#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال ابن رجب رحمه الله:
«إنِّ الصِّيامَ سرٌّ بينَ العبدِ وربِّه لا يطَّلِعُ عليه غيرُه؛ لأنَّه مُركَّبٌ مِن نيَّةٍ باطنةٍ لا يطَّلعُ عليها إلَّا الله، وتركٍ لتناوُل الشَّهواتِ الَّتي يُستَخفَى بتناوُلها في العادة» [«لطائف المعارف» (ص١٥٤)]
📌قال ابن رجب رحمه الله:
«إنِّ الصِّيامَ سرٌّ بينَ العبدِ وربِّه لا يطَّلِعُ عليه غيرُه؛ لأنَّه مُركَّبٌ مِن نيَّةٍ باطنةٍ لا يطَّلعُ عليها إلَّا الله، وتركٍ لتناوُل الشَّهواتِ الَّتي يُستَخفَى بتناوُلها في العادة» [«لطائف المعارف» (ص١٥٤)]
Forwarded from راية الإصلاح ـ دار الفضيلة للنشر
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
مقاطع ومقتطفات
العنوان: رمضان غـذاء للقلوب
المحاضر: عمر الحاج مسعود
العنوان: رمضان غـذاء للقلوب
المحاضر: عمر الحاج مسعود
Forwarded from راية الإصلاح ـ دار الفضيلة Chat
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال ابن القيِّم رحمه الله:
«أفضَلُ الصُّوَّام أكثرُهُم ذكرًا لله عز وجل في صومِهم».
[«الوابل الصيب» (ص104)]
📌قال ابن القيِّم رحمه الله:
«أفضَلُ الصُّوَّام أكثرُهُم ذكرًا لله عز وجل في صومِهم».
[«الوابل الصيب» (ص104)]
Forwarded from راية الإصلاح ـ دار الفضيلة Chat
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 معالم النصر في غزوة بدر
💢 بقلم: عز الدين رمضاني
💢 منشور في العدد (4) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: https://bit.ly/4bXRRFR
👇👇👇
💢 معالم النصر في غزوة بدر
💢 بقلم: عز الدين رمضاني
💢 منشور في العدد (4) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: https://bit.ly/4bXRRFR
👇👇👇
Forwarded from راية الإصلاح ـ دار الفضيلة Chat
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 معالم النصر في غزوة بدر
💢 بقلم: عز الدين رمضاني
💢 منشور في العدد (4) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: https://bit.ly/4bXRRFR
👇👇👇
إنَّ الصِّيام فريضةٌ عظيمة، ومنَّة من الله على عباده جسيمة، يربِّي في النُّفوس الإرادات والملكات، ويغرس في جنابها الفضائل والكمالات، وفيه تتدرَّب النُّفوس على حمل المكروه وتحمُّل المشاقِّ والأعباء، وضبط نوازع الهزل والعبث فيها والتَّحكُّم في الأهواء.
وفي الصَّوم امتحانٌ لصبر الإنسان، والصَّبر رائدُ النَّصر وطاردُ الخذلان، وقد جعله الله زمنًا للنَّشاط وتكثيف الطَّاعات، وموسمًا للبذل والتَّسابق في الخيرات، فلا يصحُّ أن يكون مدعاة للعجز والكسل، أو ذريعة إلى التَّقصير في السَّعي والعمل؛ لأنَّه من النَّاحية الصِّحِّيَّة يعطي قوَّة للجسم، ويدفع عنه كثيرًا من الأمراض، ويشفي فيه كثيرًا من العلل، وهو من النَّاحية المعنوية يهب المسلم قوَّة الإيمان وصفاء النَّفس ونقاء الرُّوح الَّتي لها أكثر الأثر في سعادة الأمَّة وذلك في كلِّ زمان ومكان.
ودليل هذا ذلكم السِّجلُّ الحافل بالانتصارات القاهرة، والمنجزات الباهرة الَّتي حقَّقها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ورعيل الصَّحابة ومن بعدهم من صالحي هذه الأمَّة في فتوحاتهم وحروبهم في مثل هذا الشَّهر المبارك الكريم الَّذي هو شهر رمضان.
والمتأمِّل في سيرة سيِّد البريَّات صلى الله عليه وسلم، وما صامه من رمضانات، وما حصل له فيها من نفحات ومكرمات، ما بين فتح وجهاد، ونصر وتمكين، يجد ـ وبلا شكٍّ ـ ما يثير العظة والاعتبار، ويبعث في نفسه بوادر الإجلال والإكبار.
ففي شهر رمضان كانت تبعث السَّرايا، وتجهَّز الجيوش، وتُخاض المعارك، وتبلَّغ الدَّعوة، فيه هدِّمت أصنام الجاهلية الكبرى ـ اللَّاة ومناة وسواع ـ، وفيه هُدم مسجد الضِّرار، وفيه قدمت الوفود من كلِّ حَدَبٍ وصَوْبٍ تشهر بيعتها وتعلن إسلامها.
إنَّه رمضان الإيمان في أوج قوَّته وأبهى حلله، ورمضان الجهاد في أسمى معانيه من جهاد نفس وعدو، ورمضان الدَّعوة إلى الله في ذروة عطائها ومدِّها.
وفي هذه الإطلالة وقفة على أوَّل غزوة من غزوات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الَّتي شهدها بنَفْسه، وأمدَّها بنَفَسه، دارت رحاها في شهر رمضان الخير، تجلَّت فيها المعاني المتقدِّمة الذِّكر: الإيمان والقوَّة والدَّعوة، وبهذه الثَّلاث تبنى دعائم النَّصر المبين، وتحبك معاقد العزِّ والتَّمكين لأمَّة سيِّد المرسلين، ويقوم لها أمر الدُّنيا والدِّين، وبين يديك ـ أيُّها القارئ اللَّبيب ـ قبسات وإشارات من هدي المصطفى الحبيب صلى الله عليه وسلم، مستلَّة من بعض مواقفه في غزوة بدر، جلَّيتها لك في مشاهد وصور، تُنبئ عن ما وراءها من عبر ودُرَرٍ.
أوَّلًا ـ تعريف موجز بغزوة بدر وما أعقبها من أحداث:
غزوة بدر هي أكرم المشاهد وأعظم غزوات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأرفع شأنًا وأسمى ذكرًا، أنزل الله فيها سورة تتلى إلى يوم الدِّين، وهي سورة الأنفال، سمِّيت بغزوة بدر الكبرى، وبغزوة بدر العظمى، وبيوم وقعة بدر، وببدر القتال، وببدر البَطْشَة، وسمَّاها الله بيوم الفرقان، وبيوم التقى الجمعان، حيث يقول جلَّ جلاله: ﴿ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير}[الأنفال:41].
وقد تقرَّر عند العلماء أنَّ كلَّ ما عظم شأنه وفشا نبؤه، تعدَّدت صفاته وكثرت أسماؤه، وهذا مهيع كلام العرب، وهو كثير في أشعارهم وأخبارهم.
وقد اتَّفقت كلمةُ أهل العلم بالسِّير أنَّها وقعت في شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة، قال ابن إسحاق: «فكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان»(1).
وقد حقَّق المسلمون فيها انتصارًا كبيرًا ـ على قلَّة عددهم وضعف عدَّتهم ـ على أعدائهم من الكفرة والمشركين، وأعزَّ الله ـ تبارك وتعالى ـ بهذه الوقعة الإسلام والمسلمين، وحقَّق لهم ما وعدهم من إحدى الطَّائفتين، وخذل الكفر وأهله وكسر شوكة الطُّغيان.
وكان من أعقاب هذا النَّصر العزيز والإنجاز العظيم أنْ عزَّز المسلمون موقعهم وفرضوا وجودهم، وأصبح سلطانهم مهيبًا في المدينة وما حولها، وامتدَّ نفوذهم على طريق القوافل في شمال الجزيرة، وأسلم يومئذ بشر كثير من أهل المدينة رغبة ورهبة.
قال ابن القيِّم في «الزاد» (3/177): «ودخل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينة مؤيَّدًا مظفرًا منصورًا قد خافه كلُّ عدوّ له بالمدينة وحولها، فأسلم بشرٌ كثير من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه في الإسلام ظاهرًا».
ثانيًا ـ صور من اهتمام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بشحذ النُّفوس بالإيمان:
ويظهر هذا الاهتمام من خلال الإقبال على أسباب زيادة الإيمان وتقويته من الطَّاعات والقربات، وأجلّ طاعة وأعلاها قدرًا الصَّلاة.
💢 معالم النصر في غزوة بدر
💢 بقلم: عز الدين رمضاني
💢 منشور في العدد (4) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: https://bit.ly/4bXRRFR
👇👇👇
إنَّ الصِّيام فريضةٌ عظيمة، ومنَّة من الله على عباده جسيمة، يربِّي في النُّفوس الإرادات والملكات، ويغرس في جنابها الفضائل والكمالات، وفيه تتدرَّب النُّفوس على حمل المكروه وتحمُّل المشاقِّ والأعباء، وضبط نوازع الهزل والعبث فيها والتَّحكُّم في الأهواء.
وفي الصَّوم امتحانٌ لصبر الإنسان، والصَّبر رائدُ النَّصر وطاردُ الخذلان، وقد جعله الله زمنًا للنَّشاط وتكثيف الطَّاعات، وموسمًا للبذل والتَّسابق في الخيرات، فلا يصحُّ أن يكون مدعاة للعجز والكسل، أو ذريعة إلى التَّقصير في السَّعي والعمل؛ لأنَّه من النَّاحية الصِّحِّيَّة يعطي قوَّة للجسم، ويدفع عنه كثيرًا من الأمراض، ويشفي فيه كثيرًا من العلل، وهو من النَّاحية المعنوية يهب المسلم قوَّة الإيمان وصفاء النَّفس ونقاء الرُّوح الَّتي لها أكثر الأثر في سعادة الأمَّة وذلك في كلِّ زمان ومكان.
ودليل هذا ذلكم السِّجلُّ الحافل بالانتصارات القاهرة، والمنجزات الباهرة الَّتي حقَّقها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ورعيل الصَّحابة ومن بعدهم من صالحي هذه الأمَّة في فتوحاتهم وحروبهم في مثل هذا الشَّهر المبارك الكريم الَّذي هو شهر رمضان.
والمتأمِّل في سيرة سيِّد البريَّات صلى الله عليه وسلم، وما صامه من رمضانات، وما حصل له فيها من نفحات ومكرمات، ما بين فتح وجهاد، ونصر وتمكين، يجد ـ وبلا شكٍّ ـ ما يثير العظة والاعتبار، ويبعث في نفسه بوادر الإجلال والإكبار.
ففي شهر رمضان كانت تبعث السَّرايا، وتجهَّز الجيوش، وتُخاض المعارك، وتبلَّغ الدَّعوة، فيه هدِّمت أصنام الجاهلية الكبرى ـ اللَّاة ومناة وسواع ـ، وفيه هُدم مسجد الضِّرار، وفيه قدمت الوفود من كلِّ حَدَبٍ وصَوْبٍ تشهر بيعتها وتعلن إسلامها.
إنَّه رمضان الإيمان في أوج قوَّته وأبهى حلله، ورمضان الجهاد في أسمى معانيه من جهاد نفس وعدو، ورمضان الدَّعوة إلى الله في ذروة عطائها ومدِّها.
وفي هذه الإطلالة وقفة على أوَّل غزوة من غزوات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الَّتي شهدها بنَفْسه، وأمدَّها بنَفَسه، دارت رحاها في شهر رمضان الخير، تجلَّت فيها المعاني المتقدِّمة الذِّكر: الإيمان والقوَّة والدَّعوة، وبهذه الثَّلاث تبنى دعائم النَّصر المبين، وتحبك معاقد العزِّ والتَّمكين لأمَّة سيِّد المرسلين، ويقوم لها أمر الدُّنيا والدِّين، وبين يديك ـ أيُّها القارئ اللَّبيب ـ قبسات وإشارات من هدي المصطفى الحبيب صلى الله عليه وسلم، مستلَّة من بعض مواقفه في غزوة بدر، جلَّيتها لك في مشاهد وصور، تُنبئ عن ما وراءها من عبر ودُرَرٍ.
أوَّلًا ـ تعريف موجز بغزوة بدر وما أعقبها من أحداث:
غزوة بدر هي أكرم المشاهد وأعظم غزوات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأرفع شأنًا وأسمى ذكرًا، أنزل الله فيها سورة تتلى إلى يوم الدِّين، وهي سورة الأنفال، سمِّيت بغزوة بدر الكبرى، وبغزوة بدر العظمى، وبيوم وقعة بدر، وببدر القتال، وببدر البَطْشَة، وسمَّاها الله بيوم الفرقان، وبيوم التقى الجمعان، حيث يقول جلَّ جلاله: ﴿ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير}[الأنفال:41].
وقد تقرَّر عند العلماء أنَّ كلَّ ما عظم شأنه وفشا نبؤه، تعدَّدت صفاته وكثرت أسماؤه، وهذا مهيع كلام العرب، وهو كثير في أشعارهم وأخبارهم.
وقد اتَّفقت كلمةُ أهل العلم بالسِّير أنَّها وقعت في شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة، قال ابن إسحاق: «فكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان»(1).
وقد حقَّق المسلمون فيها انتصارًا كبيرًا ـ على قلَّة عددهم وضعف عدَّتهم ـ على أعدائهم من الكفرة والمشركين، وأعزَّ الله ـ تبارك وتعالى ـ بهذه الوقعة الإسلام والمسلمين، وحقَّق لهم ما وعدهم من إحدى الطَّائفتين، وخذل الكفر وأهله وكسر شوكة الطُّغيان.
وكان من أعقاب هذا النَّصر العزيز والإنجاز العظيم أنْ عزَّز المسلمون موقعهم وفرضوا وجودهم، وأصبح سلطانهم مهيبًا في المدينة وما حولها، وامتدَّ نفوذهم على طريق القوافل في شمال الجزيرة، وأسلم يومئذ بشر كثير من أهل المدينة رغبة ورهبة.
قال ابن القيِّم في «الزاد» (3/177): «ودخل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المدينة مؤيَّدًا مظفرًا منصورًا قد خافه كلُّ عدوّ له بالمدينة وحولها، فأسلم بشرٌ كثير من أهل المدينة، وحينئذ دخل عبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه في الإسلام ظاهرًا».
ثانيًا ـ صور من اهتمام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بشحذ النُّفوس بالإيمان:
ويظهر هذا الاهتمام من خلال الإقبال على أسباب زيادة الإيمان وتقويته من الطَّاعات والقربات، وأجلّ طاعة وأعلاها قدرًا الصَّلاة.
