلع مبالغ فيه....!!!
قام من فراشهما ليتوجه نحوها ثم احتضن ظهرها مواجهاً صورتهما أمام المرآة متحسساً بطنها بأنامله قبل أن يطبع علي وجنتها قبلة بعمق مشاعره مع همسه:
_ماذا يعنيكِ من المرآة وصورتها؟!!ألا يكفيكِ أنكِ بعيني أجمل النساء؟!!
تنهدت بحرارة وهي تطرق برأسها فضم ظهرها إليه أكثر مردفاً بنبرة أكثر رقة:
_لا تتصوري سعادتي بهذا الطفل...مهما وصفت لك شعوري فلن تفهميه.
أمالت رأسها علي صدره وهي تطالع بدورها صورتهما في المرآة لتهمس بخفوت :
_حقاً؟!!ظننتك ستعيد تقريعي علي كذبتي القديمة عندما أخبرك.
أدار كتفيها نحوه في هذه اللحظة لينظر في عمق عينيها هذه المرة هامساً بقوة عشقه القديم:
❤22
_إذا كانت التوبة تجبّ ما قبلها...فحبكِ أولَى أن يفعل!!
دمعت عيناها بتأثر وهي تسمعه يردف بنفس النبرة الذائبة:
_لقد حققتِ أنتِ لي حلم سنواتٍ تقارب عمري كله...فكيف ألومكِ علي خطيئة لحظة؟!
ابتسمت بسعادة وهي تتشبث به لتستطيل علي أطراف أصابعها فتقبل جبينه بعمق...
قبل أن تعاود تحسس بطنها بكفيها وهي تهمس بحيرة:
_ماذا سنسميه؟!
وضع كفه علي بطنها فوق كفيها للحظات...ثم قال بمكر:
_في بالي اسمٌ ما...لكن دعيني أرَ تفكيرك.
شردت ببصرها للحظات...ثم همست بتردد:
_قاسم!
اتسعت ابتسامته وهو يضمها إليه أكثر هامساً بهدوء مصبوغ بارتياحه:
_نعم يا جوريتي...أنا تمنيت حقاً أن يكون ابننا أول من يراه جدي من أبناء أحفاده حتى أسبقهم بالاسم...أنا أفهم جدي جيداً...ربما لأنني أكثر من يشبهه في طباعه كما يقولون...لهذا لم أحقد عليه يوماً...حتى عندما أمرني بتطليقك كنت أعرف أنه لا يفعلها إلا لصالحنا...وعندما قام بطردنا من هنا...كنت شبه واثق أنه لن يقوى علي خصام طويل...هذا هو قاسم النجدي الذي أعرفه...والذي أريد أن أسعده بأن أسمي ابني على اسمه.
رفعت إليه عينيها بدافق مشاعرها الحالية لتهمس بحب:
_كيف يمكنك أن تكون هكذا؟!!أن تكون بقوة الجبل ورقة الندي ؟!بصلابة الصخر وعذوبة المطر؟!!شكراً لقدرٍ جعلك لي...أبي وأخي وصديقي وزوجي...وحب العمر الذي أرجو أن يطول فقط لأمنحه لك.
=====
وبعدها بأشهر...
تعالت صرخات جويرية مدوية داخل تلك الغرفة بالمشفى...
فهتف عمار الذي كان واقفاً بالخارج مع بقية العائلة التي تجمعت في هذا الحدث الفريد:
_ لماذا لم يتركوني أدخل معها؟! ما الذي يفعلونه بها كي تصرخ هكذا؟!!
ابتسم قاسم طارقاً بعصاه علي الأرض عدة مرات وهو يرى في عمار صورة نفسه منذ سنوات....
عندما كان ينتظر ابنه "حبيب "والد حمزة بنفس القلق ونفس الخوف...
لكنه تمالك مشاعره كالعادة ليقول بخشونة مصطنعة:
_اهدأ يا ولد...وكفّ عن جنونك هذا!!
