_لن أخذلك يا أمي.. لن أخذلك أبداً.
تهمس بها بنبرة قوية وهي تتحسس قلادتها كأنها تجدد عهدها لأمها كعادتها كل فجر أمام حوض الأقحوان..
قلادتها التي كانت آخر أثر تركته له أمها قبل وفاتها.. بل - بالأدق- كانت آخر هدية أهداها أبوها لأمها فكانت مكانتها مزدوجة..
لهذا تحرص ألا تخلعها من عنقها أبداً مهما زعم الآخرون أنها صارت موضة قديمة.
_استيقظتِ يا ابنتي؟!
الصوت الحنون للجدة (رياحين) يأتيها دافئاَ من خلفها..
يشبه عناق المرأة التي طوقتها بحنان لم يخلُ من حزن كأنها ترى فيها صورة ابنتها الراحلة..
_صباح الخير يا (بيبي).
تقولها بعمق عاطفتها بلفظة (بيبي) التي يخص بها العراقيون جداتهم فتهتف الجدة بحنان :
_أحب (بيبي) منك أكثر من إخوتك..منكِ انتِ كأنها غارقة في الشهد.
تضحك ناي بدلال وهي تسألها :
_هل عاد جدي مؤيد؟!
_ليس بعد.. سأعد الفطائر الساخنة للفطور.. لا توقظي أخويكِ حتى أنتهي.
تبتسم وهي تراقب ظهر المرأة النشيطة رغم سنوات عمرها المتقدمة تغادر غرفتها..
تهم باللحاق بها كي تساعدها لكن رنين هاتفها الذي جعلته في وضع الاهتزاز يوقفها..
تتنحنح بترقب وهي تتناوله من جيب منامتها..
تبتسم وهي ترى الاسم على الشاشة..
من سواه يتصل في هذا الوقت؟ !
_مظفّر.
تهمس بها بدلال وهي تغلق باب الغرفة كي لا يسمعها أحد..
فيصلها صوته العابث لا يزال شبه نائم :
_صباح الخير حبيبتي.. هل ألقيتِ تحية الصباح على الأقحوان قبلي أم تراني سبقته اليوم؟!
تكتم ضحكتها وهي ترد بدلال :
_لا.. هو سبقك بالتحية!
تسمع زمجرته الغاضبة تسبق قوله :
_يوماَ ما ستستيقظين على فراشي أنا.. ساعتها سآخذ بثأر كل تلك الصباحات التي سبقني فيها الأقحوان لابتسامة ثغرك.
فتضحك هامسة بخفوت :
_وما ذنب الأقحوان؟! انت الكسول الذي تتأخر في الاستيقاظ.
_ولماذا لم توقظيني انتِ أول ما فتحتِ عينيكِ؟! هه؟! تفضلين الأقحوان عليّ؟!
تتنهد وعيناها تغيمان بنظرة داكنة بينما تتحسس قلادتها، لتهمس بحسم امتزج بدلالها :
_تعرف رأيي في هذا الشأن.. اتعب أنت وسابق الأقحوان في مكانته عندي.. أو ابق كسولاً متفرجاَ ولا تعترض.
_أفدي دلعك هذا! أسابق يا ستي.. أسابق وأسبق بأمر الله..
تبتسم للحماس العاطفي في كلماته ليصلها صوته العاشق:
_أنتِ تبتسمين الآن؟!
همهمتها تحمل معنى الإيجاب فيردف بالمزيد من الهيام :
_تخجلين.. وتتورد وجنتاكِ وتتلاحق أنفاسك وتتمنين لو كنت جوارك؟!
لا ينال منها سوى همهمة دلالها من جديد، فيضحك منتشياَ للحظات قبل أن يتنهد قائلاً :
_يالله! ماذا كنت سأفعل لو لم أعثر عليكِ من جديد؟!
تزداد أنفاسها تلاحقاَ وهي ترد :
_بل ماذا كنت سأفعل أنا لو لم أعثر عليك من جديد؟!
تقولها وهي تتذكر كيف تربيا معاَ منذ طفولتهما الأولى كجيران في بيتيهما القديمين..
لسنوات عدة كان كل منهما يكبر أمام عين الآخر فلا تكاد تنفصل عنه سوى في اوقات النوم..
كان هذا في الماضي قبل أن ينتقل مع عائلته فجأة للسكن في مكان بعيد..
لكنهما التقيا أخيراَ منذ عامين فقط ليعرف كل منهما صاحبه بوجهه الجديد الذي غيرته السنون..
وإن بقي الماضي يؤلف بين القلوب!
_نوني!
يهمس بها مدللاً وقد كانت هذه لفظة التدليل التي يخصها بها منذ طفولتهما ، لكنها تعبس فجأة وقد علت نبرتها قليلاَ :
_لا تنادني هكذا! لم أعد طفلة.
لم ترد إخباره بالسبب الحقيقي الذي يدفعها لكراهية هذا الاسم بالذات..
بينما يكرره هو في عناد ليردف :
_ستبقين في عيني (نوني).. الطفلة التي كانت تركض خلفها قدمي.. والفتاة التي سيركض خلفها قلبي حتى آخر العمر.
تتكدس الدموع في عينيها.. تغرق وجهها الجميل وأناملها تتحسس قلادتها في عنقها.. تدعكها دعكاَ..
يطول صمتها فيسألها بقلق :
_حبيبتي.. أنتِ بخير.
_نعم.. نعم.. فقط تذكرت أمي.
يتهدج بها صوتها فيتنهد قائلاَ بأسف:
_رحمها الله.. وددت لو بقيت معنا.. لو شهدت مثلنا هذه الأيام.. وأعدت لنا طعام العرس بنفسها كما كانت تعد لنا الفطائر في صغرنا.
_متفائل أنت! أي عرس؟! تظن أباك يرضى بنا على حالنا المتواضع؟! صحيح ان أبي كان أعز أصدقائه لكن تغير الحال.. أبي مات.. وهو صار رجل اعمال كبير تنحني لاسمه الجباه.. المال يغير النفوس.
تشعر بصمته يعترف بالحاجز الكبير بينهما.. فتردف بانفعال:
_ليس أباك فحسب.. بل جدي.. لقد صفعني لأول مرة في حياتي عندما عرف أنني ألتقي بك.. من يومها وهو يحذرني من الكلام معك.. يخاف عليّ التعلق بك وهو يعرف أن ما بيننا لن يكون أبداَ..
_سيكون..
يقاطع بها عبارتها بحسم ليمنحها وعده :
_سيكون رغم أنف الجميع.. سيكون الأفضل والأكمل والأروع.. أنتِ لي وأنا لكِ مهما حدث.
تهمس بها بنبرة قوية وهي تتحسس قلادتها كأنها تجدد عهدها لأمها كعادتها كل فجر أمام حوض الأقحوان..
قلادتها التي كانت آخر أثر تركته له أمها قبل وفاتها.. بل - بالأدق- كانت آخر هدية أهداها أبوها لأمها فكانت مكانتها مزدوجة..
لهذا تحرص ألا تخلعها من عنقها أبداً مهما زعم الآخرون أنها صارت موضة قديمة.
_استيقظتِ يا ابنتي؟!
الصوت الحنون للجدة (رياحين) يأتيها دافئاَ من خلفها..
يشبه عناق المرأة التي طوقتها بحنان لم يخلُ من حزن كأنها ترى فيها صورة ابنتها الراحلة..
_صباح الخير يا (بيبي).
تقولها بعمق عاطفتها بلفظة (بيبي) التي يخص بها العراقيون جداتهم فتهتف الجدة بحنان :
_أحب (بيبي) منك أكثر من إخوتك..منكِ انتِ كأنها غارقة في الشهد.
تضحك ناي بدلال وهي تسألها :
_هل عاد جدي مؤيد؟!
_ليس بعد.. سأعد الفطائر الساخنة للفطور.. لا توقظي أخويكِ حتى أنتهي.
تبتسم وهي تراقب ظهر المرأة النشيطة رغم سنوات عمرها المتقدمة تغادر غرفتها..
تهم باللحاق بها كي تساعدها لكن رنين هاتفها الذي جعلته في وضع الاهتزاز يوقفها..
تتنحنح بترقب وهي تتناوله من جيب منامتها..
تبتسم وهي ترى الاسم على الشاشة..
من سواه يتصل في هذا الوقت؟ !
_مظفّر.
تهمس بها بدلال وهي تغلق باب الغرفة كي لا يسمعها أحد..
فيصلها صوته العابث لا يزال شبه نائم :
_صباح الخير حبيبتي.. هل ألقيتِ تحية الصباح على الأقحوان قبلي أم تراني سبقته اليوم؟!
تكتم ضحكتها وهي ترد بدلال :
_لا.. هو سبقك بالتحية!
تسمع زمجرته الغاضبة تسبق قوله :
_يوماَ ما ستستيقظين على فراشي أنا.. ساعتها سآخذ بثأر كل تلك الصباحات التي سبقني فيها الأقحوان لابتسامة ثغرك.
فتضحك هامسة بخفوت :
_وما ذنب الأقحوان؟! انت الكسول الذي تتأخر في الاستيقاظ.
_ولماذا لم توقظيني انتِ أول ما فتحتِ عينيكِ؟! هه؟! تفضلين الأقحوان عليّ؟!
تتنهد وعيناها تغيمان بنظرة داكنة بينما تتحسس قلادتها، لتهمس بحسم امتزج بدلالها :
_تعرف رأيي في هذا الشأن.. اتعب أنت وسابق الأقحوان في مكانته عندي.. أو ابق كسولاً متفرجاَ ولا تعترض.
_أفدي دلعك هذا! أسابق يا ستي.. أسابق وأسبق بأمر الله..
تبتسم للحماس العاطفي في كلماته ليصلها صوته العاشق:
_أنتِ تبتسمين الآن؟!
همهمتها تحمل معنى الإيجاب فيردف بالمزيد من الهيام :
_تخجلين.. وتتورد وجنتاكِ وتتلاحق أنفاسك وتتمنين لو كنت جوارك؟!
لا ينال منها سوى همهمة دلالها من جديد، فيضحك منتشياَ للحظات قبل أن يتنهد قائلاً :
_يالله! ماذا كنت سأفعل لو لم أعثر عليكِ من جديد؟!
تزداد أنفاسها تلاحقاَ وهي ترد :
_بل ماذا كنت سأفعل أنا لو لم أعثر عليك من جديد؟!
تقولها وهي تتذكر كيف تربيا معاَ منذ طفولتهما الأولى كجيران في بيتيهما القديمين..
لسنوات عدة كان كل منهما يكبر أمام عين الآخر فلا تكاد تنفصل عنه سوى في اوقات النوم..
كان هذا في الماضي قبل أن ينتقل مع عائلته فجأة للسكن في مكان بعيد..
لكنهما التقيا أخيراَ منذ عامين فقط ليعرف كل منهما صاحبه بوجهه الجديد الذي غيرته السنون..
وإن بقي الماضي يؤلف بين القلوب!
_نوني!
يهمس بها مدللاً وقد كانت هذه لفظة التدليل التي يخصها بها منذ طفولتهما ، لكنها تعبس فجأة وقد علت نبرتها قليلاَ :
_لا تنادني هكذا! لم أعد طفلة.
لم ترد إخباره بالسبب الحقيقي الذي يدفعها لكراهية هذا الاسم بالذات..
بينما يكرره هو في عناد ليردف :
_ستبقين في عيني (نوني).. الطفلة التي كانت تركض خلفها قدمي.. والفتاة التي سيركض خلفها قلبي حتى آخر العمر.
تتكدس الدموع في عينيها.. تغرق وجهها الجميل وأناملها تتحسس قلادتها في عنقها.. تدعكها دعكاَ..
يطول صمتها فيسألها بقلق :
_حبيبتي.. أنتِ بخير.
_نعم.. نعم.. فقط تذكرت أمي.
يتهدج بها صوتها فيتنهد قائلاَ بأسف:
_رحمها الله.. وددت لو بقيت معنا.. لو شهدت مثلنا هذه الأيام.. وأعدت لنا طعام العرس بنفسها كما كانت تعد لنا الفطائر في صغرنا.
_متفائل أنت! أي عرس؟! تظن أباك يرضى بنا على حالنا المتواضع؟! صحيح ان أبي كان أعز أصدقائه لكن تغير الحال.. أبي مات.. وهو صار رجل اعمال كبير تنحني لاسمه الجباه.. المال يغير النفوس.
تشعر بصمته يعترف بالحاجز الكبير بينهما.. فتردف بانفعال:
_ليس أباك فحسب.. بل جدي.. لقد صفعني لأول مرة في حياتي عندما عرف أنني ألتقي بك.. من يومها وهو يحذرني من الكلام معك.. يخاف عليّ التعلق بك وهو يعرف أن ما بيننا لن يكون أبداَ..
_سيكون..
يقاطع بها عبارتها بحسم ليمنحها وعده :
_سيكون رغم أنف الجميع.. سيكون الأفضل والأكمل والأروع.. أنتِ لي وأنا لكِ مهما حدث.
❤24
تبتسم رغماَ عنها ودلالها يكسو صوتها من جديد :
_حسناَ.. سأكتفي بكلامك اللذيذ هذا كتحية صباح.. تأخرت على جدتي.
_ساعتان فقط وأكلمك من جديد.
_لا.. سأكون مشغولة.. ألم أخبرك عن موعد مقابلتي للعمل في مؤسسة الأمين؟!
تقولها ببعض الأسف ليهتف باستياء :
_اوف! نسيت هذا.. ألم تجدي غير هذه المؤسسة لتعملي فيها؟! إنها تقريباَ المنافس الوحيد لشركة ابي في السوق.
_أولاَ انا لم أختر شيئاَ.. جدي يعمل لدى السيد إلياس الأمين كما تعرف وهو الذي طلب منه عملاَ يناسبني.. ثانياَ لو كنت مستاءاَ هكذا فابحث لي عن عمل في شركتكم.
_لا.. لا يمكن..
_لماذا؟!
_حبيبتي أنا لا يمكنني رفع عيني من عليكِ عندما تكونين أمامي..يختفي العالم كله وأغرق فيكِ.. لا يمكنني العمل في مكان أنتِ فيه.
ضحكتها ذات الدلال تدغدغ قلبه فيتنهد بحرارة هامساَ :
_قريباَ جداَ تكونين رفيقة قلبي في كل مكان.. أعدكِ أن أهدم كل الحواجز التي بيننا.
تسمع صوت جدتها تنادي من الخارج فتشهق هامسة بارتباك :
_مضطرة لغلق الاتصال الآن.. سأكلمك ظهراَ واخبرك بما سيحدث في المقابلة.
تنهي الاتصال على صوت قبلته لها على الهاتف فتتنهد بحرارة وهي تضم الهاتف لصدرها..
تنظر عبر النافذة للشمس التي بسطت سيطرتها على السماء وقد نضج معها سحر الأقحوان..
الأقحوان الذي علمتها أمها انه رمز (الولاء والالتزام بالوعود) ..
تهز رأسها وهي تتحسس قلادتها من جديد بشرود هامسة:
_آه يا مظفر.. آه.. ما أقربك.. وما أبعدك.
========
_كم الساعة الآن؟!
تسأل فجر خادمتها (ميسرة) لترد الأخيرة بإشفاق وقد ادركت سبب السؤال :
_الثامنة.
تتنهد فجر ببعض الارتياح وهي ترفع عنها غطاءها..الآن فقط لا تخاف النهوض..
هو كان يزورها دوماَ وقت الفجر..
يخلع نعليه على بابها زاعماَ أنه يتطهر من كل دنسه في حضرتها..
لا يلبسها إلا الأبيض فلا تعرف هل كان يفعلها لأنه يراه اللون الوحيد الذي يليق بها..؟!
أم أنه اللون الذي تمناه هو نفسه لنفسه فلم يستطع مغالبة شيطانه ليليق به؟!
كان يغلق الباب خلفه آسراً إياها بين الجدران فتأرجحت صورته دوماَ بين (الحارس) و (السجان)!
كان يطلب منها أن تعزف على العود كما كانت تحب طوال عمرها..
والآن رحل فانكسر العود..
كسره هو؟! كسرته هي؟!
لا يهم..
ما يعنيها ان العزف صار محرماَ على أناملها كما صار العشق محرماَ على قلبها..
أريقت دماء العمر على الأرصفة وصار الأمس كاليوم كالغد جمرةٌ تتوهج وسط الظلمة التي تحياها!
تسأل الخادمة بتوجس وهي تتحسس عينيها في رد فعل غريب مثير للشفقة.. كأنها لو فعلتها فستتمكن من الرؤية:
_ماذا أرتدي؟!
_منامة وردية.
بالمزيد من الإشفاق تجيبها الخادمة وهي تدرك حساسيتها من ارتداء اللون الأبيض.. تعرف أن المنامة تحتوي نقوشا بيضاء صغيرة لكن حتى هذه لم ترد إخبارها بها كي لا تضايقها..
_يداي.. أريد غسلهما.
تهمس بها عبر غمامتين ظللتا عينيها للأبد فتتنهد الخادمة وهي تساعدها للذهاب نحو حمام غرفتها الخاص..
تغسلهما فجر بشرود ورغماَ عنها يجتاحها المشهد الصاعق..
كيف وهي التي لا ترى تشعر وكأنها تبصره كل يوم!
التصق بحدقتيها للأبد!
هو.. بين ذراعيها..
كفه على كفها يجبرها أن تضغط الزناد..
صوت الرصاصة يخترق قلبها قبل أذنيها..
_انتقمت لك من كل من آذوكِ وآخرهم أنا.. راضية ؟!
(راضية؟!)
ربما كانت هذه هي المأساة!
رحل ولم يعرف جواب السؤال.. والأسوأ أنها هي نفسها لا تعرفه!
(راضية؟!)
عن أي شيء راضية؟!
عن حبها له..؟؟ عن حبه لها..؟! عن هروبها قديماَ معه..؟! عن زواجها به..؟! عما أصابها وعائلتها بسببه..؟! عن سجنه لها كل تلك السنوات.. ؟! عما عرفته عن حقيقته..؟؟
أم عن موته بهذه الطريقة؟!
_فجر.
تهمس بها ميسرة بإشفاق.. تناديها باسمها مجرداَ كما طلبت منها فجر نفسها وقد شعرت أن العلاقة بينهما تطورت لما يشبه الصداقة.. تغلق صنبور الماء بعدما طالت عليها دقائق الانتظار تربت على كتفها مردفة :
_صارتا نظيفتين حبيبتي.. لا تشقي على نفسك.
_أعرف.. أعرف.. نظيفتان.. نظيفتان.
تبتسم بها بتصنع وقد صار كل همها مؤخراَ أن تخفي عن الجميع معاناتها..
تتظاهر بالتعافي.. تنغمس معهم في ما يريدون منها فعله..
كلهم يريدونها ان تنسى.. يتوقعون منها أن تتجاوز.. يحذرونها أن تأتي بأي سيرة للماضي كي لا يجرفها تياره..
وهي تقنعهم أنها تفعل.. أنها تنجح..
ودت لو تجد واحداَ.. واحداَ فقط يطلب منها أن تتذكر..
أن تبوح.. أن تحكي وتحكي وتحكي حتى تفرغ ذاكرتها..
ربما ساعتها يفرغ كيس قلبها من أحجاره!
لكنها تدرك أنهم على حق..
حتى لو لم يكونوا كذلك.. هي ستطيع!
ستسلم الزمام كاملاً لمن يريد قيادة جوادها فقد جربت من قبل عاقبة التمرد!
_حسناَ.. سأكتفي بكلامك اللذيذ هذا كتحية صباح.. تأخرت على جدتي.
_ساعتان فقط وأكلمك من جديد.
_لا.. سأكون مشغولة.. ألم أخبرك عن موعد مقابلتي للعمل في مؤسسة الأمين؟!
تقولها ببعض الأسف ليهتف باستياء :
_اوف! نسيت هذا.. ألم تجدي غير هذه المؤسسة لتعملي فيها؟! إنها تقريباَ المنافس الوحيد لشركة ابي في السوق.
_أولاَ انا لم أختر شيئاَ.. جدي يعمل لدى السيد إلياس الأمين كما تعرف وهو الذي طلب منه عملاَ يناسبني.. ثانياَ لو كنت مستاءاَ هكذا فابحث لي عن عمل في شركتكم.
_لا.. لا يمكن..
_لماذا؟!
_حبيبتي أنا لا يمكنني رفع عيني من عليكِ عندما تكونين أمامي..يختفي العالم كله وأغرق فيكِ.. لا يمكنني العمل في مكان أنتِ فيه.
ضحكتها ذات الدلال تدغدغ قلبه فيتنهد بحرارة هامساَ :
_قريباَ جداَ تكونين رفيقة قلبي في كل مكان.. أعدكِ أن أهدم كل الحواجز التي بيننا.
تسمع صوت جدتها تنادي من الخارج فتشهق هامسة بارتباك :
_مضطرة لغلق الاتصال الآن.. سأكلمك ظهراَ واخبرك بما سيحدث في المقابلة.
تنهي الاتصال على صوت قبلته لها على الهاتف فتتنهد بحرارة وهي تضم الهاتف لصدرها..
تنظر عبر النافذة للشمس التي بسطت سيطرتها على السماء وقد نضج معها سحر الأقحوان..
الأقحوان الذي علمتها أمها انه رمز (الولاء والالتزام بالوعود) ..
تهز رأسها وهي تتحسس قلادتها من جديد بشرود هامسة:
_آه يا مظفر.. آه.. ما أقربك.. وما أبعدك.
========
_كم الساعة الآن؟!
تسأل فجر خادمتها (ميسرة) لترد الأخيرة بإشفاق وقد ادركت سبب السؤال :
_الثامنة.
تتنهد فجر ببعض الارتياح وهي ترفع عنها غطاءها..الآن فقط لا تخاف النهوض..
هو كان يزورها دوماَ وقت الفجر..
يخلع نعليه على بابها زاعماَ أنه يتطهر من كل دنسه في حضرتها..
لا يلبسها إلا الأبيض فلا تعرف هل كان يفعلها لأنه يراه اللون الوحيد الذي يليق بها..؟!
أم أنه اللون الذي تمناه هو نفسه لنفسه فلم يستطع مغالبة شيطانه ليليق به؟!
كان يغلق الباب خلفه آسراً إياها بين الجدران فتأرجحت صورته دوماَ بين (الحارس) و (السجان)!
كان يطلب منها أن تعزف على العود كما كانت تحب طوال عمرها..
والآن رحل فانكسر العود..
كسره هو؟! كسرته هي؟!
لا يهم..
ما يعنيها ان العزف صار محرماَ على أناملها كما صار العشق محرماَ على قلبها..
أريقت دماء العمر على الأرصفة وصار الأمس كاليوم كالغد جمرةٌ تتوهج وسط الظلمة التي تحياها!
تسأل الخادمة بتوجس وهي تتحسس عينيها في رد فعل غريب مثير للشفقة.. كأنها لو فعلتها فستتمكن من الرؤية:
_ماذا أرتدي؟!
_منامة وردية.
بالمزيد من الإشفاق تجيبها الخادمة وهي تدرك حساسيتها من ارتداء اللون الأبيض.. تعرف أن المنامة تحتوي نقوشا بيضاء صغيرة لكن حتى هذه لم ترد إخبارها بها كي لا تضايقها..
_يداي.. أريد غسلهما.
تهمس بها عبر غمامتين ظللتا عينيها للأبد فتتنهد الخادمة وهي تساعدها للذهاب نحو حمام غرفتها الخاص..
تغسلهما فجر بشرود ورغماَ عنها يجتاحها المشهد الصاعق..
كيف وهي التي لا ترى تشعر وكأنها تبصره كل يوم!
التصق بحدقتيها للأبد!
هو.. بين ذراعيها..
كفه على كفها يجبرها أن تضغط الزناد..
صوت الرصاصة يخترق قلبها قبل أذنيها..
_انتقمت لك من كل من آذوكِ وآخرهم أنا.. راضية ؟!
(راضية؟!)
ربما كانت هذه هي المأساة!
رحل ولم يعرف جواب السؤال.. والأسوأ أنها هي نفسها لا تعرفه!
(راضية؟!)
عن أي شيء راضية؟!
عن حبها له..؟؟ عن حبه لها..؟! عن هروبها قديماَ معه..؟! عن زواجها به..؟! عما أصابها وعائلتها بسببه..؟! عن سجنه لها كل تلك السنوات.. ؟! عما عرفته عن حقيقته..؟؟
أم عن موته بهذه الطريقة؟!
_فجر.
تهمس بها ميسرة بإشفاق.. تناديها باسمها مجرداَ كما طلبت منها فجر نفسها وقد شعرت أن العلاقة بينهما تطورت لما يشبه الصداقة.. تغلق صنبور الماء بعدما طالت عليها دقائق الانتظار تربت على كتفها مردفة :
_صارتا نظيفتين حبيبتي.. لا تشقي على نفسك.
_أعرف.. أعرف.. نظيفتان.. نظيفتان.
تبتسم بها بتصنع وقد صار كل همها مؤخراَ أن تخفي عن الجميع معاناتها..
تتظاهر بالتعافي.. تنغمس معهم في ما يريدون منها فعله..
كلهم يريدونها ان تنسى.. يتوقعون منها أن تتجاوز.. يحذرونها أن تأتي بأي سيرة للماضي كي لا يجرفها تياره..
وهي تقنعهم أنها تفعل.. أنها تنجح..
ودت لو تجد واحداَ.. واحداَ فقط يطلب منها أن تتذكر..
أن تبوح.. أن تحكي وتحكي وتحكي حتى تفرغ ذاكرتها..
ربما ساعتها يفرغ كيس قلبها من أحجاره!
لكنها تدرك أنهم على حق..
حتى لو لم يكونوا كذلك.. هي ستطيع!
ستسلم الزمام كاملاً لمن يريد قيادة جوادها فقد جربت من قبل عاقبة التمرد!
❤23
ستطيع.. ستطيع.. لا تمرد بعد الآن.
_(يسعد لي هالصباح)
صوت ديمة العاطفي الدافئ بطبيعته يداعب أذنها مع رائحة شهية تصل لأنفها..
تشعر بقبلة ديمة على خدها في عادة صباحية صارت تأنس بها فتهديها ابتسامة نقية تدللها ديمة بصوتها المغناج بطبيعته :
_(تقبري قلبي)..
تقولها وهي تجذبها برفق نحو الخارج..
تردف بثرثرتها الحيوية التي صارت أكثر ما يعجب فجر فيها :
_انظري ماذا أعددت للفطور؟! وصفة جديدة (تجنن).. حسام كان سيتناول الطعام معنا لكن ظهرت له مكالمة من تحت الأرض جعلته يهرول ليخرج.. يالله! صرت أكره الهواتف! يوماَ ما سأكسر هاتفه ذاك كي يبقى معنا كما نحب دون مقاطعة.. أتمنى لو يستطيع الحضور على الغداء.. لم اعد أحب تناول الطعام دونه.. وهو الآخر صار لا يستطيب طعاماَ إلا معنا.. لا اعرف كيف عاش كل هذه السنوات دوننا.. سند لم يستيقظ بعد وأنا اعرف أنك ستريدين انتظاره لنفطر معاَ.. لهذا احضرت لك (تصبيرة).. مع كوب شاي ساخن في الحديقة.. أعرف كم سيعجبك هذا فأنتِ تحبين الشتاء على عكسي أنا.. أبغضه لأنه يذكرني ب..
تقطع ديمة ثرثرتها فجأة بضحكة مكتومة فضحت خجلها:
_يالله! صارت ثرثرتي مزعجة حقاَ! كله بسبب أخيكِ! أفسدني دلاله!
تهز لها فجر رأسها.. لا ترى ملامحها لكنها رسمت لها أجمل صورة ممكنة.. تمد أناملها ببطء تتحسس وجه ديمة وقد صارت طريقتها في التعرف على انفعالات المحيطين.. تقول بنبرة بشوشة:
_لا تقولي هذا.. أنا أحب عفويتك هذه!
تشعر ببسمة ديمة الصادقة تطوقها فتتنهد لتسألها بشرود :
_لماذا تكرهين الشتاء؟!
_يذكرني بفترة قاسية عشتها.. لا اريد الحديث عنها.. لا.. لا.. لن أتكلم عنها أبداً ولو كنت قد صرت (رغاية) كما تقولونها! هذا هو الدرس الذي تعلمته.. ألا أستمر في الحديث عن الماضي كي يموت وحده.. أتناساه حتى أنساه.
تكتم فجر ابتسامة مريرة وهي تطرق برأسها..
"رسالة مبطنة" أخرى يريدون تمريرها إليها..
تناسيْ حتى تنسي!
ادفني الماضي تحت التراب وازرعي فوق قبره زهرة!
ألا يفهمون أن لكل حالة ظروفها؟!
أن ما يفعلونه يشبه كثيراً خياطة جرح دون تطهيره!
لكنها من جديد تغتصب ابتسامة أوسع وهي تهز رأسها:
_معك حق.. هكذا أفعل أنا أيضاَ.
لم تستطع رؤية نظرات ديمة المشفقة ولا عينيها الدامعتين..
لم تكن غافلة أو متساهلة مع جرح كجرحها لكنها بكل صدق كانت تريدها أن تنسى.. أن تتجاوز.. كما فعلت هي!
ماضيها ليس بهيّن أبداً.. لكن هل كان ماضيها هي كذلك؟!
تغمض عينيها بقوة وهي تهز رأسها كأنها تنفض عنها الذكريات..
خدعتها نبرة فجر المرحة :
_جوّعتني برائحة الأكل ثم أخذكِ الكلام.
تشهق ديمة بما يشبه الاعتذار وهي تمسك كفها برفق تتوجه بها نحو حديقة البيت الخارجية.. كفها الآخر يرفع ما تحمله :
_آسفة! آسفة! حالاً نجلس ونأكل.
تصلان أخيراَ لمائدة مربعة في طرف الحديقة جوار سور البيت أعدتها ديمة لجلسات تشبه هذه..
تستقر عليها فجر وهي تأخذ نفساَ عميقاَ من رائحة الهواء المميزة..
ستمطر الآن!
صارت تشم رائحة المطر المميزة من بعيد وإن لم تعد ترى أثره!
تسمع حركات الخادمة مع ديمة تعدان المائدة..
تمد أناملها بحرص تعلمته كي تتناول كوبها الساخن دون مساعدة..
_تمهلي.. أنا أناولك إياه.. لا يلسع يدك.
تهتف بها الخادمة ميسرة لكن فجر تضع قناع ابتسامتها من جديد :
_يمكنني فعلها وحدي
لم تر ابتسامة ديمة لكنها شعرت بها وهي تربت على كتفها هاتفة :
_عندي لك مفاجأة..حسام أحضر لكِ هاتفاَ جديداً و مادمتِ تريدين خوض تجربة الخروج وحدك وتحسباَ لأي شيء.. لقد حملت لك تطبيقاً اسمه (Be my eyes) مخصص للمكفوفين وضعاف البصر لمساعدتهم في أي وقت.. عندما تطلبين المساعدة يقوم التطبيق بإخطار المتطوعين المبصرين.. أول متطوع يستجيب ويتصل بك ويستقبل اتصالاً من الكاميرا الخلفية لهاتفك يجعله يخبرك بكل ما حولك ويساعدك في ما تريدينه.
حماس ديمة الحار يقابل فتوراَ بارداَ داخلها..
هواتف ذكية.. برامج.. مواقع تواصل..
عالمٌ بأسره كانت غائبة عنه منذ قرابة عشر سنوات!
كم تشعر بالغربة كانهم صاروا يتحدثون لغة غير لغتها!
تستمر ديمة في ثرثرتها فتمنحها ابتسامة خادعة جديد..
لكنها تستسلم لعقلها يسحبها بخفة لبقعته الآمنة..
ذكرياتها الأولى مع (الحبيب العدو).. (الحامي والسجان)..
أيام كانت هي ترى..
كانت الصورة واضحة..
لم تمتد إليها يد الزمن فتشوش كل تفاصيلها..
يومها كانت ذاهبة لوالدها في المحل الرئيسي لسلسلة محلاته التي فتحها في العاصمة بعد قدومهم من الصعيد..
كانت تريد ان تخبره بنتيجة اختباراتها وأنها الأولى على أقرانها كي ترى في عينيه النظرة التي بخل بها عليها دوماَ..
_(يسعد لي هالصباح)
صوت ديمة العاطفي الدافئ بطبيعته يداعب أذنها مع رائحة شهية تصل لأنفها..
تشعر بقبلة ديمة على خدها في عادة صباحية صارت تأنس بها فتهديها ابتسامة نقية تدللها ديمة بصوتها المغناج بطبيعته :
_(تقبري قلبي)..
