وتَأَمَّلْ أخي القارئ الكريم: في هذه الكلماتِ الكريماتِ والتي قد يرددُها الواحدُ منَّا أكثرَ من خمسِ مرارٍ في اليوم، وذلك في قوله تعالى: ﴿ اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين ﴾ [الفاتحة].
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «فإنَّه لما قال: ﴿ اهدِنَـا الصِّرَاطَ المُستَقِيم ﴾ فكأنَّ الذِّهْنَ طلبَ المعرفةَ ما إذا كان هذا الصِّراطُ مختصًا بنا أم سلكَه غيرُنا ممَّنْ هداهُ الله فقال: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ﴾ وهذا كما إذا دللتَ رجلاً على طريقٍ لا يعرفُها وأردتَ توكيدَ الدِّلالةِ وتحريضَه على لزومِها وأن لا يُفَارِقَها فأنت تقول: هذه الطريقُ المُوصِلَةُ إلى مقصودِك ثُمَّ تزيدُ ذلك عندَه توكيدًا وتقويةً فتقول: وهي الطريقُ التي سلكَها النَّاسُ والمسافرونَ وأهلُ النجاةِ.
أفلا ترى كيف أفادَ وصفُك لها بأنَّها: طريقُ السالكينَ الناجينَ قدرًا زائدًا على وصفِك لها بأنَّها طريقٌ موصلةٌ وقريبةٌ سهلةٌ مستقيمةٌ فإنَّ النفوسَ مجبولةٌ على التأسِي والمتابعةِ فإذا ذُكِرَ لها مَنْ تتأسَى به في سلوكِها أَنِسَتْ واقتحمتْها فتَأَمَّلْهُ» اهـ(13).
وقال ـ رحمه الله ـ: «لما كان طالبُ الصراط المستقيم طالبَ أمرٍ أكثرُ النَّاسِ نَاكِبُونَ عنه، مريدًا لسلوكِ طريقٍ مُرَافِقُهُ فيها في غايةِ القلَّةِ والعزَّةِ، والنفوسُ مجبولةٌ على وحشةِ التفردِ وعلى الأنسِ بالرفيقِ نبَّه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريقِ وأنَّهم هم: الذين أنعمَ الله عليهم من النبيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهداءِ والصالحينَ وحسنَ أولئك رفيقًا فأضافَ الصراطَ إلى الرفيقِ السالكينَ له وهم: الذين أنعم الله عليهم ليزولَ عن الطالبِ للهدايةِ وسلوكَ الصراطِ وحشةُ تفردِه عن أهل زمانِه وبنِي جنسِه.
وليعلمَ أنَّ رفيقَه في هذا الصراطِ هم: الذين أنعمَ الله عليهم، فلا يَكْتَرِثْ بمخالفةِ النَّاكِبِينَ عنه له فإنَّهم هُمْ: الأَقَلُّونَ قدرًا وإن كانُوا الأكثرينَ عددًا، كما قال بعضُ السلف(14): عليك بطريقِ الحقِّ ولا تَسْتَوْحِشْ لقلةِ السَّالِكِينَ وإيَّاكَ وطريقَ الباطلِ ولا تَغْتَرَّ بكثرةِ الهالكينَ.
وكلَّما استوحشتَ في تَفَرُدِك فانظرْ إلى الرفيقِ السابقِ واحرصْ على اللَحَاقِ بهم وغُضَّ الطرفَ عمن سِوَاهُم فإنَّهم لن يُغْنُوا عنك من الله شيئًا وإذا صَاحُوا بك في طريقِ سيركِ فلا تلتفتْ إليهم فإنَّك متى الْتَفَتَّ إليهم أخذُوك وعاقُوك»اهـ(15).
أخي القارئ الكريم: «إِنَّمَا الدِّينُ الآَثَارُ» كما قال الإمام سفيان بن سعيد الثوري ـ رحمه الله ـ(16) أي: ما أُثِرَ عن النَّبيِّ الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته ـ رضي الله عنهم ـ، فما لم يكن يومئذٍ دينًا فلن يكونَ لنا دِينًا يومًا ما.
فعن ثابتِ بن محمدٍ سمعتُ سفيان الثوري يقولُ: «ينبغِي للرجلِ أن لاَ يحكَّ رأسَه إلاَّ بأثرٍ»(17).
يريدُ ـ رحمه الله ـ: أن يخبرَك بأنَّ حركاتِك وسكناتِك كلَّها لا بُدَّ أن تكونَ منضبطةً على كتابِ الله وعلى سنَّةِ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتَّى لو كان حكُّ الرأسِ، أو أيُّ موضعٍ من الجسدِ من الدِّينِ لكانَ يَنْبَغِي لك طلبُ الأثرِ في كيفيةِ ذاكَ الحكِّ.