زفر عمار بقوة وهو يخبط الجدار بقبضته دون رد...
فاقترب منه حمزة ليربت علي ظهره هامساً برفق حازم:
_تمالك نفسك يا أخي...ستكون بخير هي والصغير...
ازدرد عمار ريقه بصعوبة وهو يرفع رأسه للسماء في دعاء صامت لبضع دقائق طالت لدهور...
عندما ارتفع صوت بكاء المولود ليهلل الجميع بمرح...!!!
فارتجف جسده بحق وباب الغرفة يُفتح لتخرج الممرضة حاملةً المولود...
لكن عمار ألقى عليه نظرة مشتتة ثم ابتدرها بسؤاله عن جويرية قبل أن يندفع للغرفة دون تردد...
فابتسم حمزة وهو يتناول الصغير منها برفق ليتوجه نحو جده فيقربه منه قائلاً بفرحة حانية:
_قاسم النجدي الصغير...عمار سبقنا بالاسم...وقد كنا جميعاً نطمع فيه!!
دمعت عينا قاسم وهو يزيح عصاه جانباً...ليتناول الصغير من حمزة فيضمه بين ذراعيه بحنان...
وكأنه امتلك الدنيا كلها الآن...
ثم مال علي أذنيه مؤذناً قبل أن يدعو له بالبركة...!
فاقتربت منه فريدة لتتناوله منه بدورها وهي حائرة بقلبها بين الصغير وبين ابنتها بالداخل...
لتغلبها عاطفتها نحو حفيدها أكثر وهي تتأمله بعينين دامعتين قبل أن تقول برضاها المعهود:
_الحمد لله رب العالمين ...كم يشبهك يا عمي!!
أغمض قاسم عينيه بتأثر وهو يعاود التقاط عصاه ليستند برأسه المطرق عليها مخفياً انفعاله...
لقد منحه القدر كل ما تمني وأكثر...
وها هي أمانته قد أداها على أكمل وجه...
وها هو حصاد صبره قد أتاه بأجمل مما أراد...
لقد عاش عمره يقوي جبروته ليزرع الخوف في قلوب أحفاده...
ولم يدرِ أنه كان يسلك الطريق الخطأ...
وأن طريق الحب كان هو الأقصر والأقرب...
والحمد لله أنه قد أفاق قبل فوات الأوان!!!
وفي مكانه كان حمزة يراقب الجميع بعينين حانيتين...
هذه هي عائلته التي عاد إليها أخيراً بعد اغتراب وقد قرر ألا يتركهم أبداً...
نعم...لقد أخبر مارية بقراره الأخير بشأن السفر للندن..
هو سيبقي هنا...لأن عائلته ستبقي أمانته هو بعد جده...
العائلة هي الأمان والسند عندما تشتد أنواء الخطوب...
هي الركن الحصين الذي لا يخون من آوى إليه...
هي الجد قاسم بقوته ومسئوليته عن الجميع...
هي العمة فريدة بإيمانها ورضا قلبها...
هي العمة راجية بطيبتها الفطرية...
هي ياسين بحنانه الطاغي...
هي عمار بخشونته رغم رقة قلبه...
هي حذيفة بنزقه وخفة ظله...
هي آسيا برقتها التي تزينت أخيراً بقوتها...
هي جويرية بعذوبة روحها الطفولية...
هي ساري بعقلها وإحساسها بالمسئولية...
هي الدفء الذي يتغلغل في حنايا كل منهم ويربطهم جميعاً برباط سيحرص هو ألا ينقطع...
أبداً...أبداً...لن ينقطع!!
===============

_مرحباً بقاسم الصغير!!
هتفت بها آسيا بمرح وهي تتناول الرضيع من جويرية التي هتفت بجزع:
❤29
_ضعي كفكِ علي ظهره ليسنده ...نعم...هكذا!!
قالتها وهي تمسك كفها بنفسها لتضعه علي ظهر الرضيع الذي عاود بكاءه...