تقولها وهي تجذبها برفق نحو الخارج..
تردف بثرثرتها الحيوية التي صارت أكثر ما يعجب فجر فيها :
_انظري ماذا أعددت للفطور؟! وصفة جديدة (تجنن).. حسام كان سيتناول الطعام معنا لكن ظهرت له مكالمة من تحت الأرض جعلته يهرول ليخرج.. يالله! صرت أكره الهواتف! يوماَ ما سأكسر هاتفه ذاك كي يبقى معنا كما نحب دون مقاطعة.. أتمنى لو يستطيع الحضور على الغداء.. لم اعد أحب تناول الطعام دونه.. وهو الآخر صار لا يستطيب طعاماَ إلا معنا.. لا اعرف كيف عاش كل هذه السنوات دوننا.. سند لم يستيقظ بعد وأنا اعرف أنك ستريدين انتظاره لنفطر معاَ.. لهذا احضرت لك (تصبيرة).. مع كوب شاي ساخن في الحديقة.. أعرف كم سيعجبك هذا فأنتِ تحبين الشتاء على عكسي أنا.. أبغضه لأنه يذكرني ب..
تقطع ديمة ثرثرتها فجأة بضحكة مكتومة فضحت خجلها:
_يالله! صارت ثرثرتي مزعجة حقاَ! كله بسبب أخيكِ! أفسدني دلاله!
تهز لها فجر رأسها.. لا ترى ملامحها لكنها رسمت لها أجمل صورة ممكنة.. تمد أناملها ببطء تتحسس وجه ديمة وقد صارت طريقتها في التعرف على انفعالات المحيطين.. تقول بنبرة بشوشة:
_لا تقولي هذا.. أنا أحب عفويتك هذه!
تشعر ببسمة ديمة الصادقة تطوقها فتتنهد لتسألها بشرود :
_لماذا تكرهين الشتاء؟!
_يذكرني بفترة قاسية عشتها.. لا اريد الحديث عنها.. لا.. لا.. لن أتكلم عنها أبداً ولو كنت قد صرت (رغاية) كما تقولونها! هذا هو الدرس الذي تعلمته.. ألا أستمر في الحديث عن الماضي كي يموت وحده.. أتناساه حتى أنساه.
تكتم فجر ابتسامة مريرة وهي تطرق برأسها..
"رسالة مبطنة" أخرى يريدون تمريرها إليها..
تناسيْ حتى تنسي!
ادفني الماضي تحت التراب وازرعي فوق قبره زهرة!
ألا يفهمون أن لكل حالة ظروفها؟!
أن ما يفعلونه يشبه كثيراً خياطة جرح دون تطهيره!
لكنها من جديد تغتصب ابتسامة أوسع وهي تهز رأسها:
_معك حق.. هكذا أفعل أنا أيضاَ.
لم تستطع رؤية نظرات ديمة المشفقة ولا عينيها الدامعتين..
لم تكن غافلة أو متساهلة مع جرح كجرحها لكنها بكل صدق كانت تريدها أن تنسى.. أن تتجاوز.. كما فعلت هي!
ماضيها ليس بهيّن أبداً.. لكن هل كان ماضيها هي كذلك؟!
تغمض عينيها بقوة وهي تهز رأسها كأنها تنفض عنها الذكريات..
خدعتها نبرة فجر المرحة :
_جوّعتني برائحة الأكل ثم أخذكِ الكلام.
تشهق ديمة بما يشبه الاعتذار وهي تمسك كفها برفق تتوجه بها نحو حديقة البيت الخارجية.. كفها الآخر يرفع ما تحمله :
_آسفة! آسفة! حالاً نجلس ونأكل.
تصلان أخيراَ لمائدة مربعة في طرف الحديقة جوار سور البيت أعدتها ديمة لجلسات تشبه هذه..
تستقر عليها فجر وهي تأخذ نفساَ عميقاَ من رائحة الهواء المميزة..
ستمطر الآن!
صارت تشم رائحة المطر المميزة من بعيد وإن لم تعد ترى أثره!
تسمع حركات الخادمة مع ديمة تعدان المائدة..
تمد أناملها بحرص تعلمته كي تتناول كوبها الساخن دون مساعدة..
_تمهلي.. أنا أناولك إياه.. لا يلسع يدك.
تهتف بها الخادمة ميسرة لكن فجر تضع قناع ابتسامتها من جديد :
_يمكنني فعلها وحدي
لم تر ابتسامة ديمة لكنها شعرت بها وهي تربت على كتفها هاتفة :
_عندي لك مفاجأة..حسام أحضر لكِ هاتفاَ جديداً و مادمتِ تريدين خوض تجربة الخروج وحدك وتحسباَ لأي شيء.. لقد حملت لك تطبيقاً اسمه (Be my eyes) مخصص للمكفوفين وضعاف البصر لمساعدتهم في أي وقت.. عندما تطلبين المساعدة يقوم التطبيق بإخطار المتطوعين المبصرين.. أول متطوع يستجيب ويتصل بك ويستقبل اتصالاً من الكاميرا الخلفية لهاتفك يجعله يخبرك بكل ما حولك ويساعدك في ما تريدينه.
حماس ديمة الحار يقابل فتوراَ بارداَ داخلها..
هواتف ذكية.. برامج.. مواقع تواصل..
عالمٌ بأسره كانت غائبة عنه منذ قرابة عشر سنوات!
كم تشعر بالغربة كانهم صاروا يتحدثون لغة غير لغتها!
تستمر ديمة في ثرثرتها فتمنحها ابتسامة خادعة جديد..
لكنها تستسلم لعقلها يسحبها بخفة لبقعته الآمنة..
ذكرياتها الأولى مع (الحبيب العدو).. (الحامي والسجان)..
أيام كانت هي ترى..
كانت الصورة واضحة..
لم تمتد إليها يد الزمن فتشوش كل تفاصيلها..
يومها كانت ذاهبة لوالدها في المحل الرئيسي لسلسلة محلاته التي فتحها في العاصمة بعد قدومهم من الصعيد..
كانت تريد ان تخبره بنتيجة اختباراتها وأنها الأولى على أقرانها كي ترى في عينيه النظرة التي بخل بها عليها دوماَ..
❤19
(نظرة الفخر)
لكنه لم يبدِ اهتماماَ وهو يبتسم لها بفتور بينما يتخذ مجلسه على مكتبه مكتفياَ بقوله (جيد.. طوال عمرك ذكية).
كعهده يحمل مدحه النادر رنة خيبة صارت تعرف مكمنها..
هو كان يتمنى الولد الذكر وهي كانت البديل المخزي بعقلية رجل مثله!
لكنها ابتلعت خيبتها وقتها بمهارة وهي تجلس قبالته على المكتب تهتف بحماس:
_أعمل معك هنا إذن.. أمسك الحسابات.
زفرته المشتعلة كعهده لا تمنح رفضاَ ولا قبولاَ..
تتأهب لمناقشته لكن حضور ذاك الوافد يقاطعها..
_فهمي! لماذا لا تلتزم بالزي الرسمي كزملائك؟!
التفتت بعفوية لتصطدم بملامح الشاب التي اختلطت فيها الوسامة بالجاذبية بالخطورة في مزيج كانت تراه لأول مرة!
أعجبها تمرده رغم تهذيب نبرته وهو يخاطب أباها :
_لكنني لا ألتقي بالعملاء.. عملي كله في مكتب مغلق.. لماذا أقيد نفسي بزي رسمي ورابطة عنق؟!
التفتت نحو أبيها بتأهب لما سيفعله ولم يخذلها عناده الصارم :
_لأن القواعد تسري على الجميع.. اذهب وارتد رابطة عنقك ثم سلمني الأوراق نراجعها معاَ.
آه! هذا هو فهمي إذن! سمعت اباها يحدث أمها عنه منذ أيام قائلاً عنه:
(ولد عبقري.. تصوري أنه يحمل وحده عمل ثلاثة موظفين ويجيده بمهارة!)
هكذا سمعته وقتها مندهشة فلم يكن أبوها يبدي انبهاراَ كبيراَ بموظفيه خاصة الجدد منهم..
لكن فهمي كان الاستثناء!
رأته وهو يطيع والدها ليذهب ويعود برابطة عنقه التي تركها متهدلة دون عقد في شارة تمرد صامتة.. تعمدت البقاء تراقب مناقشتهما معاَ وقد بدا هو غافلاً تماماَ عنها كأنها لا تفرق شيئاَ عن الكرسي الذي تجلس عليه..
غادر مكتب أبيها أخيراَ فراقبت ظهره المنصرف بفضول، ثم استأذنت من أبيها لتغادر راجية إياه ان يعيد التفكير بجدية في عملها هنا معه..
لكن زفرته المشتعلة كانت جوابه من جديد!
غادرت مكتب أبيها وقد كادت تنسى ما كان بالداخل.. لكنها ما كادت تمر جوار غرفة بعيدة نسبياَ حتى رأته عبر الباب الموارب.. فهمي!
يخلع رابطة عنقه بنزق ليلقيها أرضاَ ثم يدوس عليها عدة مرات بقدمه!
من جديد أعجبها تمرده!
تمردٌ تملك هي مثله سراَ من زمن بعيد وودت لو تطلق سراحه!
لهذا ابتسمت وهي تكاد تمضي لحال سبيلها لكنه التفت فجأة لتلتقي عيناهما..
عيناه لم تحملا خوفاَ أو حرجاَ كما يفترض..
بل تقدم نحوها ليفتح الباب كاملاً، يسألها مباشرة دون مقدمات :
_ستخبرينه؟!
يعني أباها؟! يظنها حقاَ ستشي به؟!
المزيد من الإعجاب بهذه النظرة المتمردة في عينيه يدفعها لتهز رأسها نفياَ دون المزيد قبل أن تعطيه ظهرها لتكمل طريقها..
لكنها وجدته فجأة أمامها..
العينان المتمردتان تتشحان بإعجاب لم يخطئه (رادار) أنوثتها..
وابتسامته الجريئة تشبه قوله :
_أنتِ إذن فجر ؟!
قالها كأنها حديث الدنيا كلها!!
كأنها خارقة كونية وقع عليها بصره مصادفة!!
كأنها أول أحلامه.. وآخرها!!
هكذا حقاَ كانت تشعر أنها لديه من أول مرة قابلته فيها.. وحتى آخر مرة!
شهقة خافتة لم تملكها تكتسحها وهي ترفع كفيها نحو وجهها فجأة كانها يمكنها رؤيتهما..
تراهما.. تراهما ملطخين بدمه مهما غسلتهما!
_فجر! أنتِ بخير؟! لماذا ترفعين كفيك هكذا؟!
تسألها ديمة بقلق، فتستغيث بقناع ابتسامتها الخادع تدفن خلفه وجعها وترد :
_نعم.. فقط جعت.. أردت أن أتناول قطعة من معجناتك.
هدوؤها يخدع ديمة حقاَ فيصلها صوت ضحكتها المعتذرة وهي تقرب الطبق من يدها قائلة :
_قولي رأيك دون مجاملة.
تبدي استحساناَ مبالغاَ فيه وهي تترك العنان لإطراءات لسانها خلف قناع ابتسامتها الهادئ..
بينما قلبها يغوص أكثر داخل دوامة آلامه..
وآثامه!
أجل.. حبٌ كحبها ظنته يوماَ جهاداَ.. لكنه صار إثماَ لا تظن العمر يكفي لكفّارته!
تصمت وتسكت!
فقد صارت تعرف كيف تدفن هي الوجع حياَ داخل قبر الصمت ..
وكيف يدفنها هو حية داخل قبر السكوت!
صوت سند ينادي ديمة من الداخل يصل إليها فلا تتعجب هرولة الأخيرة لتتركها وحدها مع ميسرة التي بادرتها بسؤالها الحنون :
_تشعرين بالبرد؟!
_لا أظنني أدفأ أبداَ.
ودت لو تصرخ بها..!!
لكنها غلفتها بابتسامتها الخادعة واستبدلتها ب(لا.. ابداَ.. هل تتركيني وحدي قليلاَ أستمتع بالمطر؟! )
تربت ميسرة على كتفها وقد أدركت منذ فترة حبها للانفراد بنفسها أحيانا.. فتقول بحنانها المعهود:
_ طيب.. لكن لو احتجتِ شيئاَ رني على هاتفي.
تتنهد وهي تشعر بها تبتعد..
تتحسس هاتفاَ ما على المائدة بموديل قديم خصصوه لها وقد رأوه الأنسب لحالتها..
كل زر فيه تضغطه لمدة طويلة يفعّل الاتصال السريع بأحدهم..
واحد لحسام.. اثنان لديمة.. ثلاثة لميسرة..
هكذا بالضبط صار تواصلها مع الأحبة..
عبر ضغطة طويلة على زر بارد..
كيف يمكن أن يقرّب هذا بعيداَ ولو ظنوا غير هذا؟!
لكنه لم يبدِ اهتماماَ وهو يبتسم لها بفتور بينما يتخذ مجلسه على مكتبه مكتفياَ بقوله (جيد.. طوال عمرك ذكية).
كعهده يحمل مدحه النادر رنة خيبة صارت تعرف مكمنها..
هو كان يتمنى الولد الذكر وهي كانت البديل المخزي بعقلية رجل مثله!
لكنها ابتلعت خيبتها وقتها بمهارة وهي تجلس قبالته على المكتب تهتف بحماس:
_أعمل معك هنا إذن.. أمسك الحسابات.
زفرته المشتعلة كعهده لا تمنح رفضاَ ولا قبولاَ..
تتأهب لمناقشته لكن حضور ذاك الوافد يقاطعها..
_فهمي! لماذا لا تلتزم بالزي الرسمي كزملائك؟!
التفتت بعفوية لتصطدم بملامح الشاب التي اختلطت فيها الوسامة بالجاذبية بالخطورة في مزيج كانت تراه لأول مرة!
أعجبها تمرده رغم تهذيب نبرته وهو يخاطب أباها :
_لكنني لا ألتقي بالعملاء.. عملي كله في مكتب مغلق.. لماذا أقيد نفسي بزي رسمي ورابطة عنق؟!
التفتت نحو أبيها بتأهب لما سيفعله ولم يخذلها عناده الصارم :
_لأن القواعد تسري على الجميع.. اذهب وارتد رابطة عنقك ثم سلمني الأوراق نراجعها معاَ.
آه! هذا هو فهمي إذن! سمعت اباها يحدث أمها عنه منذ أيام قائلاً عنه:
(ولد عبقري.. تصوري أنه يحمل وحده عمل ثلاثة موظفين ويجيده بمهارة!)
هكذا سمعته وقتها مندهشة فلم يكن أبوها يبدي انبهاراَ كبيراَ بموظفيه خاصة الجدد منهم..
لكن فهمي كان الاستثناء!
رأته وهو يطيع والدها ليذهب ويعود برابطة عنقه التي تركها متهدلة دون عقد في شارة تمرد صامتة.. تعمدت البقاء تراقب مناقشتهما معاَ وقد بدا هو غافلاً تماماَ عنها كأنها لا تفرق شيئاَ عن الكرسي الذي تجلس عليه..
غادر مكتب أبيها أخيراَ فراقبت ظهره المنصرف بفضول، ثم استأذنت من أبيها لتغادر راجية إياه ان يعيد التفكير بجدية في عملها هنا معه..
لكن زفرته المشتعلة كانت جوابه من جديد!
غادرت مكتب أبيها وقد كادت تنسى ما كان بالداخل.. لكنها ما كادت تمر جوار غرفة بعيدة نسبياَ حتى رأته عبر الباب الموارب.. فهمي!
يخلع رابطة عنقه بنزق ليلقيها أرضاَ ثم يدوس عليها عدة مرات بقدمه!
من جديد أعجبها تمرده!
تمردٌ تملك هي مثله سراَ من زمن بعيد وودت لو تطلق سراحه!
لهذا ابتسمت وهي تكاد تمضي لحال سبيلها لكنه التفت فجأة لتلتقي عيناهما..
عيناه لم تحملا خوفاَ أو حرجاَ كما يفترض..
بل تقدم نحوها ليفتح الباب كاملاً، يسألها مباشرة دون مقدمات :
_ستخبرينه؟!
يعني أباها؟! يظنها حقاَ ستشي به؟!
المزيد من الإعجاب بهذه النظرة المتمردة في عينيه يدفعها لتهز رأسها نفياَ دون المزيد قبل أن تعطيه ظهرها لتكمل طريقها..
لكنها وجدته فجأة أمامها..
العينان المتمردتان تتشحان بإعجاب لم يخطئه (رادار) أنوثتها..
وابتسامته الجريئة تشبه قوله :
_أنتِ إذن فجر ؟!
قالها كأنها حديث الدنيا كلها!!
كأنها خارقة كونية وقع عليها بصره مصادفة!!
كأنها أول أحلامه.. وآخرها!!
هكذا حقاَ كانت تشعر أنها لديه من أول مرة قابلته فيها.. وحتى آخر مرة!
شهقة خافتة لم تملكها تكتسحها وهي ترفع كفيها نحو وجهها فجأة كانها يمكنها رؤيتهما..
تراهما.. تراهما ملطخين بدمه مهما غسلتهما!
_فجر! أنتِ بخير؟! لماذا ترفعين كفيك هكذا؟!
تسألها ديمة بقلق، فتستغيث بقناع ابتسامتها الخادع تدفن خلفه وجعها وترد :
_نعم.. فقط جعت.. أردت أن أتناول قطعة من معجناتك.
هدوؤها يخدع ديمة حقاَ فيصلها صوت ضحكتها المعتذرة وهي تقرب الطبق من يدها قائلة :
_قولي رأيك دون مجاملة.
تبدي استحساناَ مبالغاَ فيه وهي تترك العنان لإطراءات لسانها خلف قناع ابتسامتها الهادئ..
بينما قلبها يغوص أكثر داخل دوامة آلامه..
وآثامه!
أجل.. حبٌ كحبها ظنته يوماَ جهاداَ.. لكنه صار إثماَ لا تظن العمر يكفي لكفّارته!
تصمت وتسكت!
فقد صارت تعرف كيف تدفن هي الوجع حياَ داخل قبر الصمت ..
وكيف يدفنها هو حية داخل قبر السكوت!
صوت سند ينادي ديمة من الداخل يصل إليها فلا تتعجب هرولة الأخيرة لتتركها وحدها مع ميسرة التي بادرتها بسؤالها الحنون :
_تشعرين بالبرد؟!
_لا أظنني أدفأ أبداَ.
ودت لو تصرخ بها..!!
لكنها غلفتها بابتسامتها الخادعة واستبدلتها ب(لا.. ابداَ.. هل تتركيني وحدي قليلاَ أستمتع بالمطر؟! )
تربت ميسرة على كتفها وقد أدركت منذ فترة حبها للانفراد بنفسها أحيانا.. فتقول بحنانها المعهود:
_ طيب.. لكن لو احتجتِ شيئاَ رني على هاتفي.
تتنهد وهي تشعر بها تبتعد..
تتحسس هاتفاَ ما على المائدة بموديل قديم خصصوه لها وقد رأوه الأنسب لحالتها..
كل زر فيه تضغطه لمدة طويلة يفعّل الاتصال السريع بأحدهم..
واحد لحسام.. اثنان لديمة.. ثلاثة لميسرة..
هكذا بالضبط صار تواصلها مع الأحبة..
عبر ضغطة طويلة على زر بارد..
كيف يمكن أن يقرّب هذا بعيداَ ولو ظنوا غير هذا؟!
❤21
وفي مكانه عبر السور القصير يراقبها (فيصل) من بعيد..
قلبه يخفق بهذه المعزوفة التي ما عرفها يوماَ إلا معها هي!
ما الذي أتى به هنا؟!
أما اكتفى من الجنون؟!
عقلٌ يوبخ.. وقلب يرجو..
والغلبة تكون للأخير فمرحباَ بالجنون!
يقفز عبر السور القصير دون تحفظ لتحمله خطواته نحوها كزهرة دوار شمس تميل اوراقها حيث شمسها..
وهي دوماَ كانت شمسه!
هي التي كانت غافلة عنه تريح رأسها على ظهر مقعدها..
المطر صار يهطل حولها فتأخذ نفسا عميقا تكتفي أن تملأ أنفها برائحته ما دامت فقدت القدرة على ابصار كل ما حولها ...رائحة المطر التي تختلط الآن برائحة أخرى تخترقها ..تكتسحها دون هوادة ..
رائحة عطر قديم لا تزال تذكرها وإن نسيت صاحبها مع ما نسيته ..
هو؟! هو من جديد؟!
_عدت؟!
تدمع عيناها وهي تحاول عبثا ألا تنطق الكلمة اللعينة التي تكفي وحدها لينهار السد الذي تحاول رفعه يوما بعد يوم ..
لكنه يسمعها رغم خفوتها غافلا عما تعانيه ..فيقترب منها أكثر قائلا:
_دوما سأعود .
_لماذا تكررها هكذا كل مرة ؟!
تهتف بها بانفعال وأناملها تتشبث بمقبضي كرسيها فيصلها صوته الدافئ المتشح بعتاب لم تفهمه:
_لا أعرف جوابا غيرها ..صدقيني ..طوال عمري لم أعرف معك بالذات سوى هذا الجواب لهذا السؤال .
_طوال عمرك؟!
تكررها بخفوت ثم تهز رأسها كأنها تحاول التذكر :
_من أنت ؟!
لا يصلها منه سوى تنهيدة حارقة بدت وكأنها كوت ضلوعه كيا..
يتجاهل سؤالها ليصلها صوته مفعما بالشجن كأنه فر من أسطورة عشق غابرة :
_تعرفين أنني أكره المطر بسببك؟!
_بسببي أنا ؟!
تتمتم بها عاجزة عن رؤية الماضي المتوهج في عينيه وهو يجيبها :
_في طفولتنا، بنيت لك أول بيت من طمي على شط البحيرة، زينته بالقش وبقايا الأخشاب والحشيش الأخضر، لكن المطر أغرقه.. من يومها وأنا أكره المطر مهما أحبه الناس وقد اعتبرته أول خصيم لي في حبك.. كيف لا ؟! وقد منعني من الاحتفاظ ببيت لك.. ولو من طمي!
تشعر بهذه الغصة في حلقها وهي تشعر بنبرته تجمدها مكانها ..خاصة وهو يردف بنبرة حازمة بدت وكأنها تزلزل الأرض تحت قدميهما:
_أكرهه وأكرر قسمي له كل مرة ينزل فيها فوق رأسي..يوما ما سأبني بيتا لك لا يهدمه أي شيء ..يوما ما لن يكون المطر عدوي بل شاهدي ..شاهد على قلب لم ولن يحلم بسواك تسكن بيته .
تنكمش على نفسها فطريا وهي تشعر بقوة عاطفته قبل كلماته ..فتهرب بهمسها المرتجف:
_لست حقيقيا ..أنا أتخيلك !
_هل هذا ما تظنينه حقا؟! لا تتذكرين مني أي شيء؟!
تهز رأسها نفيا لتهتف بصوت متهدج:
_قل من أنت أو ارحل فورا .
لا يصلها منه رد فتهم بالصراخ كي تنادي خادمتها لكنها تتراجع ..لا تفهم لماذا صارت تخشاه إلى هذا الحد ..رائحة عطره تبتعد فتشعر بمزيج غريب من وحشة وارتياح ..ربما لهذا فوجئت بنفسها قبله ترفع كفها و تهتف بانفعال:
_انتظر ! ...أنا ..أنا أذكرك .
لا يدري كيف قطع الخطوات التي تفصله عنها فجأة ليجلس على ركبتيه أمامها ..عيناه تعانقان تفاصيل وجهها بعشق هادر ..أنفاسه تنصهر بأنفاسها في التحام مجنون يثير المزيد العجيب هذا من خوفها و..أنسها !
صوته لاهث ..مرتعد ..يحلق بينهما كصقر مكسور الجناحين:
_تذكرين ؟! ماذا تذكرين؟!
تزدرد ريقها الجاف بصعوبة وهي تتراجع في كرسيها هامسة :
_عطرك ..فقط عطرك .
لم تر الخيبة التي دمعت معها عيناه لكنها شعرت بأثرها في همسه:
_يكفيني .
تشعر به يقف من جديد فتتأهب حواسها وهي تسمعه يردف بحزمه الرفيق:
_مؤقتا .
تنفرج شفتاها وهي على وشك الكلام لكنها تشعر بهذا الثقل على كتفيها يفسره صوته الدافئ بعتابه:
_دعي سترتي على كتفيك كي لا تبردي ..وكي لا تنسي عطري أيضا مع ما نسيته!
_من أنت؟!
تتمتم بها من جديد وهي تشعر بعطره الغازي يكتسحها بضراوة..
فيصلها صوته كأنه يعدها بما بقي من العمر :
_يوماَ ما.. يوماَ ما قريباَ جداَ.. سأحكي لك قصة أنتِ بطلتها.
======
مصر.. القاهرة
_يارب صبحنا وربحنا.. وبين عبيدك لا تفضحنا!
تتمتم بها حسناء لنفسها بمرحها المعهود وهي تصعد الدرج نحو سطح بيتها البسيط..
أجل.. الآن فقط صار بيتها!
استطاعت شراءه لأمها بثمن سنوات غربتها السابقة والتي لا تعرف هل ستستمر أم تكتفي وتعود لبلدها هنا؟!
تهز ذراعها لتستمتع بخشخشة أساورها الذهبية التي يطربها صوتها كأنه يمنحها جواباَ لا تريده..
إلى متى سيضيع عمرها كدحاَ خلف المال؟!
آه يا سلام..
سبنا الوقت يعدي قوام
ماحسبناش اللحظة الجاية..
ده اسمه كلام؟!
عشنا العمر نربي حمام
بس نسينا نقوم (غيّة)!
تدندن بها بصوتها الجميل وهي تتوجه نحو (غيّة حمام) قريبة اعتادت من صغرها أن توجد هنا..
تضع الطبق الذي تحمله هناك لتستمتع بالصوت الحبيب الذي ألفته منذ طفولتها والذي اشتاقته صباحاتها في كل أيام غربتها..
قلبه يخفق بهذه المعزوفة التي ما عرفها يوماَ إلا معها هي!
ما الذي أتى به هنا؟!
أما اكتفى من الجنون؟!
عقلٌ يوبخ.. وقلب يرجو..
والغلبة تكون للأخير فمرحباَ بالجنون!
يقفز عبر السور القصير دون تحفظ لتحمله خطواته نحوها كزهرة دوار شمس تميل اوراقها حيث شمسها..
وهي دوماَ كانت شمسه!
هي التي كانت غافلة عنه تريح رأسها على ظهر مقعدها..
المطر صار يهطل حولها فتأخذ نفسا عميقا تكتفي أن تملأ أنفها برائحته ما دامت فقدت القدرة على ابصار كل ما حولها ...رائحة المطر التي تختلط الآن برائحة أخرى تخترقها ..تكتسحها دون هوادة ..
رائحة عطر قديم لا تزال تذكرها وإن نسيت صاحبها مع ما نسيته ..
هو؟! هو من جديد؟!
_عدت؟!
تدمع عيناها وهي تحاول عبثا ألا تنطق الكلمة اللعينة التي تكفي وحدها لينهار السد الذي تحاول رفعه يوما بعد يوم ..
لكنه يسمعها رغم خفوتها غافلا عما تعانيه ..فيقترب منها أكثر قائلا:
_دوما سأعود .
_لماذا تكررها هكذا كل مرة ؟!
تهتف بها بانفعال وأناملها تتشبث بمقبضي كرسيها فيصلها صوته الدافئ المتشح بعتاب لم تفهمه:
_لا أعرف جوابا غيرها ..صدقيني ..طوال عمري لم أعرف معك بالذات سوى هذا الجواب لهذا السؤال .
_طوال عمرك؟!
تكررها بخفوت ثم تهز رأسها كأنها تحاول التذكر :
_من أنت ؟!
لا يصلها منه سوى تنهيدة حارقة بدت وكأنها كوت ضلوعه كيا..
يتجاهل سؤالها ليصلها صوته مفعما بالشجن كأنه فر من أسطورة عشق غابرة :
_تعرفين أنني أكره المطر بسببك؟!
_بسببي أنا ؟!
تتمتم بها عاجزة عن رؤية الماضي المتوهج في عينيه وهو يجيبها :
_في طفولتنا، بنيت لك أول بيت من طمي على شط البحيرة، زينته بالقش وبقايا الأخشاب والحشيش الأخضر، لكن المطر أغرقه.. من يومها وأنا أكره المطر مهما أحبه الناس وقد اعتبرته أول خصيم لي في حبك.. كيف لا ؟! وقد منعني من الاحتفاظ ببيت لك.. ولو من طمي!
تشعر بهذه الغصة في حلقها وهي تشعر بنبرته تجمدها مكانها ..خاصة وهو يردف بنبرة حازمة بدت وكأنها تزلزل الأرض تحت قدميهما:
_أكرهه وأكرر قسمي له كل مرة ينزل فيها فوق رأسي..يوما ما سأبني بيتا لك لا يهدمه أي شيء ..يوما ما لن يكون المطر عدوي بل شاهدي ..شاهد على قلب لم ولن يحلم بسواك تسكن بيته .
تنكمش على نفسها فطريا وهي تشعر بقوة عاطفته قبل كلماته ..فتهرب بهمسها المرتجف:
_لست حقيقيا ..أنا أتخيلك !
_هل هذا ما تظنينه حقا؟! لا تتذكرين مني أي شيء؟!
تهز رأسها نفيا لتهتف بصوت متهدج:
_قل من أنت أو ارحل فورا .
لا يصلها منه رد فتهم بالصراخ كي تنادي خادمتها لكنها تتراجع ..لا تفهم لماذا صارت تخشاه إلى هذا الحد ..رائحة عطره تبتعد فتشعر بمزيج غريب من وحشة وارتياح ..ربما لهذا فوجئت بنفسها قبله ترفع كفها و تهتف بانفعال:
_انتظر ! ...أنا ..أنا أذكرك .
لا يدري كيف قطع الخطوات التي تفصله عنها فجأة ليجلس على ركبتيه أمامها ..عيناه تعانقان تفاصيل وجهها بعشق هادر ..أنفاسه تنصهر بأنفاسها في التحام مجنون يثير المزيد العجيب هذا من خوفها و..أنسها !
صوته لاهث ..مرتعد ..يحلق بينهما كصقر مكسور الجناحين:
_تذكرين ؟! ماذا تذكرين؟!
تزدرد ريقها الجاف بصعوبة وهي تتراجع في كرسيها هامسة :
_عطرك ..فقط عطرك .
لم تر الخيبة التي دمعت معها عيناه لكنها شعرت بأثرها في همسه:
_يكفيني .
تشعر به يقف من جديد فتتأهب حواسها وهي تسمعه يردف بحزمه الرفيق:
_مؤقتا .
تنفرج شفتاها وهي على وشك الكلام لكنها تشعر بهذا الثقل على كتفيها يفسره صوته الدافئ بعتابه:
_دعي سترتي على كتفيك كي لا تبردي ..وكي لا تنسي عطري أيضا مع ما نسيته!
_من أنت؟!
تتمتم بها من جديد وهي تشعر بعطره الغازي يكتسحها بضراوة..
فيصلها صوته كأنه يعدها بما بقي من العمر :
_يوماَ ما.. يوماَ ما قريباَ جداَ.. سأحكي لك قصة أنتِ بطلتها.
======
مصر.. القاهرة
_يارب صبحنا وربحنا.. وبين عبيدك لا تفضحنا!
تتمتم بها حسناء لنفسها بمرحها المعهود وهي تصعد الدرج نحو سطح بيتها البسيط..
أجل.. الآن فقط صار بيتها!
استطاعت شراءه لأمها بثمن سنوات غربتها السابقة والتي لا تعرف هل ستستمر أم تكتفي وتعود لبلدها هنا؟!
تهز ذراعها لتستمتع بخشخشة أساورها الذهبية التي يطربها صوتها كأنه يمنحها جواباَ لا تريده..
إلى متى سيضيع عمرها كدحاَ خلف المال؟!
آه يا سلام..
سبنا الوقت يعدي قوام
ماحسبناش اللحظة الجاية..
ده اسمه كلام؟!
عشنا العمر نربي حمام
بس نسينا نقوم (غيّة)!
تدندن بها بصوتها الجميل وهي تتوجه نحو (غيّة حمام) قريبة اعتادت من صغرها أن توجد هنا..
تضع الطبق الذي تحمله هناك لتستمتع بالصوت الحبيب الذي ألفته منذ طفولتها والذي اشتاقته صباحاتها في كل أيام غربتها..