فالدِّينُ أخي الكريم: هو إيمانٌ والتزامٌ ثمَّ اتِّباعٌ واَلْزَمْ غَرْزَ السُنَّةِ السَنِيَّةِ والآَثَارِ السَّلَفِيَّةِ تكن من الرَّاشِدِينَ النَّاجِينَ، واتِّبَاعٌ، كما قال سفيان الثَّوري ـ رحمه الله ـ: «وَجَدْتُ الأَمْرَ الاِتِّبَاعَ»(18)، فلا دِينَ إلاَّ باِتِّبَاع واِقْتِدَاءٍ؛ فمن رَامَ غيرَ ذلك رَامَ الهَلَكَةَ واَقْتَحَمَ الضَلاَلَةَ؛ وخالفَ الفطرةَ التي فطرَ الله عليها عبدَه.
روى الخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه» (403): من طريق أبي بكر محمد بن إسحاق ابن خزيمة قال: سمعتُ محمد بن يحيى الأَزْدِي قال: سمعتُ عبد الله بن داود الخُرَيْبِي، يقولُ: «والله لو بَلَغَنَا أنَّ القَوْمَ لَمْ يَزِيدُوا فِي الوُضُوءِ عَلَى غَسْلِ أَظْفَارِهِمْ، لَمَا زِدْنَا عَلَيْهِ».
قال أبو بكر بن خزيمة: يريدُ أنَّ الدِّينَ الاِتِّبَاعُ.
أسألُ الله أن يمنَّ علينا بتحقيق هذا الأصلِ العظيمِ بحسنِ فَهْمٍ في حِلْمٍ وعَقْلٍ، آمين والحمد لله ربِّ العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «تفسير السَّعدي» (2/1373).
(2) انظر «تفسير ابن كثير» (6/391).
(3) «تفسير السعدي» (2/1059).
(4) «تذكرة المؤتسي» (ص 376 ـ 377).
(5) قال البدر العيني ـ رحمه الله ـ في «عمدة القاري» (25/45): «وكان في الصدر الأول إذا أطلقُوا القراءَ أرادُوا بهم: العلماءَ» اهـ.
(6) قال البدر العيني ـ رحمه الله ـ: «قوله «فقد سُبِقْتُمْ» على صيغةِ المجهول يعني: لاَزِمُوا الكتابَ والسُنَّةَ فإنَّكم مَسْبُوقُونَ سَبْقًا بَعِيدًا أي: قَوِيًّا مُتَمَكَّنًا فَرُبَّما يَلْحِقُونَ بهم بعضَ اللُّحُوقِ» اهـ.
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «فإنَّه لما قال: ﴿ اهدِنَـا الصِّرَاطَ المُستَقِيم ﴾ فكأنَّ الذِّهْنَ طلبَ المعرفةَ ما إذا كان هذا الصِّراطُ مختصًا بنا أم سلكَه غيرُنا ممَّنْ هداهُ الله فقال: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ﴾ وهذا كما إذا دللتَ رجلاً على طريقٍ لا يعرفُها وأردتَ توكيدَ الدِّلالةِ وتحريضَه على لزومِها وأن لا يُفَارِقَها فأنت تقول: هذه الطريقُ المُوصِلَةُ إلى مقصودِك ثُمَّ تزيدُ ذلك عندَه توكيدًا وتقويةً فتقول: وهي الطريقُ التي سلكَها النَّاسُ والمسافرونَ وأهلُ النجاةِ.
أفلا ترى كيف أفادَ وصفُك لها بأنَّها: طريقُ السالكينَ الناجينَ قدرًا زائدًا على وصفِك لها بأنَّها طريقٌ موصلةٌ وقريبةٌ سهلةٌ مستقيمةٌ فإنَّ النفوسَ مجبولةٌ على التأسِي والمتابعةِ فإذا ذُكِرَ لها مَنْ تتأسَى به في سلوكِها أَنِسَتْ واقتحمتْها فتَأَمَّلْهُ» اهـ(13).
وقال ـ رحمه الله ـ: «لما كان طالبُ الصراط المستقيم طالبَ أمرٍ أكثرُ النَّاسِ نَاكِبُونَ عنه، مريدًا لسلوكِ طريقٍ مُرَافِقُهُ فيها في غايةِ القلَّةِ والعزَّةِ، والنفوسُ مجبولةٌ على وحشةِ التفردِ وعلى الأنسِ بالرفيقِ نبَّه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريقِ وأنَّهم هم: الذين أنعمَ الله عليهم من النبيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهداءِ والصالحينَ وحسنَ أولئك رفيقًا فأضافَ الصراطَ إلى الرفيقِ السالكينَ له وهم: الذين أنعم الله عليهم ليزولَ عن الطالبِ للهدايةِ وسلوكَ الصراطِ وحشةُ تفردِه عن أهل زمانِه وبنِي جنسِه.