Facebook
الصفحة الرسمية لموقع راية الإصلاح
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 معالم النصر في غزوة بدر
💢 بقلم: عز الدين رمضاني
💢 منشور في العدد (4) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على التلغرام:
👇👇👇
إنَّ الصِّيام فريضةٌ عظيمة، ومنَّة من الله على...
💢 معالم النصر في غزوة بدر
💢 بقلم: عز الدين رمضاني
💢 منشور في العدد (4) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على التلغرام:
👇👇👇
إنَّ الصِّيام فريضةٌ عظيمة، ومنَّة من الله على...
Forwarded from راية الإصلاح ـ دار الفضيلة Chat
ولقد بالغ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ـ قبل مضيِّه إلى هذه الغزوة وأثناءها ـ في الاهتمام بهذه الشَّعيرة إقامة ودعوة إليها وحثًّا على عدم تضييعها، لما للصَّلاة من إظهار الذُّلِّ والخضوع، وإعلان الافتقار والخنوع بين يدي ربِّ العالمين، وقد جعلها الله تعالى قُرَّةَ عين المطيع ونعيمَه وفرحَه وسرورَه، وملجَأَه الَّذي يطرح فيه كلَّ همومه وغمومه وشروره، كما في قول سيِّد المطيعين وأقربهم إلى ربِّ العالمين صلى الله عليه وسلم: «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»(2).
ويتجلَّى هذا الاهتمام بأمر الصَّلاة في:
1 ـ استخلاف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على الصَّلاة بالمدينة ابن أمِّ مكتوم رضي الله عنه: قال ابن إسحاق: «وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه واستعمل ابن أم مكتوم على الصَّلاة بالنَّاس»(3).
وهذا من اهتمام النَّبيِّ القائد بأمر الصَّلاة، فإنَّ إقامتها في المساجد واجتماع النَّاس فيها على إمام واحد، وإن كانت الأمَّة في أحلك الظُّروف وأحرج المواقف، تقاتل الأعداء وتراقب الأنحاء، فهو حريٌّ بجلب النَّصر ونزول المدد وكسر شوكة العدوِّ، وقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا يَنْصُرُ اللهُ هَذِهِ الأُمَّة بِضَعِيفِهَا بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ»(4)، وفي هذا تعبئة لجموع الأمَّة ـ وإن كانوا من أهل الأعذار ـ أن يكونوا مع إخوانهم المجاهدين في قتالهم للكفَّار، وترغيب لهم في نيل الأجر من الكريم الغفَّار.
2 ـ اشتغال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالصَّلاة وهو في خضمِّ الإعداد للمعركة: قال ابن القيِّم في «الزَّاد» (3/175): «وسار المشركون سِراعًا يريدون الماء، وبعث عليًّا وسعدًا والزُّبير إلى بدر يلتمسون الخبر، فقدموا بعبدين لقريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلِّي...».
فانظر ـ رعاك الله ـ حتَّى وهو صلى الله عليه وسلم يدير رحى الحرب، وينظم الجند، ويهيِّئ الجيش ويختار المواقع، ويشاور الأصحاب، ويتحسَّس الأخبار، لا يغفل عن الصَّلاة والدُّعاء، ولا يقطع حبل الأرض بالسَّماء، في ضراعة وإلحاح، يستنزل النَّصر، ويناشد المعونة والمَدَد.
3 ـ إحياء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لليلة القتال بالقيام بين يدي الكبير المتعال: قال ابن القيِّم في «الزَّاد» (3/179): «وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي إلى جذع شجرة هناك، وكانت ليلة الجمعة السَّابع عشر من رمضان في السَّنة الثَّانية».
عن علي رضي الله عنه قال: «لقد أتينا ليلة بدر وما فينا إلَّا نائمًا، إلَّا النَّبيّ صلى الله عليه وسلم فإنَّه كان يصلِّي إلى شجرة ويدعوه وما كان فينا فارس إلَّا المقداد»(5).
ولا يخفى ما في إحياء ليلة كاملة بالذِّكر والصَّلاة، والدُّعاء والمناجاة، واغتنام الزَّمن الفاضل من زيادة الإيمان وحصول الأجر الهائل، كلُّ ذلك استعدادًا للقتال وتأهُّبًا للنِّزال، بقوَّة الإيمان وصحَّة التَّوحيد وصدق التَّوكُّل وكمال التَّفويض والتَّسليم لربِّ العالمين.
4 ـ فزع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى ربِّ الأرض والسَّماء بصنوف الدُّعاء: قال ابن القيِّم في «الزَّاد» (3/176): «فلمَّا طلع المشركون، وتراءى الجمعان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْش جَاءَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، جَاءَتْ تحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ»(6)، وقام ورفع يديه، واستنصر ربَّه، وقال: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أنْشدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ»، فالتزمه الصِّدِّيق من ورائه، وقال: يا رسول الله! أبشر، فوالَّذي نفسي بيده لينجزنَّ الله لك ما وعدك(7).
واستنصر المسلمون الله، واستغاثوه وأخلصوا له، وتضرَّعوا إليه، فأوحى الله إلى ملائكته ﴿ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ ﴾ [الأنفال: 12]، وأوحى الله إلى رسوله ﴿ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِين ﴾ [الأنفال: 9]».
وقال ابن كثير واصفًا يوم الوقعة الشَّهيرة، وما وقع فيها من الآيات الكثيرة: «هذا وقد تواجه الفئتان وتقابل الفريقان، وحضر الخصمان بين يدي الرَّحمن، واستغاث بربِّه سيِّد الأنبياء، وضجَّ الصَّحابة بصنوف الدُّعاء إلى ربِّ الأرض والسَّماء، سامع الدُّعاء وكاشف البلاء»(8).
وقد سجَّل لهم القرآن هذا الموقف العظيم الدَّالِّ على كمال عبوديَّتهم لله وصدق توكُّلهم عليه وطمعهم في تأييده ونصره فقال: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِين * وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم ﴾ [الأنفال: 09 ـ 10].
ثالثًا ـ صُوَر من أخذ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بمظهر القوَّة والشَّجاعة والبلاء الحسن:
ويتجلَّى هذا الاهتمام بأمر الصَّلاة في:
1 ـ استخلاف النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على الصَّلاة بالمدينة ابن أمِّ مكتوم رضي الله عنه: قال ابن إسحاق: «وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه واستعمل ابن أم مكتوم على الصَّلاة بالنَّاس»(3).
وهذا من اهتمام النَّبيِّ القائد بأمر الصَّلاة، فإنَّ إقامتها في المساجد واجتماع النَّاس فيها على إمام واحد، وإن كانت الأمَّة في أحلك الظُّروف وأحرج المواقف، تقاتل الأعداء وتراقب الأنحاء، فهو حريٌّ بجلب النَّصر ونزول المدد وكسر شوكة العدوِّ، وقد قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا يَنْصُرُ اللهُ هَذِهِ الأُمَّة بِضَعِيفِهَا بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ»(4)، وفي هذا تعبئة لجموع الأمَّة ـ وإن كانوا من أهل الأعذار ـ أن يكونوا مع إخوانهم المجاهدين في قتالهم للكفَّار، وترغيب لهم في نيل الأجر من الكريم الغفَّار.
2 ـ اشتغال النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالصَّلاة وهو في خضمِّ الإعداد للمعركة: قال ابن القيِّم في «الزَّاد» (3/175): «وسار المشركون سِراعًا يريدون الماء، وبعث عليًّا وسعدًا والزُّبير إلى بدر يلتمسون الخبر، فقدموا بعبدين لقريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلِّي...».
فانظر ـ رعاك الله ـ حتَّى وهو صلى الله عليه وسلم يدير رحى الحرب، وينظم الجند، ويهيِّئ الجيش ويختار المواقع، ويشاور الأصحاب، ويتحسَّس الأخبار، لا يغفل عن الصَّلاة والدُّعاء، ولا يقطع حبل الأرض بالسَّماء، في ضراعة وإلحاح، يستنزل النَّصر، ويناشد المعونة والمَدَد.
3 ـ إحياء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لليلة القتال بالقيام بين يدي الكبير المتعال: قال ابن القيِّم في «الزَّاد» (3/179): «وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي إلى جذع شجرة هناك، وكانت ليلة الجمعة السَّابع عشر من رمضان في السَّنة الثَّانية».
عن علي رضي الله عنه قال: «لقد أتينا ليلة بدر وما فينا إلَّا نائمًا، إلَّا النَّبيّ صلى الله عليه وسلم فإنَّه كان يصلِّي إلى شجرة ويدعوه وما كان فينا فارس إلَّا المقداد»(5).
ولا يخفى ما في إحياء ليلة كاملة بالذِّكر والصَّلاة، والدُّعاء والمناجاة، واغتنام الزَّمن الفاضل من زيادة الإيمان وحصول الأجر الهائل، كلُّ ذلك استعدادًا للقتال وتأهُّبًا للنِّزال، بقوَّة الإيمان وصحَّة التَّوحيد وصدق التَّوكُّل وكمال التَّفويض والتَّسليم لربِّ العالمين.
4 ـ فزع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى ربِّ الأرض والسَّماء بصنوف الدُّعاء: قال ابن القيِّم في «الزَّاد» (3/176): «فلمَّا طلع المشركون، وتراءى الجمعان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْش جَاءَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، جَاءَتْ تحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ»(6)، وقام ورفع يديه، واستنصر ربَّه، وقال: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أنْشدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ»، فالتزمه الصِّدِّيق من ورائه، وقال: يا رسول الله! أبشر، فوالَّذي نفسي بيده لينجزنَّ الله لك ما وعدك(7).
واستنصر المسلمون الله، واستغاثوه وأخلصوا له، وتضرَّعوا إليه، فأوحى الله إلى ملائكته ﴿ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ ﴾ [الأنفال: 12]، وأوحى الله إلى رسوله ﴿ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِين ﴾ [الأنفال: 9]».
وقال ابن كثير واصفًا يوم الوقعة الشَّهيرة، وما وقع فيها من الآيات الكثيرة: «هذا وقد تواجه الفئتان وتقابل الفريقان، وحضر الخصمان بين يدي الرَّحمن، واستغاث بربِّه سيِّد الأنبياء، وضجَّ الصَّحابة بصنوف الدُّعاء إلى ربِّ الأرض والسَّماء، سامع الدُّعاء وكاشف البلاء»(8).
وقد سجَّل لهم القرآن هذا الموقف العظيم الدَّالِّ على كمال عبوديَّتهم لله وصدق توكُّلهم عليه وطمعهم في تأييده ونصره فقال: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِين * وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم ﴾ [الأنفال: 09 ـ 10].
ثالثًا ـ صُوَر من أخذ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بمظهر القوَّة والشَّجاعة والبلاء الحسن:
Forwarded from راية الإصلاح ـ دار الفضيلة Chat
قال ابن كثير في «سيرته» (2/424): «وقد قاتل بنفسه الكريمة قتالًا شديدًا ببدنه، وكذلك أبو بكر الصِّدِّيق، كما كانا في العريش يجاهدان بالدُّعاء والتَّضرُّع، ثمَّ نزلَا فحرَّضا وحثَّا على القتال، وقاتلَا بالأبدان جمعًا بين المقامين الشَّريفين».
وروى الإمام أحمد بسنده إلى علي رضي الله عنه قال: «لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا من العدوِّ، وكان من أشدِّ النَّاس يومئذ بأسًا»(9).
وفي جهاده صلى الله عليه وسلم للأعداء يوم بدر، ونزوله إلى ساحة القتال دليل على أنَّ النَّصر لم يكن خارقة غيبية، وإن كانوا يعتقدون أنَّ النَّصر من عند الله يهبه لمن يشاء، ولكن لا يهبه إلَّا بأسبابه، والله إذا أراد شيئًا هيَّأ أسبابه، فالأخذ بأسباب القوَّة المادِّيَّة والتَّخطيط للمعركة والتَّأهُّب لها بالعدَّة والعَدَد لا ينافي التَّوكُّل على الله وتفويض الأمر له والاستعانة به، بل هو أمر واجب يجري على السُّنن المعتادة، ومن اعتقد خلاف هذا فقد غفل عن سنن الله أو قصَّر في استقرائها، وإن شئت أن تفقه هذه السُّنَّة الكونيَّة والشَّرعية فانظر إلى ما كان من فعل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في وقعة بدر، وأخذه بأسباب الحيطة والقوَّة والتَّدبير، وإجادته لفنِّ القتال وحسن التَّنظيم والتَّأمير، قال ابن القيِّم في «الزَّاد» (3/182): «وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ملء كفِّه من الحصباء، فرمى بها وجوه العدوِّ، فلم تترك رجلًا منهم إلَّا ملأت عينيه، وشغلوا بالتُّراب في أعينهم، وشغل المسلمون بقتلهم، فأنزل الله في شأن هذه الرَّمية على رسوله ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى ﴾ [الأنفال: 17]».
ومحلُّ الشَّاهد من هذا النَّصِّ إثبات الأخذ بالأسباب وأنَّها لا تنافي التَّوكُّل المأمور به، قال ابن القيِّم معلِّقًا على ما سبق: «وقد ظنَّ طائفة أنَّ الآية دلَّت على نفي الفعل عن العبد، وإثباته لله، وأنَّه هو الفاعل حقيقة، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة... ومعنى الآية: أنَّ الله سبحانه أثبت لرسوله ابتداء الرَّمي، ونفى عنه الإيصال الَّذي لم يحصل برميته، فالرَّمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيِّه الحذف، ونفى عنه الإيصال».
رابعًا ـ صور من قيام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بواجب البلاغ والدَّعوة إلى الله وثوابه:
وقد كان هذا قبل المعركة بقليل، قبل أن يحمى الوطيس، وتستدير رحى الحرب ويشتدّ القتال، تثبيتًا للمؤمنين، ورفعًا لمعنويَّاتهم، وتخذيلًا لمقالة أهل السُّوء والنِّفاق حين قالوا: ﴿ غَرَّ هَـؤُلاء دِينُهُمْ ﴾ [الأنفال: 49].
قال ابن القيِّم في «الزَّاد» (3/181): «ولمَّا دنا العدوُّ وتواجه القوم، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في النَّاس، فوعظهم وذكرهم بما لهم في الصَّبر والثَّبات من النَّصر، والظَّفَر العاجل، وثواب الله الآجل، وأخبرهم أنَّ الله قد أوجب الجنَّة لمن استشهد في سبيله...».