❤17
هديل الحمام هنا لا يشبه نظيره في مكان آخر!
طالما تعلقت من صغرها بالحمام بالذات!
كانت أمها - ولا تزال- مهووسة بتربية الطيور هنا على السطح بكل أنواعها.. لكنها هي كانت تجد في الحمام رفيقاَ وملهماَ..
الكيان الصغير الذي يغادر بيته محلقاَ نحو المجهول ليعود آخر النهار دون أن يضل طريقه.
_لماذا نسمي بيت الحمام (غيّة)؟!
سألتها يوماَ لأمها ببراءة طفولتها لترد الأخيرة ببساطتها المعهودة :
_هكذا علمونا! يقولون أن الحمام عندما يغادر بيته الذي يعرفه عندما يصادف حماماَ شارداَ لا يعرف بيته يغويه ويعود به لبيت صاحبه الاول.. هكذا يغادر فرخ الحمام بيته فرداَ ليعود ومعه واحد أو اكثر..يزداد بهما الخير والبركة.
تتنهد بحرارة مع الذكرى الأخيرة وهي تتحسس عنقها ببعض الأسى..
كم تمنت لو تكون مثل فرخ الحمام.. تسافر لتعود بوليفها لبيتها فيزداد بهما خيراَ وبركة..
لكنها تبدو كطائر نورس منبوذ يهاجر وحيداَ.. ويعود وحيداَ!
ترفع ذراعها من جديد تستمتع بخشخشة أساوره وعيناها ترسمان حلماَ يراودها ككل البنات..
دبلة ذهبية تحلق حول إصبعها!
لم تحلم يوماَ بفارس عظيم يختطفها على جواد أبيض ويفتح لها بوابة حلم خيالية..
كانت قانعة برجل طيب يسير معها الطريق ويفتح لها مجرد بيت صغير يمنحها الأمان والستر!
لماذا لا يتحقق الحلم على بساطته؟!
صوت صياح ديك قريب ينتزعها من شرودها فترمق أشعة الشمس التي تغزو العتمة بأمل هامسة :
_لعل فرجه قريب.
تشعر بحركة غريبة خلفها فتلتفت بشهقة دهشة لتقابلها ابتسامة الشاب الذي تقدم لتوها نحوها :
_حسناء! آسف لو أخفتك! شعرت بحركة غريبة على السطح فصعدت أستكشف الوضع.
تسبل جفنيها على نظرة حزن ودت لو لم ينتبه إليها..
نظرة ناقضت ابتسامة حنين وعيناها تتعلقان بدبلته في إصبعه..
جارها هذا كان يوما قِبلة قلبها الأولى..
أولى قصص حبها الفاشلة!
رسمت له آلاف السيناريوهات التي عاشا فيها حبيبين..
و كاد الحلم يتحقق عندما سمعت من إحدى معارفهم أنه يريد التقدم لخطبتها..
انتظرته يوماَ ويومين.. شهراَ وشهرين.. عاماَ وعامين..
لتفاجأ بخبر خطبته لإحداهن ذات يوم!
كانت تريد فقط أن تعرف السبب!
لماذا عدل عن خطبتها هي بالذات!
والجواب حملته لها نفس المرأة من معارفهم بنبرة خجلة :
(أمه رفضت أن يتزوج واحدة تعيش وحدها في الغربة)
ساعتها ردت على المرأة ضاحكة أنهم هم ليسوا (وش نعمة!) وأنها ما سافرت إلا كي تبني نفسها ومستقبلها ولا ذنب لها في قذارات أفكارهم..
لكن داخلها كانت صبية تمزق دفترها الوردي وهي تضمد جرحها و.. تبكي!
_مبارك.. عرفت أنك اشتريتِ بيتنا هذا!
ينتزعها بها من شرودها، فترفع له قناعاَ باسماَ وهي ترد له مباركته :
_وأنا عرفت أنك رزقت بتوأم.. يتربيان في عزك.
يتمتم بردّ تقليدي ودت لو لا يتبعه ب(العقبى لك) التي تجرحها دوماَ وكأنهم يعيرونها بها!
وكان لها ما أرادت!
_ألم تكتفي بغربتك؟!
يسألها ناصحاَ لترد بهزة كتف تدعي اللامبالاة :
_ومالها غربتي؟! (حد طايل؟!)
_والدتك كبر سنها.. تحتاجك جوارها وجوار إخوتك.
_آخذهم معي.
بنفس البساطة ترد وهي تتحاشى النظر لعينيه.. فيرد باستسلام :
_الله يوفقك.. لو احتجتِ شيئاَ فلا تترددي من طلبه مني.. نحن تربينا هنا معاَ.. أنا.. أنا أعتبرك كأختي.
هل ارتجف صوته في عبارته الأخيرة أم أنها هي من تتوهم؟!
هل تريد التصديق حقاَ انه ندم على التفريط بها؟!
(أعتبرك كأختي)
تبتسم بغيظ وهي تراقب ظهره المنصرف مستعيدة العديد من قصص الحب الفاشلة التي عاشها قلبها بعده ..
كلها كانت من طرف واحد أيضاَ وانتهت بنفس العبارة المقيتة (أعتبرك كأختي)
_هل أبدو وكأنني ينقصني الإخوة مثلاً! لدي ستة يا مغفلين.. ستة!
تزفر بها بسخط وهي تشعر بلسعة الهواء الباردة تداعب طرف ثوبها فتتمتم بعبارتها المعهودة التي أكثر ما تليق بها الآن) :
(وقفت على السطح.. هز الهوى كُمّي.. كل البنات اتجوزت.. وأنا قاعدة جنب أمي)
يجفلها صياح ديك قريب من الجوار فتأخذ نفساَ عميقاَ وهي تهمس كأنما تقنع نفسها :
_الزواج ليس كل شيء يا بنت يا حسناء.. أنتِ فقط لأنك تربيتِ على ثقافة (الديك هو الأهم في عش الدجاج) تظنين أنه آخر المطاف .. لكن الحقيقة أن.. أن..
تقطع عبارتها وهي تهز رأسها كأنها تكذّب كل ما تقول لتهتف بصوت عالٍ غير مبالية :
_أنا اريد الزوااااااج..
تكمم شفتيها فجأة كأنما عاد إليها إدراكها لترمق الديك الذي غادر (العشة) المقابلة لها متهادياَ بمشيته تحيطه دجاجاته كأنهن جاريات يطفن حول السلطان بنظرة حاقدة :
_تبختر.. تبختر يا أخي.. من مثلك هنا؟!
يعلو صوت صياحه كأنه يغيظها فتهشه ودجاجاته تدخلهم العش من جديد.. تغلق بوابته خلفهم بعدما تضع لهم الطعام..
_ديك ياربي.. هو ديك واحد أدخله عشي ولن أسمح لدجاجة واحدة أخرى أن تقترب منه.. كثيرٌ عليّ ديك؟!
ترفع بها كفيها للسماء في وضع الدعاء قبل ان يصل إليها صوت طرق عنيف يأتي من الأسفل..
_معقول ؟! بهذه السرعة أتى الديك؟!
طالما تعلقت من صغرها بالحمام بالذات!
كانت أمها - ولا تزال- مهووسة بتربية الطيور هنا على السطح بكل أنواعها.. لكنها هي كانت تجد في الحمام رفيقاَ وملهماَ..
الكيان الصغير الذي يغادر بيته محلقاَ نحو المجهول ليعود آخر النهار دون أن يضل طريقه.
_لماذا نسمي بيت الحمام (غيّة)؟!
سألتها يوماَ لأمها ببراءة طفولتها لترد الأخيرة ببساطتها المعهودة :
_هكذا علمونا! يقولون أن الحمام عندما يغادر بيته الذي يعرفه عندما يصادف حماماَ شارداَ لا يعرف بيته يغويه ويعود به لبيت صاحبه الاول.. هكذا يغادر فرخ الحمام بيته فرداَ ليعود ومعه واحد أو اكثر..يزداد بهما الخير والبركة.
تتنهد بحرارة مع الذكرى الأخيرة وهي تتحسس عنقها ببعض الأسى..
كم تمنت لو تكون مثل فرخ الحمام.. تسافر لتعود بوليفها لبيتها فيزداد بهما خيراَ وبركة..
لكنها تبدو كطائر نورس منبوذ يهاجر وحيداَ.. ويعود وحيداَ!
ترفع ذراعها من جديد تستمتع بخشخشة أساوره وعيناها ترسمان حلماَ يراودها ككل البنات..
دبلة ذهبية تحلق حول إصبعها!
لم تحلم يوماَ بفارس عظيم يختطفها على جواد أبيض ويفتح لها بوابة حلم خيالية..
كانت قانعة برجل طيب يسير معها الطريق ويفتح لها مجرد بيت صغير يمنحها الأمان والستر!
لماذا لا يتحقق الحلم على بساطته؟!
صوت صياح ديك قريب ينتزعها من شرودها فترمق أشعة الشمس التي تغزو العتمة بأمل هامسة :
_لعل فرجه قريب.
تشعر بحركة غريبة خلفها فتلتفت بشهقة دهشة لتقابلها ابتسامة الشاب الذي تقدم لتوها نحوها :
_حسناء! آسف لو أخفتك! شعرت بحركة غريبة على السطح فصعدت أستكشف الوضع.
تسبل جفنيها على نظرة حزن ودت لو لم ينتبه إليها..
نظرة ناقضت ابتسامة حنين وعيناها تتعلقان بدبلته في إصبعه..
جارها هذا كان يوما قِبلة قلبها الأولى..
أولى قصص حبها الفاشلة!
رسمت له آلاف السيناريوهات التي عاشا فيها حبيبين..
و كاد الحلم يتحقق عندما سمعت من إحدى معارفهم أنه يريد التقدم لخطبتها..
انتظرته يوماَ ويومين.. شهراَ وشهرين.. عاماَ وعامين..
لتفاجأ بخبر خطبته لإحداهن ذات يوم!
كانت تريد فقط أن تعرف السبب!
لماذا عدل عن خطبتها هي بالذات!
والجواب حملته لها نفس المرأة من معارفهم بنبرة خجلة :
(أمه رفضت أن يتزوج واحدة تعيش وحدها في الغربة)
ساعتها ردت على المرأة ضاحكة أنهم هم ليسوا (وش نعمة!) وأنها ما سافرت إلا كي تبني نفسها ومستقبلها ولا ذنب لها في قذارات أفكارهم..
لكن داخلها كانت صبية تمزق دفترها الوردي وهي تضمد جرحها و.. تبكي!
_مبارك.. عرفت أنك اشتريتِ بيتنا هذا!
ينتزعها بها من شرودها، فترفع له قناعاَ باسماَ وهي ترد له مباركته :
_وأنا عرفت أنك رزقت بتوأم.. يتربيان في عزك.
يتمتم بردّ تقليدي ودت لو لا يتبعه ب(العقبى لك) التي تجرحها دوماَ وكأنهم يعيرونها بها!
وكان لها ما أرادت!
_ألم تكتفي بغربتك؟!
يسألها ناصحاَ لترد بهزة كتف تدعي اللامبالاة :
_ومالها غربتي؟! (حد طايل؟!)
_والدتك كبر سنها.. تحتاجك جوارها وجوار إخوتك.
_آخذهم معي.
بنفس البساطة ترد وهي تتحاشى النظر لعينيه.. فيرد باستسلام :
_الله يوفقك.. لو احتجتِ شيئاَ فلا تترددي من طلبه مني.. نحن تربينا هنا معاَ.. أنا.. أنا أعتبرك كأختي.
هل ارتجف صوته في عبارته الأخيرة أم أنها هي من تتوهم؟!
هل تريد التصديق حقاَ انه ندم على التفريط بها؟!
(أعتبرك كأختي)
تبتسم بغيظ وهي تراقب ظهره المنصرف مستعيدة العديد من قصص الحب الفاشلة التي عاشها قلبها بعده ..
كلها كانت من طرف واحد أيضاَ وانتهت بنفس العبارة المقيتة (أعتبرك كأختي)
_هل أبدو وكأنني ينقصني الإخوة مثلاً! لدي ستة يا مغفلين.. ستة!
تزفر بها بسخط وهي تشعر بلسعة الهواء الباردة تداعب طرف ثوبها فتتمتم بعبارتها المعهودة التي أكثر ما تليق بها الآن) :
(وقفت على السطح.. هز الهوى كُمّي.. كل البنات اتجوزت.. وأنا قاعدة جنب أمي)
يجفلها صياح ديك قريب من الجوار فتأخذ نفساَ عميقاَ وهي تهمس كأنما تقنع نفسها :
_الزواج ليس كل شيء يا بنت يا حسناء.. أنتِ فقط لأنك تربيتِ على ثقافة (الديك هو الأهم في عش الدجاج) تظنين أنه آخر المطاف .. لكن الحقيقة أن.. أن..
تقطع عبارتها وهي تهز رأسها كأنها تكذّب كل ما تقول لتهتف بصوت عالٍ غير مبالية :
_أنا اريد الزوااااااج..
تكمم شفتيها فجأة كأنما عاد إليها إدراكها لترمق الديك الذي غادر (العشة) المقابلة لها متهادياَ بمشيته تحيطه دجاجاته كأنهن جاريات يطفن حول السلطان بنظرة حاقدة :
_تبختر.. تبختر يا أخي.. من مثلك هنا؟!
يعلو صوت صياحه كأنه يغيظها فتهشه ودجاجاته تدخلهم العش من جديد.. تغلق بوابته خلفهم بعدما تضع لهم الطعام..
_ديك ياربي.. هو ديك واحد أدخله عشي ولن أسمح لدجاجة واحدة أخرى أن تقترب منه.. كثيرٌ عليّ ديك؟!
ترفع بها كفيها للسماء في وضع الدعاء قبل ان يصل إليها صوت طرق عنيف يأتي من الأسفل..
_معقول ؟! بهذه السرعة أتى الديك؟!
❤13😁2👍1
ينعقد بها حاجباها وهي تركض ركضاَ نحو شقة أمها.. تمط شفتيها باستياء وهي تميز الطارقة..
_يا فتاح يا عليم.. يا رزاق يا كريم.. الناس صارت ترن الجرس يا خالتي كريمة.. لا تطرق الأبواب هكذا كالمخبرين.
تضحك المرأة بود مبالغ فيه وعيناها تكادان تخرجان من محجريهما نحو أساور حسناء الذهبية..
تتلمسها أصابعها كأنها تزنها بينما تجذبها لتعانقها وهي تهتف بودّ بدا متصنعاَ :
_أختك الصغيرة أفسدت الجرس.. بالطبع لا تعرفين.. الغريب أعمى وإن كان بصيراَ..وأنتِ صرتِ تعدين غريبة عنهم.. ألم يأن الأوان ياابنتي أن ترجعي لبيتك ومطرحك.. العمر يفوت وأنتِ..
_مفهوم.. مفهوم.. صرت أحفظ كل كلامك هذا الذي ترددينه على مسامعي كل إجازة أقضيها هنا.
تقولها بنبرة فظة وهي تدفعها ببعض الرفق.. تفتح باب الشقة لتدخل فتتبعها المرأة وهي تهتف مدافعة :
_وأنا عدوتك؟! أنا أنصحك لوجه الله.
_أهلاً يا كريمة.. لماذا جئتِ في هذا الصباح الباكر؟! خيراَ!
كانت هذه أمها التي غادرت غرفتها لتوها بظهرها شبه المحنيّ ونظراتها الطيبة المتشحة بحزن صار يميزهما منذ سنوات..
تعانقها كريمة بقوة مبالغ فيها لتهتف بانشراح:
_بالطبع خير.. وهل يأتي من ورائي إلا الخير؟! .. عريس لا يُرفض.. جعله الله من قسمتك ونصيبك يا حسناء يا بنت حسني وحُسنَى!
تتأفف حسناء بضجر وهي تشيح بوجهها..
كريمة اللئيمة هذه لا تفتأ تدعوها هكذا كأنها تسخر من اسمها واسم أبويها..
حسناء بنت حسني وحسنَى!
من المؤكد أن عريس الغفلة الذي يأتي من خلفها ككل مرة لن يحمل الخير أبداَ!
تسحب كريمة حسنى من كفها لتجلس وتجلسها جوارها هاتفة بحماس:
_خمس وثلاثون عاماَ..طيار.
_تقصدين أنه عامل (ديليفري)؟!
تسألها حسناء بتشكك وهي ترفع سبابتها في وجهها لترد كريمة مؤكدة :
_بل طيار.. طيار حقيقي..يعمل في مطار (...) الدولي .. قمر.. كأنك ضربتِ (أحمد عز) و(كريم عبد العزيز) معاَ في الخلاط!
_قلبي لا يحتمل! طيار وقمر معاَ!
تهتف بها حسناء ساخرة وهي تضم قبضتها على صدرها لتهتف كريمة وهي ترفع هاتفها في وجهها :
_تعالي وانظري لو كنتِ لا تصدقين!
ترمقها حسناء بنظرة متشككة لكن عينيها تتسعان بانبهار وهي تميز صورة العريس المنتظر.. فتهز كريمة رأسها بقولها (ألم أقل لك؟!)
_أين الغلطة؟! أين العيب؟! أين السبب الذي سارفضه لأجله؟! لا.. لا.. مستحيل.. مستحيل.. لن يأتي الديك.. آآآ.. أقصد العريس بهذا الكمال أبداَ..
تهتف بها حسناء بانفعال.. ثم تمسك المرأة من تلابيبها ترفعها نحوها هاتفة :
_انطقي.. ما عيبه؟! معاق ذهنياَ؟! مطلوب دولياَ؟! هارب من السجن؟! عليه ديون؟! لا ينجب؟!
فتمصمص المرأة شفتيها هاتفة باستنكار :
_لا سمح الله! الرجل كامل مكمل..مقتدر وميسور.. وعقله يزن بلداَ.. الحكاية فقط أنه..
_هه.. هه.. قولي.. اقذفيني بالمصيبة لا أطيق الانتظار!
تهتف بها حسناء لترد المرأة بتباسط مصطنع:
_متزوج!
تطرق حُسنى برأسها في ضيق بينما يرتفع حاجبا حسناء وهي تكرر :
_متزوج؟!
_اسمعي فقط.. زوجته هنا في مصر تربي العيال..لا تسافر إليه إلا شهراَ كل عام.. هو يريدك أنتِ للدلع.. للفرفشة.. وكل طلباتك مجابة.
_هل جننتِ يا كريمة؟! تريدين أن تدخل ابنتي على ضرة؟! حد الله بيننا وبين خراب البيوت! هل أتيتِ لتحرقي دمي في أول النهار؟!
تهتف بها حسنى بغضب دمعت معه عيناها لتهتف كريمة بحدة :
_هذا جزائي لأني أريد ستر ابنتك؟!
_وهل كنت مفضوحة كي تستريني؟!
تهتف بها حسناء بانفعال وهي تنقض على المرأة التي عاودت هتافها:
_نعم.. مفضوحة.. مفضوحة والناس كلها تتكلم عن البنت التي تسافر وتعيش وحدها لا يعرف أحد مع من ولا ماذا تفعل!
تخلع حسناء خف قدمها وترفعه في وجه المرأة التي تراجعت غريزياَ للخلف، بينما تهتف الأولى بنبرة تهديد :
_دعي واحداَ منهم يقولها في وجهي وأنا أقطّع خُفي هذا على وجهه!
_لن يقولونها في وجهك لكنهم يقولونها خلف ظهرك دائماَ..احمدي ربنا أن رضي بك أحدهم ولو زوجة ثانية!
تهتف بها المرأة بتبجح فتهتف حسناء وقد احمر وجهها غضباَ :
_لعنهم الله كلهم بسوء ظنهم! ألا تعرفين أنتِ أي حمل ثقيل على ظهري؟! ألا تعرفين لماذا اضطررت للسفر وغربته بعيداَ عن بلدي؟! والله لأختصمنّ كل واحد منهم أمام رب العالمين يوم القيامة!
يتحشرج صوتها في عبارتها الأخيرة وقد عزت عليها نفسها لتنهض أمها من مكانها بتثاقل فرضه وهنها لتضمها إليها.. تقبل رأسها هاتفة باعتذار من لم يخطئ:
_لا تبكي.. حقك عليّ! انت فوق رأسنا كلنا!
_ماذا حدث يا أبلة؟!
يظهر إخوتها الستة تباعاَ وقد استيقظوا لتوهم ،يتحلقون حولها بجزع على اختلاف أعمارهم.. فتكتم دموعها وهي تتذكر تلك الليلة التي مات فيها أبوها لتدرك بعدها أن كل هؤلاء صاروا أمانتها هي!
_يا فتاح يا عليم.. يا رزاق يا كريم.. الناس صارت ترن الجرس يا خالتي كريمة.. لا تطرق الأبواب هكذا كالمخبرين.
تضحك المرأة بود مبالغ فيه وعيناها تكادان تخرجان من محجريهما نحو أساور حسناء الذهبية..
تتلمسها أصابعها كأنها تزنها بينما تجذبها لتعانقها وهي تهتف بودّ بدا متصنعاَ :
_أختك الصغيرة أفسدت الجرس.. بالطبع لا تعرفين.. الغريب أعمى وإن كان بصيراَ..وأنتِ صرتِ تعدين غريبة عنهم.. ألم يأن الأوان ياابنتي أن ترجعي لبيتك ومطرحك.. العمر يفوت وأنتِ..
_مفهوم.. مفهوم.. صرت أحفظ كل كلامك هذا الذي ترددينه على مسامعي كل إجازة أقضيها هنا.
تقولها بنبرة فظة وهي تدفعها ببعض الرفق.. تفتح باب الشقة لتدخل فتتبعها المرأة وهي تهتف مدافعة :
_وأنا عدوتك؟! أنا أنصحك لوجه الله.
_أهلاً يا كريمة.. لماذا جئتِ في هذا الصباح الباكر؟! خيراَ!
كانت هذه أمها التي غادرت غرفتها لتوها بظهرها شبه المحنيّ ونظراتها الطيبة المتشحة بحزن صار يميزهما منذ سنوات..
تعانقها كريمة بقوة مبالغ فيها لتهتف بانشراح:
_بالطبع خير.. وهل يأتي من ورائي إلا الخير؟! .. عريس لا يُرفض.. جعله الله من قسمتك ونصيبك يا حسناء يا بنت حسني وحُسنَى!
تتأفف حسناء بضجر وهي تشيح بوجهها..
كريمة اللئيمة هذه لا تفتأ تدعوها هكذا كأنها تسخر من اسمها واسم أبويها..
حسناء بنت حسني وحسنَى!
من المؤكد أن عريس الغفلة الذي يأتي من خلفها ككل مرة لن يحمل الخير أبداَ!
تسحب كريمة حسنى من كفها لتجلس وتجلسها جوارها هاتفة بحماس:
_خمس وثلاثون عاماَ..طيار.
_تقصدين أنه عامل (ديليفري)؟!
تسألها حسناء بتشكك وهي ترفع سبابتها في وجهها لترد كريمة مؤكدة :
_بل طيار.. طيار حقيقي..يعمل في مطار (...) الدولي .. قمر.. كأنك ضربتِ (أحمد عز) و(كريم عبد العزيز) معاَ في الخلاط!
_قلبي لا يحتمل! طيار وقمر معاَ!
تهتف بها حسناء ساخرة وهي تضم قبضتها على صدرها لتهتف كريمة وهي ترفع هاتفها في وجهها :
_تعالي وانظري لو كنتِ لا تصدقين!
ترمقها حسناء بنظرة متشككة لكن عينيها تتسعان بانبهار وهي تميز صورة العريس المنتظر.. فتهز كريمة رأسها بقولها (ألم أقل لك؟!)
_أين الغلطة؟! أين العيب؟! أين السبب الذي سارفضه لأجله؟! لا.. لا.. مستحيل.. مستحيل.. لن يأتي الديك.. آآآ.. أقصد العريس بهذا الكمال أبداَ..
تهتف بها حسناء بانفعال.. ثم تمسك المرأة من تلابيبها ترفعها نحوها هاتفة :
_انطقي.. ما عيبه؟! معاق ذهنياَ؟! مطلوب دولياَ؟! هارب من السجن؟! عليه ديون؟! لا ينجب؟!
فتمصمص المرأة شفتيها هاتفة باستنكار :
_لا سمح الله! الرجل كامل مكمل..مقتدر وميسور.. وعقله يزن بلداَ.. الحكاية فقط أنه..
_هه.. هه.. قولي.. اقذفيني بالمصيبة لا أطيق الانتظار!
تهتف بها حسناء لترد المرأة بتباسط مصطنع:
_متزوج!
تطرق حُسنى برأسها في ضيق بينما يرتفع حاجبا حسناء وهي تكرر :
_متزوج؟!
_اسمعي فقط.. زوجته هنا في مصر تربي العيال..لا تسافر إليه إلا شهراَ كل عام.. هو يريدك أنتِ للدلع.. للفرفشة.. وكل طلباتك مجابة.
_هل جننتِ يا كريمة؟! تريدين أن تدخل ابنتي على ضرة؟! حد الله بيننا وبين خراب البيوت! هل أتيتِ لتحرقي دمي في أول النهار؟!
تهتف بها حسنى بغضب دمعت معه عيناها لتهتف كريمة بحدة :
_هذا جزائي لأني أريد ستر ابنتك؟!
_وهل كنت مفضوحة كي تستريني؟!
تهتف بها حسناء بانفعال وهي تنقض على المرأة التي عاودت هتافها:
_نعم.. مفضوحة.. مفضوحة والناس كلها تتكلم عن البنت التي تسافر وتعيش وحدها لا يعرف أحد مع من ولا ماذا تفعل!
تخلع حسناء خف قدمها وترفعه في وجه المرأة التي تراجعت غريزياَ للخلف، بينما تهتف الأولى بنبرة تهديد :
_دعي واحداَ منهم يقولها في وجهي وأنا أقطّع خُفي هذا على وجهه!
_لن يقولونها في وجهك لكنهم يقولونها خلف ظهرك دائماَ..احمدي ربنا أن رضي بك أحدهم ولو زوجة ثانية!
تهتف بها المرأة بتبجح فتهتف حسناء وقد احمر وجهها غضباَ :
_لعنهم الله كلهم بسوء ظنهم! ألا تعرفين أنتِ أي حمل ثقيل على ظهري؟! ألا تعرفين لماذا اضطررت للسفر وغربته بعيداَ عن بلدي؟! والله لأختصمنّ كل واحد منهم أمام رب العالمين يوم القيامة!
يتحشرج صوتها في عبارتها الأخيرة وقد عزت عليها نفسها لتنهض أمها من مكانها بتثاقل فرضه وهنها لتضمها إليها.. تقبل رأسها هاتفة باعتذار من لم يخطئ:
_لا تبكي.. حقك عليّ! انت فوق رأسنا كلنا!
_ماذا حدث يا أبلة؟!
يظهر إخوتها الستة تباعاَ وقد استيقظوا لتوهم ،يتحلقون حولها بجزع على اختلاف أعمارهم.. فتكتم دموعها وهي تتذكر تلك الليلة التي مات فيها أبوها لتدرك بعدها أن كل هؤلاء صاروا أمانتها هي!
❤13😢2
أم وستة أخوة.. صارت هي أبوهم وكافلهم وراعيهم!
لهذا لم تتردد لحظة وهي تختار السفر لبلد غريب سعياَ خلف الرزق ولم يبخل عليها المولى بفضله..
لكن الناس بخلوا عليها بحسن الظن!
_لا تبكي يا أبلة!
_من أحزنك؟!
_قولي من أغضبك وأنا آتي بحقك.
_اضحكي لأجلي.. لا يليق بك الحزن.
_سافري من جديد لو كانت عودتك هي ما تحزن قلبك.
_أحب ضحكتك يا ابلة.. لا تعبسي بوجهك.
ستة هتافات.. ستة قلوب دافئة..على اختلاف أعمارهم زادتها أمها لسبعة في عناق جماعي كبير ضمهم جميعاَ وجعلها تهتف برضا حقيقي خلف واجهة مرحة :
_من ذا الداعية عليه أمه ليجرؤ على ان يحرق قلبي؟! .. أنا احرق قلوب بلد بحاله!
تقولها ثم ترفع ساعدها نحو كريمة بنظرة مغيظة تهز أساورها الذهبية بخشخشتها العالية مدركة ما تفعله هذه الحركة بقلب امرأة كهذه..
فتكاد عينا المرأة تخرجان من محجريها وهي تمط شفتيها تتمتم:
_الله يهديكِ يا حسناء يا بنت حسني وحسنَى!
_وإياكِ يا خالة كريمة! تتناولين الإفطار معنا؟!
_هل يعني هذا أنك رفضتِ العريس؟!
تسألها المرأة بضيق لتكرر حسناء من بين أسنانها :
_تتناولين الإفطار معنا؟!
تتنهد المرأة وهي تسترخي في مقعدها..
تفك وشاحها قليلاً عن رأسها في راحة متباسطة لا تدري حسناء من أين تأتي بها، لتقول بابتسامة:
_طيب.. نفطر معاَ.. أنتِ ترفضين العريس.. هل سأرفض انا الأكل أيضاَ؟!
_لا طبعاَ.. لا يصح.. العريس يُرفض لكن الأكل لا يُرفض.
تقولها بابتسامة سمجة وهي تفتح أحد الادراج الجانبية، تستخرج حافظتها لتردف مخاطبة أمها:
_سأنزل لإحضار الفول والفلافل.
_لا تتعبي نفسك.. أنا أفعل.
يهتف بها شقيقها الأصغر بحمية فتغمزه، تميل على أذنه هامسة:
_لو جلست انا هنا أكثر.. فلن تخرج هذه المرأة إلا على نقالة!
يكتم ضحكته، فترمقهما كريمة بنظرة متشككة ،تسألها:
_بماذا تتهامسان ؟!
_مشطشطة!
تهتف بها حسناء وهي تلاعب حاجبيها بنبرة مزدوجة المعنى بينما ترفع ذراعها في خشخشة عالية لأساورها للمرة التي لا تعرف عددها.. تكمل جملتها:
_أتكلم عن الفلافل بالطبع! أسأله لو يريدها (مشطشطة)!
تكتم امها ابتسامتها وهي تشيح بوجهها بينما ترفع حسناء أنفها بشموخ وهي تغادر الشقة نحو الشارع..
تتمنى لو يطول الطريق أكثر كي لا تعود بسرعة لتلك المرأة المستفزة!
_صباح الأنوار!
تسمعها من خلفها بصوت (نزار) الذي ظهر فجأة لتشهق بحدة وهي تلتفت نحوه هاتفة :
_أنت؟! هل تنقصني البلاوي منذ اول النهار؟!
يرفع حاجبيه ليرد بنبرته العابثة:
_رد غريب جداَ على تحية الصباح! .. لكن لا بأس.. أعرف أن ظهوري له هيبته.. يربكك!
تهز رأسها كأنها تهادن طفلاً، تتمتم من بين أسنانها :
_بالضبط.. بالضبط.. (فرقع لوز) صحيح.. كما تدعوه طيف!
_قلت شيئاَ؟!
يسألها ببراءة مصطنعة لترد بخشونة:
_ماذا تريد؟! لا تدعي ان وجودك هنا في شارعنا مصادفة!
_لا.. لا.. حتى لو قلتها يصعب التصديق!
يعقد بها ساعديه أمام صدره فتعاود هتافها الجاف:
_اعتدل في وقفتك يا هذا وقل ماذا تريد.
_أريدك.
يهز بها كتفيه ببساطة مغيظة فترفع قبضتها في وجهه صائحة :
_وحياة..
يقطع ما تبقى من عبارتها بقوله :
_على سنة الله ورسوله.
ينعقد حاجباها بشدة للحظات وهي تتفحص ملامحه، ثم ترتخي ملامحها وهي تشير لبيتها القريب قائلة :
_طيب.. هذا هو بيتنا.. تعال الآن واطلب يدي من أمي.
_ولماذا لا؟! خير البر عاجله!
يقولها وهو يعيد هندمة ثيابه بينما يتوجه حيث أشارت لتتسع عيناها بصدمة للحظات قبل ان تجد نفسها مجبورة لتتبعه..
تراه يصعد الدرج ركضاَ كانه يعرف بالضبط شقتها فتلحقه راكضة بدورها..
_تطرقين الباب أم أطرقه أنا؟!
لم يكد يتفوه بها أمام الباب المغلق حتى فتحته أمها فجأة..
تبدو الصدمة على ملامحها وهي تنقل بصرها بينه وبين ابنتها للحظات..
ترتبك حسناء وهي تشعر كأنما سقط دلو بارد على رأسها.. خاصة مع ظهور رأس كريمة الفضولي خلف رأس أمها..