وليعلمَ أنَّ رفيقَه في هذا الصراطِ هم: الذين أنعمَ الله عليهم، فلا يَكْتَرِثْ بمخالفةِ النَّاكِبِينَ عنه له فإنَّهم هُمْ: الأَقَلُّونَ قدرًا وإن كانُوا الأكثرينَ عددًا، كما قال بعضُ السلف(14): عليك بطريقِ الحقِّ ولا تَسْتَوْحِشْ لقلةِ السَّالِكِينَ وإيَّاكَ وطريقَ الباطلِ ولا تَغْتَرَّ بكثرةِ الهالكينَ.
وكلَّما استوحشتَ في تَفَرُدِك فانظرْ إلى الرفيقِ السابقِ واحرصْ على اللَحَاقِ بهم وغُضَّ الطرفَ عمن سِوَاهُم فإنَّهم لن يُغْنُوا عنك من الله شيئًا وإذا صَاحُوا بك في طريقِ سيركِ فلا تلتفتْ إليهم فإنَّك متى الْتَفَتَّ إليهم أخذُوك وعاقُوك»اهـ(15).
أخي القارئ الكريم: «إِنَّمَا الدِّينُ الآَثَارُ» كما قال الإمام سفيان بن سعيد الثوري ـ رحمه الله ـ(16) أي: ما أُثِرَ عن النَّبيِّ الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته ـ رضي الله عنهم ـ، فما لم يكن يومئذٍ دينًا فلن يكونَ لنا دِينًا يومًا ما.
فعن ثابتِ بن محمدٍ سمعتُ سفيان الثوري يقولُ: «ينبغِي للرجلِ أن لاَ يحكَّ رأسَه إلاَّ بأثرٍ»(17).
يريدُ ـ رحمه الله ـ: أن يخبرَك بأنَّ حركاتِك وسكناتِك كلَّها لا بُدَّ أن تكونَ منضبطةً على كتابِ الله وعلى سنَّةِ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتَّى لو كان حكُّ الرأسِ، أو أيُّ موضعٍ من الجسدِ من الدِّينِ لكانَ يَنْبَغِي لك طلبُ الأثرِ في كيفيةِ ذاكَ الحكِّ.
فالدِّينُ أخي الكريم: هو إيمانٌ والتزامٌ ثمَّ اتِّباعٌ واَلْزَمْ غَرْزَ السُنَّةِ السَنِيَّةِ والآَثَارِ السَّلَفِيَّةِ تكن من الرَّاشِدِينَ النَّاجِينَ، واتِّبَاعٌ، كما قال سفيان الثَّوري ـ رحمه الله ـ: «وَجَدْتُ الأَمْرَ الاِتِّبَاعَ»(18)، فلا دِينَ إلاَّ باِتِّبَاع واِقْتِدَاءٍ؛ فمن رَامَ غيرَ ذلك رَامَ الهَلَكَةَ واَقْتَحَمَ الضَلاَلَةَ؛ وخالفَ الفطرةَ التي فطرَ الله عليها عبدَه.
روى الخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه» (403): من طريق أبي بكر محمد بن إسحاق ابن خزيمة قال: سمعتُ محمد بن يحيى الأَزْدِي قال: سمعتُ عبد الله بن داود الخُرَيْبِي، يقولُ: «والله لو بَلَغَنَا أنَّ القَوْمَ لَمْ يَزِيدُوا فِي الوُضُوءِ عَلَى غَسْلِ أَظْفَارِهِمْ، لَمَا زِدْنَا عَلَيْهِ».
قال أبو بكر بن خزيمة: يريدُ أنَّ الدِّينَ الاِتِّبَاعُ.
أسألُ الله أن يمنَّ علينا بتحقيق هذا الأصلِ العظيمِ بحسنِ فَهْمٍ في حِلْمٍ وعَقْلٍ، آمين والحمد لله ربِّ العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «تفسير السَّعدي» (2/1373).
(2) انظر «تفسير ابن كثير» (6/391).
(3) «تفسير السعدي» (2/1059).
(4) «تذكرة المؤتسي» (ص 376 ـ 377).
(5) قال البدر العيني ـ رحمه الله ـ في «عمدة القاري» (25/45): «وكان في الصدر الأول إذا أطلقُوا القراءَ أرادُوا بهم: العلماءَ» اهـ.
(6) قال البدر العيني ـ رحمه الله ـ: «قوله «فقد سُبِقْتُمْ» على صيغةِ المجهول يعني: لاَزِمُوا الكتابَ والسُنَّةَ فإنَّكم مَسْبُوقُونَ سَبْقًا بَعِيدًا أي: قَوِيًّا مُتَمَكَّنًا فَرُبَّما يَلْحِقُونَ بهم بعضَ اللُّحُوقِ» اهـ.
(7) إِذْ مرتبةُ المتبوع فوقَ مرتبةِ التَّابِعِ، أفاده في «مرقاة المفاتيح» (2/193).