وقد حصل من وعظ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه في ذلك المقام، من أنواع الفتح والنَّصر والبلاء الحسن والثَّبات على الأقدام، ما لا يُعوض بكبير قوَّة وإمداد، أو حسن تأهُّب وإعداد، من حصول السَّكينة والاطمئنان، وطرد أسباب الفشل والخذلان، وهو من أهمِّ عوامل النَّصر والثَّبات، قال ابن كثير في «سيرته» (2/431): «ثمَّ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش في الدّرع فجعل يحرِّض على القتال، ويبشِّر النَّاس بالجنَّة ويشجِّعهم بنزول الملائكة، والنَّاس بعد على مصافِّهم لم يحملوا على عدوِّهم، حصل لهم السَّكينة والطُّمأنينة».
وكان من أثر هذا الوعظ أيضًا أن تشجَّع أصحابه لبذل أرواحهم في سبيل الله وتنافسهم في ذلك، طمعًا في الجنَّة، واستعجالًا للثَّواب، وهو إحدى مقوِّمات النَّصر أن ترى المقاتل مقبلًا من غير إدبار، مجهزًا على أعدائه دون خوف أو إرجاف، قد قوي إيمانه وعلت معنويَّاته وصغرت الدُّنيا في عينيه، فهذا عُمَيْر بن الحُمَام رضي الله عنه قال: يا رسول الله، جنَّة عرضها السَّماوات والأرض؟ قال: «نَعَمْ»، قال: بخ بخ يا رسول الله! قال: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخ»؟ قال: لا والله يا رسول الله إلَّا رجاء أن أكون من أهلها، قال: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا»، قال: فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهم، ثمَّ قال: لئن حييت حتَّى آكل تمراتي هذه، إنَّها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التَّمر، ثمَّ قاتلهم حتَّى قتل»(10).
إنَّه ليعظم في أعين النَّاس بادي الرَّأي رجال يحسبونهم أوتادًا راسية في الأمَّة، يتوعَّدون العدوَّ بالهزيمة، ويتباهون بالإقدام وقوَّة الشكيمة، شُغلوا بما هم فيه، يتخلَّفون عن مجالس تهذيب الإيمان في مدرسة بدر الَّتي درَّب فيها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم جندَه على جهاد العدوِّ، فضاعوا في غياهب الأضاليل ومنتهم موعدة الأباطيل، فإنَّما النَّصر إكليل لا يتوَّج به صريع في ساحة تخلَّى فيها جندها عن عُدَد الإيمان ومدد التَّقوى والإحسان.
وروى الإمام أحمد بسنده إلى علي رضي الله عنه قال: «لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا من العدوِّ، وكان من أشدِّ النَّاس يومئذ بأسًا»(9).
وفي جهاده صلى الله عليه وسلم للأعداء يوم بدر، ونزوله إلى ساحة القتال دليل على أنَّ النَّصر لم يكن خارقة غيبية، وإن كانوا يعتقدون أنَّ النَّصر من عند الله يهبه لمن يشاء، ولكن لا يهبه إلَّا بأسبابه، والله إذا أراد شيئًا هيَّأ أسبابه، فالأخذ بأسباب القوَّة المادِّيَّة والتَّخطيط للمعركة والتَّأهُّب لها بالعدَّة والعَدَد لا ينافي التَّوكُّل على الله وتفويض الأمر له والاستعانة به، بل هو أمر واجب يجري على السُّنن المعتادة، ومن اعتقد خلاف هذا فقد غفل عن سنن الله أو قصَّر في استقرائها، وإن شئت أن تفقه هذه السُّنَّة الكونيَّة والشَّرعية فانظر إلى ما كان من فعل النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في وقعة بدر، وأخذه بأسباب الحيطة والقوَّة والتَّدبير، وإجادته لفنِّ القتال وحسن التَّنظيم والتَّأمير، قال ابن القيِّم في «الزَّاد» (3/182): «وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ملء كفِّه من الحصباء، فرمى بها وجوه العدوِّ، فلم تترك رجلًا منهم إلَّا ملأت عينيه، وشغلوا بالتُّراب في أعينهم، وشغل المسلمون بقتلهم، فأنزل الله في شأن هذه الرَّمية على رسوله ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى ﴾ [الأنفال: 17]».
ومحلُّ الشَّاهد من هذا النَّصِّ إثبات الأخذ بالأسباب وأنَّها لا تنافي التَّوكُّل المأمور به، قال ابن القيِّم معلِّقًا على ما سبق: «وقد ظنَّ طائفة أنَّ الآية دلَّت على نفي الفعل عن العبد، وإثباته لله، وأنَّه هو الفاعل حقيقة، وهذا غلط منهم من وجوه عديدة... ومعنى الآية: أنَّ الله سبحانه أثبت لرسوله ابتداء الرَّمي، ونفى عنه الإيصال الَّذي لم يحصل برميته، فالرَّمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيِّه الحذف، ونفى عنه الإيصال».
رابعًا ـ صور من قيام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بواجب البلاغ والدَّعوة إلى الله وثوابه:
وقد كان هذا قبل المعركة بقليل، قبل أن يحمى الوطيس، وتستدير رحى الحرب ويشتدّ القتال، تثبيتًا للمؤمنين، ورفعًا لمعنويَّاتهم، وتخذيلًا لمقالة أهل السُّوء والنِّفاق حين قالوا: ﴿ غَرَّ هَـؤُلاء دِينُهُمْ ﴾ [الأنفال: 49].
قال ابن القيِّم في «الزَّاد» (3/181): «ولمَّا دنا العدوُّ وتواجه القوم، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في النَّاس، فوعظهم وذكرهم بما لهم في الصَّبر والثَّبات من النَّصر، والظَّفَر العاجل، وثواب الله الآجل، وأخبرهم أنَّ الله قد أوجب الجنَّة لمن استشهد في سبيله...».
وقد حصل من وعظ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه في ذلك المقام، من أنواع الفتح والنَّصر والبلاء الحسن والثَّبات على الأقدام، ما لا يُعوض بكبير قوَّة وإمداد، أو حسن تأهُّب وإعداد، من حصول السَّكينة والاطمئنان، وطرد أسباب الفشل والخذلان، وهو من أهمِّ عوامل النَّصر والثَّبات، قال ابن كثير في «سيرته» (2/431): «ثمَّ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش في الدّرع فجعل يحرِّض على القتال، ويبشِّر النَّاس بالجنَّة ويشجِّعهم بنزول الملائكة، والنَّاس بعد على مصافِّهم لم يحملوا على عدوِّهم، حصل لهم السَّكينة والطُّمأنينة».
وكان من أثر هذا الوعظ أيضًا أن تشجَّع أصحابه لبذل أرواحهم في سبيل الله وتنافسهم في ذلك، طمعًا في الجنَّة، واستعجالًا للثَّواب، وهو إحدى مقوِّمات النَّصر أن ترى المقاتل مقبلًا من غير إدبار، مجهزًا على أعدائه دون خوف أو إرجاف، قد قوي إيمانه وعلت معنويَّاته وصغرت الدُّنيا في عينيه، فهذا عُمَيْر بن الحُمَام رضي الله عنه قال: يا رسول الله، جنَّة عرضها السَّماوات والأرض؟ قال: «نَعَمْ»، قال: بخ بخ يا رسول الله! قال: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخ»؟ قال: لا والله يا رسول الله إلَّا رجاء أن أكون من أهلها، قال: «فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا»، قال: فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهم، ثمَّ قال: لئن حييت حتَّى آكل تمراتي هذه، إنَّها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التَّمر، ثمَّ قاتلهم حتَّى قتل»(10).
إنَّه ليعظم في أعين النَّاس بادي الرَّأي رجال يحسبونهم أوتادًا راسية في الأمَّة، يتوعَّدون العدوَّ بالهزيمة، ويتباهون بالإقدام وقوَّة الشكيمة، شُغلوا بما هم فيه، يتخلَّفون عن مجالس تهذيب الإيمان في مدرسة بدر الَّتي درَّب فيها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم جندَه على جهاد العدوِّ، فضاعوا في غياهب الأضاليل ومنتهم موعدة الأباطيل، فإنَّما النَّصر إكليل لا يتوَّج به صريع في ساحة تخلَّى فيها جندها عن عُدَد الإيمان ومدد التَّقوى والإحسان.
Forwarded from راية الإصلاح ـ دار الفضيلة Chat
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
( ) «السِّيرة النَّبويَّة» لابن كثير (2/469)، و«عيون الأثر» (1/281)، و«جوامع السِّيرة» (ص86).
(2) رواه أحمد (12315) وغيره، وحسنه الألباني في «المشكاة» (5261).
(3) «السِّيرة النَّبويَّة» لابن كثير (2/387).
(4) صحيح: أخرجه النَّسائي (3187).
(5) أخرجه الطَّيالسي في «المسند» (2342) بسند صحيح.
(6) أخرجه الطبري في «تاريخه» (2/144).
(7) أخرجه مسلم (1763).
(8) «السِّيرة النَّبويَّة» لابن كثير (2/412).
(9) رواه أحمد في «المسند» (654)، وإسناده صحيح.
(10) مسلم (1901) وأحمد (3/136، 137).
( ) «السِّيرة النَّبويَّة» لابن كثير (2/469)، و«عيون الأثر» (1/281)، و«جوامع السِّيرة» (ص86).
(2) رواه أحمد (12315) وغيره، وحسنه الألباني في «المشكاة» (5261).
(3) «السِّيرة النَّبويَّة» لابن كثير (2/387).
(4) صحيح: أخرجه النَّسائي (3187).
(5) أخرجه الطَّيالسي في «المسند» (2342) بسند صحيح.
(6) أخرجه الطبري في «تاريخه» (2/144).
(7) أخرجه مسلم (1763).
(8) «السِّيرة النَّبويَّة» لابن كثير (2/412).
(9) رواه أحمد في «المسند» (654)، وإسناده صحيح.
(10) مسلم (1901) وأحمد (3/136، 137).
Forwarded from راية الإصلاح ـ دار الفضيلة للنشر
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
مقاطع ومقتطفات
العنوان: فوائد الخلوة الشرعية
المحاضر: عمر الحاج مسعود
العنوان: فوائد الخلوة الشرعية
المحاضر: عمر الحاج مسعود
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال ابن باز رحمه الله:
«مِن فوائد الصَّوم: أنَّه يُعرِّف العبدَ نفسَه وحاجتَه وضعفَه، وفقرَه لربِّه، ويُذكِّرُه بعظيم نِعَم الله عليه، ويُذكِّرُه ـ أيضًا ـ بحاجة إخوانه الفُقَراء، فيُوجِب له ذلكَ شُكْرَ الله سُبحانه، والاستعانةَ بنعمِه على طاعتِه، ومواساةَ إخوانه الفُقراء، والإحسانَ إليهم» [«مجموع فتاويه» (١٥/ ٣٩)]
📌قال ابن باز رحمه الله:
«مِن فوائد الصَّوم: أنَّه يُعرِّف العبدَ نفسَه وحاجتَه وضعفَه، وفقرَه لربِّه، ويُذكِّرُه بعظيم نِعَم الله عليه، ويُذكِّرُه ـ أيضًا ـ بحاجة إخوانه الفُقَراء، فيُوجِب له ذلكَ شُكْرَ الله سُبحانه، والاستعانةَ بنعمِه على طاعتِه، ومواساةَ إخوانه الفُقراء، والإحسانَ إليهم» [«مجموع فتاويه» (١٥/ ٣٩)]
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال الحافظ ابن رجب رحمه الله:
«إذا اشتدَّ تَوَقان النَّفس إلى ما تشتَهيه مع قُدرتها عليه، ثمَّ تركته لله عزَّ وجلَّ في موضع لا يطَّلعُ عليه إلاَّ الله؛ كان ذلكَ دليلاً على صحَّة الإيمان».
[«لطائف المعارف» (ص١٦١)]
📌قال الحافظ ابن رجب رحمه الله:
«إذا اشتدَّ تَوَقان النَّفس إلى ما تشتَهيه مع قُدرتها عليه، ثمَّ تركته لله عزَّ وجلَّ في موضع لا يطَّلعُ عليه إلاَّ الله؛ كان ذلكَ دليلاً على صحَّة الإيمان».
[«لطائف المعارف» (ص١٦١)]
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌 قال ابن قيم الجوزية رحمه الله:
«لمَّا كان الصَّبرُ حبسَ النَّفس عن إجابة داعي الهوى، وكانَ هذا حقيقةَ الصَّوم ـ فإنَّه حبْسُ النَّفس عن إجابة داعي شهوةِ الطَّعام والشَّراب والجِماع ـ، فُسِّر الصَّبر في قوله تعالى: (واستعينوا بالصَّبر) إنَّه الصَّوم، وسُمِّي شهرُ رمضَان: شهرَ الصَّبر»
[«عدة الصَّابرين» (ص212)]
📌 قال ابن قيم الجوزية رحمه الله:
«لمَّا كان الصَّبرُ حبسَ النَّفس عن إجابة داعي الهوى، وكانَ هذا حقيقةَ الصَّوم ـ فإنَّه حبْسُ النَّفس عن إجابة داعي شهوةِ الطَّعام والشَّراب والجِماع ـ، فُسِّر الصَّبر في قوله تعالى: (واستعينوا بالصَّبر) إنَّه الصَّوم، وسُمِّي شهرُ رمضَان: شهرَ الصَّبر»
[«عدة الصَّابرين» (ص212)]
Forwarded from راية الإصلاح ـ دار الفضيلة للنشر
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
مقاطع ومقتطفات
العنوان: إحياء العشر الأواخر
المحاضر: عمر الحاج مسعود
العنوان: إحياء العشر الأواخر
المحاضر: عمر الحاج مسعود
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 حديث: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» دراسة حديثية فقهية
💢 بقلم: د/كمال قالمي
💢 منشور في العدد (4) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: https://bit.ly/4irhAsU
👇👇👇
💢 حديث: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» دراسة حديثية فقهية
💢 بقلم: د/كمال قالمي
💢 منشور في العدد (4) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: https://bit.ly/4irhAsU
👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 حديث: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» دراسة حديثية فقهية
💢 بقلم: د/كمال قالمي
💢 منشور في العدد (4) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: https://bit.ly/4irhAsU
👇👇👇
الحمد لله وكفى، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا المصطفى، وعلى آله وصحبه، ومن سار على منهاجهم واقتفى.
أمَّا بعد، فهذه دراسة حديثيَّة فقهيَّة لحديث طَالما كَثُرَ فيه الخلاف من حيث الثُّبوتُ والاستدلالُ في مسألة جواز الاعتكاف في سائر المساجد، أو عدم جوازه إلَّا في المساجد الثَّلاثة: المسجد الحرام بمكَّة، والمسجد النَّبوي بالمدينة، والمسجد الأقصى ببيت المقدس ـ نسأل الله تعالى أن يُحَرِّرَهُ من أيدي اليهود الغاصبين، ويطهِّره من رِجْس إخوان القِرَدَةِ المعتدين، إنَّه خير مسؤول وأكرم مَأْمُول ـ.