لكن نزار يمد كفه نحو أمها.. يعرف نفسه قائلاَ بابتسامة مهذبة ونبرة لبقة :
_نزار السحار.
_نزار السحار ؟!
كانت اول مرة تعرف اسمه كاملاَ فيلتفت نحوها بغمزة خفية هامساَ :
_كنتِ تظنينني نزار قباني مثلاً؟!
ترمقه بنظرة رادعة بينما تهتف أمها بارتباك :
_أهلاً وسهلاَ.. تفضل.
يدلف إلى الداخل بخطوات واثقة.. يجلس حيث أشارت حسنى ليتحلق حوله إخوة حسناء فتتسع ابتسامته وهو يصافحهم تباعاَ..
بينما لا تزال حسناء واقفة مكانها بصدمة.. كيف دخل هذا هنا؟!
_خيراَ يا ابني.. من انت؟! وماذا تريد؟!
تهتف بها كريمة بفضول عبر عينيها اللامعتين، ليتنحنح نزار قائلاً بنفس النبرة شديدة التهذيب الغريبة على عبثه المعهود :
لهذا لم تتردد لحظة وهي تختار السفر لبلد غريب سعياَ خلف الرزق ولم يبخل عليها المولى بفضله..
لكن الناس بخلوا عليها بحسن الظن!
_لا تبكي يا أبلة!
_من أحزنك؟!
_قولي من أغضبك وأنا آتي بحقك.
_اضحكي لأجلي.. لا يليق بك الحزن.
_سافري من جديد لو كانت عودتك هي ما تحزن قلبك.
_أحب ضحكتك يا ابلة.. لا تعبسي بوجهك.
ستة هتافات.. ستة قلوب دافئة..على اختلاف أعمارهم زادتها أمها لسبعة في عناق جماعي كبير ضمهم جميعاَ وجعلها تهتف برضا حقيقي خلف واجهة مرحة :
_من ذا الداعية عليه أمه ليجرؤ على ان يحرق قلبي؟! .. أنا احرق قلوب بلد بحاله!
تقولها ثم ترفع ساعدها نحو كريمة بنظرة مغيظة تهز أساورها الذهبية بخشخشتها العالية مدركة ما تفعله هذه الحركة بقلب امرأة كهذه..
فتكاد عينا المرأة تخرجان من محجريها وهي تمط شفتيها تتمتم:
_الله يهديكِ يا حسناء يا بنت حسني وحسنَى!
_وإياكِ يا خالة كريمة! تتناولين الإفطار معنا؟!
_هل يعني هذا أنك رفضتِ العريس؟!
تسألها المرأة بضيق لتكرر حسناء من بين أسنانها :
_تتناولين الإفطار معنا؟!
تتنهد المرأة وهي تسترخي في مقعدها..
تفك وشاحها قليلاً عن رأسها في راحة متباسطة لا تدري حسناء من أين تأتي بها، لتقول بابتسامة:
_طيب.. نفطر معاَ.. أنتِ ترفضين العريس.. هل سأرفض انا الأكل أيضاَ؟!
_لا طبعاَ.. لا يصح.. العريس يُرفض لكن الأكل لا يُرفض.
تقولها بابتسامة سمجة وهي تفتح أحد الادراج الجانبية، تستخرج حافظتها لتردف مخاطبة أمها:
_سأنزل لإحضار الفول والفلافل.
_لا تتعبي نفسك.. أنا أفعل.
يهتف بها شقيقها الأصغر بحمية فتغمزه، تميل على أذنه هامسة:
_لو جلست انا هنا أكثر.. فلن تخرج هذه المرأة إلا على نقالة!
يكتم ضحكته، فترمقهما كريمة بنظرة متشككة ،تسألها:
_بماذا تتهامسان ؟!
_مشطشطة!
تهتف بها حسناء وهي تلاعب حاجبيها بنبرة مزدوجة المعنى بينما ترفع ذراعها في خشخشة عالية لأساورها للمرة التي لا تعرف عددها.. تكمل جملتها:
_أتكلم عن الفلافل بالطبع! أسأله لو يريدها (مشطشطة)!
تكتم امها ابتسامتها وهي تشيح بوجهها بينما ترفع حسناء أنفها بشموخ وهي تغادر الشقة نحو الشارع..
تتمنى لو يطول الطريق أكثر كي لا تعود بسرعة لتلك المرأة المستفزة!
_صباح الأنوار!
تسمعها من خلفها بصوت (نزار) الذي ظهر فجأة لتشهق بحدة وهي تلتفت نحوه هاتفة :
_أنت؟! هل تنقصني البلاوي منذ اول النهار؟!
يرفع حاجبيه ليرد بنبرته العابثة:
_رد غريب جداَ على تحية الصباح! .. لكن لا بأس.. أعرف أن ظهوري له هيبته.. يربكك!
تهز رأسها كأنها تهادن طفلاً، تتمتم من بين أسنانها :
_بالضبط.. بالضبط.. (فرقع لوز) صحيح.. كما تدعوه طيف!
_قلت شيئاَ؟!
يسألها ببراءة مصطنعة لترد بخشونة:
_ماذا تريد؟! لا تدعي ان وجودك هنا في شارعنا مصادفة!
_لا.. لا.. حتى لو قلتها يصعب التصديق!
يعقد بها ساعديه أمام صدره فتعاود هتافها الجاف:
_اعتدل في وقفتك يا هذا وقل ماذا تريد.
_أريدك.
يهز بها كتفيه ببساطة مغيظة فترفع قبضتها في وجهه صائحة :
_وحياة..
يقطع ما تبقى من عبارتها بقوله :
_على سنة الله ورسوله.
ينعقد حاجباها بشدة للحظات وهي تتفحص ملامحه، ثم ترتخي ملامحها وهي تشير لبيتها القريب قائلة :
_طيب.. هذا هو بيتنا.. تعال الآن واطلب يدي من أمي.
_ولماذا لا؟! خير البر عاجله!
يقولها وهو يعيد هندمة ثيابه بينما يتوجه حيث أشارت لتتسع عيناها بصدمة للحظات قبل ان تجد نفسها مجبورة لتتبعه..
تراه يصعد الدرج ركضاَ كانه يعرف بالضبط شقتها فتلحقه راكضة بدورها..
_تطرقين الباب أم أطرقه أنا؟!
لم يكد يتفوه بها أمام الباب المغلق حتى فتحته أمها فجأة..
تبدو الصدمة على ملامحها وهي تنقل بصرها بينه وبين ابنتها للحظات..
ترتبك حسناء وهي تشعر كأنما سقط دلو بارد على رأسها.. خاصة مع ظهور رأس كريمة الفضولي خلف رأس أمها..
لكن نزار يمد كفه نحو أمها.. يعرف نفسه قائلاَ بابتسامة مهذبة ونبرة لبقة :
_نزار السحار.
_نزار السحار ؟!
كانت اول مرة تعرف اسمه كاملاَ فيلتفت نحوها بغمزة خفية هامساَ :
_كنتِ تظنينني نزار قباني مثلاً؟!
ترمقه بنظرة رادعة بينما تهتف أمها بارتباك :
_أهلاً وسهلاَ.. تفضل.
يدلف إلى الداخل بخطوات واثقة.. يجلس حيث أشارت حسنى ليتحلق حوله إخوة حسناء فتتسع ابتسامته وهو يصافحهم تباعاَ..
بينما لا تزال حسناء واقفة مكانها بصدمة.. كيف دخل هذا هنا؟!
_خيراَ يا ابني.. من انت؟! وماذا تريد؟!
تهتف بها كريمة بفضول عبر عينيها اللامعتين، ليتنحنح نزار قائلاً بنفس النبرة شديدة التهذيب الغريبة على عبثه المعهود :
❤18
_جئت أتقدم لخطبة الآنسة حسناء.
صمت قصير يسود الجميع بعد عبارته، كانت كريمة اول من قطعته وهي تهتف به :
_وما عيبك؟!
_نعم!
يميل بها وجهه بعدم فهم، لترمقها حسناء بنظرة زاجرة وهي تخلع أحد خفيها بحركة خفيفة، فتتنحنح المرأة لتقول باستدراك :
_أقصد.. اشرح لنا ظروفك.. سنك.. عملك.. سبق لك الزواج أو..
_شرفتِنا يا خالة كريمة!
تقاطعها بها حسناء وهي تسحبها من ذراعها نحو الباب، فتهتف المرأة باعتراض :
_دعيني أنا أتكلم معه.. أنا اعرف كيف تدار هذه الأمور.. أمك طيبة وعلى نياتها.. وأنتِ..
لكن حسناء تدفعها برفق لتغلق الباب خلفها، فتهتف المرأة من خلف الباب:
_الله يهديكِ يا حسناء يا بنت حسني وحسنى!
_اسمك حسناء بنت حسني وحسنى!
يهتف بها نزار بابتسامة لا تعجبها فتكشر عن أنيابها هاتفة :
_ماذا؟! لا يعجبك؟!
_(اوفر دوز) حُسْن صراحة لكن.. لا بأس! أنا راضٍ!
يقولها بنبرة عاد إليها عبثها فتهتف بحدة :
_ومن أنت لترضى او لا ترضى؟!
_حسناء!
تهتف بها أمها هذه المرة باستغراب قلق وهي تدير بصرها بينهما بتساؤل.. فتتنهد حسناء وهي تود لو تطمئنها..لكن كيف تفعل!
هذا ال(فرقع لوز) طبّ عليهم كقضاء مستعجل ولا تعرف حقاَ صدق نيته!
لكن نزار يلتفت نحو المرأة الطيبة ليطمئنها بابتسامته..
يشرح لها ظروفه بنبرة دمثة.. ويعرب عن إعجابه الشديد بأخلاق ابنتها وكيف تعرف عليها في الغربة..
_أنا مستعد لكل ما تطلبينه سيدتي..كل طلباتكم مجابة.. أخبرتك أنني نصف مصري نصف عراقي.. لو تزوجنا فسأستقر معها في العراق لكنني سآتي لها بشقة هنا بالطبع نقيم فيها عندما نزوركم.. اطمئني.. لن أحرمها منكم.. أعرف كم انتم مرتبطون بها.
يختم بها عرضه الذي بدا سخياَ فتزدرد المرأة ريقها بارتباك وهي ترفع عينيها نحو حسناء التي لم تكن أقل منها ارتباكاَ..
تصفيق إخوتها مع صيحاتهم الفرحة تبدو وكأنها اتخذت القرار مقدماَ.. لكن حسناء تزجرهم وهي تدفعهم نحو غرفهم..
ينهض نزار ليقول بنفس النبرة المهذبة :
_بالتأكيد تحتاجون مهلة للرد.. أنا أنتظر.
تبتسم له حسنى بطيبة وهي تقف بدورها قائلة :
_اعذرنا يا ابني.. أنت جئت فجأة هكذا من اول الصباح.. هذه الأمور تحتاج لصبر وسؤال.
ينحني ليقبل كف المرأة فتسحبه بسرعة مستغفزة بينما يقول بأدب:
_أعتذر لو جئت في وقت غير مناسب ودون موعد ..لكن هذا طبعي.. عفوي وبسيط مع كل ما أحبه ومن أحبه.. اعذريني يا أمي.. تسمحين لي ان أقول (أمي)؟!
تبدو المرأة مأخوذة بتهذيبه ودماثة خلقه فيما تبقى حسناء فاغرة فاها كأنها لا تزال لا تصدق كل هذا الذي يحدث..
_أغلقي فمك! تبدين كفتاة بائرة فاتها القطار ولا تصدق فرصة عريس مثالي مثلي.
يميل بها علي أذن حسناء بخفة مستغلاً سير حسنى أمامه لتفتح له الباب فترمقه حسناء بنظرة مغتاظة متوعدة ،لكنه يغمزها بخفة مردفاَ :
_يالحظّي بامرأة تبدو جميلة هكذا في غضبها.. والأجمل انه يمكن إثارة غضبها بسهولة.
تهم بردّ لاذع لكنه يسبقها ليصافح أمها من جديد بنفس التهذيب وبعبارته :
(أنتظر ردكم.. بالموافقة بإذن الله)
تلاحقه حسناء ببصرها وهو يغادر.. ترفع بصرها نحو السطح حيث كانت منذ قليل تردد دعوتها.. تشير حيث اختفى تتمتم لنفسها بذهول:
_هذا هو؟!!.. هو الديك؟؟!
أما هو فلم يكد يغادر البيت حتى اختفت ابتسامته العابثة لتحل محلها نظرة غريبة غامضة..
يرن هاتفه فيرفعه لعينيه وهو يحدق ملياَ في الاسم على الشاشة..
ثم يتنهد بحرارة وحاجباه يرتفعان بتصميم بينما يهمس لنفسه :
_الآن فقط يمكنني الإجابة عن هذا الاتصال.
=====
صمت قصير يسود الجميع بعد عبارته، كانت كريمة اول من قطعته وهي تهتف به :
_وما عيبك؟!
_نعم!
يميل بها وجهه بعدم فهم، لترمقها حسناء بنظرة زاجرة وهي تخلع أحد خفيها بحركة خفيفة، فتتنحنح المرأة لتقول باستدراك :
_أقصد.. اشرح لنا ظروفك.. سنك.. عملك.. سبق لك الزواج أو..
_شرفتِنا يا خالة كريمة!
تقاطعها بها حسناء وهي تسحبها من ذراعها نحو الباب، فتهتف المرأة باعتراض :
_دعيني أنا أتكلم معه.. أنا اعرف كيف تدار هذه الأمور.. أمك طيبة وعلى نياتها.. وأنتِ..
لكن حسناء تدفعها برفق لتغلق الباب خلفها، فتهتف المرأة من خلف الباب:
_الله يهديكِ يا حسناء يا بنت حسني وحسنى!
_اسمك حسناء بنت حسني وحسنى!
يهتف بها نزار بابتسامة لا تعجبها فتكشر عن أنيابها هاتفة :
_ماذا؟! لا يعجبك؟!
_(اوفر دوز) حُسْن صراحة لكن.. لا بأس! أنا راضٍ!
يقولها بنبرة عاد إليها عبثها فتهتف بحدة :
_ومن أنت لترضى او لا ترضى؟!
_حسناء!
تهتف بها أمها هذه المرة باستغراب قلق وهي تدير بصرها بينهما بتساؤل.. فتتنهد حسناء وهي تود لو تطمئنها..لكن كيف تفعل!
هذا ال(فرقع لوز) طبّ عليهم كقضاء مستعجل ولا تعرف حقاَ صدق نيته!
لكن نزار يلتفت نحو المرأة الطيبة ليطمئنها بابتسامته..
يشرح لها ظروفه بنبرة دمثة.. ويعرب عن إعجابه الشديد بأخلاق ابنتها وكيف تعرف عليها في الغربة..
_أنا مستعد لكل ما تطلبينه سيدتي..كل طلباتكم مجابة.. أخبرتك أنني نصف مصري نصف عراقي.. لو تزوجنا فسأستقر معها في العراق لكنني سآتي لها بشقة هنا بالطبع نقيم فيها عندما نزوركم.. اطمئني.. لن أحرمها منكم.. أعرف كم انتم مرتبطون بها.
يختم بها عرضه الذي بدا سخياَ فتزدرد المرأة ريقها بارتباك وهي ترفع عينيها نحو حسناء التي لم تكن أقل منها ارتباكاَ..
تصفيق إخوتها مع صيحاتهم الفرحة تبدو وكأنها اتخذت القرار مقدماَ.. لكن حسناء تزجرهم وهي تدفعهم نحو غرفهم..
ينهض نزار ليقول بنفس النبرة المهذبة :
_بالتأكيد تحتاجون مهلة للرد.. أنا أنتظر.
تبتسم له حسنى بطيبة وهي تقف بدورها قائلة :
_اعذرنا يا ابني.. أنت جئت فجأة هكذا من اول الصباح.. هذه الأمور تحتاج لصبر وسؤال.
ينحني ليقبل كف المرأة فتسحبه بسرعة مستغفزة بينما يقول بأدب:
_أعتذر لو جئت في وقت غير مناسب ودون موعد ..لكن هذا طبعي.. عفوي وبسيط مع كل ما أحبه ومن أحبه.. اعذريني يا أمي.. تسمحين لي ان أقول (أمي)؟!
تبدو المرأة مأخوذة بتهذيبه ودماثة خلقه فيما تبقى حسناء فاغرة فاها كأنها لا تزال لا تصدق كل هذا الذي يحدث..
_أغلقي فمك! تبدين كفتاة بائرة فاتها القطار ولا تصدق فرصة عريس مثالي مثلي.
يميل بها علي أذن حسناء بخفة مستغلاً سير حسنى أمامه لتفتح له الباب فترمقه حسناء بنظرة مغتاظة متوعدة ،لكنه يغمزها بخفة مردفاَ :
_يالحظّي بامرأة تبدو جميلة هكذا في غضبها.. والأجمل انه يمكن إثارة غضبها بسهولة.
تهم بردّ لاذع لكنه يسبقها ليصافح أمها من جديد بنفس التهذيب وبعبارته :
(أنتظر ردكم.. بالموافقة بإذن الله)
تلاحقه حسناء ببصرها وهو يغادر.. ترفع بصرها نحو السطح حيث كانت منذ قليل تردد دعوتها.. تشير حيث اختفى تتمتم لنفسها بذهول:
_هذا هو؟!!.. هو الديك؟؟!
أما هو فلم يكد يغادر البيت حتى اختفت ابتسامته العابثة لتحل محلها نظرة غريبة غامضة..
يرن هاتفه فيرفعه لعينيه وهو يحدق ملياَ في الاسم على الشاشة..
ثم يتنهد بحرارة وحاجباه يرتفعان بتصميم بينما يهمس لنفسه :
_الآن فقط يمكنني الإجابة عن هذا الاتصال.
=====
❤29🤔2😍2
إعادة نشر #على_خد_الفجر
****
الشعاع الأول
======
مصر.. القاهرة..
_ما الفرق بين واحد و أحد ؟!
يسأل إبراهيم الصبية في حلقة الدرس التي يحافظ عليها في المسجد يوم الجمعة..
تتسع حدقاتهم في اهتمام لما يقول..
خاصة (سامي) الصغير الذي بدا رغم عدم استيعابه الكامل منتبهاَ لما يقال وقد اتخذ مجلسه جوار إبراهيم الذي ضمه لكتفه وهو يردف مخاطباَ الصبية :
_لماذا قال الله تعالى : قل هو الله أحد ، ولم يقل قل هو الله واحد ؟!
يبدو السؤال صعباً إلا على واحد لمعت عيناه بجوابه المنطلق :
_واحد مفتتح العدد ، فتقول :واحد ، اثنان ، ثلاثة…أما أحد فمنقطع العدد ، فأحدٌ ليس له ثان.
_ممتاز.
يهز بها إبراهيم رأسه ليستطرد الصبي بجوابه :
_واحد له مؤنث ، فتقول : واحدة أما أحد فلا يؤنث ، وهذا مقام تشريف …واحد يأتي وصفاً لأي شئ ، فتقول : رجلٌ واحد ، وكتابٌ واحد. أما أحد فاختص به الله وحده ، فتقول : الله أحد ولا تقول الرجل أحد. . واحد يتجزأ وينقسم إلى أبعاض ، فالواحد يتجزأ إلى أرباع وأثلاث.. أما أحد لا يتجزأ ولا يتبعض ، فأحد يعني الوحدة.
_جميل.. فتح الله عليك..
يربت بها إبراهيم على رأس الصبي ليردف :
_بقي فقط أن (واحد) تستخدم للعاقل وغير العاقل ، تقول رجل واحد ، وجمل واحد.. أما أحد فلا تستخدم إلا للعاقل.. وهذا من كمال اللغة في القرأن الكريم..
_إبراهيم.. تعال بسرعة.
يهتف بها ابن عمه قيس وقد أطل رأسه من خارج المسجد بملامح قلقة..
فينهض إبراهيم مودعاَ الصبية :
_نكتفي بهذا اليوم.. لا تنسوا مراجعة وِرد التسميع للأسبوع القادم.
_ماذا حدث؟!
يهتف بها وهو يغادر المسجد، ينتعل خُفّه بسرعة مخاطباً قيس الذي هتف بجزع غريب علي طبيعته المرحة دوماَ :
_يسرا.
لم ينتظر إبراهيم المزيد من التفسير وهو يركض نحو بيت أبيه..
يصعد الدرج في قفزات سريعة متقاربة..
تتلاحق أنفاسه وهو يسمع صوت صراخها من أعلى فلا يشعر بنفسه إلا وهي بين ذراعيه يتفحصها بخوف وقد رآها ترتدي ملابس خروجها كاملة حتى نقاب وجهها.. فيهتف بقلق :
_ما الأمر؟!
تكاد تعتصر ثوبها فوق بطنها وآهات خوفها تمتزج بدموعها بينما تنحني على نفسها :
_سقط ماء الجنين.. لايزال الوقت مبكراَ على هذا.. اتصلت بالطبيب وطلب مني الحضور فوراَ!
_ولماذا لم تهاتفيني كي أحضر بسرعة؟!
_الهاتف كان مغلقاَ و... آآه!
تصرخ بألم وهي تنحني من جديد..
تعانق بطنها بذراعيها كأنها تحمي جنينها من كل خطر..
_لا تخافي.. لا تخافي.. ستكونان بخير..
يهتف بها محاولاً التماسك وهو الآخر يشعر بقلبه يتفتت قلقاَ..
ينتبه أخيراَ لوالده الواقف خلفها..
ملامحه كلها تنطق بالخوف هو الآخر لكنه يربت على كتف ابنه وزوجته هاتفاَ :
_رب الخير لا يأتي إلا بالخير.. هيا بنا كي لا نتأخر أكثر على الطبيب..
_سآتي معكم.
في الشارع أمام البيت تبادرهم بها سندس التي جاءت تركض إليهم وقد أحاطت سامي الصغير الباكي بذراعها والذي روعته صرخات يسرا ونشيجها..
ليهتف إبراهيم بحدة فجرها قلقه:
_هي نزهة؟! لن يأتي أحد!
لكن يسرا تصرخ ولا تزال تعانق بطنها بذراعيها :
_دعهم يأتوا.. دعهم جميعاَ يأتوا.. لو حدث لي شيء اريد أن اراهم قبل أن ..
يقاطع إبراهيم قولها الذي لم يحتمل إكماله وهو ينحني ليحملها..
يضمها لصدره بقوة وهو يركض بها حاملاً إياها نحو سيارته فيصله صوتها المتقطع وسط أنفاسها اللاهثة :
_ابني.. ابني يا إبراهيم..هل ساراه ؟! هل سأراه ؟!
تبقى ترددها وكأنها فقط من فرط خوفها صارت كل أمانيها الأن؟!
فيقبّل جبينها بقوة غير آبه بنظرات أهل الحي الذين تجمعوا يلاحقونهم بدعواتهم المرتفعة.. هامساَ أمام عينيها :
_سترينه.. ستعانقينه.. ستقبّلينه.. ستنامين جواره.. وتعوضين به ومعه كل ألم عشته قبله..
تغمض عينيها على صورته..
تغلق أذنيها على كلامه..
بل تطبق قلبها على نبوءته.. كأنها لم تعد تريد أن ترى او تسمع أو تعي المزيد!
وكأنما طويت الأرض طياَ!
لم تعرف كيف صارت فجأة على ذاك السرير في المشفى!
خفقات قلبها تتجاوز حد الجنون وذراعاها يكادان يلتصقان ببطنها البارز كأنها تخاف لو تراخيا أن تفقد جنينها!
تسمع الطبيب يتحدث عن قلقه مهيئاً الجميع لأي نتيجة ..
ترى الممرضات يركضن ليهيئنها للعملية بسرعة تشي بخطورة الوضع..
تشعر بقلب إبراهيم يكاد يشتعل بارزاً من عينيه الملتصقتين بها..
على عكس كفيه الباردتين المعتصرتين لكفيها..
فتدور ببصرها في المكان..
آآه..
الجدران البيضاء من جديد!
كم حملت لها ذكرياتها مع المشفى أسوأ كوابيسها..
شيطان خوفها العتيد يحكم قبضته على روحها..
يذكرها بعذابات (يسرا الصباحي) ويتوعدها بالمزيد..
****
الشعاع الأول
======
مصر.. القاهرة..
_ما الفرق بين واحد و أحد ؟!
يسأل إبراهيم الصبية في حلقة الدرس التي يحافظ عليها في المسجد يوم الجمعة..
تتسع حدقاتهم في اهتمام لما يقول..
خاصة (سامي) الصغير الذي بدا رغم عدم استيعابه الكامل منتبهاَ لما يقال وقد اتخذ مجلسه جوار إبراهيم الذي ضمه لكتفه وهو يردف مخاطباَ الصبية :
_لماذا قال الله تعالى : قل هو الله أحد ، ولم يقل قل هو الله واحد ؟!
يبدو السؤال صعباً إلا على واحد لمعت عيناه بجوابه المنطلق :
_واحد مفتتح العدد ، فتقول :واحد ، اثنان ، ثلاثة…أما أحد فمنقطع العدد ، فأحدٌ ليس له ثان.
_ممتاز.
يهز بها إبراهيم رأسه ليستطرد الصبي بجوابه :
_واحد له مؤنث ، فتقول : واحدة أما أحد فلا يؤنث ، وهذا مقام تشريف …واحد يأتي وصفاً لأي شئ ، فتقول : رجلٌ واحد ، وكتابٌ واحد. أما أحد فاختص به الله وحده ، فتقول : الله أحد ولا تقول الرجل أحد. . واحد يتجزأ وينقسم إلى أبعاض ، فالواحد يتجزأ إلى أرباع وأثلاث.. أما أحد لا يتجزأ ولا يتبعض ، فأحد يعني الوحدة.
_جميل.. فتح الله عليك..
يربت بها إبراهيم على رأس الصبي ليردف :
_بقي فقط أن (واحد) تستخدم للعاقل وغير العاقل ، تقول رجل واحد ، وجمل واحد.. أما أحد فلا تستخدم إلا للعاقل.. وهذا من كمال اللغة في القرأن الكريم..
_إبراهيم.. تعال بسرعة.
يهتف بها ابن عمه قيس وقد أطل رأسه من خارج المسجد بملامح قلقة..
فينهض إبراهيم مودعاَ الصبية :
_نكتفي بهذا اليوم.. لا تنسوا مراجعة وِرد التسميع للأسبوع القادم.
_ماذا حدث؟!
يهتف بها وهو يغادر المسجد، ينتعل خُفّه بسرعة مخاطباً قيس الذي هتف بجزع غريب علي طبيعته المرحة دوماَ :
_يسرا.
لم ينتظر إبراهيم المزيد من التفسير وهو يركض نحو بيت أبيه..
يصعد الدرج في قفزات سريعة متقاربة..
تتلاحق أنفاسه وهو يسمع صوت صراخها من أعلى فلا يشعر بنفسه إلا وهي بين ذراعيه يتفحصها بخوف وقد رآها ترتدي ملابس خروجها كاملة حتى نقاب وجهها.. فيهتف بقلق :
_ما الأمر؟!
تكاد تعتصر ثوبها فوق بطنها وآهات خوفها تمتزج بدموعها بينما تنحني على نفسها :
_سقط ماء الجنين.. لايزال الوقت مبكراَ على هذا.. اتصلت بالطبيب وطلب مني الحضور فوراَ!
_ولماذا لم تهاتفيني كي أحضر بسرعة؟!
_الهاتف كان مغلقاَ و... آآه!
تصرخ بألم وهي تنحني من جديد..
تعانق بطنها بذراعيها كأنها تحمي جنينها من كل خطر..
_لا تخافي.. لا تخافي.. ستكونان بخير..
يهتف بها محاولاً التماسك وهو الآخر يشعر بقلبه يتفتت قلقاَ..
ينتبه أخيراَ لوالده الواقف خلفها..
ملامحه كلها تنطق بالخوف هو الآخر لكنه يربت على كتف ابنه وزوجته هاتفاَ :
_رب الخير لا يأتي إلا بالخير.. هيا بنا كي لا نتأخر أكثر على الطبيب..
_سآتي معكم.
في الشارع أمام البيت تبادرهم بها سندس التي جاءت تركض إليهم وقد أحاطت سامي الصغير الباكي بذراعها والذي روعته صرخات يسرا ونشيجها..
ليهتف إبراهيم بحدة فجرها قلقه:
_هي نزهة؟! لن يأتي أحد!
لكن يسرا تصرخ ولا تزال تعانق بطنها بذراعيها :
_دعهم يأتوا.. دعهم جميعاَ يأتوا.. لو حدث لي شيء اريد أن اراهم قبل أن ..
يقاطع إبراهيم قولها الذي لم يحتمل إكماله وهو ينحني ليحملها..
يضمها لصدره بقوة وهو يركض بها حاملاً إياها نحو سيارته فيصله صوتها المتقطع وسط أنفاسها اللاهثة :
_ابني.. ابني يا إبراهيم..هل ساراه ؟! هل سأراه ؟!
تبقى ترددها وكأنها فقط من فرط خوفها صارت كل أمانيها الأن؟!
فيقبّل جبينها بقوة غير آبه بنظرات أهل الحي الذين تجمعوا يلاحقونهم بدعواتهم المرتفعة.. هامساَ أمام عينيها :
_سترينه.. ستعانقينه.. ستقبّلينه.. ستنامين جواره.. وتعوضين به ومعه كل ألم عشته قبله..
تغمض عينيها على صورته..
تغلق أذنيها على كلامه..
بل تطبق قلبها على نبوءته.. كأنها لم تعد تريد أن ترى او تسمع أو تعي المزيد!
وكأنما طويت الأرض طياَ!
لم تعرف كيف صارت فجأة على ذاك السرير في المشفى!
خفقات قلبها تتجاوز حد الجنون وذراعاها يكادان يلتصقان ببطنها البارز كأنها تخاف لو تراخيا أن تفقد جنينها!
تسمع الطبيب يتحدث عن قلقه مهيئاً الجميع لأي نتيجة ..
ترى الممرضات يركضن ليهيئنها للعملية بسرعة تشي بخطورة الوضع..
تشعر بقلب إبراهيم يكاد يشتعل بارزاً من عينيه الملتصقتين بها..
على عكس كفيه الباردتين المعتصرتين لكفيها..
فتدور ببصرها في المكان..
آآه..
الجدران البيضاء من جديد!
كم حملت لها ذكرياتها مع المشفى أسوأ كوابيسها..
شيطان خوفها العتيد يحكم قبضته على روحها..
يذكرها بعذابات (يسرا الصباحي) ويتوعدها بالمزيد..
❤15😢4
لكنها الآن تملك ما تدفع به عن قلبها يد اليأس السوداء الثقيلة..
_يارب.. أنت عند ظن عبدك بك.. وأنا أظنك عفواَ كريماَ لن تحرمني فضلك.
بقلب (يسرا ابنة ربيع) ترددها بملء كيانها حتى تشعر بالسكينة تغمر روحها..
بينما تسمع هتاف إبراهيم الحاد يخاطب الطبيب :
_ماذا تعني بأنني لن يمكنني الدخول معها؟! لن أتركها لحظة واحدة!
وكأنما انقلبت الأدوار!
هو الحليم الهادئ بطبيعته وهي الهستيرية بطبيعتها الآن هي من تهدئه بقولها :
_لا تخف ..لا تخف..
الدموع تتكدس في عينيه وجسده كله يرتجف رجفة خوف تعرفها..
هي أكثر من تعرفها وتشفق عليه منها..
ترفع كفه البارد نحو شفتيها تقبله برقة كأنما تنقل دفء سكينتها إليه..
فينهار على ركبتيه جوار فراشها..قبضتها تكاد تعتصر كفها.. يخفي وجهه في تجويف كتفها هامساَ جوار أذنها عبر أنفاسه اللاهثة:
_أنا خائف.. خائف حقاً.. لم اكن أتصور أبداً ان نكون في موقف كهذا وبدلاً من أطمئنك أهتف أنني أنا..أنا الخائف.. لكنني لا أجد غيرك لأبوح له بهذا.. أنتِ أكثر من يشعر بي.. كوني بخير.. لأجلي.. لأجلنا كلنا..
تدمع عيناها من فرط عاطفتها في هذه اللحظة ..
ترفع كفه من جديد نحو شفتيها تقبله بعمق..
تهمس بحبها العجيب الذي هو للأمومة أقرب.. وبيقين تعلمته منه هو :
_وأنا لأول مرة لست خائفة.. يقيني بربي رغم كل شيء أنه لن يسوءنا.. لن يسوءنا أبداَ.