( 8 ) أفاده الحافظ ابن حجر في «الفتح» (17/142).
(9) الاستفاضةُ: الانتشارُ والشُّيُوعُ مصدرُ استفاضَ يقالُ: استفاضَ الخبرُ أي: شاعَ وانتشرَ والمعنى: عليكم بما ذَاعَ وشَاعَ وانتشرَ ـ من أمر الدِّين ـ في صدرِ هذه الأُمَّةِ.
(10) «ذم الكلام وأهله» (328)، واللالكائي (109 ـ 110)، والدارمي (141)، والآجري في «الشَّريعة» (30).
(11) رواه الدَّارمي (140).
(12) رواه اللالكائي (134) وعبد الله بن أحمد في «السنة» (766).
(13) «بدائع الفوائد» (2/265).
(14) هو الفضيل بن عياض ـ رحمه الله ـ.
(15) «مدارج السالكين» (1/21 ـ 22).
(16) رواه أبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام وأهله» (2/264) (334) وابن عبد البر في «الجامع» (1458).
(17) رواه الهروي في «ذم الكلام وأهله» (2/264 ـ 265) (335).
(18) رواه اللالكائي (113)، وأبو اسماعيل الهروي في «ذم الكلام» (2/400) (486).
( 8 ) أفاده الحافظ ابن حجر في «الفتح» (17/142).
(9) الاستفاضةُ: الانتشارُ والشُّيُوعُ مصدرُ استفاضَ يقالُ: استفاضَ الخبرُ أي: شاعَ وانتشرَ والمعنى: عليكم بما ذَاعَ وشَاعَ وانتشرَ ـ من أمر الدِّين ـ في صدرِ هذه الأُمَّةِ.
(10) «ذم الكلام وأهله» (328)، واللالكائي (109 ـ 110)، والدارمي (141)، والآجري في «الشَّريعة» (30).
(11) رواه الدَّارمي (140).
(12) رواه اللالكائي (134) وعبد الله بن أحمد في «السنة» (766).
(13) «بدائع الفوائد» (2/265).
(14) هو الفضيل بن عياض ـ رحمه الله ـ.
(15) «مدارج السالكين» (1/21 ـ 22).
(16) رواه أبو إسماعيل الهروي في «ذم الكلام وأهله» (2/264) (334) وابن عبد البر في «الجامع» (1458).
(17) رواه الهروي في «ذم الكلام وأهله» (2/264 ـ 265) (335).
(18) رواه اللالكائي (113)، وأبو اسماعيل الهروي في «ذم الكلام» (2/400) (486).
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال البشير الإبراهيمي رحمه الله:
«ما الحقُّ إلَّا أن نَزِنَ الأشياءَ بمَوازينِها، فلا ندَعُ المجالَ للوَهْم ينقُض ويُبرِمُ ويُبرِزُ لنَا السَّفاسِف في صُورةِ الجبالِ، ويُظهِرُ لنَا الجلائلَ بمَظْهَر التَّافِه الحقِير، فهذَا نوعٌ غريبٌ مِن أمراضِ النُّفوس ما فشَا في أمَّة إلَّا وكانَ عاقبةُ أمرِها خُسْرًا»[«الآثار» (1/56)]
📌قال البشير الإبراهيمي رحمه الله:
«ما الحقُّ إلَّا أن نَزِنَ الأشياءَ بمَوازينِها، فلا ندَعُ المجالَ للوَهْم ينقُض ويُبرِمُ ويُبرِزُ لنَا السَّفاسِف في صُورةِ الجبالِ، ويُظهِرُ لنَا الجلائلَ بمَظْهَر التَّافِه الحقِير، فهذَا نوعٌ غريبٌ مِن أمراضِ النُّفوس ما فشَا في أمَّة إلَّا وكانَ عاقبةُ أمرِها خُسْرًا»[«الآثار» (1/56)]
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال ابنُ القيّمِ رحمه الله:
«أمّا سعادةُ العِلمِ فلا يُورِثُك إيّاها إلَّا بَذلُ الوُسعِ، وصِدقُ الطَّلبِ، وصِحّةُ النِّيَّةِ».
[«مفتاح دار السّعادة» (١/ ٢٩٩)]
📌قال ابنُ القيّمِ رحمه الله:
«أمّا سعادةُ العِلمِ فلا يُورِثُك إيّاها إلَّا بَذلُ الوُسعِ، وصِدقُ الطَّلبِ، وصِحّةُ النِّيَّةِ».