أحببت أن أُدْلِيَ فيها بهذا البحث المتواضع، راجيًا من الله تعالى أن ينفعني به، ومن شاء الله من إخواني المسلمين، فأقول وبه سبحانه وتعالى أستعين:
الحديث يرويه سفيان بن عيينة، عن جامع ابن أبي راشد.
وقد اخْتُلِفَ فيه على سفيان، فرواه عنه جماعة مرفوعًا إلى النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ورواه آخرون عنه موقوفًا على حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ من قوله. ـ صلى الله عليه وسلم ـ
أ ـ رواية الرَّفع:
أخرجها أبو جعفر الطَّحاوي في «شرح مشكل الآثار» (7/201) (2771) من طريق هشام بن عمَّار، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن جامع ابن أبي راشد، عن أبي وائل، قال: قال حُذيفة ـ رضي الله عنه ـ لعبد الله (يعني ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ): عكوف بين دارك ودار أبي موسى لا تغيِّر! وقد علمتَ أنَّ رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: »لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وَمَسْجِدِ بَيْتِ المقْدِسِ«، قال عبد الله: لعلَّك نسيتَ وحفِظُوا، أخطأْتَ وأصابوا!
أبو وائل هو شقيق بن سلمة الأَسَدِيّ الكوفيّ، ثِقَة مُخَضْرَمٌ.
وجامع بن أبي راشد الكاهليّ الكوفيّ، ثقة فاضل.
وسفيان بن عيينة الهلاليّ أبو محمَّد الكوفيّ، أحد الأئمَّة الحفَّاظ الثِّقات.
وهشام بن عمَّار أبو الوليد الدِّمشقيّ، قال الحافظ في «التَّقريب»: »صدوق مُقْرِئ، كبِر فصار يتلقَّن فحديثه القديم أصحُّ«.
وتابع هشام بن عمَّار ثلاثة آخرون، وهم:
1 ـ محمَّد بن الفرَج، عند أبي بكر الإسماعيليّ في «معجم شيوخه» (336).
ومحمَّد بن الفرج بن عبد الوارث البغداديّ، صَدُوقٌ، روى عنه مسلمٌ.
2 ـ ومحمود بن آدم المروزيُّ، عند البيهقيّ في «سننه الكبرى» (4/316).
ومن هذا الطَّريق رواه الذَّهبيّ في «سير أعلام النُّبلاء» (15/81)، وقال عقبه: »صحيحٌ غريبٌ عالٍ«.
ومحمود بن آدم المروزيّ، قال أبو محمَّد بن أبي حاتم في «الجرح والتَّعديل» (8/290): »كتب إلى أبي وأبي زُرعة وإليَّ، وكان ثقةً صدوقًا«، ووثَّقه أيضًا الدَّارقطني في «سؤالات أبي عبد الرَّحمن السُّلميّ له» (318)، وذكره ابن حِبَّان في «الثِّقات» (9/202).
وفي «التَّقريب»: «صدوق، ذكره ابن عدي في شيوخ البخاريّ(1)».
3 ـ وسعيد بن منصور؛ لكنَّه شكَّ في مَتْنِه.
فأخرجه في «سننه»(2) ورواه من طريقه ابن الجوزيّ في كتابه «التَّحقيق في أحاديث الخلاف» (1181) قال: حدَّثنا سفيان، عن جامع بن أبي راشد، عن شقيق بن سَلَمَة قال: قال حذيفة لعبد الله بن مسعود: قد علمت أنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: »لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ ـ أو قال: مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ ـ«.
وسعيد بن منصور أبو عثمان الخراسانيّ نَزِيلُ مكَّةَ، قال الحافظ في «التَّقريب»: »ثقة مصنِّف، وكان لا يرجع عمَّا في كتابه لشدَّة وثوقه به«.
والظَّاهر أنَّ الشَّكَّ في قوله: »أَوْ مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ« غير محفوظ في هذه الرِّواية؛ لأنَّ حذيفة ـ رضي الله عنه ـ إنَّما أنكر على أولئك القوم، وهم عكوف في مسجد الكوفة الأكبر ـ كما سيأتي في رواية إبراهيم النَّخعيّ ـ.
فمن أعلَّ الحديث بمجرَّد هذا الشَّكِّ فما أنصف؛ إذْ لا تأثير للشَّكِّ في هذه الرِّواية، وعليه تكون رواية سعيد موافقة لرواية من تقدَّم ذكرُهم، هذا من حيث المعنى، وأمَّا من حيث الرِّواية فمن رواه ـ سواء كانت رفعًا أو وقفًا ـ بدون شكٍّ أكثر، فتُقدَّم روايتُهم.
فالمتنُ المحفوظ إذَنْ بلفظ: »لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ«؛ ولكن يبقى البحث في صحَّة إضافته للنَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيكون مرفوعًا، أو إلى صحابيِّه فيكون موقوفًا.
فقد رواه هؤلاء الأربعة عن سفيان بن عيينة، بإسناده مرفوعًا إلى النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وخالفهم ثلاثة آخرون فرووه عن سفيان بن عيينة موقوفًا على حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ، وهي:
ب ـ رواية الوقف:
1 ـ عبد الرَّزَّاق الصّنعاني.
💢 حديث: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» دراسة حديثية فقهية
💢 بقلم: د/كمال قالمي
💢 منشور في العدد (4) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: https://bit.ly/4irhAsU
👇👇👇
الحمد لله وكفى، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا المصطفى، وعلى آله وصحبه، ومن سار على منهاجهم واقتفى.
أمَّا بعد، فهذه دراسة حديثيَّة فقهيَّة لحديث طَالما كَثُرَ فيه الخلاف من حيث الثُّبوتُ والاستدلالُ في مسألة جواز الاعتكاف في سائر المساجد، أو عدم جوازه إلَّا في المساجد الثَّلاثة: المسجد الحرام بمكَّة، والمسجد النَّبوي بالمدينة، والمسجد الأقصى ببيت المقدس ـ نسأل الله تعالى أن يُحَرِّرَهُ من أيدي اليهود الغاصبين، ويطهِّره من رِجْس إخوان القِرَدَةِ المعتدين، إنَّه خير مسؤول وأكرم مَأْمُول ـ.
أحببت أن أُدْلِيَ فيها بهذا البحث المتواضع، راجيًا من الله تعالى أن ينفعني به، ومن شاء الله من إخواني المسلمين، فأقول وبه سبحانه وتعالى أستعين:
الحديث يرويه سفيان بن عيينة، عن جامع ابن أبي راشد.
وقد اخْتُلِفَ فيه على سفيان، فرواه عنه جماعة مرفوعًا إلى النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ورواه آخرون عنه موقوفًا على حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ من قوله. ـ صلى الله عليه وسلم ـ
أ ـ رواية الرَّفع:
أخرجها أبو جعفر الطَّحاوي في «شرح مشكل الآثار» (7/201) (2771) من طريق هشام بن عمَّار، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن جامع ابن أبي راشد، عن أبي وائل، قال: قال حُذيفة ـ رضي الله عنه ـ لعبد الله (يعني ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ): عكوف بين دارك ودار أبي موسى لا تغيِّر! وقد علمتَ أنَّ رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: »لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وَمَسْجِدِ بَيْتِ المقْدِسِ«، قال عبد الله: لعلَّك نسيتَ وحفِظُوا، أخطأْتَ وأصابوا!
أبو وائل هو شقيق بن سلمة الأَسَدِيّ الكوفيّ، ثِقَة مُخَضْرَمٌ.
وجامع بن أبي راشد الكاهليّ الكوفيّ، ثقة فاضل.
وسفيان بن عيينة الهلاليّ أبو محمَّد الكوفيّ، أحد الأئمَّة الحفَّاظ الثِّقات.
وهشام بن عمَّار أبو الوليد الدِّمشقيّ، قال الحافظ في «التَّقريب»: »صدوق مُقْرِئ، كبِر فصار يتلقَّن فحديثه القديم أصحُّ«.
وتابع هشام بن عمَّار ثلاثة آخرون، وهم:
1 ـ محمَّد بن الفرَج، عند أبي بكر الإسماعيليّ في «معجم شيوخه» (336).
ومحمَّد بن الفرج بن عبد الوارث البغداديّ، صَدُوقٌ، روى عنه مسلمٌ.
2 ـ ومحمود بن آدم المروزيُّ، عند البيهقيّ في «سننه الكبرى» (4/316).
ومن هذا الطَّريق رواه الذَّهبيّ في «سير أعلام النُّبلاء» (15/81)، وقال عقبه: »صحيحٌ غريبٌ عالٍ«.
ومحمود بن آدم المروزيّ، قال أبو محمَّد بن أبي حاتم في «الجرح والتَّعديل» (8/290): »كتب إلى أبي وأبي زُرعة وإليَّ، وكان ثقةً صدوقًا«، ووثَّقه أيضًا الدَّارقطني في «سؤالات أبي عبد الرَّحمن السُّلميّ له» (318)، وذكره ابن حِبَّان في «الثِّقات» (9/202).
وفي «التَّقريب»: «صدوق، ذكره ابن عدي في شيوخ البخاريّ(1)».
3 ـ وسعيد بن منصور؛ لكنَّه شكَّ في مَتْنِه.
فأخرجه في «سننه»(2) ورواه من طريقه ابن الجوزيّ في كتابه «التَّحقيق في أحاديث الخلاف» (1181) قال: حدَّثنا سفيان، عن جامع بن أبي راشد، عن شقيق بن سَلَمَة قال: قال حذيفة لعبد الله بن مسعود: قد علمت أنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: »لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ ـ أو قال: مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ ـ«.
وسعيد بن منصور أبو عثمان الخراسانيّ نَزِيلُ مكَّةَ، قال الحافظ في «التَّقريب»: »ثقة مصنِّف، وكان لا يرجع عمَّا في كتابه لشدَّة وثوقه به«.
والظَّاهر أنَّ الشَّكَّ في قوله: »أَوْ مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ« غير محفوظ في هذه الرِّواية؛ لأنَّ حذيفة ـ رضي الله عنه ـ إنَّما أنكر على أولئك القوم، وهم عكوف في مسجد الكوفة الأكبر ـ كما سيأتي في رواية إبراهيم النَّخعيّ ـ.
فمن أعلَّ الحديث بمجرَّد هذا الشَّكِّ فما أنصف؛ إذْ لا تأثير للشَّكِّ في هذه الرِّواية، وعليه تكون رواية سعيد موافقة لرواية من تقدَّم ذكرُهم، هذا من حيث المعنى، وأمَّا من حيث الرِّواية فمن رواه ـ سواء كانت رفعًا أو وقفًا ـ بدون شكٍّ أكثر، فتُقدَّم روايتُهم.
فالمتنُ المحفوظ إذَنْ بلفظ: »لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ«؛ ولكن يبقى البحث في صحَّة إضافته للنَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيكون مرفوعًا، أو إلى صحابيِّه فيكون موقوفًا.
فقد رواه هؤلاء الأربعة عن سفيان بن عيينة، بإسناده مرفوعًا إلى النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وخالفهم ثلاثة آخرون فرووه عن سفيان بن عيينة موقوفًا على حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ، وهي:
ب ـ رواية الوقف:
1 ـ عبد الرَّزَّاق الصّنعاني.
فأخرجه في «مصنَّفه» (4/348) عن ابن عُيَيْنَة، عن جامع بن أبي راشد، قال: سمعت أبا وائل يقول: قال حذيفة لعبد الله: قومٌ عكوفٌ بين دارك ودار أبي موسى لا تنهاهم! فقال له عبد الله: فلعلَّهم أصابوا وأخطأت، وحفظوا ونسيت؟! فقال حذيفة: »لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي هَذِهِ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: مَسْجِدِ المَدِينَةِ، وَمَسْجِدِ مَكَّةَ، وَمَسْجِدِ إِيلْيَاء«.
ورواه من طريقه الطَّبرانيُّ في «الكبير» (9/302)، وعزاه له الهيثميّ في «مَجْمَع الزَّوائد» (3/404) وقال: »رجاله رجال الصَّحيح«.
2 ـ سعيد بن عبد الرَّحمن.
3 ـ محمَّد بن أبي عمر.
وروايتهما عند الفاكهي في «أخبار مكَّة» (1334) قالا: ثنا سفيان بإسناده، مثله غير أنَّه لم يذكر قولَ ابن مسعود لحذيفة: »لعلَّهم أصابوا...«.
وسعيد بن عبد الرَّحمن هو أبو عبيد الله المخزوميّ المكيّ، ثقة، كما في «التَّقريب»، وقال مسلمة بن قاسم الأندلسي في كتاب الصِّلة ـ كما في «إكمال تهذيب الكمال» لمغلطاي (5/319) ـ: »أخبرنا عنه غير واحد، وهو ثقة في ابن عيينة«.
ومحمَّد بن أبي عمر، نسب إلى جدِّه وهو محمَّد ابن يحيى بن أبي عمر أبو عبد الله العدنيّ نزيل مكَّة، قال الحافظ في «التَّقريب»: »صدوق، صنَّف «المسند»، كان لازم ابن عيينة؛ لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة«، قلت: روى عنه مسلمٌ في «صحيحه» وأكثر عنه، وقال التِّرمذي في «جامعه» عقب حديث (247): »سمعتُ ابن أبي عمر يقول: اختلفتُ إلى ابن عيينة ثمانيةَ عشر سنة«.
تنبيه: عدَّ العلَّامة المحدِّث محمَّد ناصر الدِّين الألبانيّ ـ تغمَّده الله برحمته وطيَّب ثراه ـ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (6/668 ـ 669) وحاشية (2) من (ص675) هذين الرَّاويَيْن فيمن رواه مرفوعًا، وليس كذلك؛ فسبحان من لا يسهو!
الخلاصة: بعد استعراض هذه الطُّرق والرِّوايات ، والنَّظر في اختلافها ـ رفعًا ووقفًا ـ والتَّأمُّل في أحوال الرُّواة وتراجمهم، نَخْلُصُ إلى أحد المسلكين: الجمع بينها ـ إن أمكن ـ، أو ترجيح بعضها على بعض:
1 ـ مسلك الجمع: فيقال: إنَّ كِلا الطَّريقين محفوظ؛ لأنَّه يجوز أن يحدِّث الصَّحابي بالحديث في أوقات مختلفة، فتارة يحدِّث به على سبيل الرِّواية فيرفعه، وتارة على سبيل الفُتْيَا فيوقفه.