يبتسم وهو يهز رأسه يرفعه نحوها فترقّ لعينيه الدامعتين..
لتهمس بخفوت :
_عدني.. أحتاج لسماع وعدك الآن.
يبتسم عبر عينيه الدامعتين..
لا يزال وعده يتجدد كل يوم بينهما كثوب عشق لا يبلى أبداً..
_أعدك أن أسمع حين يسد الجميع آذانهم.. أن أحنو عندما يقسون..أن ارحم حين يرجمون.. ان أبقى.. ان ابقى حين لا يبقى أحد..
ثم يغص حلقه ببكائه رغماَ عنه مردفاَ :
_وأن أحبك كما لم يحبك أحد.
تسمع الطبيب يطلب منه المغادرة ولما أشفق على حاله سمح له بالبقاء أخيراً في زاوية الغرفة..
تغمض عينيها على صورته وسط الجدران البيضاء..
(وأن أحبك كما لم يحبك أحد)..
تبطن أذنها كستار رقيق يعزلها عن عالم الخوف..
وخزة إبرة تفقد معها وعيها تدريجياَ..الجدران البيضاء تهتز..
تتراجع.. تتراجع مفسحة المكان لفضاء عريض..
(أنا صرت أكبر.. وشادي بعده صغير)
طفلها يركض نحوها.. يعتلي السور الكبير..
تصرخ به أن يتوقف لكنه لا يفعل..
يسقط.. وتسقط خلفه..
هذه المرة تدركه..
تضمه لصدرها بقوة فيضحك وهو يقبلها..
رائحته تملأ صدرها..
صرخة فرحها تمتزج بصرخات أخرى تسمعها..
صرخات وليد..
تنتبه للصغير بين ذراعيها..
يقبلها من جديد وهو يمسح وجهها..
هالات من نور تحيطه.. تحيطهما معاً..
تشهق وهي تفتح عينيها فجأة..
لتصطدم بالفرحة في عيني إبراهيم..وبكلماته تكاد تطير فرحاَ بها :
_فتحت عينيها!.. حمداَ لله على سلامتك يا أم حسن!
_هو بخير؟!
بصعوبة تهمس بها بين أنفاسها المتحشرجة وهي تشعر بجفنيها يخونانها ليتثاقلا..
تخاف أن يغلقا دون أن تراه..
لكن.. هاهو ذا!
ابنها.. ابنها هنا معها!
دموعها تغرق وجهها..
قلبها يلهج بالحمد ولسانها يهتف دون وعي:
_منامته نظيفة!
لا يملك إبراهيم دموعه وهو يجلس على طرف الفراش، يضمها إليه بذراعه والوليد بالآخر وقد قرّبه منها هامساَ :
_لن تتسخ منامة طفل أنتِ امه.
تطلق صيحة فرح وهي تجاهد لاستعادة وعيها..
تتفحص ملامح الولد بعمق عاطفتها هامسة:
_يشبه شادي.. يشبهه كثيراَ.
يهز ابراهيم رأسه داحضاً غيرته الفطرية في موقف كهذا.. خاصة وهو يدرك أنه لا يوجد أي تشابه..
لقد رأي ابنها الراحل في الصور نسخة مصغرة منها بشقرته وخضرة عينيه..
لكن حسن نسخة منه هو..
لكن لعلها رحمة السماء أن تذكر ذاك في ملامح هذا!
_هذه من يقال لها حرفياَ (سلامتها ام حسن).
تهتف بها سندس التي دخلت الآن الغرفة بمرحها المعهود فتبتسم يسرا وهي تضم الولد لصدرها كأنه كنزها قائلة بصوت يطير فرحاَ رغم نبرته المنهكة :
_حسن! رأيتِ حسن؟! كلكم رأيتموه! أنا لا أحلم.. صحيح؟!
يقبل إبراهيم وجنتها وهو الآخر لا يملك فرحته :
_لا تحلمين..هو هنا معاَ أجمل من أي حلم.
تتنهد بحرارة ثم تأخذ نفساَ عميقاً مشبعاَ برائحة ابنها.. تهمس بانفعال:
_رائحته! رائحته يا إبراهيم! كيف أصفها لك؟! كأنني أعرفها منذ زمن بعيد.. لكنني أشمها لأول مرة بكل هذه القوة.. رائحة كهذه.. كيف أنساها؟!
ثم تقطع قولها فجأة.. هاتفة بلهفة:
_أبي؟! أين أبي؟!
_يصلي في المسجد بالأسفل.. منذ دخلتِ إلى غرفة العمليات.
لم يكد إبراهيم يتفوه بها حتى صدح الصوت الحبيب من مدخل الغرفة :
_هأنذا.
يدخل العجوز الغرفة بلهفة منحته عمراَ أصغر..
يندفع نحوهم ليحمل الصغير بين ذراعيه..
_يارب.. أنت عند ظن عبدك بك.. وأنا أظنك عفواَ كريماَ لن تحرمني فضلك.
بقلب (يسرا ابنة ربيع) ترددها بملء كيانها حتى تشعر بالسكينة تغمر روحها..
بينما تسمع هتاف إبراهيم الحاد يخاطب الطبيب :
_ماذا تعني بأنني لن يمكنني الدخول معها؟! لن أتركها لحظة واحدة!
وكأنما انقلبت الأدوار!
هو الحليم الهادئ بطبيعته وهي الهستيرية بطبيعتها الآن هي من تهدئه بقولها :
_لا تخف ..لا تخف..
الدموع تتكدس في عينيه وجسده كله يرتجف رجفة خوف تعرفها..
هي أكثر من تعرفها وتشفق عليه منها..
ترفع كفه البارد نحو شفتيها تقبله برقة كأنما تنقل دفء سكينتها إليه..
فينهار على ركبتيه جوار فراشها..قبضتها تكاد تعتصر كفها.. يخفي وجهه في تجويف كتفها هامساَ جوار أذنها عبر أنفاسه اللاهثة:
_أنا خائف.. خائف حقاً.. لم اكن أتصور أبداً ان نكون في موقف كهذا وبدلاً من أطمئنك أهتف أنني أنا..أنا الخائف.. لكنني لا أجد غيرك لأبوح له بهذا.. أنتِ أكثر من يشعر بي.. كوني بخير.. لأجلي.. لأجلنا كلنا..
تدمع عيناها من فرط عاطفتها في هذه اللحظة ..
ترفع كفه من جديد نحو شفتيها تقبله بعمق..
تهمس بحبها العجيب الذي هو للأمومة أقرب.. وبيقين تعلمته منه هو :
_وأنا لأول مرة لست خائفة.. يقيني بربي رغم كل شيء أنه لن يسوءنا.. لن يسوءنا أبداَ.
يبتسم وهو يهز رأسه يرفعه نحوها فترقّ لعينيه الدامعتين..
لتهمس بخفوت :
_عدني.. أحتاج لسماع وعدك الآن.
يبتسم عبر عينيه الدامعتين..
لا يزال وعده يتجدد كل يوم بينهما كثوب عشق لا يبلى أبداً..
_أعدك أن أسمع حين يسد الجميع آذانهم.. أن أحنو عندما يقسون..أن ارحم حين يرجمون.. ان أبقى.. ان ابقى حين لا يبقى أحد..
ثم يغص حلقه ببكائه رغماَ عنه مردفاَ :
_وأن أحبك كما لم يحبك أحد.
تسمع الطبيب يطلب منه المغادرة ولما أشفق على حاله سمح له بالبقاء أخيراً في زاوية الغرفة..
تغمض عينيها على صورته وسط الجدران البيضاء..
(وأن أحبك كما لم يحبك أحد)..
تبطن أذنها كستار رقيق يعزلها عن عالم الخوف..
وخزة إبرة تفقد معها وعيها تدريجياَ..الجدران البيضاء تهتز..
تتراجع.. تتراجع مفسحة المكان لفضاء عريض..
(أنا صرت أكبر.. وشادي بعده صغير)
طفلها يركض نحوها.. يعتلي السور الكبير..
تصرخ به أن يتوقف لكنه لا يفعل..
يسقط.. وتسقط خلفه..
هذه المرة تدركه..
تضمه لصدرها بقوة فيضحك وهو يقبلها..
رائحته تملأ صدرها..
صرخة فرحها تمتزج بصرخات أخرى تسمعها..
صرخات وليد..
تنتبه للصغير بين ذراعيها..
يقبلها من جديد وهو يمسح وجهها..
هالات من نور تحيطه.. تحيطهما معاً..
تشهق وهي تفتح عينيها فجأة..
لتصطدم بالفرحة في عيني إبراهيم..وبكلماته تكاد تطير فرحاَ بها :
_فتحت عينيها!.. حمداَ لله على سلامتك يا أم حسن!
_هو بخير؟!
بصعوبة تهمس بها بين أنفاسها المتحشرجة وهي تشعر بجفنيها يخونانها ليتثاقلا..
تخاف أن يغلقا دون أن تراه..
لكن.. هاهو ذا!
ابنها.. ابنها هنا معها!
دموعها تغرق وجهها..
قلبها يلهج بالحمد ولسانها يهتف دون وعي:
_منامته نظيفة!
لا يملك إبراهيم دموعه وهو يجلس على طرف الفراش، يضمها إليه بذراعه والوليد بالآخر وقد قرّبه منها هامساَ :
_لن تتسخ منامة طفل أنتِ امه.
تطلق صيحة فرح وهي تجاهد لاستعادة وعيها..
تتفحص ملامح الولد بعمق عاطفتها هامسة:
_يشبه شادي.. يشبهه كثيراَ.
يهز ابراهيم رأسه داحضاً غيرته الفطرية في موقف كهذا.. خاصة وهو يدرك أنه لا يوجد أي تشابه..
لقد رأي ابنها الراحل في الصور نسخة مصغرة منها بشقرته وخضرة عينيه..
لكن حسن نسخة منه هو..
لكن لعلها رحمة السماء أن تذكر ذاك في ملامح هذا!
_هذه من يقال لها حرفياَ (سلامتها ام حسن).
تهتف بها سندس التي دخلت الآن الغرفة بمرحها المعهود فتبتسم يسرا وهي تضم الولد لصدرها كأنه كنزها قائلة بصوت يطير فرحاَ رغم نبرته المنهكة :
_حسن! رأيتِ حسن؟! كلكم رأيتموه! أنا لا أحلم.. صحيح؟!
يقبل إبراهيم وجنتها وهو الآخر لا يملك فرحته :
_لا تحلمين..هو هنا معاَ أجمل من أي حلم.
تتنهد بحرارة ثم تأخذ نفساَ عميقاً مشبعاَ برائحة ابنها.. تهمس بانفعال:
_رائحته! رائحته يا إبراهيم! كيف أصفها لك؟! كأنني أعرفها منذ زمن بعيد.. لكنني أشمها لأول مرة بكل هذه القوة.. رائحة كهذه.. كيف أنساها؟!
ثم تقطع قولها فجأة.. هاتفة بلهفة:
_أبي؟! أين أبي؟!
_يصلي في المسجد بالأسفل.. منذ دخلتِ إلى غرفة العمليات.
لم يكد إبراهيم يتفوه بها حتى صدح الصوت الحبيب من مدخل الغرفة :
_هأنذا.
يدخل العجوز الغرفة بلهفة منحته عمراَ أصغر..
يندفع نحوهم ليحمل الصغير بين ذراعيه..
❤19
يتفحص ملامحه.. يتشربها.. كأنه لأول مرة في عمره الطويل يرى رضيعاً!
دموعه ترسم لوحة امتزج فيها الفرح بالوجع بالتساوي في مزيج نادر..
يردد الآذان في أذن الصغير.. يحنكه بتمرة..
صوته يتحشرج بغصة :
_حسن.. حسن..آآه.. آه يا قلب جدك! سبحان من يعوض الكسر بالجبر ولو بعد حين..
ينهض إبراهيم ليربت على ظهره.. يقبل كتفه فيردف العجوز ودموعه تبلل لحيته :
_الحمد لله أن أطال عمري حتى شهدت هذا اليوم..
ترفع يسرا ذراعها نحوه فيبتسم وهو يجلس بالولد على طرف فراشها هاتفاً :
_إياكِ أن تظني أن فرحتي لأجل حفيدي فحسب.. يشهد ربي أن فرحتي لعوضك أنت أكبر.
_اعرف.. اعرف..
تهمس بها بين دموع فرحتها هي الأخرى.. لتردف بسعادة وعيناها معلقتان بالولد :
_تعرفون من ستحزن حقاَ لأنها لم تشاركنا هذه اللحظة؟! هبة! كانت توصيني دوماَ أن ألد في يوم الجمعة.. أقول لها (لأنه يوم مبارك) فتقول (لا.. لأنه إجازة).
_ولو! فداكِ ألف يوم عمل! فداك الوظيفة كلها!
تهتف بها هبة التي ظهرت عند باب الغرفة لتضحك يسرا وهي تراها تركض بلهفة نحوهم..
لهفة تناقض وقارها المعهود وهي تهتف بعاطفة وجلة بينما تنظر للصغير :
_صغير جداً.. كيف تحملونه هذا؟!
يضحك ربيع وهو يناوله لها وسط ارتباكها هاتفاَ :
_كنتِ أصغر منه عندما ولدتِ! أنا أذكر جيداً.. كانت أمك رحمها الله تلفك بطبقات الملابس واحدة واحدة كي تجد حجماَ يصلح للحمل!
تعلو ضحكاتهم بينما تنحني هبة لتقبل جبين الصغير تاركة إياه لجده عاجزة عن حمله..
تنهمر دموع فرحتها دون وعي منغمسة بهتافها :
_لم أتمالك نفسي عندما أخبرني قيس أن يسرا تلد.. تركت كل شيء خلفي.. يالله.. كم هو جميل.. كم يخطف القلب.. وجهه مضيء كأنه قطعة من القمر.
فتهتف سندس بمرح :
_في الحزن تبكون.. وفي الفرح تبكون.. متى ستعطونني الفرصة كي ازغرد إذن ؟!
تمتزج ضحكاتهم جميعاَ قبل أن يعلو صوت جلبة من الخارج..
يتساءل إبراهيم عن مصدرها لتجيبه سندس وسط ضحكاتها :
_الحرافيش مصرّون أن يظهروا امتنانهم للطبيب بطريقتهم بعدما قامت يسرا بالسلامة.. يحملونه على أكتافهم ويدورون به في ردهة المشفى..
تنطلق ضحكاتهم من جديد بينما يسمعون الهتاف الموحد بصوت الحرافيش من الخارج :
_شيكايّو يا شيكايّو. . دكتورنا مفيش زيه..
======
العراق.. بغداد
_الحمد لله.
يهتف بها العجوز مؤيد بارتياح بعد مغادرتهما مؤسسة الأمين، يسير جوار حفيدته (ناي) التي بادرته بقولها :
_لماذا أنت راضٍ هكذا عن عملي في هذا المكان؟!
نبرتها كالعادة معه هو بالذات يمتزج فيها نزقها المعهود بخيط من الذنب خاصة بعد معرفة جدها بعلاقتها مع (مظفر البارودي).. فيلتفت نحوها وهو يبطئ سير خطواته :
_الفراغ يدفع المرء للتفكير في أشياء بلا فائدة.. اشغلي نفسك أفضل.
تطرق برأسها وقد أدركت مغزى عبارته ،لتقول بتردد :
_العقل ينشغل لكن القلب له أحكامه.
لم تكد تتفوه بها حتى شهقت ببعض الخوف وهي تراه يتوقف بها فجأة في منتصف الطريق، يقبض على معصمها هاتفاَ بعينين دامعتين :
_ماذا سيحدث لو دفعتك فجأة أمام واحدة من هذه السيارات؟!
تتسع عيناها بصدمة وهي لا تفهم.. لكن قلبها يخزها وهي تراه يضمها فجأة لكنفه.. يتعوذ بالله من الشر ثم يمسح جبينها ووجنتيها براحته هامساَ بحنانه الحزين :
_الله لا يريني فيكِ سوءاَ! لكنني فقط أردت تحذيرك.. هكذا بالضبط هو اقترابك من عائلة البارودي وبالتحديد من سلمان البارودي وابنه مظفر.. تصادم مندفع لن ياتي من خلفه خير..
ثم تغيم عيناه بسحابة من قهر وهو يردف:
_ هذه العائلة عدوتنا إلى يوم الدين.
_لماذا؟! لماذا تقول دوماَ هكذا؟!
تتمتم بها ناي منكسة الرأس فيهتف بها جدها بانفعال:
_لا يجب أن تعرفي السبب .. كل ما يجب ان تعرفيه ألا تفتحي باباَ لمظفر ذاك؟!
_لكنه.. لكنه..
تهتف بها بانفعال وهي تلوح بذراعيها..
ملامحها تفضح صراعاَ عميقاَ داخلها ينتهي بفورة بكائها وهي تكمل عبارتها:
_لكنه ليس له ذنب.. لا أنا ولا هو لنا أي ذنب.
بكاؤها يلفت لهما انظار المارة، فيتنهد العجوز وهو يعاود ضمها إليه..
يسير بها مردداَ (لا حول ولا قوة إلا بالله) وكفه الرحيم لايزال يربت وجنتها يمسح دموعها..
يصل بها لأحد الأكشاك القريبة.. يبتاع لها حلوى ما كان يشتريها لها في صغرها فترتسم على شفتها ابتسامة معتذرة وعاتبة معاَ:
_ لم أعد صغيرة تلهيها الحلوى.
_ليتكِ بقيتِ كذلك! كان همك أهون!
يقرص بها وجنتها بخفة، فترتجف ابتسامتها وهي تنتزع الغلاف المفضض للحلوى.. تلتهمها بتلذذ وهي تشيح بوجهها عنه..
لكنه يضمها إليه من جديد في هذه الحركة الدافئة التي تشعر فيها كأن طرف عباءته يحميها من الدنيا كلها..
دموعه ترسم لوحة امتزج فيها الفرح بالوجع بالتساوي في مزيج نادر..
يردد الآذان في أذن الصغير.. يحنكه بتمرة..
صوته يتحشرج بغصة :
_حسن.. حسن..آآه.. آه يا قلب جدك! سبحان من يعوض الكسر بالجبر ولو بعد حين..
ينهض إبراهيم ليربت على ظهره.. يقبل كتفه فيردف العجوز ودموعه تبلل لحيته :
_الحمد لله أن أطال عمري حتى شهدت هذا اليوم..
ترفع يسرا ذراعها نحوه فيبتسم وهو يجلس بالولد على طرف فراشها هاتفاً :
_إياكِ أن تظني أن فرحتي لأجل حفيدي فحسب.. يشهد ربي أن فرحتي لعوضك أنت أكبر.
_اعرف.. اعرف..
تهمس بها بين دموع فرحتها هي الأخرى.. لتردف بسعادة وعيناها معلقتان بالولد :
_تعرفون من ستحزن حقاَ لأنها لم تشاركنا هذه اللحظة؟! هبة! كانت توصيني دوماَ أن ألد في يوم الجمعة.. أقول لها (لأنه يوم مبارك) فتقول (لا.. لأنه إجازة).
_ولو! فداكِ ألف يوم عمل! فداك الوظيفة كلها!
تهتف بها هبة التي ظهرت عند باب الغرفة لتضحك يسرا وهي تراها تركض بلهفة نحوهم..
لهفة تناقض وقارها المعهود وهي تهتف بعاطفة وجلة بينما تنظر للصغير :
_صغير جداً.. كيف تحملونه هذا؟!
يضحك ربيع وهو يناوله لها وسط ارتباكها هاتفاَ :
_كنتِ أصغر منه عندما ولدتِ! أنا أذكر جيداً.. كانت أمك رحمها الله تلفك بطبقات الملابس واحدة واحدة كي تجد حجماَ يصلح للحمل!
تعلو ضحكاتهم بينما تنحني هبة لتقبل جبين الصغير تاركة إياه لجده عاجزة عن حمله..
تنهمر دموع فرحتها دون وعي منغمسة بهتافها :
_لم أتمالك نفسي عندما أخبرني قيس أن يسرا تلد.. تركت كل شيء خلفي.. يالله.. كم هو جميل.. كم يخطف القلب.. وجهه مضيء كأنه قطعة من القمر.
فتهتف سندس بمرح :
_في الحزن تبكون.. وفي الفرح تبكون.. متى ستعطونني الفرصة كي ازغرد إذن ؟!
تمتزج ضحكاتهم جميعاَ قبل أن يعلو صوت جلبة من الخارج..
يتساءل إبراهيم عن مصدرها لتجيبه سندس وسط ضحكاتها :
_الحرافيش مصرّون أن يظهروا امتنانهم للطبيب بطريقتهم بعدما قامت يسرا بالسلامة.. يحملونه على أكتافهم ويدورون به في ردهة المشفى..
تنطلق ضحكاتهم من جديد بينما يسمعون الهتاف الموحد بصوت الحرافيش من الخارج :
_شيكايّو يا شيكايّو. . دكتورنا مفيش زيه..
======
العراق.. بغداد
_الحمد لله.
يهتف بها العجوز مؤيد بارتياح بعد مغادرتهما مؤسسة الأمين، يسير جوار حفيدته (ناي) التي بادرته بقولها :
_لماذا أنت راضٍ هكذا عن عملي في هذا المكان؟!
نبرتها كالعادة معه هو بالذات يمتزج فيها نزقها المعهود بخيط من الذنب خاصة بعد معرفة جدها بعلاقتها مع (مظفر البارودي).. فيلتفت نحوها وهو يبطئ سير خطواته :
_الفراغ يدفع المرء للتفكير في أشياء بلا فائدة.. اشغلي نفسك أفضل.
تطرق برأسها وقد أدركت مغزى عبارته ،لتقول بتردد :
_العقل ينشغل لكن القلب له أحكامه.
لم تكد تتفوه بها حتى شهقت ببعض الخوف وهي تراه يتوقف بها فجأة في منتصف الطريق، يقبض على معصمها هاتفاَ بعينين دامعتين :
_ماذا سيحدث لو دفعتك فجأة أمام واحدة من هذه السيارات؟!
تتسع عيناها بصدمة وهي لا تفهم.. لكن قلبها يخزها وهي تراه يضمها فجأة لكنفه.. يتعوذ بالله من الشر ثم يمسح جبينها ووجنتيها براحته هامساَ بحنانه الحزين :
_الله لا يريني فيكِ سوءاَ! لكنني فقط أردت تحذيرك.. هكذا بالضبط هو اقترابك من عائلة البارودي وبالتحديد من سلمان البارودي وابنه مظفر.. تصادم مندفع لن ياتي من خلفه خير..
ثم تغيم عيناه بسحابة من قهر وهو يردف:
_ هذه العائلة عدوتنا إلى يوم الدين.
_لماذا؟! لماذا تقول دوماَ هكذا؟!
تتمتم بها ناي منكسة الرأس فيهتف بها جدها بانفعال:
_لا يجب أن تعرفي السبب .. كل ما يجب ان تعرفيه ألا تفتحي باباَ لمظفر ذاك؟!
_لكنه.. لكنه..
تهتف بها بانفعال وهي تلوح بذراعيها..
ملامحها تفضح صراعاَ عميقاَ داخلها ينتهي بفورة بكائها وهي تكمل عبارتها:
_لكنه ليس له ذنب.. لا أنا ولا هو لنا أي ذنب.
بكاؤها يلفت لهما انظار المارة، فيتنهد العجوز وهو يعاود ضمها إليه..
يسير بها مردداَ (لا حول ولا قوة إلا بالله) وكفه الرحيم لايزال يربت وجنتها يمسح دموعها..
يصل بها لأحد الأكشاك القريبة.. يبتاع لها حلوى ما كان يشتريها لها في صغرها فترتسم على شفتها ابتسامة معتذرة وعاتبة معاَ:
_ لم أعد صغيرة تلهيها الحلوى.
_ليتكِ بقيتِ كذلك! كان همك أهون!
يقرص بها وجنتها بخفة، فترتجف ابتسامتها وهي تنتزع الغلاف المفضض للحلوى.. تلتهمها بتلذذ وهي تشيح بوجهها عنه..
لكنه يضمها إليه من جديد في هذه الحركة الدافئة التي تشعر فيها كأن طرف عباءته يحميها من الدنيا كلها..
❤16🥰3
فتأخذ نفساَ عميقاَ براحة حقيقية وهي ترفع عينيها إليه، ليقول لها بنبرة بين الأمر والرجاء :
_عديني.
_بماذا؟!
_ألا تندفعي في واحدة من حماقاتك.. أن تقطعي علاقتك بذاك الولد نهائياَ.
تكتم ابتسامة مريرة وهي تدفن جبهتها في كتفه..
مظفر ذو المائة وتسعين سنتيمتر وما يقارب المائة كيلوجرام بما يجعله أشبه بحائط متحرك.. ماذا سيفعل لو سمع ان جدها يدعوه ب(الولد)؟!
وكأنها تهرب بسخريتها من وعد لا تقوى على منحه!
لم تعد تستطيع الابتعاد عن مظفر..
هو طريقها الذي ينبغي أن تسيره لآخره!
تقطع خاطرتها مانعة قلبها من المزيد من جموحه!
ليس الآن..
ليس وهي بين ذراعي جدها يبثها حنانه بكل هذه الثقة!
_لن تمنحيني وعدك؟!
يسألها مؤيد بخيبة لترفع إليه عينين عاتبتين:
_هل ستصفعني هذه المرة أيضاَ؟!
دموع العجز تملأ عينيه..
أصابعه ترتفع.. ترتجف حول وجهها كأنه محتار أن يصفعها أو يربت عليها..
فيختلج قلبها بنفس الصراع من جديد..
تشعر بما يكابده من خوف عليها.. لكن..!
رنين هاتفه ينقذها مؤقتاَ فتزدرد ريقها وهي تراه يتحدث إلى جدتها.. ينهي الاتصال سريعاَ ليتنهد وهو يعيد هاتفه لجيبه:
_عودي أنتِ للبيت الآن.. جدتك قلقة وتريد الاطمئنان عليك.. أنا سأذهب لشراء شيء ما تحتاجه جدتك.. لم ينتهِ حديثنا بعد.
يقول عبارته الأخيرة بنبرة محذرة فتهز رأسها ليفترق طريقاهما..
تتحرك لموقف الحافلات العامة تقف تنتظر الأقرب لبيتها.. بينما يتحرك مؤيد في الاتجاه المعاكس نحو بغيته..
ولم تكد تطمئن لاختفائه من دائرتها حتى استخرجت هاتفها الذي يضج بأنينه..
_مظفر! ألا تعرف أنني كنت مع جدي؟! لماذا كل هذه الاتصالات؟! الهاتف في وضع الاهتزاز ومع كل هذه الاتصالات كدت أتحول لأرجوحة!!
ترسلها له مكتوبة فيرد :
_لم أطق صبراَ على انتظار نتيجة مقابلتك.. هل تسلمتِ الوظيفة؟!
_بالطبع! هل تستهين بقدراتي؟!
_من ذا يجرؤ؟! أفدي غرورك هذا!
تضحك وهي تكتب له :
_أين أنت؟!
_أمامك.
تشهق بدهشة وهي ترى سيارته الفارهة تتوقف أمامها بالضبط في صرير عالٍ..
_مجنون!
تتمتم بها بما ظاهره الاستنكار وباطنه الرضا وهي تتلفت حولها قبل أن تستقل السيارة جواره لتهتف باستنكار :
_لماذا جئت؟! ألم تخف ان يكون جدي لا يزال معي؟!
_بصراحة لم أستطع منع نفسي من الحضور.. راقبتكما حتى رأيته يتركك.. قلت لنفسي قلبي كان يشعر أنك ستكونين جواري آخر المطاف.
يقولها بعاطفته الملتهبة وعيناه تطوقان ملامحها..
أنامله تمتد ليمسك كفها لكنها تسحبه منه..
فيغمغم بضيق:
_ما الأمر؟! لا تبدين سعيدة بوجودي.
تتأوه بخفوت وهي تشيح بوجهها قائلة بحرارة :
_"سعيدة " كلمة أقل بكثير مما أشعر به.. تعرف كيف يرتاح قلبي عندما أراك.. لكن.. جدي.. أنت تعلم..!
نفسٌ حارق يغادر جوفها ويجد صداه في قلبه هو فيهتف بانفعال:
_لماذا يكرهنا جدك إلى هذا الحد؟!
_وهل يحبنا والدك مثلاً؟!
تهتف بها بتهكم فيزفر قائلاً :
_فقط لو اعرف سر هذه العداوة؟! كل ما أذكره عن طفولتنا أن عائلتينا لم تكونا تفترقان إلا لماماَ.. أبي وأبوكِ.. أمي وامك.. وأنا وانتِ! ماذا حدث لكل هذا؟!
تغيم عيناها بنظرة داكنة وأناملها تتحسس قلادتها بينما تهز كتفيها في إشارة للجهل..
لكنه يمسك كفها ليغرس نظراته في عينيها :
_ما كان كان.. وليكن ما يكون.. أنتِ لي رغماَ عن انف الجميع..
تبتسم وهي تسحب كفها منه من جديد.. فيردف بنفس الانفعال:
_أنا غيرت رأيي.. اليوم أكلم أبي وتعملين معي في شركتنا.
_وهل سيوافق؟!
ترقبّها يحمل طيفاَ من مرارة ساخرة فتكتسي ملامحه بالغم وهو يجيبها:
_فليمنحني سبباَ للرفض إذن.. لكل هذا التوتر الذي يشعر به كلما أتيت على سيرتك.. ألم يقل جدك شيئاً؟!
تهز رأسها نفياَ لترد :
_يتحدث عن عداوة لكنه لا يفصح عن تفاصيل.
صمتٌ قصير كئيب يلفهما بعباءته.. وتكون هي أول من يقطعه بابتسامتها تتصنع المرح :
_دعك من كل هذا! هل سنضيع الوقت القصير الذي نملكه في الحزن؟!
ابتسامة تنير وجهه تكبر رويداَ رويداَ وهو يناظرها.. ليقول فجأة :
_دقيقة.. دقيقة.. كيف لم أنتبه إلا الآن؟! انتِ يا بنت! كيف جرؤتِ؟!
_ماذا فعلت؟!
تسأله بتوجس ليصلها صوته المغتاظ:
_كيف تحضرين مقابلة عمل بهذه الفتنة؟!
ضحكتها الطويلة تغرد في أذنه بينما يقرص هو اذنها لتتأوه وهي تسمعه يردف :
_كيف تجرؤين ان تخطفي الأبصار بهذه الطريقة؟!
_مظفر!
تهمس بها بعتاب وهي تبتعد عن مرمى ذراعيه تكاد تلصق ظهرها بالباب خلفها فيتنهد بحرارة :
_يا لوعة مظفر.. يا حرقة مظفر.. يا نبض مظفر..
ثم تجف لهجته نوعاَ ما وهو يسألها :
_هل أجريتِ المقابلة مع إلياس الأمين نفسه؟!
_آها.
تهز بها رأسها ببعض الفخر فيعاود سؤالها :
_وما انطباعك عن إلياس هذا؟!
_عديني.
_بماذا؟!
_ألا تندفعي في واحدة من حماقاتك.. أن تقطعي علاقتك بذاك الولد نهائياَ.
تكتم ابتسامة مريرة وهي تدفن جبهتها في كتفه..
مظفر ذو المائة وتسعين سنتيمتر وما يقارب المائة كيلوجرام بما يجعله أشبه بحائط متحرك.. ماذا سيفعل لو سمع ان جدها يدعوه ب(الولد)؟!
وكأنها تهرب بسخريتها من وعد لا تقوى على منحه!
لم تعد تستطيع الابتعاد عن مظفر..
هو طريقها الذي ينبغي أن تسيره لآخره!
تقطع خاطرتها مانعة قلبها من المزيد من جموحه!
ليس الآن..
ليس وهي بين ذراعي جدها يبثها حنانه بكل هذه الثقة!
_لن تمنحيني وعدك؟!
يسألها مؤيد بخيبة لترفع إليه عينين عاتبتين:
_هل ستصفعني هذه المرة أيضاَ؟!
دموع العجز تملأ عينيه..
أصابعه ترتفع.. ترتجف حول وجهها كأنه محتار أن يصفعها أو يربت عليها..
فيختلج قلبها بنفس الصراع من جديد..
تشعر بما يكابده من خوف عليها.. لكن..!
رنين هاتفه ينقذها مؤقتاَ فتزدرد ريقها وهي تراه يتحدث إلى جدتها.. ينهي الاتصال سريعاَ ليتنهد وهو يعيد هاتفه لجيبه:
_عودي أنتِ للبيت الآن.. جدتك قلقة وتريد الاطمئنان عليك.. أنا سأذهب لشراء شيء ما تحتاجه جدتك.. لم ينتهِ حديثنا بعد.