[«مفتاح دار السّعادة» (١/ ٢٩٩)]
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌 قال ابن تيميَّة رحمه الله:
«لن ينمُوَ الخيرُ إلَّا بتَرك الشَّرِّ، والزَّرعُ لا يزكُو حتَّى يُزالَ عنه الدَّغَل؛ فكذلكَ النَّفسُ والأعمالُ لا تزكُو حتَّى يُزالَ عنها ما يُناقِضُها، ولا يكونُ الرَّجُل مُتزَكِّيًا إلَّا مع تركِ الشَّرِّ»[«مجموع الفتاوى» (١٠/ ٦٢٩)]
📌 قال ابن تيميَّة رحمه الله:
«لن ينمُوَ الخيرُ إلَّا بتَرك الشَّرِّ، والزَّرعُ لا يزكُو حتَّى يُزالَ عنه الدَّغَل؛ فكذلكَ النَّفسُ والأعمالُ لا تزكُو حتَّى يُزالَ عنها ما يُناقِضُها، ولا يكونُ الرَّجُل مُتزَكِّيًا إلَّا مع تركِ الشَّرِّ»[«مجموع الفتاوى» (١٠/ ٦٢٩)]
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 دعاة تجديد الدين
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (34) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: https://bit.ly/3Vo05zu
رابط نسخة بدف: https://t.me/rayatalislah/4722
👇👇👇
💢 دعاة تجديد الدين
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (34) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: https://bit.ly/3Vo05zu
رابط نسخة بدف: https://t.me/rayatalislah/4722
👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 دعاة تجديد الدين
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (34) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: https://bit.ly/3Vo05zu
رابط نسخة بدف: https://t.me/rayatalislah/4722
👇👇👇
إنَّ دعوة تجديد الدِّين عند الغربيِّين في القَرن الثَّامن عشر الميلادي كانَ لها أسبابها المعقولة ودوافعها المسوِّغة، وذلكَ للخُروج من سَطوة الكَنيسة المحرَّفة والانعتاق مِن قيود رجالاتها الَّذين مارسُوا كلَّ ألوان التَّجهيل وصدُّوا النَّاس عن كلِّ أنواع العِلم والمعرفَة وأسَاليب التَّحضُّر، وعانى عامَّة النَّاس منهم أشكال الهيمَنة والإذلال والاضطهاد، كلُّ ذلك تحتَ مسمَّى الدِّين؛ فقامت ثوراتهم وغيَّر النَّاس نظرتهم للدِّين ولم يعُد له وجود في حياتهم سوى بين جدران الكنائس وصومعَات الرُّهبان، أو طقوس وتمتَمات تلوكُها الألسُن على مأدبة عشاء أو وقت الخلود إلى النَّوم، وظهر في المجتَمع الغربي نظريَّة التَّطوُّر الشَّامل، فلم يستثنوا منها دينًا ولا غيرَه، وأخضعُوا كلَّ شيء للتَّطوير والتَّجديد، ولم يفرِّقوا بين ثابت ومتغَيِّر.
وبمثل هذا النَّظر تأثَّر طائفة من أبناء المسلمين وسلكت مسالك الفرق الحائدة عن نهج أهل السُّنَّة والجماعة من تقديم العقل على النَّقل؛ فخرجوا بنظريَّة التَّجديد أي تجديد الدِّين أو تجديد الخطاب الإسلامي أو تجديد الفِكر الإسلامي أو تجديد الفقه الإسلامي، ونحوها من المسمَّيات المستَوحاة مِن فكر سائد، وهو أنَّ النَّاس اليوم في دنياهم ميَّالون إلى كلِّ جديد، ومائلون عن كلِّ قديم؛ وراحوا يؤصِّلون ويروِّجون ويدعُون إلى هذا الفكر الأثيم، وساعدهم على ذيوع مذهبهم أنَّ كثيرا منهم مُرحَّبٌ بهم في وسائل الإعلام ويتبوَّؤن مناصبَ مرموقة بحُكم مُجاراتهم للواقع وسعيهم الحثيث للتَّوفيق بين مفاهيم الواقع ومفاهيم الشَّارع الحكيم، ما جعلهم محلَّ مدح واستحسان من أتباع الشَّهوات والأهواء من الحَدَاثيين والعلمَانيِّين واللِّيبراليِّين والتَّغريبيِّين.
وإنَّ مِن أفسَد الأقيسة على وجه الأرض أن يُقاس دين الإسلام على غيره منَ الأديان؛ والله تعالى يقول: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ فهو الدِّين المحفوظ بحفظ الله، المتميِّز بمَا ميَّزه اللهُ به من صِفات الكَمال والشُّمول والحُسن والصَّلاح والعَدل، إذ لم تعرف البشريَّة شريعةً كشريعة محمَّد ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ فهي أكمل شريعة نَزلت منَ السَّماء على الإطلاق وأجلُّها وأفضَلُها وأعلاها وأقومُها بمصالح العبَاد في المعَاش والمعَاد وأكمَلُها وأوفَقُها للعَقل والمصلَحة؛ ولا تصادُم بينَها وبينَ الفِطر السَّليمة، ولا تعارض بينَها وبين العقول السَّويَّة؛ فهي الشَّريعة الَّتي سلمَت من كلِّ ما اعترى غيرها منَ الشَّرائع؛ وجعل الله تعالى أحكامَها متنوِّعة منها الثابت الَّذي لا يلحقُه التَّغيُّر ولا يجوز فيه الاجتهاد، ومنها ما يمكنُ أن تتغيَّر الفتوى فيه بتغيُّر الزَّمان والمكان والعوائد والأحوال؛ وهذا دليل على مرونة الشريعة وأنَّها مُصلِحةٌ لكلِّ زمان ومكان، وليسَت بحاجة إلى تحريف نصوصها أو تكلُّف تأويل أحكامِها ليرغب فيها الرَّاغبون. فهي شريعة تحملُ جميع معاني البَقاء والقُوَّة والاستغنَاء.