قال الخطيب البغداديّ ـ رحمه الله ـ في «الكفاية» (2/516) ـ بعد أن قرَّر هذا الأمر ـ قال: »وقد كان سفيان بن عيينة يفعل هذا كثيرًا في حديثه، فيرويه تارة مسندًا مرفوعًا، ويقفه مرَّة أخرى قصدًا واعتمادًا«.
قلت: وهذا المسلك ـ وهو مسلك الجمع ـ أولى من التَّرجيح المستلزم لتوهيم بعض الثِّقات ولاسيما إذا كانوا جمعًا، وهم متقاربون في الحفظ والضَّبط والعدد.
ولكن يعكِّر على هذا أنَّها قصَّة واحدة لم تتكرَّر، ولا سيما مع اتِّحاد مخرج الحديث، فالصَّواب في مثل هذا المصير إلى ترجيح إحدى الرِّوايتين على الأخرى(3)، وهو:
2 ـ مسلك التَّرجيح: فإمَّا أن تُرجَّح رواية الرَّفع؛ لأنَّها زيادة من الثِّقة وهي مقبولة.
وإمَّا أن تُرجَّح رواية الوقف؛ لوجود قرائن تقتضي ذلك، وسيأتي ذكرها.
فأمَّا ترجيح الرَّفع ففيه نَظَرٌ؛ لأنَّ قاعدةَ قبول زيادة الثِّقة مطلقًا إنَّما تجري على طريقة الفقهاء والأصوليِّين وبعضِ مَنْ تأثَّر بهم مِن المحدِّثين، وأمَّا أئمَّةُ الحديث ونقَّادُه فليس لهم في ذلك منهج مطَّرد، وإنَّما لهم في كلِّ حديث حكمٌ خاصٌّ بحسبِ ما يَحْتَفُّ به من قرائن.
فأحيانًا يرجِّحون المسند أو الرَّفع، وأحيانًا الإرسال أو الوقف، كما يحكمون في المتون بقبول الزِّيادة تارةً، وبردِّها تارةً أخرى.
نقل الحافظ ابن حجر في «النُّكت» (2/604) عن الحافظ ابن دقيق العيد في مقدّمة كتابه «شرح الإلمام» أنَّه قال: «من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنَّه إذا تعارض روايةُ مُرْسِلٍ ومُسْنِدٍ، أو رَافِعٍ ووَاقِفٍ، أو نَاقِصٍ وزَائِدٍ أنَّ الحكم للزَّائد فلم يصبْ في هذا الإطلاق؛ فإنَّ ذلك ليس قانونًا مطَّردًا وبمراجعة أحكامهم الجزئيَّة يُعرفُ صوابُ ما نقول».
وقال الحافظ العَلائيّ في كتابه «نظم الفرائد» (ص209) بعد نقُولاتٍ عن الأصوليِّين في هذه المسألة قال: «فهذا كلامُ بعضِ أئمَّة الأصول ممَّن وقفتُ عليه، وأمَّا أئمَّةُ الحديث فالمتقدِّمون منهم كيحيى بن سعيد القطَّان وعبد الرَّحمن بن مهديّ ومن بعدهما كعليّ بن المدينيّ، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وهذه الطَّبقة، وكذلك من بعدهم كالبخاريّ وأبي حاتم وأبي زرعة الرَّازِيَيْنِ، ومسلم، والنَّسائيّ، والتِّرمذيّ وأمثالهم، ثمَّ الدَّارقطنيّ والخليليّ، كلُّ هؤلاء يقتضي تصرُّفهم في الزِّيادة قبولًا وردًّا التَّرجيح بالنِّسبة إلى ما يقوى عند الواحد منهم في كلِّ حديث، ولا يحكمون في المسألة بحُكم كُلِيٍّ يعمُّ جميع الأحاديث، وهذا هو الحقُّ الصَّواب».
ورواه من طريقه الطَّبرانيُّ في «الكبير» (9/302)، وعزاه له الهيثميّ في «مَجْمَع الزَّوائد» (3/404) وقال: »رجاله رجال الصَّحيح«.
2 ـ سعيد بن عبد الرَّحمن.
3 ـ محمَّد بن أبي عمر.
وروايتهما عند الفاكهي في «أخبار مكَّة» (1334) قالا: ثنا سفيان بإسناده، مثله غير أنَّه لم يذكر قولَ ابن مسعود لحذيفة: »لعلَّهم أصابوا...«.
وسعيد بن عبد الرَّحمن هو أبو عبيد الله المخزوميّ المكيّ، ثقة، كما في «التَّقريب»، وقال مسلمة بن قاسم الأندلسي في كتاب الصِّلة ـ كما في «إكمال تهذيب الكمال» لمغلطاي (5/319) ـ: »أخبرنا عنه غير واحد، وهو ثقة في ابن عيينة«.
ومحمَّد بن أبي عمر، نسب إلى جدِّه وهو محمَّد ابن يحيى بن أبي عمر أبو عبد الله العدنيّ نزيل مكَّة، قال الحافظ في «التَّقريب»: »صدوق، صنَّف «المسند»، كان لازم ابن عيينة؛ لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة«، قلت: روى عنه مسلمٌ في «صحيحه» وأكثر عنه، وقال التِّرمذي في «جامعه» عقب حديث (247): »سمعتُ ابن أبي عمر يقول: اختلفتُ إلى ابن عيينة ثمانيةَ عشر سنة«.
تنبيه: عدَّ العلَّامة المحدِّث محمَّد ناصر الدِّين الألبانيّ ـ تغمَّده الله برحمته وطيَّب ثراه ـ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (6/668 ـ 669) وحاشية (2) من (ص675) هذين الرَّاويَيْن فيمن رواه مرفوعًا، وليس كذلك؛ فسبحان من لا يسهو!
الخلاصة: بعد استعراض هذه الطُّرق والرِّوايات ، والنَّظر في اختلافها ـ رفعًا ووقفًا ـ والتَّأمُّل في أحوال الرُّواة وتراجمهم، نَخْلُصُ إلى أحد المسلكين: الجمع بينها ـ إن أمكن ـ، أو ترجيح بعضها على بعض:
1 ـ مسلك الجمع: فيقال: إنَّ كِلا الطَّريقين محفوظ؛ لأنَّه يجوز أن يحدِّث الصَّحابي بالحديث في أوقات مختلفة، فتارة يحدِّث به على سبيل الرِّواية فيرفعه، وتارة على سبيل الفُتْيَا فيوقفه.
قال الخطيب البغداديّ ـ رحمه الله ـ في «الكفاية» (2/516) ـ بعد أن قرَّر هذا الأمر ـ قال: »وقد كان سفيان بن عيينة يفعل هذا كثيرًا في حديثه، فيرويه تارة مسندًا مرفوعًا، ويقفه مرَّة أخرى قصدًا واعتمادًا«.
قلت: وهذا المسلك ـ وهو مسلك الجمع ـ أولى من التَّرجيح المستلزم لتوهيم بعض الثِّقات ولاسيما إذا كانوا جمعًا، وهم متقاربون في الحفظ والضَّبط والعدد.
ولكن يعكِّر على هذا أنَّها قصَّة واحدة لم تتكرَّر، ولا سيما مع اتِّحاد مخرج الحديث، فالصَّواب في مثل هذا المصير إلى ترجيح إحدى الرِّوايتين على الأخرى(3)، وهو:
2 ـ مسلك التَّرجيح: فإمَّا أن تُرجَّح رواية الرَّفع؛ لأنَّها زيادة من الثِّقة وهي مقبولة.
وإمَّا أن تُرجَّح رواية الوقف؛ لوجود قرائن تقتضي ذلك، وسيأتي ذكرها.
فأمَّا ترجيح الرَّفع ففيه نَظَرٌ؛ لأنَّ قاعدةَ قبول زيادة الثِّقة مطلقًا إنَّما تجري على طريقة الفقهاء والأصوليِّين وبعضِ مَنْ تأثَّر بهم مِن المحدِّثين، وأمَّا أئمَّةُ الحديث ونقَّادُه فليس لهم في ذلك منهج مطَّرد، وإنَّما لهم في كلِّ حديث حكمٌ خاصٌّ بحسبِ ما يَحْتَفُّ به من قرائن.
فأحيانًا يرجِّحون المسند أو الرَّفع، وأحيانًا الإرسال أو الوقف، كما يحكمون في المتون بقبول الزِّيادة تارةً، وبردِّها تارةً أخرى.
نقل الحافظ ابن حجر في «النُّكت» (2/604) عن الحافظ ابن دقيق العيد في مقدّمة كتابه «شرح الإلمام» أنَّه قال: «من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنَّه إذا تعارض روايةُ مُرْسِلٍ ومُسْنِدٍ، أو رَافِعٍ ووَاقِفٍ، أو نَاقِصٍ وزَائِدٍ أنَّ الحكم للزَّائد فلم يصبْ في هذا الإطلاق؛ فإنَّ ذلك ليس قانونًا مطَّردًا وبمراجعة أحكامهم الجزئيَّة يُعرفُ صوابُ ما نقول».
وقال الحافظ العَلائيّ في كتابه «نظم الفرائد» (ص209) بعد نقُولاتٍ عن الأصوليِّين في هذه المسألة قال: «فهذا كلامُ بعضِ أئمَّة الأصول ممَّن وقفتُ عليه، وأمَّا أئمَّةُ الحديث فالمتقدِّمون منهم كيحيى بن سعيد القطَّان وعبد الرَّحمن بن مهديّ ومن بعدهما كعليّ بن المدينيّ، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وهذه الطَّبقة، وكذلك من بعدهم كالبخاريّ وأبي حاتم وأبي زرعة الرَّازِيَيْنِ، ومسلم، والنَّسائيّ، والتِّرمذيّ وأمثالهم، ثمَّ الدَّارقطنيّ والخليليّ، كلُّ هؤلاء يقتضي تصرُّفهم في الزِّيادة قبولًا وردًّا التَّرجيح بالنِّسبة إلى ما يقوى عند الواحد منهم في كلِّ حديث، ولا يحكمون في المسألة بحُكم كُلِيٍّ يعمُّ جميع الأحاديث، وهذا هو الحقُّ الصَّواب».
ولذلك لما أعلَّ الإمامُ الدَّارقطنيّ حديثًا بالإرسال، أجاب عن ذلك الحافظ ابنُ الجوزيّ بهذه القاعدة: بأنَّ الرَّفعَ زيادة، والزِّيادة من الثِّقة مقبولة، فتعقبَّه الحافظ ابنُ عبد الهادي بقوله: «وهذه الطَّريقة الَّتي سلكها المؤلِّفُ (يعني ابنَ الجوزيّ) ومن تابعه: في أنَّ الأخذَ بالمرفوع في كلِّ موضع، طريقةٌ ضعيفةٌ، لم يسلكْها أحدٌ من المحقِّقين وأئمَّة العلل في الحديث»(4).
ومن القرائن الَّتي يرجّح بها الوقف في حديثنا هذا: ما أخرجه عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» (4/347 ـ 348)، وابن أبي شيبة في «مصنَّفه» (2/337)، والطَّبراني في «المعجم الكبير» (9/301) من طريق سفيان الثَّوريّ، عن واصل الأحدب، عن إبراهيم، قال: »جاء حذيفةُ إلى عبد الله، فقال: ألا أعجبك من ناسٍ عكوفٌ بين دارك ودار الأشعريّ؟ قال عبد الله: فلعلَّهم أصابوا، وأخطأتَ! فقال حذيفة: ما أُبالي أفيه أعتكفُ أو في بيوتكم هذه، إنَّما الاعتكاف في هذه المساجد الثَّلاثة: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى«، كان الَّذين اعتكفوا ـ فعاب عليهم حذيفة ـ في مسجد الكوفة الأكبر.
وقال ابنُ حزم في «المحلَّى» (5/286): رُوِّينا من طريق عبد الرَّزَّاق بإسناده، فذكره وفيه أنَّ الَّذي قال: »كان الَّذين اعتكفوا...« هو إبراهيم النَّخعيّ نفسُه، ورجاله ثِقات، إبراهيم هو ابن يزيد النَّخعيّ الكوفيّ الثِّقة الفقيه.
وواصل هو ابن حَيَّان الأَحْدَب الأَسْدِيّ الكوفيّ، ثقة ثَبْتٌ، كما في «التَّقريب».
ورواية إبراهيم النَّخعي عن ابن مسعود ظاهرها الانقطاع؛ لأنَّه لم يسمع منه، ولم يدرك هذه القصَّة، غير أنَّ لها حكم الاتِّصال، فقد صحَّ عن سليمان الأعمش أنَّه قال: »قلت لإبراهيم النَّخعيّ: أسْند لي عن عبد الله بن مسعود، فقال إبراهيم: إذا حدَّثتُكَ عن رجلٍ عن عبد الله فهو الَّذي سمَّيتُ، وإذا قلتُ: قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله«، رواه التِّرمذي في كتاب «العلل» المطبوع في آخر «الجامع» (5/709).
قال الحافظ ابن رجب الحنبليّ في «شرح العلل» (2/542): »وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند؛ لكن عن النَّخعيّ خاصَّة، فيما أرسله عن ابن مسعود خاصَّة«.
ونظرًا لهذه القاعدة صحَّح العلَّامة الألبانيُّ ـ رحمه الله ـ في «الإرواء» (2/131) إسنادَ أثرٍ آخرَ من رواية إبراهيم عن ابن مسعود.
وممَّا يدلُّ على أنَّ المرفوع غير محفوظ، أنَّ أحدًا من أصحاب ابن عيينة الكبار الَّذين ألَّفوا «المسند» لم يخرجْهُ في «مسنده»(5)، كالإمام أحمد، والحُمَيْديّ، وأبي داود الطَّيَالِسِيّ، وأبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن منيع البغويّ، وابن أبي عمر العدنيّ، إلَّا الحافظ سعيد بن منصور الَّذي رواه في «سننه» على شكٍّ منه في لفظه.
ثمَّ هكذا الطَّبقة الَّتي تلي هؤلاء ممَّن ألَّف في الجوامع والصِّحاح والسُّنن لم يحتجُّوا به ولا عرَّجوا عليه؛ ولذلك وصفه الحافظ الذَّهبي ـ كما سبق ـ بالغرابة، وإن كان حَكَمَ بصحَّتِه فإنَّما ذلك بناءً على ظاهر إسناده، وهو كذلك لو لم يرد ما يخالفه ويعلُّه.