يقول عبارته الأخيرة بنبرة محذرة فتهز رأسها ليفترق طريقاهما..
تتحرك لموقف الحافلات العامة تقف تنتظر الأقرب لبيتها.. بينما يتحرك مؤيد في الاتجاه المعاكس نحو بغيته..
ولم تكد تطمئن لاختفائه من دائرتها حتى استخرجت هاتفها الذي يضج بأنينه..
_مظفر! ألا تعرف أنني كنت مع جدي؟! لماذا كل هذه الاتصالات؟! الهاتف في وضع الاهتزاز ومع كل هذه الاتصالات كدت أتحول لأرجوحة!!
ترسلها له مكتوبة فيرد :
_لم أطق صبراَ على انتظار نتيجة مقابلتك.. هل تسلمتِ الوظيفة؟!
_بالطبع! هل تستهين بقدراتي؟!
_من ذا يجرؤ؟! أفدي غرورك هذا!
تضحك وهي تكتب له :
_أين أنت؟!
_أمامك.
تشهق بدهشة وهي ترى سيارته الفارهة تتوقف أمامها بالضبط في صرير عالٍ..
_مجنون!
تتمتم بها بما ظاهره الاستنكار وباطنه الرضا وهي تتلفت حولها قبل أن تستقل السيارة جواره لتهتف باستنكار :
_لماذا جئت؟! ألم تخف ان يكون جدي لا يزال معي؟!
_بصراحة لم أستطع منع نفسي من الحضور.. راقبتكما حتى رأيته يتركك.. قلت لنفسي قلبي كان يشعر أنك ستكونين جواري آخر المطاف.
يقولها بعاطفته الملتهبة وعيناه تطوقان ملامحها..
أنامله تمتد ليمسك كفها لكنها تسحبه منه..
فيغمغم بضيق:
_ما الأمر؟! لا تبدين سعيدة بوجودي.
تتأوه بخفوت وهي تشيح بوجهها قائلة بحرارة :
_"سعيدة " كلمة أقل بكثير مما أشعر به.. تعرف كيف يرتاح قلبي عندما أراك.. لكن.. جدي.. أنت تعلم..!
نفسٌ حارق يغادر جوفها ويجد صداه في قلبه هو فيهتف بانفعال:
_لماذا يكرهنا جدك إلى هذا الحد؟!
_وهل يحبنا والدك مثلاً؟!
تهتف بها بتهكم فيزفر قائلاً :
_فقط لو اعرف سر هذه العداوة؟! كل ما أذكره عن طفولتنا أن عائلتينا لم تكونا تفترقان إلا لماماَ.. أبي وأبوكِ.. أمي وامك.. وأنا وانتِ! ماذا حدث لكل هذا؟!
تغيم عيناها بنظرة داكنة وأناملها تتحسس قلادتها بينما تهز كتفيها في إشارة للجهل..
لكنه يمسك كفها ليغرس نظراته في عينيها :
_ما كان كان.. وليكن ما يكون.. أنتِ لي رغماَ عن انف الجميع..
تبتسم وهي تسحب كفها منه من جديد.. فيردف بنفس الانفعال:
_أنا غيرت رأيي.. اليوم أكلم أبي وتعملين معي في شركتنا.
_وهل سيوافق؟!
ترقبّها يحمل طيفاَ من مرارة ساخرة فتكتسي ملامحه بالغم وهو يجيبها:
_فليمنحني سبباَ للرفض إذن.. لكل هذا التوتر الذي يشعر به كلما أتيت على سيرتك.. ألم يقل جدك شيئاً؟!
تهز رأسها نفياَ لترد :
_يتحدث عن عداوة لكنه لا يفصح عن تفاصيل.
صمتٌ قصير كئيب يلفهما بعباءته.. وتكون هي أول من يقطعه بابتسامتها تتصنع المرح :
_دعك من كل هذا! هل سنضيع الوقت القصير الذي نملكه في الحزن؟!
ابتسامة تنير وجهه تكبر رويداَ رويداَ وهو يناظرها.. ليقول فجأة :
_دقيقة.. دقيقة.. كيف لم أنتبه إلا الآن؟! انتِ يا بنت! كيف جرؤتِ؟!
_ماذا فعلت؟!
تسأله بتوجس ليصلها صوته المغتاظ:
_كيف تحضرين مقابلة عمل بهذه الفتنة؟!
ضحكتها الطويلة تغرد في أذنه بينما يقرص هو اذنها لتتأوه وهي تسمعه يردف :
_كيف تجرؤين ان تخطفي الأبصار بهذه الطريقة؟!
_مظفر!
تهمس بها بعتاب وهي تبتعد عن مرمى ذراعيه تكاد تلصق ظهرها بالباب خلفها فيتنهد بحرارة :
_يا لوعة مظفر.. يا حرقة مظفر.. يا نبض مظفر..
ثم تجف لهجته نوعاَ ما وهو يسألها :
_هل أجريتِ المقابلة مع إلياس الأمين نفسه؟!
_آها.
تهز بها رأسها ببعض الفخر فيعاود سؤالها :
_وما انطباعك عن إلياس هذا؟!
❤19
_اووووه ..لا تذكرني ! تعرف هؤلاء الذين يبدون وكأنهم خرجوا من غلاف مجلة !! تلك الأناقة المغيظة ! كل شيء فيه مفرود منمق كأنه حديث الكيّ..كلامه المقتضب ..ابتسامته الرصينة ..ناهيك عن ثيابه ..حذائه ..وحتى ساعته!أنت تعرف كم أبغض هؤلاء! أشعر أنهم لا ينتمون إلينا ! يهيأ إليّ أن أحدهم حتى لو شتم فسيخرج سبابه مغلفاً بشرائط فضية !
يتشاركان معاَ ضحكة طويلة تنتهي بقوله:
_الحمد لله ان هذا رأيك! أنا أيضاَ لا أقتنع بسمعة إلياس الأمين التي تنتشر في المدينة بأنه العريس المميز طريدة أغلب نساء مجتمعه المخملي.. تنتشر الكثير من الشائعات حول سبب بقائه عزباَ حتى الآن رغم ثرائه وسنوات عمره التي تقترب من الأربعين.
_سبعة وثلاثين!
تقولها وهي تخرج لسانها له مغيظة، فيهتف بنزق:
_الله!الله! وتحريتِ عن عمره بالضبطِ إذن؟! أعرف أنك تغيظيينني لكن لا تعبثي بهذا الأمر.. تعرفين كيف هو مارد غيرتي عندما يغادر القمقم!
فتضحك وهي ترد :
_اطمئن.. الرجل حتى لم ينظر إليّ.. ربت على كتف جدي ثم هز رأسه بوقار.. فكان هذا اعتماد قبولي للوظيفة!
_ولماذا ينظر إليكِ ذاك؟! هه؟! بالطبع لا ينظر.. لا ينظر إليكِ أي رجل وإلا فقأت عينه!
_هل تغار من (مستر إلياس)؟! يالله!! أي جنون هذا؟!
_وما الجنون في هذا؟! اليس رجلاَ؟! وأعزب؟!
_لا.. لا.. لا.. ليس لهذه الدرجة!! انت صرت مهووساَ بحق!
تهتف بها باستنكار ليرد بسرعة :
_مهووس.. مهوووووس.. مهووس بك ولا أنكرها.. هذا قدرك أن تحبي رجلاَ مهووساَ مثلي!
تضحك وهي تميل رأسها هامسة بدلال :
_أجمل قدر.
_أفدي ضحكتك هذه!
يقولها بنبرة هائمة فتلتقي عيناهما في حديث طويل يقطعه هو بقوله :
_اسمحيلي إذن بصفتي مهووس بك ان أختطفك لوقت قصير.. أنا وانت فقط.
_لن يجوز.. جدي سيسأل جدتي متى عدت و..
_نصف ساعة فقط.. اشتقت عينيكِ..
يبدو التردد على ملامحها فيردف بعينين ملتمعتين نابضتين بالجنون :
_تدركين خطورة ان يشعر مهووس مثلي بالاشتياق! تدركين؟! هه؟! تدركين؟!
من جديد تغرد ضحكتها القصيرة بينهما فيهتف ضاحكاَ هو الآخر :
_سأعتبر هذه موافقة.. عاش الهوس والمهووسون!
يقولها لينطلق بها بسيارته وضحكاتهما ترسم مشهداَ هانئاَ لعاشقين..
غافلين عن أحدهم الذي كان واقفاَ خلف شجرة قريبة يلتقط لهما بعض الصور ولا يبدو على ملامحه الخير..!
======
على مقعد رئيس مجلس إدارة (مؤسسة الأمين) يجلس يحيى يراجع بعض الأوراق، يقاطعه رنين هاتفه فيبتسم وهو يتناوله حالما يتبين هوية المتصلة، يفتح الاتصال هاتفاً بحنان :
_حبيبة (بابا).. كيف حال يومنا؟!
_أشعر بالملل.
صوت مجد العبوس يخز قلبه، يعرف سببه لكنه لا يزال مصراَ على الرفض.. لهذا يهتف بحزمه الحاني:
_أعرف كيف أعالج مللك هذا.. انتظري فقط نهاية الأسبوع ونذهب سوياَ حيث شئتِ.
_لكنني أريد الذهاب مع أصحابي لرحلة المدرسة.
عنادها المستحدث يثير ضيقه فتزداد نبرته انفعالاَ :
_وأنا رفضت الأمر ولا أزال أرفضه.. المكان لا يناسب ذهابك وحدك.
_لن أكون وحدي.. سيخصصون لي مشرفة خاصة تهتم بي.
_وأنا لن آمن أحداَ غريباَ عليكِ!
_لكن..
_قلت (لا)! انتهى!
يقاطع بها حديثها بصرامة متربصة متوقعاَ المزيد من عنادها، فتهتف بمكر :
_لا تلمني لو لجأت للحل البديل!
_أي حل؟!
يسألها بتوجس لكنها تغلق الاتصال فيطلق زفرة ساخطة وهو يعاود الاتصال بها لكن باب المكتب يفتح لتطل من خلفه ساحرته بابتسامتها المتهكمة دوماَ كأنها تسخر من الدنيا كلها!
_طيف!
يهتف بها قلبه قبل شفتيه وهو يضع هاتفه مكانه ليندفع نحوها بينما تغلق هي الباب خلفها هاتفة بفظاظتها المعهودة :
_اعذرني لو دخلت دون استئذان! قلت لسكرتيرتك بالخارج أن قواعدكم هذه لن تنطبق عليّ.. حاولت المسكينة منعي لكنها أخذت ما فيه النصيب.. هه.. ما رأيك أنت.. ألا تعترف أنه يليق بي الاقتحام؟!
يحتكر خصرها بقبضتيه مرتوياَ بفيض عاطفتها البرية في عينيها، تعانقها عيناه من قمة رأسها لأخمص قدميها ،تصفيفة شعرها البسيطة بانسدالها الحر على كتفيها، ملامحها الخالية كالعادة من الأصباغ، ثوبها البرتقالي الداكن بقصته الانسيابية، سلسلة عنقها باسمه هو والتي منحتها لها أمه قبل موتها، هذه بالذات تتلكأ عيناه عليها قليلاً كأنها تذكره بقوة تاريخ جمع بينهما، وأخيراَ حذاؤها المكشوف ذو الكعب الرفيع بسيوره الطويلة التي أحاطت بكاحليها ومنحتها منظراَ مغرياَ بعينيه..
يومئ برأسه في جواب صامت عن سؤالها الأخير، ليهمس بعمق شعوره :
_إلى متى ستأسر طلّتك قلبي؟! كل مرة أراك فيها أشعر أنها الأولى! تتجمد دقة من قلبي كأن الزمان قد وقف.. قبل أن يعاود خفقانه دائراَ فقط حولك انتِ!
يتشاركان معاَ ضحكة طويلة تنتهي بقوله:
_الحمد لله ان هذا رأيك! أنا أيضاَ لا أقتنع بسمعة إلياس الأمين التي تنتشر في المدينة بأنه العريس المميز طريدة أغلب نساء مجتمعه المخملي.. تنتشر الكثير من الشائعات حول سبب بقائه عزباَ حتى الآن رغم ثرائه وسنوات عمره التي تقترب من الأربعين.
_سبعة وثلاثين!
تقولها وهي تخرج لسانها له مغيظة، فيهتف بنزق:
_الله!الله! وتحريتِ عن عمره بالضبطِ إذن؟! أعرف أنك تغيظيينني لكن لا تعبثي بهذا الأمر.. تعرفين كيف هو مارد غيرتي عندما يغادر القمقم!
فتضحك وهي ترد :
_اطمئن.. الرجل حتى لم ينظر إليّ.. ربت على كتف جدي ثم هز رأسه بوقار.. فكان هذا اعتماد قبولي للوظيفة!
_ولماذا ينظر إليكِ ذاك؟! هه؟! بالطبع لا ينظر.. لا ينظر إليكِ أي رجل وإلا فقأت عينه!
_هل تغار من (مستر إلياس)؟! يالله!! أي جنون هذا؟!
_وما الجنون في هذا؟! اليس رجلاَ؟! وأعزب؟!
_لا.. لا.. لا.. ليس لهذه الدرجة!! انت صرت مهووساَ بحق!
تهتف بها باستنكار ليرد بسرعة :
_مهووس.. مهوووووس.. مهووس بك ولا أنكرها.. هذا قدرك أن تحبي رجلاَ مهووساَ مثلي!
تضحك وهي تميل رأسها هامسة بدلال :
_أجمل قدر.
_أفدي ضحكتك هذه!
يقولها بنبرة هائمة فتلتقي عيناهما في حديث طويل يقطعه هو بقوله :
_اسمحيلي إذن بصفتي مهووس بك ان أختطفك لوقت قصير.. أنا وانت فقط.
_لن يجوز.. جدي سيسأل جدتي متى عدت و..
_نصف ساعة فقط.. اشتقت عينيكِ..
يبدو التردد على ملامحها فيردف بعينين ملتمعتين نابضتين بالجنون :
_تدركين خطورة ان يشعر مهووس مثلي بالاشتياق! تدركين؟! هه؟! تدركين؟!
من جديد تغرد ضحكتها القصيرة بينهما فيهتف ضاحكاَ هو الآخر :
_سأعتبر هذه موافقة.. عاش الهوس والمهووسون!
يقولها لينطلق بها بسيارته وضحكاتهما ترسم مشهداَ هانئاَ لعاشقين..
غافلين عن أحدهم الذي كان واقفاَ خلف شجرة قريبة يلتقط لهما بعض الصور ولا يبدو على ملامحه الخير..!
======
على مقعد رئيس مجلس إدارة (مؤسسة الأمين) يجلس يحيى يراجع بعض الأوراق، يقاطعه رنين هاتفه فيبتسم وهو يتناوله حالما يتبين هوية المتصلة، يفتح الاتصال هاتفاً بحنان :
_حبيبة (بابا).. كيف حال يومنا؟!
_أشعر بالملل.
صوت مجد العبوس يخز قلبه، يعرف سببه لكنه لا يزال مصراَ على الرفض.. لهذا يهتف بحزمه الحاني:
_أعرف كيف أعالج مللك هذا.. انتظري فقط نهاية الأسبوع ونذهب سوياَ حيث شئتِ.
_لكنني أريد الذهاب مع أصحابي لرحلة المدرسة.
عنادها المستحدث يثير ضيقه فتزداد نبرته انفعالاَ :
_وأنا رفضت الأمر ولا أزال أرفضه.. المكان لا يناسب ذهابك وحدك.
_لن أكون وحدي.. سيخصصون لي مشرفة خاصة تهتم بي.
_وأنا لن آمن أحداَ غريباَ عليكِ!
_لكن..
_قلت (لا)! انتهى!
يقاطع بها حديثها بصرامة متربصة متوقعاَ المزيد من عنادها، فتهتف بمكر :
_لا تلمني لو لجأت للحل البديل!
_أي حل؟!
يسألها بتوجس لكنها تغلق الاتصال فيطلق زفرة ساخطة وهو يعاود الاتصال بها لكن باب المكتب يفتح لتطل من خلفه ساحرته بابتسامتها المتهكمة دوماَ كأنها تسخر من الدنيا كلها!
_طيف!
يهتف بها قلبه قبل شفتيه وهو يضع هاتفه مكانه ليندفع نحوها بينما تغلق هي الباب خلفها هاتفة بفظاظتها المعهودة :
_اعذرني لو دخلت دون استئذان! قلت لسكرتيرتك بالخارج أن قواعدكم هذه لن تنطبق عليّ.. حاولت المسكينة منعي لكنها أخذت ما فيه النصيب.. هه.. ما رأيك أنت.. ألا تعترف أنه يليق بي الاقتحام؟!
يحتكر خصرها بقبضتيه مرتوياَ بفيض عاطفتها البرية في عينيها، تعانقها عيناه من قمة رأسها لأخمص قدميها ،تصفيفة شعرها البسيطة بانسدالها الحر على كتفيها، ملامحها الخالية كالعادة من الأصباغ، ثوبها البرتقالي الداكن بقصته الانسيابية، سلسلة عنقها باسمه هو والتي منحتها لها أمه قبل موتها، هذه بالذات تتلكأ عيناه عليها قليلاً كأنها تذكره بقوة تاريخ جمع بينهما، وأخيراَ حذاؤها المكشوف ذو الكعب الرفيع بسيوره الطويلة التي أحاطت بكاحليها ومنحتها منظراَ مغرياَ بعينيه..
يومئ برأسه في جواب صامت عن سؤالها الأخير، ليهمس بعمق شعوره :
_إلى متى ستأسر طلّتك قلبي؟! كل مرة أراك فيها أشعر أنها الأولى! تتجمد دقة من قلبي كأن الزمان قد وقف.. قبل أن يعاود خفقانه دائراَ فقط حولك انتِ!
❤18
_للأبد.
تهمس بها بثقة فيميل رأسه بسؤاله :
_ماذا تقصدين؟!
تتسع ابتسامتها الواثقة وهي تمرر سبابتها على موضع خافقه مفسرة :
_سألتني إلى متى وأجبتك للأبد.. أنا امرأة لا يُفك أسر عاشقها! لا يُفك أسر عاشقها أبداَ!
ضحكته العالية تحلق بقلبها هي لأعلى سموات الحب فتشاركه إياها للحظات قبل أن تشعر به يقترب منها أكثر، يلصق جبينه بجبينها مكرراَ بوله :
_أبداَ! أبداَ! صدقتِ! تعرفين فيما أفكر الآن؟!
اشتعال جوارحه يفضحه فتمط شفتيها بدلال وهي تحاول الابتعاد هامسة:
_مسابقات قياسك التي لا تنتهي أبداَ!
لكنه يتشبث بها، يزيدها منه قرباَ ليهمس بجاذبية رجولية أخاذة :
_اعترفي أنني ماهر في اختراع وحدات القياس.. هذه المرة قد أبتكر واحدة جديدة!
تضحك وهي تنجح في الابتعاد عنه هذه المرة، تدور حوله لتكبل معصميه خلف ظهره بحركة مباغتة وسط تأوهات دهشته، تلصق صدرها بظهره لتهتف بنبرة قوية :
_هاهنا يمكنني نقل التفاوض لمرحلة متقدمة.
يضحك مستسلماَ وهو يدير وجهه كي ينظر إليها من فوق كتفيه هاتفاَ :
_أفدي طريقتك هذه! قولي.. ماذا تريدين!
تلتمع عيناها بتحفز كأنها على وشك الخوض في معركة، فيهتف باستدراك :
_آآه! الآن فهمت ما كانت تعنيه مجد بالحل البديل! جئتِ تقنعينني بالموافقة على سفرها وحدها!
تهز رأسها بالإيجاب والجذوة العنيدة في عينيها تشتعل أكثر، فيحرر معصميه بحركة مفاجئة، ليقبض على كتفيها بقبضتيه قائلاَ بجدية :
_لا تتصرفا وكأنني مجرد ديكتاتور يمنع عن ابنته ما تحبه! تعرفين لماذا أرفض! المكان الذي تريد السفر إليه وعر مليء بالمرتفعات.. كيف ستتحرك فيه على كرسيها؟!
_أنا تحريت عن الأمر ووجدت انهم مهدوا ممراَ خاصاَ لذوي الإعاقة.
_أها! رأيتِ ماذا قلتِ انتِ؟! (ذوي الإعاقة)!! أنتِ أمها وقلتها هكذا.. كيف بتنمر الآخرين من زملائها عليها خاصة وقد اشتكت هي نفسها من الأمر من قبل؟!
_هل تحاسبني على زلة لساني؟!
_بل أردت فقط ان انبهك لما قد تتعرض له!
_ابنتي ذات عقل كبير تتقبل قدرها وتعرف نقاط قوتها وضعفها.
_ولماذا نعرضها لتجربة كهذه من الأساس؟!
_لأنها ستكبر وتواجه عالماَ يذكرها كل يوم بنقائصها.. تواجهه اليوم ونحن معها نسند ظهرها.. خيراَ من أن تواجهه غداَ وحدها.. لن يمكننا ابداَ مهما أحببناها أن نحميها للأبد.. يجب أن تتعلم هي كيف تشق طريقها واحدة واحدة.. كيف تواجه مخاوفها.. أنت تريد وضع زهرتك داخل صوبة زجاجية محمية لكنني امرأة تعلمت بأقسى طريقة أن الزهور التي تشق طريقها بين الصخور هي الأقوى!
تتسارع أنفاسها مع كلماتها الأخيرة كأنما ماضيها كله يجري الآن أمام عينيها اللتين غشيهما ستار رقيق من دموع.. فيتنهد وهو يقترب، يقبّل عينيها هامساَ بعبارته المعهودة :
_إلا دموعك! إلا دموعك!
تهز رأسها كأنما تتمالك مشاعرها لتكمل هجومها :
_ولن تكون هي وحدها.. سيفردون لها مشرفة خاصة بها!
يتجدد الرفض في عينيه مع نظرة تحدٍ متبادلة للحظات..
نظرة تلين بعض الشيء مع الرجاء العزيز غير المنطوق في عينيها والذي يناقض حزم كلمتها :
_مجد ستسافر.
يبدو الرفض في نظراته قاطعاَ لكنه يتزعزع رويداً رويداَ مع مسكة أناملها لكفه..
تضغطه بقوة ناعمة تشبهها..
ثم ترفعه لصدرها تستقر به هناك كأنما تذكره بعهد قلبيهما..
قبل أن ترفعه لشفتيها في قبلة عميقة فيسبل جفنيه للحظات..
ثم تتحول نظرته لتنهيدة استسلام تنتهي ب:
_تدللي!
تبتسم رغماَ عنها وكلمته الوحيدة على بساطتها تحملها لأروع ذكرياتها معه..
تلقي نفسها بين ذراعيه فلا تدري أيهما يتشبث بالآخر أكثر..
ترسل شكرها في قبلة لجبينه ويبعث عشقه في قبلة لشفتيها.. عاصفة غرام توشك أن تزأر لولا طرقات سريعة على الباب تجعلها تبتعد لتجلس على كرسي قريب واضعة أحد ساقيها فوق الأخرى بينما يبدو ضيقه في صوته المرتفع وهو يسمح للطارق بالدخول :
_جوليا.. تفضلي!
تنشغل طيف للحظات ترسل فيها رسالة لمجد.. (وافق) مع (وجه يغمز) فترد مجد بأخرى (كنت واثقة فيك) مع (رسم لساعد مشدود)
تتقلص ابتسامتها وهي تميز أخيراَ وجه الوافدة.. ترتدي قميصاَ أحمر بلا أكمام تكاد ازراره تنفجر من فرط ضيقه على تنورة سوداء قصيرة بالكاد تغطي ركبتيها.. شديدة الجمال بقصة شعر مثالية تناسب استدارة وجهها.. وجه فاتن يليق بواحدة من بطلات رواياتها.. لو كانت ستكتب عن بطلة شديدة الميوعة كهذه!!
_مستر يحيى! لدي شكوى!
تتأهب حواسها وهي تختبر بحدسها الأنثوي اثر امرأة كهذه على يحيى الذي ارتدى ببراعة رداء غموضه الجذاب الذي فتنها أول مرة..
يستقر على كرسي مكتبه مشبكاَ كفيه تحت ذقنه ونظراته الثاقبة مسلطة على عيني جوليا كأفضل جهاز لكشف الكذب!
يمنحها فرصة الحديث كاملة لتهتف بانفعال ارتج معه جسدها كاملاَ :
تهمس بها بثقة فيميل رأسه بسؤاله :
_ماذا تقصدين؟!
تتسع ابتسامتها الواثقة وهي تمرر سبابتها على موضع خافقه مفسرة :
_سألتني إلى متى وأجبتك للأبد.. أنا امرأة لا يُفك أسر عاشقها! لا يُفك أسر عاشقها أبداَ!
ضحكته العالية تحلق بقلبها هي لأعلى سموات الحب فتشاركه إياها للحظات قبل أن تشعر به يقترب منها أكثر، يلصق جبينه بجبينها مكرراَ بوله :
_أبداَ! أبداَ! صدقتِ! تعرفين فيما أفكر الآن؟!
اشتعال جوارحه يفضحه فتمط شفتيها بدلال وهي تحاول الابتعاد هامسة:
_مسابقات قياسك التي لا تنتهي أبداَ!
لكنه يتشبث بها، يزيدها منه قرباَ ليهمس بجاذبية رجولية أخاذة :
_اعترفي أنني ماهر في اختراع وحدات القياس.. هذه المرة قد أبتكر واحدة جديدة!
تضحك وهي تنجح في الابتعاد عنه هذه المرة، تدور حوله لتكبل معصميه خلف ظهره بحركة مباغتة وسط تأوهات دهشته، تلصق صدرها بظهره لتهتف بنبرة قوية :
_هاهنا يمكنني نقل التفاوض لمرحلة متقدمة.
يضحك مستسلماَ وهو يدير وجهه كي ينظر إليها من فوق كتفيه هاتفاَ :
_أفدي طريقتك هذه! قولي.. ماذا تريدين!
تلتمع عيناها بتحفز كأنها على وشك الخوض في معركة، فيهتف باستدراك :
_آآه! الآن فهمت ما كانت تعنيه مجد بالحل البديل! جئتِ تقنعينني بالموافقة على سفرها وحدها!
تهز رأسها بالإيجاب والجذوة العنيدة في عينيها تشتعل أكثر، فيحرر معصميه بحركة مفاجئة، ليقبض على كتفيها بقبضتيه قائلاَ بجدية :
_لا تتصرفا وكأنني مجرد ديكتاتور يمنع عن ابنته ما تحبه! تعرفين لماذا أرفض! المكان الذي تريد السفر إليه وعر مليء بالمرتفعات.. كيف ستتحرك فيه على كرسيها؟!
_أنا تحريت عن الأمر ووجدت انهم مهدوا ممراَ خاصاَ لذوي الإعاقة.
_أها! رأيتِ ماذا قلتِ انتِ؟! (ذوي الإعاقة)!! أنتِ أمها وقلتها هكذا.. كيف بتنمر الآخرين من زملائها عليها خاصة وقد اشتكت هي نفسها من الأمر من قبل؟!
_هل تحاسبني على زلة لساني؟!
_بل أردت فقط ان انبهك لما قد تتعرض له!
_ابنتي ذات عقل كبير تتقبل قدرها وتعرف نقاط قوتها وضعفها.
_ولماذا نعرضها لتجربة كهذه من الأساس؟!
_لأنها ستكبر وتواجه عالماَ يذكرها كل يوم بنقائصها.. تواجهه اليوم ونحن معها نسند ظهرها.. خيراَ من أن تواجهه غداَ وحدها.. لن يمكننا ابداَ مهما أحببناها أن نحميها للأبد.. يجب أن تتعلم هي كيف تشق طريقها واحدة واحدة.. كيف تواجه مخاوفها.. أنت تريد وضع زهرتك داخل صوبة زجاجية محمية لكنني امرأة تعلمت بأقسى طريقة أن الزهور التي تشق طريقها بين الصخور هي الأقوى!
تتسارع أنفاسها مع كلماتها الأخيرة كأنما ماضيها كله يجري الآن أمام عينيها اللتين غشيهما ستار رقيق من دموع.. فيتنهد وهو يقترب، يقبّل عينيها هامساَ بعبارته المعهودة :
_إلا دموعك! إلا دموعك!
تهز رأسها كأنما تتمالك مشاعرها لتكمل هجومها :
_ولن تكون هي وحدها.. سيفردون لها مشرفة خاصة بها!
يتجدد الرفض في عينيه مع نظرة تحدٍ متبادلة للحظات..
نظرة تلين بعض الشيء مع الرجاء العزيز غير المنطوق في عينيها والذي يناقض حزم كلمتها :
_مجد ستسافر.
يبدو الرفض في نظراته قاطعاَ لكنه يتزعزع رويداً رويداَ مع مسكة أناملها لكفه..
تضغطه بقوة ناعمة تشبهها..
ثم ترفعه لصدرها تستقر به هناك كأنما تذكره بعهد قلبيهما..
قبل أن ترفعه لشفتيها في قبلة عميقة فيسبل جفنيه للحظات..
ثم تتحول نظرته لتنهيدة استسلام تنتهي ب:
_تدللي!
تبتسم رغماَ عنها وكلمته الوحيدة على بساطتها تحملها لأروع ذكرياتها معه..
تلقي نفسها بين ذراعيه فلا تدري أيهما يتشبث بالآخر أكثر..
ترسل شكرها في قبلة لجبينه ويبعث عشقه في قبلة لشفتيها.. عاصفة غرام توشك أن تزأر لولا طرقات سريعة على الباب تجعلها تبتعد لتجلس على كرسي قريب واضعة أحد ساقيها فوق الأخرى بينما يبدو ضيقه في صوته المرتفع وهو يسمح للطارق بالدخول :
_جوليا.. تفضلي!
تنشغل طيف للحظات ترسل فيها رسالة لمجد.. (وافق) مع (وجه يغمز) فترد مجد بأخرى (كنت واثقة فيك) مع (رسم لساعد مشدود)
تتقلص ابتسامتها وهي تميز أخيراَ وجه الوافدة.. ترتدي قميصاَ أحمر بلا أكمام تكاد ازراره تنفجر من فرط ضيقه على تنورة سوداء قصيرة بالكاد تغطي ركبتيها.. شديدة الجمال بقصة شعر مثالية تناسب استدارة وجهها.. وجه فاتن يليق بواحدة من بطلات رواياتها.. لو كانت ستكتب عن بطلة شديدة الميوعة كهذه!!
_مستر يحيى! لدي شكوى!
تتأهب حواسها وهي تختبر بحدسها الأنثوي اثر امرأة كهذه على يحيى الذي ارتدى ببراعة رداء غموضه الجذاب الذي فتنها أول مرة..
يستقر على كرسي مكتبه مشبكاَ كفيه تحت ذقنه ونظراته الثاقبة مسلطة على عيني جوليا كأفضل جهاز لكشف الكذب!
يمنحها فرصة الحديث كاملة لتهتف بانفعال ارتج معه جسدها كاملاَ :
❤14👏1
_تلك الموظفة الجديدة (ناي)! ماذا تعرف عن الدعاية؟! حتى لو كان مجال دراستها كما تزعم! ما هي مؤهلاتها غير انها حفيدة العم مؤيد البستاني الخاص ب(إلياس)؟! اعذرني على صراحتي لكن هذه ليست مقاييس شركة محترفة يجب أن يدار فيها كل شيء بمنتهى الدقة و..
_عفواَ للمقاطعة! لكن متى صار (مستر الياس) الياس فقط هكذا؟! من منحك حق مناداة رئيسك المباشر باسمه مجرداَ؟!
تكتم طيف ابتسامة إعجابها بسياسة (قلب الطاولة) التي يجيدها زوجها، خاصة وهي ترى تلعثم جوليا وترنح ذراعيها حولها قبل أن تعقدهما أمام صدرها هاتفة بنبرة تحولت من الهجوم للدفاع :
_تعرف أن صداقة قوية تربطني بإلياس.. أقصد.. (مستر إلياس) بعيداَ عن العمل.. لهذا لا أتحفظ كثيراَ في استعمال الألقاب.
_مادمتِ تتحدثين عن القواعد في شركة محترفة فلا مجال للصداقة التي تزعمينها.. صحيح ؟!
هدوؤه الواثق يحشرها اكثر في الزاوية فتهتف بحدة :
_انت توافقه إذن على ما يفعله مع تلك الفتاة؟! بنت حديثة التخرج يجعلها مسئولة عن أكبر حملة دعاية لمشروع جديد نغامر بدخوله للسوق في خطتنا الجديدة!!