إلاَّ أنَّ هؤلاء المُنهزمين لمَّا هالَهُم ما بلغَت إليه أُمَم الغَرب من التَّقدُّم في مجالات الحياة المادِّيَّة، ظنُّوا أنَّه لا طريقَ إلى نهضَة الأمَّة إلاَّ بسُلوك سبيل هذه الأمم؛ ثمَّ لمَّا وجدوا شيئًا من التَّعارض بين النُّصوص الشَّرعيَّة وبين تصرُّفات وسلُوكات هذا الواقع، تنادَوا باسم المصلحَة إلى إعادة النَّظر في مسلَّمات شرعيَّة مقرَّرة، ومفاهيم دينيَّة ثابتة ومحاولة تجديدها بما يساير روح العصر ـ على حدِّ تعبيرهم ـ، ويتَّفق مع النَّظريَّات البشريَّة الحديثة؛ وهذا ما أدَّى إلى ظهور أحكام ومفاهيم تُنسب إلى الإسلام وليسَت منه، إذ لم يُراعَ فيها نصوص شرعيَّة صحيحة صريحَة، ولا إجماعات لعلماء المسلمين ثابتة، ولا دلالات لغويَّة معتَمَدة.
💢 دعاة تجديد الدين
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (34) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: https://bit.ly/3Vo05zu
رابط نسخة بدف: https://t.me/rayatalislah/4722
👇👇👇
إنَّ دعوة تجديد الدِّين عند الغربيِّين في القَرن الثَّامن عشر الميلادي كانَ لها أسبابها المعقولة ودوافعها المسوِّغة، وذلكَ للخُروج من سَطوة الكَنيسة المحرَّفة والانعتاق مِن قيود رجالاتها الَّذين مارسُوا كلَّ ألوان التَّجهيل وصدُّوا النَّاس عن كلِّ أنواع العِلم والمعرفَة وأسَاليب التَّحضُّر، وعانى عامَّة النَّاس منهم أشكال الهيمَنة والإذلال والاضطهاد، كلُّ ذلك تحتَ مسمَّى الدِّين؛ فقامت ثوراتهم وغيَّر النَّاس نظرتهم للدِّين ولم يعُد له وجود في حياتهم سوى بين جدران الكنائس وصومعَات الرُّهبان، أو طقوس وتمتَمات تلوكُها الألسُن على مأدبة عشاء أو وقت الخلود إلى النَّوم، وظهر في المجتَمع الغربي نظريَّة التَّطوُّر الشَّامل، فلم يستثنوا منها دينًا ولا غيرَه، وأخضعُوا كلَّ شيء للتَّطوير والتَّجديد، ولم يفرِّقوا بين ثابت ومتغَيِّر.
وبمثل هذا النَّظر تأثَّر طائفة من أبناء المسلمين وسلكت مسالك الفرق الحائدة عن نهج أهل السُّنَّة والجماعة من تقديم العقل على النَّقل؛ فخرجوا بنظريَّة التَّجديد أي تجديد الدِّين أو تجديد الخطاب الإسلامي أو تجديد الفِكر الإسلامي أو تجديد الفقه الإسلامي، ونحوها من المسمَّيات المستَوحاة مِن فكر سائد، وهو أنَّ النَّاس اليوم في دنياهم ميَّالون إلى كلِّ جديد، ومائلون عن كلِّ قديم؛ وراحوا يؤصِّلون ويروِّجون ويدعُون إلى هذا الفكر الأثيم، وساعدهم على ذيوع مذهبهم أنَّ كثيرا منهم مُرحَّبٌ بهم في وسائل الإعلام ويتبوَّؤن مناصبَ مرموقة بحُكم مُجاراتهم للواقع وسعيهم الحثيث للتَّوفيق بين مفاهيم الواقع ومفاهيم الشَّارع الحكيم، ما جعلهم محلَّ مدح واستحسان من أتباع الشَّهوات والأهواء من الحَدَاثيين والعلمَانيِّين واللِّيبراليِّين والتَّغريبيِّين.