قد يقول قائل: سلّمنا بأنَّه لم يصح رفعه حقيقة؛ لكن ألا يكون له حكم الرَّفع؛ كما يُشعر بذلك قول حذيفة لابن مسعود ـ كما في رواية الفاكهيّ الموقوفة ـ: »وقد علمت أنَّه لا اعتكاف...إلخ«، إذْ لا يقال مثل ذلك إلَّا ما كان سبيله النَّقل والرِّواية، لا ما كان سبيله الاستنباط والاجتهاد ؟
الجواب:
أوَّلًا ـ إنَّ هذا الحرف أعني قوله: «قد علمت» ورد في الرِّوايات الموقوفة على وجهين:
الوجه الأوَّل: بلفظ: «وقد علمت»، وهذا يحتمل أن يسند الفعل إلى ضمير المخاطَب: «علمتَ»، ويحتمل أيضًا إسناده إلى ضمير المتكلِّم: «علمتُ».
فعلى الاحتمال الأوَّل: فالجواب بأنَّ المخاطَب بذلك وهو ابن مسعود نفسه لم يقرَّه، بل أنكر على حذيفة قوله: «قد علمتَ» وصرَّح بأنَّه نَسِيَ وحَفِظَ غيرُه.
وعلى الاحتمال الآخر فلا إشكال فيه؛ لأنَّ حذيفة ـ رضي الله عنه ـ يخبر عمَّا عَلِمه هو من حال النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقد نزلتْ عليه الآية الكريمة ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ «وهو معتكِفٌ في مسجده وكان القصد والإشارة إلى نوع ذلك المسجد ممَّا بناه نبيٌّ»(6). والمراد بها المساجد الثَّلاثة، وهذا الاحتمال يؤيِّده:
الوجه الآخر: بلفظ: «أما أنا فقد علمتُ»، كما في رواية مغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النَّخعيّ المشار إليها قريبًا، وهذا لا يحتمل إسناده إلَّا إلى ضمير المتكلِّم.
فيكون ما فهمه حذيفة ـ رضي الله عنه ـ هو محض الاجتهاد؛ ولذلك لم يوافقه عليه ابن مسعود، بل خطَّأه في الاستدلال بقوله: «وأخطأتَ وأصابوا»، كما خطَّأه في الدَّليل بقوله: «لعلَّك نسيتَ وحفظوا».
ثانياً ـ على فرض ثبوت رفعه ـ حقيقة أو حكمًا ـ فقد تأوَّله بعض أهل العلم توفيقًا بينه وبين الآية الكريمة الَّتي جرى عمل السَّلف على عمومها، فحملوا النَّفي في قوله: «لا اعتكاف» على نفي الكمال، لا نفي الصِّحة(7).
ومن القرائن الَّتي يرجّح بها الوقف في حديثنا هذا: ما أخرجه عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» (4/347 ـ 348)، وابن أبي شيبة في «مصنَّفه» (2/337)، والطَّبراني في «المعجم الكبير» (9/301) من طريق سفيان الثَّوريّ، عن واصل الأحدب، عن إبراهيم، قال: »جاء حذيفةُ إلى عبد الله، فقال: ألا أعجبك من ناسٍ عكوفٌ بين دارك ودار الأشعريّ؟ قال عبد الله: فلعلَّهم أصابوا، وأخطأتَ! فقال حذيفة: ما أُبالي أفيه أعتكفُ أو في بيوتكم هذه، إنَّما الاعتكاف في هذه المساجد الثَّلاثة: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى«، كان الَّذين اعتكفوا ـ فعاب عليهم حذيفة ـ في مسجد الكوفة الأكبر.
وقال ابنُ حزم في «المحلَّى» (5/286): رُوِّينا من طريق عبد الرَّزَّاق بإسناده، فذكره وفيه أنَّ الَّذي قال: »كان الَّذين اعتكفوا...« هو إبراهيم النَّخعيّ نفسُه، ورجاله ثِقات، إبراهيم هو ابن يزيد النَّخعيّ الكوفيّ الثِّقة الفقيه.
وواصل هو ابن حَيَّان الأَحْدَب الأَسْدِيّ الكوفيّ، ثقة ثَبْتٌ، كما في «التَّقريب».
ورواية إبراهيم النَّخعي عن ابن مسعود ظاهرها الانقطاع؛ لأنَّه لم يسمع منه، ولم يدرك هذه القصَّة، غير أنَّ لها حكم الاتِّصال، فقد صحَّ عن سليمان الأعمش أنَّه قال: »قلت لإبراهيم النَّخعيّ: أسْند لي عن عبد الله بن مسعود، فقال إبراهيم: إذا حدَّثتُكَ عن رجلٍ عن عبد الله فهو الَّذي سمَّيتُ، وإذا قلتُ: قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله«، رواه التِّرمذي في كتاب «العلل» المطبوع في آخر «الجامع» (5/709).
قال الحافظ ابن رجب الحنبليّ في «شرح العلل» (2/542): »وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند؛ لكن عن النَّخعيّ خاصَّة، فيما أرسله عن ابن مسعود خاصَّة«.
ونظرًا لهذه القاعدة صحَّح العلَّامة الألبانيُّ ـ رحمه الله ـ في «الإرواء» (2/131) إسنادَ أثرٍ آخرَ من رواية إبراهيم عن ابن مسعود.
وممَّا يدلُّ على أنَّ المرفوع غير محفوظ، أنَّ أحدًا من أصحاب ابن عيينة الكبار الَّذين ألَّفوا «المسند» لم يخرجْهُ في «مسنده»(5)، كالإمام أحمد، والحُمَيْديّ، وأبي داود الطَّيَالِسِيّ، وأبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن منيع البغويّ، وابن أبي عمر العدنيّ، إلَّا الحافظ سعيد بن منصور الَّذي رواه في «سننه» على شكٍّ منه في لفظه.
ثمَّ هكذا الطَّبقة الَّتي تلي هؤلاء ممَّن ألَّف في الجوامع والصِّحاح والسُّنن لم يحتجُّوا به ولا عرَّجوا عليه؛ ولذلك وصفه الحافظ الذَّهبي ـ كما سبق ـ بالغرابة، وإن كان حَكَمَ بصحَّتِه فإنَّما ذلك بناءً على ظاهر إسناده، وهو كذلك لو لم يرد ما يخالفه ويعلُّه.
قد يقول قائل: سلّمنا بأنَّه لم يصح رفعه حقيقة؛ لكن ألا يكون له حكم الرَّفع؛ كما يُشعر بذلك قول حذيفة لابن مسعود ـ كما في رواية الفاكهيّ الموقوفة ـ: »وقد علمت أنَّه لا اعتكاف...إلخ«، إذْ لا يقال مثل ذلك إلَّا ما كان سبيله النَّقل والرِّواية، لا ما كان سبيله الاستنباط والاجتهاد ؟
الجواب:
أوَّلًا ـ إنَّ هذا الحرف أعني قوله: «قد علمت» ورد في الرِّوايات الموقوفة على وجهين:
الوجه الأوَّل: بلفظ: «وقد علمت»، وهذا يحتمل أن يسند الفعل إلى ضمير المخاطَب: «علمتَ»، ويحتمل أيضًا إسناده إلى ضمير المتكلِّم: «علمتُ».
فعلى الاحتمال الأوَّل: فالجواب بأنَّ المخاطَب بذلك وهو ابن مسعود نفسه لم يقرَّه، بل أنكر على حذيفة قوله: «قد علمتَ» وصرَّح بأنَّه نَسِيَ وحَفِظَ غيرُه.
وعلى الاحتمال الآخر فلا إشكال فيه؛ لأنَّ حذيفة ـ رضي الله عنه ـ يخبر عمَّا عَلِمه هو من حال النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقد نزلتْ عليه الآية الكريمة ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ «وهو معتكِفٌ في مسجده وكان القصد والإشارة إلى نوع ذلك المسجد ممَّا بناه نبيٌّ»(6). والمراد بها المساجد الثَّلاثة، وهذا الاحتمال يؤيِّده:
الوجه الآخر: بلفظ: «أما أنا فقد علمتُ»، كما في رواية مغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النَّخعيّ المشار إليها قريبًا، وهذا لا يحتمل إسناده إلَّا إلى ضمير المتكلِّم.
فيكون ما فهمه حذيفة ـ رضي الله عنه ـ هو محض الاجتهاد؛ ولذلك لم يوافقه عليه ابن مسعود، بل خطَّأه في الاستدلال بقوله: «وأخطأتَ وأصابوا»، كما خطَّأه في الدَّليل بقوله: «لعلَّك نسيتَ وحفظوا».
ثانياً ـ على فرض ثبوت رفعه ـ حقيقة أو حكمًا ـ فقد تأوَّله بعض أهل العلم توفيقًا بينه وبين الآية الكريمة الَّتي جرى عمل السَّلف على عمومها، فحملوا النَّفي في قوله: «لا اعتكاف» على نفي الكمال، لا نفي الصِّحة(7).
قال العلَّامة الشَّيخ العثيمين ـ رحمه الله ـ في «فتاويه» (20/162): «فهذا (يعني حديث حذيفة) ـ إنْ سلم من القوادح ـ فهو نفيٌ للكمال، يعني: أنَّ الاعتكاف الأكمل ما كان في هذه المساجد الثَّلاثة، وذلك لشرفها وفضلها على غيرها، ومثل هذا التَّركيب كثير، ـ أعني أنَّ النَّفي قد يراد به نفي الكمال لا نفي الحقيقة والصِّحة. مثل: قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» وغيره، ولا شكَّ أنَّ الأصل في النَّفي أنَّه نفيٌّ للحقيقة الشَّرعية أو الحسِّيَّة؛ لكنْ إذا وُجد دليلٌ يمنع ذلك تعيَّن الأخذ به، كما في حديث حذيفة، هذا على تقدير سلامته من القوادح، والله أعلم».
قلت: وهذه الاحتمالات والتَّقديرات على فرض صحَّة حديث حذيفة أو تنزُّلًا عند من يقول بأنَّه في حكم المرفوع، وإلَّا فقد تبيَّن ـ فيما سبق ـ بأنَّه لم يثبت رفعه حقيقة، كما أنَّه لا يأخذ حكم الرَّفع مادام للاجتهاد فيه مدخل؛ ولو صحَّ رفعه حقيقة أو حكمًا لاسْتمرَّ عليه العمل.
وإنَّما »كان المسلمون عليه من الاعتكاف في مساجد بلدانهم، إمَّا مساجد الجماعات الَّتي تقام فيها الجُمُعات، وإمَّا هي وما سواها من المساجد الَّتي لها الأئمَّة والمؤذِّنون على ما قاله أهل العلم في ذلك»( 8 ).
بل لا يُعرف من قال بقول حذيفة من الصَّحابة ولا التَّابعين إلَّا ما جاء عن سعيد ابن المسيِّب أنَّه قال:»لا اعتكاف إلَّا في مسجد نبيٍّ»(9).
وصحَّ أيضًا عن عطاء بن أبي رباح أنَّه قال: »لا جوار إلَّا في مسجد جامع، ثمَّ قال: لا جوار إلَّا في مسجد مكَّة، ومسجد المدينة»(10).
ولم يذكر بيت المقدس، فدلَّ على أنَّ مأخذه في ذلك غير حديث حذيفة هذا المختلف فيه.
وأيضًا ما ذهبَا إليه محمول ـ والله أعلم ـ على الأفضل والأكمل، يوضِّح ذلك ما رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» (8/455) عن معمر، عن عبد الكريم الجزريّ، عن ابن المسيِّب، قال: »من نذر أن يعتكف في مسجد إيلياء فاعتكف في مسجد النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمدينة أجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف في مسجد النَّبيِّ ج فاعتكف في المسجد الحرام أجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف على رؤوس الجبال فإنَّه لا ينبغي له ذلك ليعتكفْ في مسجد جماعة«، ورجاله ثقات.
كما روى عبد الرَّزَّاق أيضًا (4/351) عن ابن جريج، عن عطاء أنَّه قال: »الخير من المساجد أحبُّ إليه أن يُجاور(11) فيه الإنسان، وإن كان نَذرَ جوارًا بغيره ـ يعني أنَّ الخير من المساجد ما جاء فيه الفضل، مسجد مكَّة، ومسجد المدينة، ومسجد إليا«.
وزاد في رواية أخرى: قال ابن جريج: قلت: فنذرَ جوارًا على رؤوس هذه الجبال ـ جبال مكَّة ـ أيقضي عنه أن يجاور في المسجد؟ قال: نعم، المسجد خيرٌ وأطهر، قلت: وكذلك في كلِّ أرض؟ قال: نعم... »(12).
وهذا الَّذي عليه جماهير أهل العلم في جميع الأعصار والأمصار من الأئمَّة المتبوعين وغيرهم: جواز الاعتكاف في سائر مساجد المسلمين على خلافٍ فيما بينهم هل يُشترط أن يكون مسجدًا جامعًا تُقام فيه الجمعة أو مسجد جماعة أو في كلِّ مسجد ولو لم تُقَمْ فيه الجمعةُ ولا الجماعة؟(13).
تمسَّكًا بعموم ظاهر الآية الكريمة: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: 187].
قال الإمام مالك ـ رحمه الله ـ في «الموطَّأ» (3/313): »فعمَّ الله المساجد كلَّها، ولم يخصَّ شيئًا منها«.
وقال النَّوويّ ـ رحمه الله ـ في «المجموع» (6/507): »ووجه الدّلالة من الآية لاشتراط المسجد أنَّه لو صحَّ الاعتكاف في غير المسجد لم يخصَّ تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد؛ لأنَّها منافية للاعتكاف، فعلم أنَّ المعنى بيان أنَّ الاعتكاف إنَّما يكون في المساجد، وإذا ثبت جوازه في المساجد صحَّ في كلِّ مسجد، ولا يقبل تخصيص من خصَّه ببعضها إلَّا بدليل، ولم يصحَّ في التَّخصيص شيء صريح«.
وقال العلَّامة محمَّد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ في «فتاويه» (20/161): «ولفظ المساجد عامٌّ لجميع المساجد في أقطار الأرض، وقد جاءتْ هذه الجملةُ في آخر آياتِ الصِّيام الشَّامل حكمها لجميع الأمَّة في جميع الأقطار، فهي خطاب لكلِّ مَنْ خُوطِبُوا بالصَّوم؛ ولهذا خُتمتْ هذه الأحكام المتَّحدة في السِّياق والخطاب بقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ [البقرة: 187]، ومن البعيد جدًّا أن يخاطب الله الأمَّة بخطاب لا يشمل إلَّا أقلّ القليل منهم» اهـ.