_ألم يكن من الأولى بحكم (صداقتكما) أن تكلميه هو أولاً وتسمعي مبرراته؟!
يضغط حروف (صداقتكما) عن عمد وهو يتراجع بظهره للخلف فيحمر وجهها أكثر بانفعاله وهي تفك ارتباط ساعديها هاتفة:
_مبرراته أن المشروع الجديد موجه بالأصل للمراهقين .. و(الشباب أدرى بالشباب) على حد قوله! وكأنني صرت عجوزاَ مثلاً!
يهز رأسه للحظات ثم يخبط على المكتب خبطة واحدة قوية فتتأهب طيف لرد فعله الذي أتى بمزيج متجانس بين الود والسيطرة :
_جوليا.. تعلمين كم أفتخر أنا شخصياَ بوجود كفاءة مثلك على رأس شركتنا.. لا أعتبرك مجرد موظفة بل شريكة نجاح..
ترتخي ملامح جوليا ببعض الفخر.. ليردف يحيى بحزم أكبر :
_لكنني أثق أكثر برأي إلياس.. مادام أوكل الأمر ل(ناي) فهو يعرف جيداَ ما يفعله بعيداَ عن أي اعتبارات شخصية.. والآن.. هل أعتبر ما تقولينه شكوى رسمية نناقشها في الاجتماع القادم؟! أم يبقى الأمر مجرد فضفضة ودية بيننا أنا وانتِ لن يعرف حتى إلياس عنها شيئاَ؟!
تطرق برأسها دون رد.. بينما يستمر هو في طرق الحديد الساخن :
_لو كنت أعرف إلياس جيداَ فظني أنه لن يرحب كثيراَ بالعمل معكِ لو عرف عما دار بيننا منذ قليل.. مهما ظننتِ أنتِ عن عمق (صداقتكما) التي أحترمها بلا شك!
عبارته تحمل أطيافاَ متداخلة من تهديد وتهكم ونصيحة حقيقية!
ربما لهذا لانت ملامح جوليا أكثر وهي تهم بقول ما لولا ان ارتفع رنين هاتف يحيى الذي تناوله ليعتذر منهما كي يغادر الغرفة وقد بدت مكالمة عمل مهمة..
تتابعه جوليا بنظراتها الزائغة وقد بدت غارقة تماماَ في انفعالاتها.. تحدث طيف دون أن تلتفت نحوها :
_كيف أوقعتِ رجلاَ كهذا في حبك؟!
(نعم يا أختي؟!)
تكاد طيف تهتف بها بشراسة لكنها تمنع نفسها بقوة، ليس من قولها فحسب بل من أن تمسك تلك المرأة من شعرها فتزعف به سقف الغرفة!
تخرج كلماتها على العكس هادئة تماماَ وهي ترسم ابتسامة سمجة على وجهها :
_هو وقع وحده! عندما أيقن أنني امرأة لا تمد عينيها لمن لم يمنحها قلبه!
تشحب ملامح جوليا وقد انتبهت لما قالته، تحاول الاعتذار لكن طيف كانت قد ازاحت غطاء البالوعة ولن يمكن لأحدهم الآن غلقه!
_امرأة لا تفسد غيرتها عقلها ولا تسكب حقدها على الأرصفة تزحلق به المارة..امرأة ممتلئة العين تعرف أين تودي به خطواتها مهما كان كعب حذائها رفيعاَ.. امرأة تثق في سعة أفقها أكثر مما تعول على ضيق تنورتها!
تزدرد جوليا ريقها وقد بدت وكأنما سقط دش بارد على رأسها.. بينما تبدو طيف هادئة تماماَ وهي تردف ببراءة مصطنعة :
_ها قد أجبتك.. أجيبيني أنتِ! هذه الثياب.. ؟!
تشير بعينيها لما ترتديه جوليا التي تبتسم بفخر وهي تفرد جسدها في وقفته لتهتف مستعرضة :
_أعجبتك ؟! هي أحدث صيحات ماركة(...)
_أعرف.. أعرف.. ليس هذا ما قصدته
تقاطعها بها طيف بغرور تستخدمه أحياناَ لتردف :
_كنت سأسألك كيف انحشرتِ أنتِ داخلها؟! عندما رأيتكِ من بعيد ظننتكِ قد طليتِ جسدكِ! هل ستتمكنين من خلعها؟!
يحمر وجه جوليا للإهانة لكنها تبتلعها وهي ترد بدبلوماسية :
_يليق بي هذا (الستايل).
_ربما!
تمط بها طيف شفتيها لتردف بنفس النبرة :
_يمكنك الآن الانصراف.. أظن يحيى قد أنهى كلامه معك.
ترمقها جوليا بنظرة متحدية قبل أن تدق الأرض بكعبيها لتغادر بخطوات متعجلة واشية بغيظها.. تكاد تصطدم بيحيى لدى عودته لكنها تكمل طريقها كعاصفة دون أي كلام..
_ما بال هذه؟!
يشير بها يحيى نحو الخارج بينما يدخل مكتبه من جديد لتهز طيف كتفيها بحركة ماكرة تجعله يضحك هاتفاَ :
_أصابتها عضة العنكبوتة السوداء!
_عفواَ للمقاطعة! لكن متى صار (مستر الياس) الياس فقط هكذا؟! من منحك حق مناداة رئيسك المباشر باسمه مجرداَ؟!
تكتم طيف ابتسامة إعجابها بسياسة (قلب الطاولة) التي يجيدها زوجها، خاصة وهي ترى تلعثم جوليا وترنح ذراعيها حولها قبل أن تعقدهما أمام صدرها هاتفة بنبرة تحولت من الهجوم للدفاع :
_تعرف أن صداقة قوية تربطني بإلياس.. أقصد.. (مستر إلياس) بعيداَ عن العمل.. لهذا لا أتحفظ كثيراَ في استعمال الألقاب.
_مادمتِ تتحدثين عن القواعد في شركة محترفة فلا مجال للصداقة التي تزعمينها.. صحيح ؟!
هدوؤه الواثق يحشرها اكثر في الزاوية فتهتف بحدة :
_انت توافقه إذن على ما يفعله مع تلك الفتاة؟! بنت حديثة التخرج يجعلها مسئولة عن أكبر حملة دعاية لمشروع جديد نغامر بدخوله للسوق في خطتنا الجديدة!!
_ألم يكن من الأولى بحكم (صداقتكما) أن تكلميه هو أولاً وتسمعي مبرراته؟!
يضغط حروف (صداقتكما) عن عمد وهو يتراجع بظهره للخلف فيحمر وجهها أكثر بانفعاله وهي تفك ارتباط ساعديها هاتفة:
_مبرراته أن المشروع الجديد موجه بالأصل للمراهقين .. و(الشباب أدرى بالشباب) على حد قوله! وكأنني صرت عجوزاَ مثلاً!
يهز رأسه للحظات ثم يخبط على المكتب خبطة واحدة قوية فتتأهب طيف لرد فعله الذي أتى بمزيج متجانس بين الود والسيطرة :
_جوليا.. تعلمين كم أفتخر أنا شخصياَ بوجود كفاءة مثلك على رأس شركتنا.. لا أعتبرك مجرد موظفة بل شريكة نجاح..
ترتخي ملامح جوليا ببعض الفخر.. ليردف يحيى بحزم أكبر :
_لكنني أثق أكثر برأي إلياس.. مادام أوكل الأمر ل(ناي) فهو يعرف جيداَ ما يفعله بعيداَ عن أي اعتبارات شخصية.. والآن.. هل أعتبر ما تقولينه شكوى رسمية نناقشها في الاجتماع القادم؟! أم يبقى الأمر مجرد فضفضة ودية بيننا أنا وانتِ لن يعرف حتى إلياس عنها شيئاَ؟!
تطرق برأسها دون رد.. بينما يستمر هو في طرق الحديد الساخن :
_لو كنت أعرف إلياس جيداَ فظني أنه لن يرحب كثيراَ بالعمل معكِ لو عرف عما دار بيننا منذ قليل.. مهما ظننتِ أنتِ عن عمق (صداقتكما) التي أحترمها بلا شك!
عبارته تحمل أطيافاَ متداخلة من تهديد وتهكم ونصيحة حقيقية!
ربما لهذا لانت ملامح جوليا أكثر وهي تهم بقول ما لولا ان ارتفع رنين هاتف يحيى الذي تناوله ليعتذر منهما كي يغادر الغرفة وقد بدت مكالمة عمل مهمة..
تتابعه جوليا بنظراتها الزائغة وقد بدت غارقة تماماَ في انفعالاتها.. تحدث طيف دون أن تلتفت نحوها :
_كيف أوقعتِ رجلاَ كهذا في حبك؟!
(نعم يا أختي؟!)
تكاد طيف تهتف بها بشراسة لكنها تمنع نفسها بقوة، ليس من قولها فحسب بل من أن تمسك تلك المرأة من شعرها فتزعف به سقف الغرفة!
تخرج كلماتها على العكس هادئة تماماَ وهي ترسم ابتسامة سمجة على وجهها :
_هو وقع وحده! عندما أيقن أنني امرأة لا تمد عينيها لمن لم يمنحها قلبه!
تشحب ملامح جوليا وقد انتبهت لما قالته، تحاول الاعتذار لكن طيف كانت قد ازاحت غطاء البالوعة ولن يمكن لأحدهم الآن غلقه!
_امرأة لا تفسد غيرتها عقلها ولا تسكب حقدها على الأرصفة تزحلق به المارة..امرأة ممتلئة العين تعرف أين تودي به خطواتها مهما كان كعب حذائها رفيعاَ.. امرأة تثق في سعة أفقها أكثر مما تعول على ضيق تنورتها!
تزدرد جوليا ريقها وقد بدت وكأنما سقط دش بارد على رأسها.. بينما تبدو طيف هادئة تماماَ وهي تردف ببراءة مصطنعة :
_ها قد أجبتك.. أجيبيني أنتِ! هذه الثياب.. ؟!
تشير بعينيها لما ترتديه جوليا التي تبتسم بفخر وهي تفرد جسدها في وقفته لتهتف مستعرضة :
_أعجبتك ؟! هي أحدث صيحات ماركة(...)
_أعرف.. أعرف.. ليس هذا ما قصدته
تقاطعها بها طيف بغرور تستخدمه أحياناَ لتردف :
_كنت سأسألك كيف انحشرتِ أنتِ داخلها؟! عندما رأيتكِ من بعيد ظننتكِ قد طليتِ جسدكِ! هل ستتمكنين من خلعها؟!
يحمر وجه جوليا للإهانة لكنها تبتلعها وهي ترد بدبلوماسية :
_يليق بي هذا (الستايل).
_ربما!
تمط بها طيف شفتيها لتردف بنفس النبرة :
_يمكنك الآن الانصراف.. أظن يحيى قد أنهى كلامه معك.
ترمقها جوليا بنظرة متحدية قبل أن تدق الأرض بكعبيها لتغادر بخطوات متعجلة واشية بغيظها.. تكاد تصطدم بيحيى لدى عودته لكنها تكمل طريقها كعاصفة دون أي كلام..
_ما بال هذه؟!
يشير بها يحيى نحو الخارج بينما يدخل مكتبه من جديد لتهز طيف كتفيها بحركة ماكرة تجعله يضحك هاتفاَ :
_أصابتها عضة العنكبوتة السوداء!
❤13😁1
_ليتني عضضتها حقاَ! بالكاد منعت نفسي عنها! كيف يحتملها إلياس؟!
تهتف بها بشراستها المعهودة ليضحك من جديد وهو يستقر على الكرسي أمامها قائلاَ :
_بمنتهى الحيادية هي ماهرة جداَ في عملها.. أظنها تعمل معه منذ سنوات طويلة قبل حتى عودتي الأخيرة لبغداد.
يغص حلقه رغماَ عنه في عبارته الأخيرة وقد غامت عيناه بسحابة من جرح الماضي..
(السندباد) الذي أجبروه ان يشق البحر مغترباَ تاركاَ على الشاطئ كل تاريخه لكنه وجد الحب الذي جعله يكسر سفينته ليعود مقتحماَ معركته من جديد.. غازياَ ومنتصراَ.. قانعاَ بما كسبه وراضياَ عما خسره!
قلبها الخبير به يشعر بما سحبته إليه أفكاره، فتتشبث بالموضوع الأول :
_أظن الأمر يحمل ما يفوق العمل.. من ناحيتها على الأقل.
_لا تعنيني ناحيتها.. ما يهمني هو إلياس.. لا أظنه يراها أكثر من رفيقة عمل وصديقة ذكية.
_بثيابها تلك ؟!
تطلق صوتها الساخر المعهود مع هزة كتفيها فيبتسم وهو يرفع أحد حاجبيه هامساَ ببراءة مصطنعة:
_ما بالها ثيابها؟! لم أنتبه!
_يحيى!
تزمجر بها مع رفعة حاجب فيردف بمكر :
_هذا هو الاختبار الذي لن أرسب فيه أبداَ.. لا يوجد زوج عاقل يعترف أنه انتبه لثياب امرأة أخرى في حضرة زوجته!
تخبط أحد كفيها بالآخر لتهتف :
_قلت هكذا! والله قلت هكذا! لا يوجد رجل لا يطلق بصره نحو امرأة.. لكن هناك من يأخذ (فكرة) وهناك من يأخذ (المقاسات)!
يطلق ضحكته طويلة مغيظة هذه المرة وهو ينحني بجذعه ليقترب من وجهها قائلاَ :
_هاقد عادت (عدوة الرجل)! قلقت عليكِ الفترة السابقة والله! خشيت ان تكون رومنسية شهور الزواج الأولى قد أثرت عليكِ! لكن هأنتِ ذا ما شاء الله.. لا تزالين على العهد!
تلكزه في كتفه ب(شبه ابتسامتها) التي يعشقها ،فيضحك متأوهاَ ثم يتنهد ليقول بشرود :
_لا أظن إلياس ينظر لها أو لغيرها..هو مزاجه بالنساء قد تعطل منذ زمن.. قلبه ينتظر سراباَ هجره منذ سنوات طويلة لن يرى في سواها بديلاَ.
_تجربة وفاء رجولي جديرة بالتدوين في متحف الحفريات..
تقولها بسخريتها المعهودة فيهز رأسه مستنكراَ لتردف بضحكة مكتومة :
_لولا دخول ناي هذه في الخط.. لا أدري لماذا أشم رائحة شياط الحب المشتعل من مكاني هنا!
_ماذا؟! ناي؟!! لا لا.. مستحيل!
يهتف بها باستهجان وهو يقف مكانه مردفاَ :
_لا ناي ولا جوليا.. ولا غيرهما.. أنا أعرف قلب إلياس جيداَ.
فتقف بدورها رافعة حاجبها بتحدّ هاتفة:
_وأنا أعرف رائحة الحب جيداً.
_لماذا أشعر أنكِ تتحيزين نحو ناي هذه دوماً؟! منذ رأيتها أول مرة مع العم مؤيد؟!
_الفتاة من جمهور قارئاتي الوفيات وقد خصصت صورة حسابها على الفيسبوك لغلاف روايتي إياها.. تذكرها ؟!
تغمزه فيضحك وهو يتذكر كيف كان لقاؤه الأول مع روايتها تلك..
(فلامنجو بثلاثة أرجل)!
_اعذريني لو تجاهلت ذكرى تلك الرواية بالذات! تعرفين ماذا فعل بي رجال أخيكِ عاصي الرفاعي بعدما رأيتها أول مرة ببضع ساعات!
تضحك بدورها وهي تجذبه من ياقة قميصه هاتفة :
_ظننتني واحدة من اولئك الواهنات ستبكي قليلاً على أطلالك ثم تمضي لحالها؟؟!! .. لا.. لا.. أنا عرفت وأعرف وسأعرف دائماَ كيف آتي بك من أي مكان لأعتقلك في السجن الذي يليق بك..
ثم تقترب أكثر لتمتزج أنفاسهما شاهدة على صدقها بينما تردف :
_قلبي.
_وأنا جاهز للمؤبد!
يهمس بها بحرارة وهو يرفعها من خصرها نحوه لكنها تتملص منه بعنفوان يعشقه فيها..
فيرفع أحد حاجبيه قائلاً :
_نتراهن إذن ؟! من بنا سيصدق توقعه بشأن إلياس؟!
يقترب بها من وجهها فتشتعل انفاسهما معاَ لترد هي بثقة :
_نتراهن.
======
_ماذا ؟! (فرقع لوز) طلب يدك؟؟
تهتف بها طيف بذهول عبر الهاتف تخاطب حسناء التي لا تقل عنها ذهولاَ:
_أقسم لك أن هذا ما حدث.. خرجت في الصباح الباكر أشتري (فول) و (فلافل) وعدت ب(المحروس) يسبقني لبيت امي كي يطلب خطبتي منها.. هكذا دون مقدمات!
تعقد طيف حاجبيها بتفكير عميق وهي تحاول البحث عن تفسير.. لتسالها بتوجس:
_كان يبدو وكأنه تعاطى أي شيء؟! .. أعرف هذه (الاصطباحة)!
_كنت أظن هكذا مثلك! قلت لنفسي هذا أقرب تفسير لجنون مثل هذا! بل إنني كدت أقنع امي ان عرضه ليس جاداَ لكنه عاد يتصل بأمي في المساء كي يسال عن صحتها ويطلب منها موعداَ للرد.. (ابن اللذين!) لا اعرف من أين اتى بالرقم!
فتطلق طيف صوتها الساخر المعهود لترد :
_طبعاَ! خبرة نصاب قديم!
_ماذا؟!
تسألها حسناء بجهل عما تقصده، فتتمالك طيف نفسها وهي تحاول تجاهل هذا الماضي الأسود الذي يخص زوجها وصاحبه..
لهذا تبادر هي حسناء بسؤالها :
_وما رأي أمك؟!
تتنهد حسناء تنهيدة حارقة تلاها صمت قصير قبل أن ترد :
_تعرفين كم أجبرتنا الظروف من زمن بعيد أن نعكس الأدوار.. أنا التي صرت أماَ للجميع هنا.. أنا المسئولة عن المال.. أنا المسئولة عن القرارات.. أنا صاحبة الكلمة.. الهم كله همي أنا.. لا أريدك أن تأخذي فكرة خاطئة عن أمي فتظنينها لا مبالية أو متواكلة.. هي فقط امرأة بسيطة.. بسيطة جداَ..
تهتف بها بشراستها المعهودة ليضحك من جديد وهو يستقر على الكرسي أمامها قائلاَ :
_بمنتهى الحيادية هي ماهرة جداَ في عملها.. أظنها تعمل معه منذ سنوات طويلة قبل حتى عودتي الأخيرة لبغداد.
يغص حلقه رغماَ عنه في عبارته الأخيرة وقد غامت عيناه بسحابة من جرح الماضي..
(السندباد) الذي أجبروه ان يشق البحر مغترباَ تاركاَ على الشاطئ كل تاريخه لكنه وجد الحب الذي جعله يكسر سفينته ليعود مقتحماَ معركته من جديد.. غازياَ ومنتصراَ.. قانعاَ بما كسبه وراضياَ عما خسره!
قلبها الخبير به يشعر بما سحبته إليه أفكاره، فتتشبث بالموضوع الأول :
_أظن الأمر يحمل ما يفوق العمل.. من ناحيتها على الأقل.
_لا تعنيني ناحيتها.. ما يهمني هو إلياس.. لا أظنه يراها أكثر من رفيقة عمل وصديقة ذكية.
_بثيابها تلك ؟!
تطلق صوتها الساخر المعهود مع هزة كتفيها فيبتسم وهو يرفع أحد حاجبيه هامساَ ببراءة مصطنعة:
_ما بالها ثيابها؟! لم أنتبه!
_يحيى!
تزمجر بها مع رفعة حاجب فيردف بمكر :
_هذا هو الاختبار الذي لن أرسب فيه أبداَ.. لا يوجد زوج عاقل يعترف أنه انتبه لثياب امرأة أخرى في حضرة زوجته!
تخبط أحد كفيها بالآخر لتهتف :
_قلت هكذا! والله قلت هكذا! لا يوجد رجل لا يطلق بصره نحو امرأة.. لكن هناك من يأخذ (فكرة) وهناك من يأخذ (المقاسات)!
يطلق ضحكته طويلة مغيظة هذه المرة وهو ينحني بجذعه ليقترب من وجهها قائلاَ :
_هاقد عادت (عدوة الرجل)! قلقت عليكِ الفترة السابقة والله! خشيت ان تكون رومنسية شهور الزواج الأولى قد أثرت عليكِ! لكن هأنتِ ذا ما شاء الله.. لا تزالين على العهد!
تلكزه في كتفه ب(شبه ابتسامتها) التي يعشقها ،فيضحك متأوهاَ ثم يتنهد ليقول بشرود :
_لا أظن إلياس ينظر لها أو لغيرها..هو مزاجه بالنساء قد تعطل منذ زمن.. قلبه ينتظر سراباَ هجره منذ سنوات طويلة لن يرى في سواها بديلاَ.
_تجربة وفاء رجولي جديرة بالتدوين في متحف الحفريات..
تقولها بسخريتها المعهودة فيهز رأسه مستنكراَ لتردف بضحكة مكتومة :
_لولا دخول ناي هذه في الخط.. لا أدري لماذا أشم رائحة شياط الحب المشتعل من مكاني هنا!
_ماذا؟! ناي؟!! لا لا.. مستحيل!
يهتف بها باستهجان وهو يقف مكانه مردفاَ :
_لا ناي ولا جوليا.. ولا غيرهما.. أنا أعرف قلب إلياس جيداَ.
فتقف بدورها رافعة حاجبها بتحدّ هاتفة:
_وأنا أعرف رائحة الحب جيداً.
_لماذا أشعر أنكِ تتحيزين نحو ناي هذه دوماً؟! منذ رأيتها أول مرة مع العم مؤيد؟!
_الفتاة من جمهور قارئاتي الوفيات وقد خصصت صورة حسابها على الفيسبوك لغلاف روايتي إياها.. تذكرها ؟!
تغمزه فيضحك وهو يتذكر كيف كان لقاؤه الأول مع روايتها تلك..
(فلامنجو بثلاثة أرجل)!
_اعذريني لو تجاهلت ذكرى تلك الرواية بالذات! تعرفين ماذا فعل بي رجال أخيكِ عاصي الرفاعي بعدما رأيتها أول مرة ببضع ساعات!
تضحك بدورها وهي تجذبه من ياقة قميصه هاتفة :
_ظننتني واحدة من اولئك الواهنات ستبكي قليلاً على أطلالك ثم تمضي لحالها؟؟!! .. لا.. لا.. أنا عرفت وأعرف وسأعرف دائماَ كيف آتي بك من أي مكان لأعتقلك في السجن الذي يليق بك..
ثم تقترب أكثر لتمتزج أنفاسهما شاهدة على صدقها بينما تردف :
_قلبي.
_وأنا جاهز للمؤبد!
يهمس بها بحرارة وهو يرفعها من خصرها نحوه لكنها تتملص منه بعنفوان يعشقه فيها..
فيرفع أحد حاجبيه قائلاً :
_نتراهن إذن ؟! من بنا سيصدق توقعه بشأن إلياس؟!
يقترب بها من وجهها فتشتعل انفاسهما معاَ لترد هي بثقة :
_نتراهن.
======
_ماذا ؟! (فرقع لوز) طلب يدك؟؟
تهتف بها طيف بذهول عبر الهاتف تخاطب حسناء التي لا تقل عنها ذهولاَ:
_أقسم لك أن هذا ما حدث.. خرجت في الصباح الباكر أشتري (فول) و (فلافل) وعدت ب(المحروس) يسبقني لبيت امي كي يطلب خطبتي منها.. هكذا دون مقدمات!
تعقد طيف حاجبيها بتفكير عميق وهي تحاول البحث عن تفسير.. لتسالها بتوجس:
_كان يبدو وكأنه تعاطى أي شيء؟! .. أعرف هذه (الاصطباحة)!
_كنت أظن هكذا مثلك! قلت لنفسي هذا أقرب تفسير لجنون مثل هذا! بل إنني كدت أقنع امي ان عرضه ليس جاداَ لكنه عاد يتصل بأمي في المساء كي يسال عن صحتها ويطلب منها موعداَ للرد.. (ابن اللذين!) لا اعرف من أين اتى بالرقم!
فتطلق طيف صوتها الساخر المعهود لترد :
_طبعاَ! خبرة نصاب قديم!
_ماذا؟!
تسألها حسناء بجهل عما تقصده، فتتمالك طيف نفسها وهي تحاول تجاهل هذا الماضي الأسود الذي يخص زوجها وصاحبه..
لهذا تبادر هي حسناء بسؤالها :
_وما رأي أمك؟!
تتنهد حسناء تنهيدة حارقة تلاها صمت قصير قبل أن ترد :
_تعرفين كم أجبرتنا الظروف من زمن بعيد أن نعكس الأدوار.. أنا التي صرت أماَ للجميع هنا.. أنا المسئولة عن المال.. أنا المسئولة عن القرارات.. أنا صاحبة الكلمة.. الهم كله همي أنا.. لا أريدك أن تأخذي فكرة خاطئة عن أمي فتظنينها لا مبالية أو متواكلة.. هي فقط امرأة بسيطة.. بسيطة جداَ..
❤17
عقلها لا يدرك من الدنيا إلا قشورها التي تبقيها واولادها على قيد الحياة.. امرأة حملت الهم باكراَ عندما مات زوجها ولم يكن في وسعها إلا أن تشارك به أقربهم إليها.. وأنا كنت الأقرب.. لكنني لم ارضَ الشراكة.. حملته كله عنها.. ومن يومها وقد صار هذا هو الوضع.. يعني يمكنك القول أن رأي أمي هو رأيي..
ورغم أن قلب طيف الرقيق كان يختلج متأثراَ بمشاعر صاحبتها لكن طبيعتها البربرية جعلتها تطلق ضحكة ساخرة ناسبت قولها الفظ :
_يعني ان أمك رمت الكرة في ملعبك.. هذا بالضبط المعنى الحرفي ل (تسليم أهالي)!
تضحك حسناء ضحكة طيبة تليق بقلبها، فتعاود طيف سؤالها :
_وأنتِ طبعاَ موافقة! قلبك الأحمق ترك توقيعه في دفتر العشاق من أيام (شطيرة المربى)!!
تكتم حسناء ضحكتها وهي تعود بذاكرتها لذاك اليوم..
في حديقة قصر الرفاعي..
عندما خدعها ضياء الصغير ليقنعها بتناول شطيرته رغماَ عنه..
يومها تعرض لها نزار.. تناول الشطيرة متلمساَ موضع شفتيها قبل أن يقول بنبرة رجل يجيد المغازلة :
(من اليوم لن أتناول مربى الفراولة إلا وأذكر معها مذاق شفتيك).
لن تعترف أن غزله الصريح أثر فيها ساعتها..
واحدة مثلها عاشت سنين غربتها وحيدة لم تكن لتنزلق قدمها في فخ كهذا..
لكنها لا تنكر أن بقعة باهتة.. باهتة جداَ.. داخل أصغر تجويف بجدار أنوثتها.. تمنت لو كان غزله حقيقياَ..
لو كان حقاَ يريدها.. يريدها في الحلال!
_أووووه.. أين ذهبتِ يا بنت؟! هل ذكرتكِ بالذي مضى؟!
تنتزعها بها طيف من شرودها فتضحك هاتفة بخجل :
_بعض الشيء!
_ثانية واحدة! هل هذه رنة خجل في صوتك أم أنني اتخيل! أرجوكِ قولي أنني مخطئة.. بصراحة الخجل لا يليق بكِ ولا ب(فرقع لوز) ذاك!
_طيف!
تهتف بها حسناء مستنكرة.. لترد طيف بضحكتها المكتومة :
_ماذا ؟! هل أبالغ؟! هل أذكركِ ماذا كانت هديته لكِ يوم زفافي؟!
ومن جديد تطلق حسناء ضحكتها وهي تتذكر يوم زفاف طيف في (الأهوار)..
وقتها قفز نزار المجنون لزورقها هي بعدما سمع صرختها إثر خوفها من كائن زاحف وجدته على ساقها. .
ساعتها كادت تضربه بمجداف الزورق على رأسه لكنه منحها هديته يسترضيها.. يعتذر لها عن سابق تحرشه اللفظي بها ويخبرها أنه حقاَ لا يراها كغيرها من النساء اللائي عرفهن قبلها..
لكن هديته لم تكن أقل فجاجة من صاحبها..
زجاجة عطر غطاؤها بشكل ساقيين متلاعبين عاريين لامرأة!
_معك حق! كلانا لا يليق به الخجل! (حلّة والتقت غطاها) كما يقولون! لكن الفارق انني أدخر ميوعتي لزوجي في الحلال..
تقولها حسناء بمرح ليعلو صوتها فجاة :
_قرّب البعيد يارب!
_واقعة.. واقعة..
تهتف بها طيف بأسف مصطنع لتتعالى ضحكاتهما معاَ للحظات ،قبل أن تسألها حسناء بنبرة جادة :
_انتِ ما رأيك؟! لن أتطرق لموضوع أخيه (إياد) المسجون ولن أعتبر هذا نقيصة في حقه فكلنا صرنا نعلم تقريباَ ملابسات الأمر.. لكنني أتحدث عن شخصيته هو.. هو صديق زوجك.. ومقربٌ جداَ منكما ومن مجد.. تظنينه جاداَ ؟!
تطلق طيف زفرة قصيرة وهي تتحرك في غرفتها مفكرة..
تحك رأسها لتقول :
_الحقيقة هو مخلص و(صاحب صاحبه) كما يقولون.. طيب وحنون جداَ مع مجد.. لكن.. أمر الخطبة المفاجئ هذا لا يقنعني.. خاصة وهو لم يخبر يحيى به! لو كان قد عرف لأخبرني!
_ربما ليس مفاجئاَ.. هو معجب بي منذ رآني في المشفى معكِ أول مرة.. وبعدها حاول اجتذابي كما كان يفعل مع النساء العابثات ولما رأى أنني امرأة جادة وليس لي طريق إلا في الحلال شعر أن قلبه وجد ضالته.. وأنه يريد ان يكمل بي نصف دينه!
_وكأنه يمتلك النصف الأول أصلاً؟!
تهتف بها طيف ساخرة فتطلق حسناء زمجرة معترضة بينما تهتف طيف بنفس النبرة المتهكمة :
_أكملي.. اكملي يا (عين أمك) الفيلم العربي الذي هرسوه في السينيمات.. او قوليها كبنات هذه الأيام (I can fix him).
تقولها متوقعة اعتراضاً آخر من حسناء لكن الأخيرة تصمت قليلاً وتتنهد أخيراَ قائلة:
_أريد تصديق هذا.. أريد تصديقه حقاَ. . ربما لو صدقته يتحقق.. قولي لي أنتِ.. هل تعرفين سبباَ منطقياَ واحداَ يجعله يتقدم لخطبتي لو كان في نيته العبث!
تفكر طيف قليلاً لتهتف بعدها ناصحة :
_لا.. لا أعرف..لكن ما اعرفه وأثق به أن قلب المرأة رادار صادق.. فقط لا تتجاهلي إشاراته سعياَ خلف ضلالات أملك.. تمهلي.. تمهلي قدر استطاعتك.. في طريق الحب يركض القلب لكن دورك أن تتحكمي في مكابحه.. هذا طريق لا يفوز فيه راكض.
صمت قصير يسودهما.. فتسألها طيف بتشكك :
_فهمتِني؟!
_بالطبع! تظنينني حمقاء؟!
تتنهد طيف بارتياح لكنها ما كادت تفعل حتى هتفت حسناء بسرعة في كلمات متلاحقة :
_طبقاَ لنصيحتك..نطيل فترة الخطوبة.. نجعلها شهراَ.. انا ايضاَ لم استسغ فكرة عقد القران السريع! اليوم اخبره بموافقتي.. وغداَ نشتري الدبل والشبكة.. لا.. نتمهل قليلاً.. نتركها لبعد غد.. قولي لي بالمناسبة.. ما الأكثر أناقة؟! خاتم ماسي أم مشغولات ذهبية متنوعة؟! تعرفين كم أحب الأساور الذهبية.. أعشق صوت خشخشتها..
ورغم أن قلب طيف الرقيق كان يختلج متأثراَ بمشاعر صاحبتها لكن طبيعتها البربرية جعلتها تطلق ضحكة ساخرة ناسبت قولها الفظ :
_يعني ان أمك رمت الكرة في ملعبك.. هذا بالضبط المعنى الحرفي ل (تسليم أهالي)!