وإنَّ مِن أفسَد الأقيسة على وجه الأرض أن يُقاس دين الإسلام على غيره منَ الأديان؛ والله تعالى يقول: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ فهو الدِّين المحفوظ بحفظ الله، المتميِّز بمَا ميَّزه اللهُ به من صِفات الكَمال والشُّمول والحُسن والصَّلاح والعَدل، إذ لم تعرف البشريَّة شريعةً كشريعة محمَّد ـ صلى الله عليه وسلم ـ؛ فهي أكمل شريعة نَزلت منَ السَّماء على الإطلاق وأجلُّها وأفضَلُها وأعلاها وأقومُها بمصالح العبَاد في المعَاش والمعَاد وأكمَلُها وأوفَقُها للعَقل والمصلَحة؛ ولا تصادُم بينَها وبينَ الفِطر السَّليمة، ولا تعارض بينَها وبين العقول السَّويَّة؛ فهي الشَّريعة الَّتي سلمَت من كلِّ ما اعترى غيرها منَ الشَّرائع؛ وجعل الله تعالى أحكامَها متنوِّعة منها الثابت الَّذي لا يلحقُه التَّغيُّر ولا يجوز فيه الاجتهاد، ومنها ما يمكنُ أن تتغيَّر الفتوى فيه بتغيُّر الزَّمان والمكان والعوائد والأحوال؛ وهذا دليل على مرونة الشريعة وأنَّها مُصلِحةٌ لكلِّ زمان ومكان، وليسَت بحاجة إلى تحريف نصوصها أو تكلُّف تأويل أحكامِها ليرغب فيها الرَّاغبون. فهي شريعة تحملُ جميع معاني البَقاء والقُوَّة والاستغنَاء.
إلاَّ أنَّ هؤلاء المُنهزمين لمَّا هالَهُم ما بلغَت إليه أُمَم الغَرب من التَّقدُّم في مجالات الحياة المادِّيَّة، ظنُّوا أنَّه لا طريقَ إلى نهضَة الأمَّة إلاَّ بسُلوك سبيل هذه الأمم؛ ثمَّ لمَّا وجدوا شيئًا من التَّعارض بين النُّصوص الشَّرعيَّة وبين تصرُّفات وسلُوكات هذا الواقع، تنادَوا باسم المصلحَة إلى إعادة النَّظر في مسلَّمات شرعيَّة مقرَّرة، ومفاهيم دينيَّة ثابتة ومحاولة تجديدها بما يساير روح العصر ـ على حدِّ تعبيرهم ـ، ويتَّفق مع النَّظريَّات البشريَّة الحديثة؛ وهذا ما أدَّى إلى ظهور أحكام ومفاهيم تُنسب إلى الإسلام وليسَت منه، إذ لم يُراعَ فيها نصوص شرعيَّة صحيحة صريحَة، ولا إجماعات لعلماء المسلمين ثابتة، ولا دلالات لغويَّة معتَمَدة.
Telegram
راية الإصلاح ـ دار الفضيلة
ودُعاة تجديد الدِّين العَقلانيُّون يتَّكئون في توجُّهِهم وما يذهبون إليه على ما يعبِّرون عنه بالفَهم المقاصدي للنَّصِّ، والاجتهاد، والمصلحة، وقاعدة التَّخفيف ونحوها منَ المصطلحات الَّتي كانَ مُراد علماء الفقه وأصوله منها غيرَ مُراد هؤلاء منهَا؛ فطوَّح بهم هذا الفهم إلى أقوال غير سديدة، وأحكام غير سليمة؛ فوُجد منهُم مَن يدعُو إلى الاجتهاد في الأصُول والفُروع، وفي الثوابت والمتَغيِّرات ولو بحضرة النُّصوص، ومنهُم مَن يدعو إلى تَحرير الاجتهاد مِن كلِّ الضَّوابط والشُّروط، ويدعو إلى العَمل بالأقوال الشَّاذَّة المُنكَرة ولو كانَت أقوالا لمذاهب المبتدعة باسم قاعدة التَّيسير ورَفع المشقَّة؛ وإنَّ هذه التَّأصيلات الفاسدة وأخواتها تميِّعُ الشَّريعةَ وتُضعف الثِّقة بشمولية الإسلام وهيمنتِه، وتشيع ثقافة الانهزامية، وتزهِّد الأمَّة في علمائها، وأخطر الآفات أنَّها تُفقد نصوص الوحي هيبتَها وتهوِّن من شأنها؛ ولو استرسَل المرءُ في مثل هذه الأودية الرَّديَّة لذهب دينُه بالكلِّيَّة، وما بقي منه شيء.