واعلمْ أنَّ الآية وإن كانت عامَّة في جميع المساجد، فإنَّ «العُرف خصَّص المسجد بالمكان المهيَّأ للصَّلوات الخمس، حتَّى يخرج المصلَّى المجتمع فيه للأعياد ونحوها»(14).
كما يخرج أيضًا المساجد التي تُتَّخذ في البيوت(15)، فإنَّه لا يجوز للرِّجال الاعتكاف فيها بالإجماع(16).
وأمَّا المرأة فقد اختلفوا في جواز اعتكافها في مسجد بيتها، فرخَّص فيه بعضُ أهل العلم، ومنهم من جعله أفضل من مسجد قومها.
قلت: وهذه الاحتمالات والتَّقديرات على فرض صحَّة حديث حذيفة أو تنزُّلًا عند من يقول بأنَّه في حكم المرفوع، وإلَّا فقد تبيَّن ـ فيما سبق ـ بأنَّه لم يثبت رفعه حقيقة، كما أنَّه لا يأخذ حكم الرَّفع مادام للاجتهاد فيه مدخل؛ ولو صحَّ رفعه حقيقة أو حكمًا لاسْتمرَّ عليه العمل.
وإنَّما »كان المسلمون عليه من الاعتكاف في مساجد بلدانهم، إمَّا مساجد الجماعات الَّتي تقام فيها الجُمُعات، وإمَّا هي وما سواها من المساجد الَّتي لها الأئمَّة والمؤذِّنون على ما قاله أهل العلم في ذلك»( 8 ).
بل لا يُعرف من قال بقول حذيفة من الصَّحابة ولا التَّابعين إلَّا ما جاء عن سعيد ابن المسيِّب أنَّه قال:»لا اعتكاف إلَّا في مسجد نبيٍّ»(9).
وصحَّ أيضًا عن عطاء بن أبي رباح أنَّه قال: »لا جوار إلَّا في مسجد جامع، ثمَّ قال: لا جوار إلَّا في مسجد مكَّة، ومسجد المدينة»(10).
ولم يذكر بيت المقدس، فدلَّ على أنَّ مأخذه في ذلك غير حديث حذيفة هذا المختلف فيه.
وأيضًا ما ذهبَا إليه محمول ـ والله أعلم ـ على الأفضل والأكمل، يوضِّح ذلك ما رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» (8/455) عن معمر، عن عبد الكريم الجزريّ، عن ابن المسيِّب، قال: »من نذر أن يعتكف في مسجد إيلياء فاعتكف في مسجد النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمدينة أجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف في مسجد النَّبيِّ ج فاعتكف في المسجد الحرام أجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف على رؤوس الجبال فإنَّه لا ينبغي له ذلك ليعتكفْ في مسجد جماعة«، ورجاله ثقات.
كما روى عبد الرَّزَّاق أيضًا (4/351) عن ابن جريج، عن عطاء أنَّه قال: »الخير من المساجد أحبُّ إليه أن يُجاور(11) فيه الإنسان، وإن كان نَذرَ جوارًا بغيره ـ يعني أنَّ الخير من المساجد ما جاء فيه الفضل، مسجد مكَّة، ومسجد المدينة، ومسجد إليا«.
وزاد في رواية أخرى: قال ابن جريج: قلت: فنذرَ جوارًا على رؤوس هذه الجبال ـ جبال مكَّة ـ أيقضي عنه أن يجاور في المسجد؟ قال: نعم، المسجد خيرٌ وأطهر، قلت: وكذلك في كلِّ أرض؟ قال: نعم... »(12).
وهذا الَّذي عليه جماهير أهل العلم في جميع الأعصار والأمصار من الأئمَّة المتبوعين وغيرهم: جواز الاعتكاف في سائر مساجد المسلمين على خلافٍ فيما بينهم هل يُشترط أن يكون مسجدًا جامعًا تُقام فيه الجمعة أو مسجد جماعة أو في كلِّ مسجد ولو لم تُقَمْ فيه الجمعةُ ولا الجماعة؟(13).
تمسَّكًا بعموم ظاهر الآية الكريمة: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ [البقرة: 187].
قال الإمام مالك ـ رحمه الله ـ في «الموطَّأ» (3/313): »فعمَّ الله المساجد كلَّها، ولم يخصَّ شيئًا منها«.
وقال النَّوويّ ـ رحمه الله ـ في «المجموع» (6/507): »ووجه الدّلالة من الآية لاشتراط المسجد أنَّه لو صحَّ الاعتكاف في غير المسجد لم يخصَّ تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد؛ لأنَّها منافية للاعتكاف، فعلم أنَّ المعنى بيان أنَّ الاعتكاف إنَّما يكون في المساجد، وإذا ثبت جوازه في المساجد صحَّ في كلِّ مسجد، ولا يقبل تخصيص من خصَّه ببعضها إلَّا بدليل، ولم يصحَّ في التَّخصيص شيء صريح«.
وقال العلَّامة محمَّد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ في «فتاويه» (20/161): «ولفظ المساجد عامٌّ لجميع المساجد في أقطار الأرض، وقد جاءتْ هذه الجملةُ في آخر آياتِ الصِّيام الشَّامل حكمها لجميع الأمَّة في جميع الأقطار، فهي خطاب لكلِّ مَنْ خُوطِبُوا بالصَّوم؛ ولهذا خُتمتْ هذه الأحكام المتَّحدة في السِّياق والخطاب بقوله تعالى: ﴿تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ [البقرة: 187]، ومن البعيد جدًّا أن يخاطب الله الأمَّة بخطاب لا يشمل إلَّا أقلّ القليل منهم» اهـ.
واعلمْ أنَّ الآية وإن كانت عامَّة في جميع المساجد، فإنَّ «العُرف خصَّص المسجد بالمكان المهيَّأ للصَّلوات الخمس، حتَّى يخرج المصلَّى المجتمع فيه للأعياد ونحوها»(14).
كما يخرج أيضًا المساجد التي تُتَّخذ في البيوت(15)، فإنَّه لا يجوز للرِّجال الاعتكاف فيها بالإجماع(16).
وأمَّا المرأة فقد اختلفوا في جواز اعتكافها في مسجد بيتها، فرخَّص فيه بعضُ أهل العلم، ومنهم من جعله أفضل من مسجد قومها.
والرَّاجح أنَّه لا يصحُّ اعتكافها إلَّا في المسجد العامِّ؛ لأنَّ مسجد البيت وإنْ أطلق عليه اسم «مسجد» غير أنَّه لا يثبت له أحكام المساجد كجواز بيعها وغير ذلك، ولذلك لم يعتكف أزواجُ النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بيوتهنَّ، وإنَّما كنَّ يعتكفن في مسجده ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولو كان ذلك جائزًا لاعتكفن في حُجُراتهنَّ فإنَّه أرفق وأيسر لهنَّ من ملازمة المسجد(17).
وأمَّا الرَّجل فأولى الأقوال بالصَّواب وأوسطها ـ في نظري ـ القول بجواز الاعتكاف في كلِّ مسجدٍ تقام فيه الصَّلوات الخمس (وهو ما يعرف بمسجد جماعة)؛ لأنَّ الجماعة واجبة وما لا يتمُّ به الواجب فهو واجب؛ ولأنَّ الاعتكاف في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين: إمَّا ترك الجماعة الواجبة، وهذا لا يجوز لغير عذر شرعيٍّ، وإمَّا خروجه إلى الجماعة في مساجد أخرى فيتكرَّر ذلك منه في اليوم واللَّيلة خمس مرَّات، وهذا مناف لمقصود الاعتكاف الَّذي هو لزوم المعتكَف والإقامة على طاعة الله فيه(18).
ويدلُّ على ذلك ما أخرجه الدَّارقطنيّ في «سننه» (2/201) من طريق ابن جريج، أخبرني الزُّهريّ ـ عن الاعتكافِ وكيف سنَّتُه ـ، عن سعيد ابن المسيِّب، وعروة بن الزُّبير، عن عائشة أخبرتهما: »أنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتَّى توفَّاه الله، ثمَّ اعتكف أزواجه من بعده«، »وأنَّ السُّنَّة في المعتكِف: أنْ لا يخرج إلَّا لحاجة الإنسان، ولا يتَّبع جنازة، ولا يعود مريضًا، ولا يمسّ امرأةً ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلَّا في مسجد جماعة، وسنَّة من اعتكفَ أنْ يصوم»، وإسناده صحيح، ابن جريج صرَّح بالإخبار.
قال الدَّارقطنيّ: »يقال: إنَّ قوله: »وأنَّ السُّنَّة للمعتكف« إلى آخره، ليس من قول النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، [و](19) أنَّه من كلام الزُّهريّ، ومَنْ أدرجه في الحديث فقد وَهِم«.
ورواه البيهقيّ في «السُّنن الكبرى» (4/315، 320)، وفي «شعب الإيمان» (3/423)، وفي «معرفة السُّنن والآثار» (6/395) من طريق يحيى ابن بكير، ثنا اللَّيْثُ، عن عُقيل، عن ابن شِهاب، عن عُرْوَة بن الزُّبير عن عائشة: «أنَّ النَّبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعتكف العشر الأواخر...» الحديث، بنحو رواية ابن جريج.
قال البيهقيّ في «المعرفة»: «قد أخرج البخاري، ومسلم صَدْرَ هذا الحديث في «الصَّحيح» إلى قوله: »والسُّنَّة في المعتكف أن لا يخرج«، ولم يخرجا الباقي لاختلاف الحفَّاظ فيه: منهم من زعم أنَّه من قول عائشة، ومنهم من زعم أنَّه من قول الزُّهريّ، ويشبه أن يكون من قول من دون عائشة ...».
قلت: ورد عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ من قولها صريحًا، وهو ما رواه أبو داود (2473) من طريق عبد الرَّحمن ابن إسحاق، عن الزُّهريّ، عن عروة، عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنَّها قالت: «السُّنة على المعتكِف... الحديث، وفيه: ولا اعتكاف إلَّا في مسجد جامع»، ولم يذكر صدر الحديث.
لكن أعلَّه أبو داود بتفرُّد عبد الرَّحمن ابن إسحاق حيث جعله من قول عائشة، وأنَّ غيره من أصحاب الزُّهريّ لا يقول ذلك.
وعلى كلِّ حال، فلو ثبت: «من السُّنَّة للمعتكف... إلخ» أنَّه من قول عائشة، فهو مرفوع قطعًا على الصَّحيح.
وأمَّا إذا كان من قول عروة بن الزُّبير؛ وهو أحد فقهاء التَّابعين الكبار بالمدينة، وقد أدرك جماعة من الصَّحابة، فقوله: «من السُّنَّة كذا» من غير إضافة إلى أحد يحتمل أنَّه يعني سنَّة النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ(20).
وأمَّا إذا كان ذلك من قول الإمام ابن شِهاب الزُّهريّ، فلا أقلَّ من أن يكون أراد بذلك »السُّنَّة المعروفة الَّتي استمرَّ عليها العمل»(21).
وكيفما كان فهو يصلح للاستدلال ـ أو للاستئناس ـ على مشروطيَّة مسجد جماعة ـ وهو الأصحُّ من لفظ: »مسجد الجامع« ـ.
ولا شكَّ أنَّ الاعتكاف في المساجد الثَّلاثة أفضل مِن سواها من المساجد لما فيها من الفضائل ومضاعفة الأجر ما ليس لغيرها، وهذا ممَّا لا خلاف فيه بين أهل العلم(22).
ثمَّ من الأفضل أيضًا أن يكون الاعتكاف في المسجد الَّذي تقام فيه الجمعة والجماعة، إذا كان اعتكافه يتخلَّله جمعة، لئلَّا يضطرَّ إلى الخروج من معتكفه.
فإنِ اعتكف في مسجدٍ لا تقام فيه الجمعة فالأظهر من أقوال أهل العلم أنَّه لا بأس بذلك، وخروجه إلى صلاة الجمعة لا يبطل اعتكافه؛ لأنَّه خروج لفريضة لابدَّ منه، ولا يتكرَّر بخلاف صلاة الجماعة.
ثمَّ كلَّما كَبِرَ المسجد وكَثُرَ أهلُه فهو أفضل؛ لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »إِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى» (23).
وأمَّا الرَّجل فأولى الأقوال بالصَّواب وأوسطها ـ في نظري ـ القول بجواز الاعتكاف في كلِّ مسجدٍ تقام فيه الصَّلوات الخمس (وهو ما يعرف بمسجد جماعة)؛ لأنَّ الجماعة واجبة وما لا يتمُّ به الواجب فهو واجب؛ ولأنَّ الاعتكاف في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين: إمَّا ترك الجماعة الواجبة، وهذا لا يجوز لغير عذر شرعيٍّ، وإمَّا خروجه إلى الجماعة في مساجد أخرى فيتكرَّر ذلك منه في اليوم واللَّيلة خمس مرَّات، وهذا مناف لمقصود الاعتكاف الَّذي هو لزوم المعتكَف والإقامة على طاعة الله فيه(18).
ويدلُّ على ذلك ما أخرجه الدَّارقطنيّ في «سننه» (2/201) من طريق ابن جريج، أخبرني الزُّهريّ ـ عن الاعتكافِ وكيف سنَّتُه ـ، عن سعيد ابن المسيِّب، وعروة بن الزُّبير، عن عائشة أخبرتهما: »أنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتَّى توفَّاه الله، ثمَّ اعتكف أزواجه من بعده«، »وأنَّ السُّنَّة في المعتكِف: أنْ لا يخرج إلَّا لحاجة الإنسان، ولا يتَّبع جنازة، ولا يعود مريضًا، ولا يمسّ امرأةً ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلَّا في مسجد جماعة، وسنَّة من اعتكفَ أنْ يصوم»، وإسناده صحيح، ابن جريج صرَّح بالإخبار.
قال الدَّارقطنيّ: »يقال: إنَّ قوله: »وأنَّ السُّنَّة للمعتكف« إلى آخره، ليس من قول النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، [و](19) أنَّه من كلام الزُّهريّ، ومَنْ أدرجه في الحديث فقد وَهِم«.
ورواه البيهقيّ في «السُّنن الكبرى» (4/315، 320)، وفي «شعب الإيمان» (3/423)، وفي «معرفة السُّنن والآثار» (6/395) من طريق يحيى ابن بكير، ثنا اللَّيْثُ، عن عُقيل، عن ابن شِهاب، عن عُرْوَة بن الزُّبير عن عائشة: «أنَّ النَّبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعتكف العشر الأواخر...» الحديث، بنحو رواية ابن جريج.