تضحك حسناء ضحكة طيبة تليق بقلبها، فتعاود طيف سؤالها :
_وأنتِ طبعاَ موافقة! قلبك الأحمق ترك توقيعه في دفتر العشاق من أيام (شطيرة المربى)!!
تكتم حسناء ضحكتها وهي تعود بذاكرتها لذاك اليوم..
في حديقة قصر الرفاعي..
عندما خدعها ضياء الصغير ليقنعها بتناول شطيرته رغماَ عنه..
يومها تعرض لها نزار.. تناول الشطيرة متلمساَ موضع شفتيها قبل أن يقول بنبرة رجل يجيد المغازلة :
(من اليوم لن أتناول مربى الفراولة إلا وأذكر معها مذاق شفتيك).
لن تعترف أن غزله الصريح أثر فيها ساعتها..
واحدة مثلها عاشت سنين غربتها وحيدة لم تكن لتنزلق قدمها في فخ كهذا..
لكنها لا تنكر أن بقعة باهتة.. باهتة جداَ.. داخل أصغر تجويف بجدار أنوثتها.. تمنت لو كان غزله حقيقياَ..
لو كان حقاَ يريدها.. يريدها في الحلال!
_أووووه.. أين ذهبتِ يا بنت؟! هل ذكرتكِ بالذي مضى؟!
تنتزعها بها طيف من شرودها فتضحك هاتفة بخجل :
_بعض الشيء!
_ثانية واحدة! هل هذه رنة خجل في صوتك أم أنني اتخيل! أرجوكِ قولي أنني مخطئة.. بصراحة الخجل لا يليق بكِ ولا ب(فرقع لوز) ذاك!
_طيف!
تهتف بها حسناء مستنكرة.. لترد طيف بضحكتها المكتومة :
_ماذا ؟! هل أبالغ؟! هل أذكركِ ماذا كانت هديته لكِ يوم زفافي؟!
ومن جديد تطلق حسناء ضحكتها وهي تتذكر يوم زفاف طيف في (الأهوار)..
وقتها قفز نزار المجنون لزورقها هي بعدما سمع صرختها إثر خوفها من كائن زاحف وجدته على ساقها. .
ساعتها كادت تضربه بمجداف الزورق على رأسه لكنه منحها هديته يسترضيها.. يعتذر لها عن سابق تحرشه اللفظي بها ويخبرها أنه حقاَ لا يراها كغيرها من النساء اللائي عرفهن قبلها..
لكن هديته لم تكن أقل فجاجة من صاحبها..
زجاجة عطر غطاؤها بشكل ساقيين متلاعبين عاريين لامرأة!
_معك حق! كلانا لا يليق به الخجل! (حلّة والتقت غطاها) كما يقولون! لكن الفارق انني أدخر ميوعتي لزوجي في الحلال..
تقولها حسناء بمرح ليعلو صوتها فجاة :
_قرّب البعيد يارب!
_واقعة.. واقعة..
تهتف بها طيف بأسف مصطنع لتتعالى ضحكاتهما معاَ للحظات ،قبل أن تسألها حسناء بنبرة جادة :
_انتِ ما رأيك؟! لن أتطرق لموضوع أخيه (إياد) المسجون ولن أعتبر هذا نقيصة في حقه فكلنا صرنا نعلم تقريباَ ملابسات الأمر.. لكنني أتحدث عن شخصيته هو.. هو صديق زوجك.. ومقربٌ جداَ منكما ومن مجد.. تظنينه جاداَ ؟!
تطلق طيف زفرة قصيرة وهي تتحرك في غرفتها مفكرة..
تحك رأسها لتقول :
_الحقيقة هو مخلص و(صاحب صاحبه) كما يقولون.. طيب وحنون جداَ مع مجد.. لكن.. أمر الخطبة المفاجئ هذا لا يقنعني.. خاصة وهو لم يخبر يحيى به! لو كان قد عرف لأخبرني!
_ربما ليس مفاجئاَ.. هو معجب بي منذ رآني في المشفى معكِ أول مرة.. وبعدها حاول اجتذابي كما كان يفعل مع النساء العابثات ولما رأى أنني امرأة جادة وليس لي طريق إلا في الحلال شعر أن قلبه وجد ضالته.. وأنه يريد ان يكمل بي نصف دينه!
_وكأنه يمتلك النصف الأول أصلاً؟!
تهتف بها طيف ساخرة فتطلق حسناء زمجرة معترضة بينما تهتف طيف بنفس النبرة المتهكمة :
_أكملي.. اكملي يا (عين أمك) الفيلم العربي الذي هرسوه في السينيمات.. او قوليها كبنات هذه الأيام (I can fix him).
تقولها متوقعة اعتراضاً آخر من حسناء لكن الأخيرة تصمت قليلاً وتتنهد أخيراَ قائلة:
_أريد تصديق هذا.. أريد تصديقه حقاَ. . ربما لو صدقته يتحقق.. قولي لي أنتِ.. هل تعرفين سبباَ منطقياَ واحداَ يجعله يتقدم لخطبتي لو كان في نيته العبث!
تفكر طيف قليلاً لتهتف بعدها ناصحة :
_لا.. لا أعرف..لكن ما اعرفه وأثق به أن قلب المرأة رادار صادق.. فقط لا تتجاهلي إشاراته سعياَ خلف ضلالات أملك.. تمهلي.. تمهلي قدر استطاعتك.. في طريق الحب يركض القلب لكن دورك أن تتحكمي في مكابحه.. هذا طريق لا يفوز فيه راكض.
صمت قصير يسودهما.. فتسألها طيف بتشكك :
_فهمتِني؟!
_بالطبع! تظنينني حمقاء؟!
تتنهد طيف بارتياح لكنها ما كادت تفعل حتى هتفت حسناء بسرعة في كلمات متلاحقة :
_طبقاَ لنصيحتك..نطيل فترة الخطوبة.. نجعلها شهراَ.. انا ايضاَ لم استسغ فكرة عقد القران السريع! اليوم اخبره بموافقتي.. وغداَ نشتري الدبل والشبكة.. لا.. نتمهل قليلاً.. نتركها لبعد غد.. قولي لي بالمناسبة.. ما الأكثر أناقة؟! خاتم ماسي أم مشغولات ذهبية متنوعة؟! تعرفين كم أحب الأساور الذهبية.. أعشق صوت خشخشتها..
❤15😁1
على رأي المثل (الذهب زينة وخزينة ويغطي رأس الحزينة)
_اخرسي يا حزينة!
تهتف بها طيف وهي تغلق الاتصال فجأة بعنف.. تدور في صالة قصر الأمين كأسد هائج..
تتأفف بصوت عالٍ ثم تهتف ملوحة بكفيها في غيظ:
_رفعت لي الضغط أقسم بالله! فلتتزوج نزار.. فلتتزوجه فعلاً كي يكفّر كل منهما سيئات الآخر! مثال آخر ل(إهلاك الظالمين بالظالمين ولنخرج نحن سالمين!)
ضحكة يحيى العالية تفاجئها فتلتفت نحوه هاتفة بتحفز :
_متى جئت؟!
_حالاً..
يقولها وهو يقترب منها ليطوقها بذراعيه.. قبلاته الرقيقة تغازل وجنتيها مع رقة همسه:
_دعيني اولاَ أهدئ حبيبتي! يبدو ان أحدهم قد أغاظها!
ابتسامتها تمتزج بزفرتها في مزيج مدهش يجبره ان يدلل ثغرها بما يليق..فتتنهد وهي تنظر لعينيه ليمنحها المزيد من غزله :
_صاحبة السديم الذي طالما أذهلتني فوضاه حتى وُلد في سمائه نجمي.. في كل مرة أنظر فيها لعينيك أدرك كيف يمكن أن تكون عينا امرأة مهداَ ولحداَ.. شهقة وتنهيدة.. ربيعاَ ورعداَ.. فأعشقهما في اي حال وكل حال.
_صاحبك!
تهتف بها فجأة مقاطعة سيل غزله فيرتد للخلف مندهشاَ للحظة قبل أن يهز رأسه بياس وهو يدفعها عنه ببعض العنف:
_كل مرة أقول لن أندهش من أفعال (ملكة الفصلان الكبرى) لكنك تصدمينني دوماَ بردود فعلك! راحت (أمك) وصارت (صاحبك)! اوف!
تضحك رغماَ عنها وهي تسترضيه بقبلة لجبينه فيزفر متسائلاً :
_من تقصدين ب(صاحبي)؟! نزار ؟!
تهز رأسها لتهتف بغيظ عاد يكسو نبرتها :
_(فرقع لوز) من غيره؟! ألم يكن غاضباَ منك لأنك نقضت اتفاقكما ورضيت بالاستقرار في بغداد هنا؟! ألا يزال رافضاَ - رغم عمله معك - ان يبقى هنا بل يسافر متنقلاً من بلد لآخر دون داعٍ كأن الإقامة هنا تقرصه مثلاَ!! ألا يزال على طبيعته العابثة يتقافز هنا وهناك ويبتسم كالأبله لأي (تاء مربوطة) تتهادى بتنورتها أمامه؟! ماذا خبطه في رأسه إذن وجعله يقرر فجأة أن يتزوج ويستقر هنا؟!
_من؟! نزار؟! يتزوج؟! وهنا؟! في بغداد؟! مستحيل!
يهتف بها بدهشة فتكزه في كتفه هاتفة:
_انت نائم في العسل إذن! صح النوم يا (بابا)! صاحبك خطب حسناء وينتظر موافقتها.
_حسناء صديقتك ؟!
تهز رأسها بالإيجاب ،فينعقد حاجباه وهو يفكر بصوتٍ عال:
_أنا شعرت منذ فترة أنه معجب بها لكنني ظننت الأمر مجرد عبث كطبيعته.. آه.. الآن تذكرت.. سألني عنها من عدة أيام لكنه لم يصرح لي برغبته في الزواج منها ولا الاستقرار هنا! غريب حقاَ!
ينهي عبارته ليتناول هاتفه ويتصل بنزار الذي أجاب الاتصال بسرعة :
_مساء الأنوار.. لا تقل إنك افتقدتني بهذه السرعة!
_(زعطوط)! دعك من حركاتك هذه وأخبرني.. كيف تتقدم لخطبة حسناء دون أن تخبرني؟!
_اوف! تلك الفتاة مدفع سريع الطلقات! هل أخبرتكما بهذه السرعة؟! هل يعني هذا أنها وافقت؟!
النبرة المرحة لنزار لا تخدعه هذه المرة..
يبتعد عن طيف قليلاً ليعاود سؤاله بصوت منخفض:
_ما الأمر؟! أنت جاد حقاَ؟!
_هل هذه أمور تناقش عبر الهاتف يا صاحبي؟! اصبر قليلاً حتى آتيك!
كانت طيف قد ركضت لتلصق أذنها بهاتف يحيى الذي يحاول جاهداَ الابتعاد عنها زاجراَ إياها بنظرة من عينيه وهو يخاطب صاحبه:
_أهوَنُ عليّ أن تكون قد أخفيت عني أمراَ جللاً كهذا من أن تكون مجرد عابث مع الفتاة.. هذه الأمور ليست لعبة!
_منذ متى كان فتح البيوت لعبة؟!
مرح نزار المعتاد تخالطه مرارة لا يعيها إلا قلب خبير بقلبه كيحيى، بينما يردف الأول :
_وعندي أنا بالذات! تعرف معنى (البيت) عندي؟!
_ولأني أعرف أسألك.. لماذا هي بالذات؟! لماذا الآن بالذات؟! هل أحببتها ؟!
_أوه يا صاحبي! تستكثر عليّ أن أكون عاشقاً مثلك؟! هل يخطئني سهم الهوى الذي أصابك مثلاً؟! أم أنني لست قدر المقام؟!
لا تزال نبرته المرحة تخز قلب يحيى وهو يشعر بثمة شيء ما خطأ!
_نزار!
يهدر بها ببعض العنف الذي فجّره قلقه على صاحبه أولاً وعلى تلك الفتاة البائسة ثانياَ..
لكن نزار يرد بحزم نادر على طبيعته المرحة :
_فيما بعد يا يحيى.. فيما بعد.. عندما أعود لبغداد.
يقولها ثم يغلق الاتصال فلا تحتاج طيف مع ملامح يحيى المتجهمة أن تسأله عما دار بينهما.. تقف قبالته لتقول بتحفز :
_ليس جاداَ.. صحيح؟!
لكنه يهز رأسه ليقول بشرود :
_بل جاد جداَ.. جاد أكثر مما ينبغي.. وهذا ما يقلقني في الواقع.
_البنت تعلقت به.. لا أظنها سترفض عرضه.. تظنه هو قد يؤذيها؟!.. والله لو فعلها لا أصنع اعتباراً لأي مخلوق و..
تغمغم بها طيف بمزيج من غيظ وقلق لكن يحيى يقاطعها بقوله :
_صبرا.. صبراً.. لننتظر حتى يعود وأنا سأفهم منه ما يحدث.
_وهل أنتظر حتى يعود؟! البنت ليس لها أحد وصاحبك ليس له أمان.
تهتف بها بحمية فيضمها لكتفه ،يقبل رأسها قائلاً :
_اخرسي يا حزينة!
تهتف بها طيف وهي تغلق الاتصال فجأة بعنف.. تدور في صالة قصر الأمين كأسد هائج..
تتأفف بصوت عالٍ ثم تهتف ملوحة بكفيها في غيظ:
_رفعت لي الضغط أقسم بالله! فلتتزوج نزار.. فلتتزوجه فعلاً كي يكفّر كل منهما سيئات الآخر! مثال آخر ل(إهلاك الظالمين بالظالمين ولنخرج نحن سالمين!)
ضحكة يحيى العالية تفاجئها فتلتفت نحوه هاتفة بتحفز :
_متى جئت؟!
_حالاً..
يقولها وهو يقترب منها ليطوقها بذراعيه.. قبلاته الرقيقة تغازل وجنتيها مع رقة همسه:
_دعيني اولاَ أهدئ حبيبتي! يبدو ان أحدهم قد أغاظها!
ابتسامتها تمتزج بزفرتها في مزيج مدهش يجبره ان يدلل ثغرها بما يليق..فتتنهد وهي تنظر لعينيه ليمنحها المزيد من غزله :
_صاحبة السديم الذي طالما أذهلتني فوضاه حتى وُلد في سمائه نجمي.. في كل مرة أنظر فيها لعينيك أدرك كيف يمكن أن تكون عينا امرأة مهداَ ولحداَ.. شهقة وتنهيدة.. ربيعاَ ورعداَ.. فأعشقهما في اي حال وكل حال.
_صاحبك!
تهتف بها فجأة مقاطعة سيل غزله فيرتد للخلف مندهشاَ للحظة قبل أن يهز رأسه بياس وهو يدفعها عنه ببعض العنف:
_كل مرة أقول لن أندهش من أفعال (ملكة الفصلان الكبرى) لكنك تصدمينني دوماَ بردود فعلك! راحت (أمك) وصارت (صاحبك)! اوف!
تضحك رغماَ عنها وهي تسترضيه بقبلة لجبينه فيزفر متسائلاً :
_من تقصدين ب(صاحبي)؟! نزار ؟!
تهز رأسها لتهتف بغيظ عاد يكسو نبرتها :
_(فرقع لوز) من غيره؟! ألم يكن غاضباَ منك لأنك نقضت اتفاقكما ورضيت بالاستقرار في بغداد هنا؟! ألا يزال رافضاَ - رغم عمله معك - ان يبقى هنا بل يسافر متنقلاً من بلد لآخر دون داعٍ كأن الإقامة هنا تقرصه مثلاَ!! ألا يزال على طبيعته العابثة يتقافز هنا وهناك ويبتسم كالأبله لأي (تاء مربوطة) تتهادى بتنورتها أمامه؟! ماذا خبطه في رأسه إذن وجعله يقرر فجأة أن يتزوج ويستقر هنا؟!
_من؟! نزار؟! يتزوج؟! وهنا؟! في بغداد؟! مستحيل!
يهتف بها بدهشة فتكزه في كتفه هاتفة:
_انت نائم في العسل إذن! صح النوم يا (بابا)! صاحبك خطب حسناء وينتظر موافقتها.
_حسناء صديقتك ؟!
تهز رأسها بالإيجاب ،فينعقد حاجباه وهو يفكر بصوتٍ عال:
_أنا شعرت منذ فترة أنه معجب بها لكنني ظننت الأمر مجرد عبث كطبيعته.. آه.. الآن تذكرت.. سألني عنها من عدة أيام لكنه لم يصرح لي برغبته في الزواج منها ولا الاستقرار هنا! غريب حقاَ!
ينهي عبارته ليتناول هاتفه ويتصل بنزار الذي أجاب الاتصال بسرعة :
_مساء الأنوار.. لا تقل إنك افتقدتني بهذه السرعة!
_(زعطوط)! دعك من حركاتك هذه وأخبرني.. كيف تتقدم لخطبة حسناء دون أن تخبرني؟!
_اوف! تلك الفتاة مدفع سريع الطلقات! هل أخبرتكما بهذه السرعة؟! هل يعني هذا أنها وافقت؟!
النبرة المرحة لنزار لا تخدعه هذه المرة..
يبتعد عن طيف قليلاً ليعاود سؤاله بصوت منخفض:
_ما الأمر؟! أنت جاد حقاَ؟!
_هل هذه أمور تناقش عبر الهاتف يا صاحبي؟! اصبر قليلاً حتى آتيك!
كانت طيف قد ركضت لتلصق أذنها بهاتف يحيى الذي يحاول جاهداَ الابتعاد عنها زاجراَ إياها بنظرة من عينيه وهو يخاطب صاحبه:
_أهوَنُ عليّ أن تكون قد أخفيت عني أمراَ جللاً كهذا من أن تكون مجرد عابث مع الفتاة.. هذه الأمور ليست لعبة!
_منذ متى كان فتح البيوت لعبة؟!
مرح نزار المعتاد تخالطه مرارة لا يعيها إلا قلب خبير بقلبه كيحيى، بينما يردف الأول :
_وعندي أنا بالذات! تعرف معنى (البيت) عندي؟!
_ولأني أعرف أسألك.. لماذا هي بالذات؟! لماذا الآن بالذات؟! هل أحببتها ؟!
_أوه يا صاحبي! تستكثر عليّ أن أكون عاشقاً مثلك؟! هل يخطئني سهم الهوى الذي أصابك مثلاً؟! أم أنني لست قدر المقام؟!
لا تزال نبرته المرحة تخز قلب يحيى وهو يشعر بثمة شيء ما خطأ!
_نزار!
يهدر بها ببعض العنف الذي فجّره قلقه على صاحبه أولاً وعلى تلك الفتاة البائسة ثانياَ..
لكن نزار يرد بحزم نادر على طبيعته المرحة :
_فيما بعد يا يحيى.. فيما بعد.. عندما أعود لبغداد.
يقولها ثم يغلق الاتصال فلا تحتاج طيف مع ملامح يحيى المتجهمة أن تسأله عما دار بينهما.. تقف قبالته لتقول بتحفز :
_ليس جاداَ.. صحيح؟!
لكنه يهز رأسه ليقول بشرود :
_بل جاد جداَ.. جاد أكثر مما ينبغي.. وهذا ما يقلقني في الواقع.
_البنت تعلقت به.. لا أظنها سترفض عرضه.. تظنه هو قد يؤذيها؟!.. والله لو فعلها لا أصنع اعتباراً لأي مخلوق و..
تغمغم بها طيف بمزيج من غيظ وقلق لكن يحيى يقاطعها بقوله :
_صبرا.. صبراً.. لننتظر حتى يعود وأنا سأفهم منه ما يحدث.
_وهل أنتظر حتى يعود؟! البنت ليس لها أحد وصاحبك ليس له أمان.
تهتف بها بحمية فيضمها لكتفه ،يقبل رأسها قائلاً :
❤16
_نزار ليس كما تظنين.. أشد الناس بؤساً من يكتمون جرحهم خلف ابتسامة خادعة.. أنا أدرى الناس بماضيه الموجع.. أنا الشاهد على آهاته وتنهداته.. من يدري؟! لعل صاحبتك تكون له دواء كما كنتِ أنتِ دوائي.. لعله مثلي يكسر سفينته ويجد شاطئاً يأمنه فلا يشتهي الرحيل أبداَ.
======
تغلق حسناء الاتصال مع طيف بابتسامة حالمة ثم تتقدم نحو مرآة غرفتها.. تمسحها بأناملها وهي تتفحص ملامحها كأنها ترى نفسها لأول مرة..
ملامح عادية لا تحمل شيئاَ مميزاَ لكن بعضهم وصفها بالجاذبية.. عينين ضيقتين بلون بني داكن.. لا هو الأسود الذي يتغزلون به.. ولا العسلي الذي يخطف الأبصار..
رموش قصيرة غير كثيفة.. حاجبان متوسطان.. أنف طويل نوعاَ ما مع جدع خفيف يعظمه شعورها بالنقص أحياناَ لكنها لا تكاد تراه عندما تكون راضية عن نفسها كما الآن..
شفتان ممتلئتان كبيرتان كانت تكرههما في صغرها وقد كانت ترى الجمال في الفم المنمنم لكنها كبرت وأدركت كم صاروا
ينفقون المال في تكبير الشفاه فاعتبرت هذا هدفاَ في مرماها.. صارت شفتاها بعينيها جميلتين فجأة!
وجنتاها مرتفعتان مع شعر شبه مجعد يغطيه حجابها فلا تهتم بنعومته لكنها تنتوي متى جاء (النصيب) أن تعالجه كيميائياَ فتفرده..
_جاء النصيب.
تضحك وهي تهمس بها لنفسها.. تتحسس شعرها المجعد وهي تحله من رباطه.. تتخيله مفروداَ بنعومة على كتفيها فتدمع عيناها بفرحة..
فرحة ظلت تنتظرها طوال العمر.
تنحني نحو خزانتها الصغيرة لتلتقط منها دفتراَ ورقيا بدا قديماَ نوعاَ ما..
(كشكول الخيبة) كما تدعوه!
لم تكن مجرد مذكرات تكتبها.. بل كانت تخصص فيه صفحة لكل رجل تلتقيه فيتمناه قلبها زوجاَ وتحول الظروف دون ذلك..
أغلبها كانت تجارب حب من طرف واحد.. وبعضها أفسدته الظروف..
لكن المحصلة كانت واحدة كل مرة.. (الخيبة)!
لهذا كانت كل صفحة منه تبدأ باسم الرجل ثم تنتهي بعلامة (x) تقطع على قلبها طريق الأمل الذي سار أول خطواته..
صفحة خلف صفحة..
حلم خلف حلم..
مشاعر لم تكتمل أجهضتها الظروف وتركت قلبها في منتصف الطريق.. دوماَ في منتصف الطريق..
فلا هو نال ما تمناه ولا هو زهد البحث عن الحب..
بقي يفتح كفه منتظراَ متأملاَ!
_هذه المرة لن أكتب اسمك.. لن تنتهي صفحتك بالعلامة المقيتة تلك أبداً.. ستكون آخر المطاف وحسن الختام.
تقولها وهي تستعيد ملامح نزار في مخيلتها..
قامته النحيلة التي لا تميل للطول كثيراَ.. يزيد عنها بضعة سنتيمترات فحسب..
ابتسامته التي تكاد تكون ملتصقة بشفتيه مع نبرة عابثة تشي ان صاحبها لا يحمل هماَ..
ملامحه الوسيمة بمعقولية مريحة.. لا هو الجذاب الآسر ولا القبيح المنفر.. مناسبة تماماَ لطموحها البسيط..
لكن ما يقلقها حقاَ هو تلك النظرة الداكنة في عينيه..
كأنه مثلها يملك (كشكول خيبة) لكنه استبدله بصفحة واحدة سوداء تغطي دوماَ على لمعة حدقتيه!
_أدخل؟!
صوت شقيقتها الصغرى يقاطع أفكارها فتلتفت نحوها وهي تراها تدفع باب الغرفة لتركض نحوها بملامح مشرقة، تدسها بين ذراعيها في عناق قوي بينما صوت الطفلة يكاد يتراقص فرحاَ :
_ستتزوجين حقاَ ذاك الرجل؟!
_لا أعرف بعد!
تهز بها كتفيها لتهتف الصغيرة بعفوية:
_تزوجيه.. بالله عليك تزوجيه.. تزوجيه كي لا نخاف عليكِ.
تتسع عيناها ببعض الدهشة فيما تردف الصغيرة ببراءة :
_أسمع أمي دوماَ تدعو لك في صلاتها.. تطلب من الله أن يحفظك لأنها تخاف عليك.. (محمود) يجتهد ليبحث عن وظيفة دون أن يخبر أمي كي يخفف الحمل عنكِ لأنه يريدك أن تعودي ويخاف عليكِ في غربتك.. و (أحمد) قد أسرّ لي أنه تعلم رياضة (البوكس) خصيصاَ كي يكون قادراَ على الدفاع عنك.. و(محمد) و(مصطفى) يسهران طوال الليل يذاكران بكل طاقتهما كي يوفرا ثمن الدروس الخصوصية حتى لا تحتاجي المال فتعودين بسرعة.. (مريم) تعطي المرأة على رأس الشارع صدقة كل يوم صباحاَ وتطلب منها أن تدعو لك.. وأنا..
تستخرج الطفلة حافظة صغيرة تبدو مكتظة بالأوراق المالية ترفعها أمام عيني حسناء الممتلئتين بدموعهما وهي تردف :
_أنا أدخر مصروفي ولا أنفقه.. حتى إذا احتجتِه يوماَ لتعودي فلا تتراجعي.. أخاف عليكِ أن تكوني راغبة يوماَ في العودة إلينا ولا تستطيعين.. كلنا نخاف عليكِ.. كلنا.
تجهش حسناء بالبكاء وهي تعتصر شقيقتها بين ذراعيها، تغرق شعرها ورأسها ووجهها بقبلاتها هاتفة :
_لا تخافوا.. لا تخافوا أبداً.. أبداَ.. من لديه إخوة مثلكم لا يخاف ولا يُخاف عليه.
_تزوجي العم نزار إذن.. يبدو لطيفاَ.. ضحكته حلوة.
تهتف بها الطفلة ببراءة فتجد حسناء نفسها تهز رأسها بما يشبه الوعد..
_أنتِ وافقتِ؟!
هذه المرة أمها!
تقف بملامحها كثيرة الطيبة قليلة الحيلة عند باب الغرفة وكأنها سمعت الحوار..
======
تغلق حسناء الاتصال مع طيف بابتسامة حالمة ثم تتقدم نحو مرآة غرفتها.. تمسحها بأناملها وهي تتفحص ملامحها كأنها ترى نفسها لأول مرة..
ملامح عادية لا تحمل شيئاَ مميزاَ لكن بعضهم وصفها بالجاذبية.. عينين ضيقتين بلون بني داكن.. لا هو الأسود الذي يتغزلون به.. ولا العسلي الذي يخطف الأبصار..
رموش قصيرة غير كثيفة.. حاجبان متوسطان.. أنف طويل نوعاَ ما مع جدع خفيف يعظمه شعورها بالنقص أحياناَ لكنها لا تكاد تراه عندما تكون راضية عن نفسها كما الآن..
شفتان ممتلئتان كبيرتان كانت تكرههما في صغرها وقد كانت ترى الجمال في الفم المنمنم لكنها كبرت وأدركت كم صاروا
ينفقون المال في تكبير الشفاه فاعتبرت هذا هدفاَ في مرماها.. صارت شفتاها بعينيها جميلتين فجأة!
وجنتاها مرتفعتان مع شعر شبه مجعد يغطيه حجابها فلا تهتم بنعومته لكنها تنتوي متى جاء (النصيب) أن تعالجه كيميائياَ فتفرده..
_جاء النصيب.
تضحك وهي تهمس بها لنفسها.. تتحسس شعرها المجعد وهي تحله من رباطه.. تتخيله مفروداَ بنعومة على كتفيها فتدمع عيناها بفرحة..
فرحة ظلت تنتظرها طوال العمر.
تنحني نحو خزانتها الصغيرة لتلتقط منها دفتراَ ورقيا بدا قديماَ نوعاَ ما..
(كشكول الخيبة) كما تدعوه!
لم تكن مجرد مذكرات تكتبها.. بل كانت تخصص فيه صفحة لكل رجل تلتقيه فيتمناه قلبها زوجاَ وتحول الظروف دون ذلك..
أغلبها كانت تجارب حب من طرف واحد.. وبعضها أفسدته الظروف..
لكن المحصلة كانت واحدة كل مرة.. (الخيبة)!
لهذا كانت كل صفحة منه تبدأ باسم الرجل ثم تنتهي بعلامة (x) تقطع على قلبها طريق الأمل الذي سار أول خطواته..
صفحة خلف صفحة..
حلم خلف حلم..
مشاعر لم تكتمل أجهضتها الظروف وتركت قلبها في منتصف الطريق.. دوماَ في منتصف الطريق..
فلا هو نال ما تمناه ولا هو زهد البحث عن الحب..
بقي يفتح كفه منتظراَ متأملاَ!
_هذه المرة لن أكتب اسمك.. لن تنتهي صفحتك بالعلامة المقيتة تلك أبداً.. ستكون آخر المطاف وحسن الختام.
تقولها وهي تستعيد ملامح نزار في مخيلتها..
قامته النحيلة التي لا تميل للطول كثيراَ.. يزيد عنها بضعة سنتيمترات فحسب..
ابتسامته التي تكاد تكون ملتصقة بشفتيه مع نبرة عابثة تشي ان صاحبها لا يحمل هماَ..
ملامحه الوسيمة بمعقولية مريحة.. لا هو الجذاب الآسر ولا القبيح المنفر.. مناسبة تماماَ لطموحها البسيط..
لكن ما يقلقها حقاَ هو تلك النظرة الداكنة في عينيه..
كأنه مثلها يملك (كشكول خيبة) لكنه استبدله بصفحة واحدة سوداء تغطي دوماَ على لمعة حدقتيه!
_أدخل؟!
صوت شقيقتها الصغرى يقاطع أفكارها فتلتفت نحوها وهي تراها تدفع باب الغرفة لتركض نحوها بملامح مشرقة، تدسها بين ذراعيها في عناق قوي بينما صوت الطفلة يكاد يتراقص فرحاَ :
_ستتزوجين حقاَ ذاك الرجل؟!
_لا أعرف بعد!
تهز بها كتفيها لتهتف الصغيرة بعفوية:
_تزوجيه.. بالله عليك تزوجيه.. تزوجيه كي لا نخاف عليكِ.
تتسع عيناها ببعض الدهشة فيما تردف الصغيرة ببراءة :
_أسمع أمي دوماَ تدعو لك في صلاتها.. تطلب من الله أن يحفظك لأنها تخاف عليك.. (محمود) يجتهد ليبحث عن وظيفة دون أن يخبر أمي كي يخفف الحمل عنكِ لأنه يريدك أن تعودي ويخاف عليكِ في غربتك.. و (أحمد) قد أسرّ لي أنه تعلم رياضة (البوكس) خصيصاَ كي يكون قادراَ على الدفاع عنك.. و(محمد) و(مصطفى) يسهران طوال الليل يذاكران بكل طاقتهما كي يوفرا ثمن الدروس الخصوصية حتى لا تحتاجي المال فتعودين بسرعة.. (مريم) تعطي المرأة على رأس الشارع صدقة كل يوم صباحاَ وتطلب منها أن تدعو لك.. وأنا..
تستخرج الطفلة حافظة صغيرة تبدو مكتظة بالأوراق المالية ترفعها أمام عيني حسناء الممتلئتين بدموعهما وهي تردف :
_أنا أدخر مصروفي ولا أنفقه.. حتى إذا احتجتِه يوماَ لتعودي فلا تتراجعي.. أخاف عليكِ أن تكوني راغبة يوماَ في العودة إلينا ولا تستطيعين.. كلنا نخاف عليكِ.. كلنا.
تجهش حسناء بالبكاء وهي تعتصر شقيقتها بين ذراعيها، تغرق شعرها ورأسها ووجهها بقبلاتها هاتفة :
_لا تخافوا.. لا تخافوا أبداً.. أبداَ.. من لديه إخوة مثلكم لا يخاف ولا يُخاف عليه.
_تزوجي العم نزار إذن.. يبدو لطيفاَ.. ضحكته حلوة.
تهتف بها الطفلة ببراءة فتجد حسناء نفسها تهز رأسها بما يشبه الوعد..
_أنتِ وافقتِ؟!
هذه المرة أمها!
تقف بملامحها كثيرة الطيبة قليلة الحيلة عند باب الغرفة وكأنها سمعت الحوار..
❤19