فهزته آسيا برفق وهي تقول بمشاكسة لتغيظها:
_كان يجب أن أتوقع هذا...ابن عمار وجوري سيكون كارثة متحركة!!!
خبطتها جويرية في كتفها وهي ترمقها بنظرة زاجرة لتقول بعدها بمرح مشاكس وهي تشير لبطن آسيا المنتفخ:
_لنرَ إذن ماذا سيكون عليه ابن القاصم....أراهن أنه سيكون سفاحاً أو مصاص دماء!!!
ضحكت آسيا بانطلاق بينما هتفت ساري التي دخلت -لتوها- بعتاب مصطنع:
_تضحكان وتمرحان بدوني؟!
هللت آسيا وجوري لتستقبلانها بعاصفة من الأحضان والقبلات...
قبل أن تهتف جوري بنزقها المعهود:
_لم أسمع عن "شهر عسل" يمتد لقرابة العام....زوجك هذا مجنون!!!
بينما ضحكت آسيا وهي تهدهد الصغير علي ذراعها قائلة :
_أنتما لم تكادا تكملا شهر إقامةٍ واحد هنا....يبدو أن حذيفة يحب السفر .
ابتسمت ساري بسعادة انطبعت علي ملامحها التي كانت الآن وضاءة بالحب الذي عانق أيامها مؤخراً بفرحة لم تتخيلها يوماً...
فحذيفة منذ زواجهما يتفنن في إسعادها بكل السبل...
وكأنه يعوضها عن كل ما شهده حبهما من تحديات...
حتي استقر أخيراً علي شطئان الأمان!!
بينما كانت فريدة تتأملهن بسعادة كلّلها الارتياح...
لقد منّ القدر أخيراً بالأمان علي بناتها اللائي تحررن جميعاً من قيود الجواري لتمضي كل منهن في طريقها -الملكي - الجديد مع الرجل الذي اختارته بكامل إرادتها...
حتي أحفاد النجدي الذكور كذلك تحرروا من قيود سيطرته العمياء عليهم وعبر كل منهم جدار الخوف الذي اشتد بنيانه في الصدور منذ الصغر...
لكنها لم تكن تري هذا فحسب...
بل كانت تري ما هو أبعد من ذلك...
قاسم النجدي نفسه تحرر من قيود تسلطه القديمة...
وأدرك بعد كل هذا العمر أن سلطان الحب أقوي من سلطان القسوة...
وأن أمانته التي كانت في عنقه نحو أبنائه -رحمهم الله- لم يكن ليقوي علي آدائها بسيف البطش...
بل برحيق الرحمة...!!!
أما عنها هي...
فقد صدقتها السماء بالحفظ لبناتها اللائي صرن بحقٍ ملكات...
علي رأس كل منهنّ تاجٌ من حب لا يخضع لسلطان العاطفة فحسب...
بل والعقل أيضاً...
حبٌ يسبقه احترام ويصاحبه تقديسٌ ويعقبه التصاق روح بروح...
حبٌ هو كالموت وكالميلاد...
لا يعرف زمناً...ولا يتكرر أبداً...
حبٌ ملكيٌ لا تعرفه الجواري وإن كُنّ في ثيابٍ ملكية!!!!

تمت
نوفمبر٢٠١٦
انتظرونا مع الجزء الثاني من سلسلة قصور من رمال...
(ليته ظل حلماً)
❤107🤔8👍2
روايتي الورقية الثامنة
معرض القاهرة الدولي للكتاب ٢٠٢٦
قريبا باذن الله 🌸
❤152🥰7👏7
اكتملت الثلاثية ...
موعدنا معرض القاهرة الدولي للكتاب ٢٠٢٦
حفل التوقيع الجمعة ٣٠ يناير باذن الله 🌸
❤107🔥9👏4
حفل التوقيع الجمعة ٣٠ يناير باذن الله 🌸
❤60🍓5👍3