قال البيهقيّ في «المعرفة»: «قد أخرج البخاري، ومسلم صَدْرَ هذا الحديث في «الصَّحيح» إلى قوله: »والسُّنَّة في المعتكف أن لا يخرج«، ولم يخرجا الباقي لاختلاف الحفَّاظ فيه: منهم من زعم أنَّه من قول عائشة، ومنهم من زعم أنَّه من قول الزُّهريّ، ويشبه أن يكون من قول من دون عائشة ...».
قلت: ورد عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ من قولها صريحًا، وهو ما رواه أبو داود (2473) من طريق عبد الرَّحمن ابن إسحاق، عن الزُّهريّ، عن عروة، عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنَّها قالت: «السُّنة على المعتكِف... الحديث، وفيه: ولا اعتكاف إلَّا في مسجد جامع»، ولم يذكر صدر الحديث.
لكن أعلَّه أبو داود بتفرُّد عبد الرَّحمن ابن إسحاق حيث جعله من قول عائشة، وأنَّ غيره من أصحاب الزُّهريّ لا يقول ذلك.
وعلى كلِّ حال، فلو ثبت: «من السُّنَّة للمعتكف... إلخ» أنَّه من قول عائشة، فهو مرفوع قطعًا على الصَّحيح.
وأمَّا إذا كان من قول عروة بن الزُّبير؛ وهو أحد فقهاء التَّابعين الكبار بالمدينة، وقد أدرك جماعة من الصَّحابة، فقوله: «من السُّنَّة كذا» من غير إضافة إلى أحد يحتمل أنَّه يعني سنَّة النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ(20).
وأمَّا إذا كان ذلك من قول الإمام ابن شِهاب الزُّهريّ، فلا أقلَّ من أن يكون أراد بذلك »السُّنَّة المعروفة الَّتي استمرَّ عليها العمل»(21).
وكيفما كان فهو يصلح للاستدلال ـ أو للاستئناس ـ على مشروطيَّة مسجد جماعة ـ وهو الأصحُّ من لفظ: »مسجد الجامع« ـ.
ولا شكَّ أنَّ الاعتكاف في المساجد الثَّلاثة أفضل مِن سواها من المساجد لما فيها من الفضائل ومضاعفة الأجر ما ليس لغيرها، وهذا ممَّا لا خلاف فيه بين أهل العلم(22).
ثمَّ من الأفضل أيضًا أن يكون الاعتكاف في المسجد الَّذي تقام فيه الجمعة والجماعة، إذا كان اعتكافه يتخلَّله جمعة، لئلَّا يضطرَّ إلى الخروج من معتكفه.
فإنِ اعتكف في مسجدٍ لا تقام فيه الجمعة فالأظهر من أقوال أهل العلم أنَّه لا بأس بذلك، وخروجه إلى صلاة الجمعة لا يبطل اعتكافه؛ لأنَّه خروج لفريضة لابدَّ منه، ولا يتكرَّر بخلاف صلاة الجماعة.
ثمَّ كلَّما كَبِرَ المسجد وكَثُرَ أهلُه فهو أفضل؛ لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »إِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى» (23).
هذا كلُّه من حيث المكان، وأما الزَّمان، فأفضله في شهر رمضان، وبالأخصِّ أواخره، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: «إنَّ النَّبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يعتكف العَشْرَ الأَواخِرَ من رمضان حتَّى توفَّاه اللهُ تعالى، ثمَّ اعتكف أزواجُه مِنْ بعدِه«(24).
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ، قال: »كان النَّبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعتكفُ في كلِّ رمضان عشْرة أيَّامٍ، فلمَّا كان العامُ الَّذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوْمًا»(25).
وفي الختام يَجْدُرُ التَّنْبيه على أنَّه لا يُشرع السَّفر إلى أيِّ مسجدٍ كان ـ سوى المساجد الثَّلاثة ـ لأجل الاعتكاف فيه بحجَّة أنَّه أكبر أو أقدم من مساجد مدينته؛ لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى»(26).
وفي رواية لمسلم: »إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِد إِيلْيَاء«.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ـ رحمه الله ـ: »وهذا النَّهي يعمُّ السَّفرَ إلى المساجد والمشاهد، وكلَّ مكان يُقصد السَّفر إلى عَيْنِه للتَّقَرُّب»(27).
والاعتكاف من أجلِّ الطَّاعات، وأعظم القُربات، والله تعالى أعلم.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) والصَّواب أنَّ البخاريّ إنَّما روى عن محمود بن غيلان المروزيّ، كما جزم بذلك الحافظ في «هدي السَّاري» (ص239)، وقال: »وفي طبقته محمود بن آدم المروزيّ، ولم يخرج عنه البخاريّ شيئًا«.
(2) انظر: «منتقى الأخبار» (4/301 ـ مع «نيل الأوطار»).
(3) انظر: «النّكت» لابن حجر (2/611).
(4) انظر: «تنقيح التَّحقيق» (1/206 ـ 207).
(5) ومن هذه المسانيد ما هو مطبوع متداول، ومنها ما دخل في الزَّوائد، كـ«المطالب العالية» لابن حجر، و«إتحاف الخيرة المهرة» للبوصيريّ، والحديث يعتبر من الزَّوائد على الكتب السِّتَّة.
(6) قاله ابن عبد البرّ في «الاستذكار» (10/273).
(7) انظر: «بدائع الصَّنائع في ترتيب الشَّرائع» (3/21).
( 8 ) قاله أبو جعفر الطّحاويّ في شرح مشكل الآثار (7/205 ـ 206).
(9) رواه عنه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» (2/337)، وإسناده صحيح. قال الحافظ أبو زرعة العراقيّ في «طرح التّثريب» (4/273): »وهو بمعنى الذي قبله (يعني قول حذيفة)؛ ولهذا جعلهما ابن عبد البرّ قولاً واحداً».
(10) رواه عنه عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» (4/349) عن ابن جريج عنه، وزاد في رواية: »قال ابن جريج: قلت لعطاء: فمسجد إلياء (يعني بيت المقدس)؟ قال: لا يجاور إلَّا في مسجد مكَّة، ومسجد المدينة«.
(11) قال ابن حزم في «المحلَّى» (5/285): »وقد صحَّ عن عطاء أنّ الجوار هو الاعتكاف«!
قلت: ولم أقف عليه، والذي رواه عبد الرَّزَّاق (4/345) عن ابن جريج أنَّه قال: قلت لعطاء: »أرأيت الجوار والاعتكاف أمختلفان هما أم شيء واحد؟ قال: بل هما مختلفان«، وإسناده صحيح، ومنهم من جعلهما بمعنى واحد، والمسألة خلافية، انظر: «طرح التَّثريب» (4/166) وما بعدها.
(12) «مصنَّف عبد الرَّزَّاق» (4/351) بإسناد صحيح.
(13) انظر: «المبسوط» لأبي بكر السرخسيّ الحنفيّ (2/115)، و«فتح القدير» لابن الهمام الحنفيّ (2/393)، و«بداية المجتهد» (2/610)، و«الاستذكار» (10/274)، و«المجموع» للنوويّ (6/505)، و«المغني» لابن قدامة (4/461 ـ 462)، و«المحلى» لابن حزم (5/284)، و«صحيح الإمام البخاري» (4/271 ـ مع «فتح الباري»).
(14) قاله أبو بكر بن زيد الجراعيّ الصّالحي (ت883هـ) في أثناء تعريفه المسجد في عرف الشّرع في كتابه »تحفة الرّاكع والسّاجد بأحكام المساجد» (ص49).
(15) المراد بها الأماكن المعتزلة المهيّأة للصّلاة، وقد بوَّب الإمام البخاريّ في «صحيحه» بقول: باب المساجد في البيوت، قال ابن رجب الحنبلي في كتابه «فتح الباري» (2/377): »مساجد البيوت هي أماكن الصَّلاة منها، وقد كان من عادة السَّلف أن يتَّخذوا في بيوتهم أماكن معدَّة للصَّلاة فيها«.
(16) حكى الإجماع غير واحد، منهم: ابنُ عبد البَرِّ في «التَّمهيد» (8/325)، وابن قدامة في «المغني» (4/461 ـ ط. التركيّ)، وابن رشد في «بداية المجتهد» (2/610)، وابن حجر في «الفتح» (4/272)، واستثنى الأخيران محمَّد بنَ عمر بن لبابة المالكيّ الَّذي أجاز الاعتكاف في غير المسجد.
قلت: وروي عن الشَّعبيّ جواز الاعتكاف في مسجد البيت؛ ولكن لا يصحُّ. رواه عبد الرزّاق (4/350)، وابن أبي شيبة (2/337).
(17) انظر: «المحلى» (5/288 ـ 289)، و«المغني» (4/464)، و«المجموع» للنَّوويّ (6/505)، و«طرح التَّثريب» (4/171).
(18) انظر: «المغني» لابن قدامة (4/461).
(19) زيادة من «نصب الرّاية» (2/487)، وفي قول الدّارقطنيّ: «ليس من قول النَّبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ» إشكالٌ أجاب عنه العلاّمة الألبانيّ في «الإرواء» (4/140).
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ، قال: »كان النَّبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعتكفُ في كلِّ رمضان عشْرة أيَّامٍ، فلمَّا كان العامُ الَّذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوْمًا»(25).
وفي الختام يَجْدُرُ التَّنْبيه على أنَّه لا يُشرع السَّفر إلى أيِّ مسجدٍ كان ـ سوى المساجد الثَّلاثة ـ لأجل الاعتكاف فيه بحجَّة أنَّه أكبر أو أقدم من مساجد مدينته؛ لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: »لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى»(26).
وفي رواية لمسلم: »إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِد إِيلْيَاء«.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ـ رحمه الله ـ: »وهذا النَّهي يعمُّ السَّفرَ إلى المساجد والمشاهد، وكلَّ مكان يُقصد السَّفر إلى عَيْنِه للتَّقَرُّب»(27).
والاعتكاف من أجلِّ الطَّاعات، وأعظم القُربات، والله تعالى أعلم.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) والصَّواب أنَّ البخاريّ إنَّما روى عن محمود بن غيلان المروزيّ، كما جزم بذلك الحافظ في «هدي السَّاري» (ص239)، وقال: »وفي طبقته محمود بن آدم المروزيّ، ولم يخرج عنه البخاريّ شيئًا«.
(2) انظر: «منتقى الأخبار» (4/301 ـ مع «نيل الأوطار»).
(3) انظر: «النّكت» لابن حجر (2/611).
(4) انظر: «تنقيح التَّحقيق» (1/206 ـ 207).
(5) ومن هذه المسانيد ما هو مطبوع متداول، ومنها ما دخل في الزَّوائد، كـ«المطالب العالية» لابن حجر، و«إتحاف الخيرة المهرة» للبوصيريّ، والحديث يعتبر من الزَّوائد على الكتب السِّتَّة.
(6) قاله ابن عبد البرّ في «الاستذكار» (10/273).
(7) انظر: «بدائع الصَّنائع في ترتيب الشَّرائع» (3/21).
( 8 ) قاله أبو جعفر الطّحاويّ في شرح مشكل الآثار (7/205 ـ 206).
(9) رواه عنه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» (2/337)، وإسناده صحيح. قال الحافظ أبو زرعة العراقيّ في «طرح التّثريب» (4/273): »وهو بمعنى الذي قبله (يعني قول حذيفة)؛ ولهذا جعلهما ابن عبد البرّ قولاً واحداً».
(10) رواه عنه عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» (4/349) عن ابن جريج عنه، وزاد في رواية: »قال ابن جريج: قلت لعطاء: فمسجد إلياء (يعني بيت المقدس)؟ قال: لا يجاور إلَّا في مسجد مكَّة، ومسجد المدينة«.
(11) قال ابن حزم في «المحلَّى» (5/285): »وقد صحَّ عن عطاء أنّ الجوار هو الاعتكاف«!
قلت: ولم أقف عليه، والذي رواه عبد الرَّزَّاق (4/345) عن ابن جريج أنَّه قال: قلت لعطاء: »أرأيت الجوار والاعتكاف أمختلفان هما أم شيء واحد؟ قال: بل هما مختلفان«، وإسناده صحيح، ومنهم من جعلهما بمعنى واحد، والمسألة خلافية، انظر: «طرح التَّثريب» (4/166) وما بعدها.
(12) «مصنَّف عبد الرَّزَّاق» (4/351) بإسناد صحيح.
(13) انظر: «المبسوط» لأبي بكر السرخسيّ الحنفيّ (2/115)، و«فتح القدير» لابن الهمام الحنفيّ (2/393)، و«بداية المجتهد» (2/610)، و«الاستذكار» (10/274)، و«المجموع» للنوويّ (6/505)، و«المغني» لابن قدامة (4/461 ـ 462)، و«المحلى» لابن حزم (5/284)، و«صحيح الإمام البخاري» (4/271 ـ مع «فتح الباري»).
(14) قاله أبو بكر بن زيد الجراعيّ الصّالحي (ت883هـ) في أثناء تعريفه المسجد في عرف الشّرع في كتابه »تحفة الرّاكع والسّاجد بأحكام المساجد» (ص49).
(15) المراد بها الأماكن المعتزلة المهيّأة للصّلاة، وقد بوَّب الإمام البخاريّ في «صحيحه» بقول: باب المساجد في البيوت، قال ابن رجب الحنبلي في كتابه «فتح الباري» (2/377): »مساجد البيوت هي أماكن الصَّلاة منها، وقد كان من عادة السَّلف أن يتَّخذوا في بيوتهم أماكن معدَّة للصَّلاة فيها«.
(16) حكى الإجماع غير واحد، منهم: ابنُ عبد البَرِّ في «التَّمهيد» (8/325)، وابن قدامة في «المغني» (4/461 ـ ط. التركيّ)، وابن رشد في «بداية المجتهد» (2/610)، وابن حجر في «الفتح» (4/272)، واستثنى الأخيران محمَّد بنَ عمر بن لبابة المالكيّ الَّذي أجاز الاعتكاف في غير المسجد.
قلت: وروي عن الشَّعبيّ جواز الاعتكاف في مسجد البيت؛ ولكن لا يصحُّ. رواه عبد الرزّاق (4/350)، وابن أبي شيبة (2/337).
(17) انظر: «المحلى» (5/288 ـ 289)، و«المغني» (4/464)، و«المجموع» للنَّوويّ (6/505)، و«طرح التَّثريب» (4/171).
(18) انظر: «المغني» لابن قدامة (4/461).
(19) زيادة من «نصب الرّاية» (2/487)، وفي قول الدّارقطنيّ: «ليس من قول النَّبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ» إشكالٌ أجاب عنه العلاّمة الألبانيّ في «الإرواء» (4/140).