وأمَّا التَّجديد المشروع هو ما يجيء بعد اندراس العلم والسُّنَّة، وظهور الجهل والبدعة؛ وهو الوارد في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ لهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لهَا دينَهَا» وقد دارت عباراتُ العلماء شُرَّاح الحَديث على أنَّ التَّجديد هو إحياء ما اندَرس منَ الدِّين، والعَمل على نشر العلم، وفضح البدع والمحدثات، والاجتهاد بتنزيل الأحكام الشَّرعيَّة على ما يطرأ من حوادث ونوازل؛ والَّذي ينوء بحمل هذا التَّجديد هُو العالم العامل الَّذي تمكَّن مِن أدوات الاجتهاد وآلاته.
وفي «مرقاة المفاتيح» لعلي القاري (1/321) «إنَّ المُراد بـ«مَن يُجدِّد» ليسَ شخصًا واحدًا، بل المُراد به جماعة يجدِّد كلُّ أحدٍ في بلَد في فنٍّ أو فنون منَ العلوم الشَّرعيَّة ما تيسَّر له منَ الأمور التَّقريريَّة أو التَّحريريَّة، ويكونُ سببًا لبقائه وعدم اندراسِه وانقضائِه إلى أن يأتيَ أمْرُ الله، ولا شكَّ أنَّ هذَا التَّجديد أمر إضافي؛ لأنَّ العلمَ كلَّ سنة في التَّنزُّل، كما أنَّ الجهل كلَّ عام في التَّرقِّي، وإنَّما يحصُل ترقِّي عُلماء زماننا بسبَب تنزُّل العلم في أواننا، وإلاَّ فلا مُناسَبة بينَ المتقدِّمين والمتأخِّرين علمًا وعملاً وحلمًا وفضلاً وتحقيقًا وتدقيقًا لما يقتَضي البُعد عن زمنِه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ، كالبُعد عن محلِّ النُّور ويُوجب كثرةَ الظُّلمة وقلَّة الظُّهور، ويدلُّ عليه ما في البُخاري عن أنس مرفوعًا: «لا يأتِي على أمَّتي زمَانٌ إلاَّ الَّذي بعدَه شَرٌّ منْهُ»».
وأمَّا التَّجديد المشروع هو ما يجيء بعد اندراس العلم والسُّنَّة، وظهور الجهل والبدعة؛ وهو الوارد في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ لهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لهَا دينَهَا» وقد دارت عباراتُ العلماء شُرَّاح الحَديث على أنَّ التَّجديد هو إحياء ما اندَرس منَ الدِّين، والعَمل على نشر العلم، وفضح البدع والمحدثات، والاجتهاد بتنزيل الأحكام الشَّرعيَّة على ما يطرأ من حوادث ونوازل؛ والَّذي ينوء بحمل هذا التَّجديد هُو العالم العامل الَّذي تمكَّن مِن أدوات الاجتهاد وآلاته.
وفي «مرقاة المفاتيح» لعلي القاري (1/321) «إنَّ المُراد بـ«مَن يُجدِّد» ليسَ شخصًا واحدًا، بل المُراد به جماعة يجدِّد كلُّ أحدٍ في بلَد في فنٍّ أو فنون منَ العلوم الشَّرعيَّة ما تيسَّر له منَ الأمور التَّقريريَّة أو التَّحريريَّة، ويكونُ سببًا لبقائه وعدم اندراسِه وانقضائِه إلى أن يأتيَ أمْرُ الله، ولا شكَّ أنَّ هذَا التَّجديد أمر إضافي؛ لأنَّ العلمَ كلَّ سنة في التَّنزُّل، كما أنَّ الجهل كلَّ عام في التَّرقِّي، وإنَّما يحصُل ترقِّي عُلماء زماننا بسبَب تنزُّل العلم في أواننا، وإلاَّ فلا مُناسَبة بينَ المتقدِّمين والمتأخِّرين علمًا وعملاً وحلمًا وفضلاً وتحقيقًا وتدقيقًا لما يقتَضي البُعد عن زمنِه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ، كالبُعد عن محلِّ النُّور ويُوجب كثرةَ الظُّلمة وقلَّة الظُّهور، ويدلُّ عليه ما في البُخاري عن أنس مرفوعًا: «لا يأتِي على أمَّتي زمَانٌ إلاَّ الَّذي بعدَه شَرٌّ منْهُ»».
فالتَّجديد ليس بإحداثِ أحكام جديدَة أو اختراع أصولٍ لم تكُن معهودة أو ابتكار قواعد غير معروفة، وإنَّما هو إعادة الإسلام إلى حاله الأولى الَّتي كان عليها في أوَّل أمره، ونفي ما عَلِق به ممَّا ليسَ منه كانتحالات المبطلين، وتأويلات الجاهلين، وتحريفات الغَالين؛ ومنه يدرك القارئ جرأة صاحب كتاب «تجديد أصول الفقه الإسلامي» الَّذي دعا فيه إلى الثَّورة وإعادة النَّظر فيمَا أطبقَت عليه الأمَّة وتقرَّر أنَّه من موارد الفقه ومصادره، فممَّا قاله: «... ولكن تتعقَّد علينَا المسألةُ بكَون علم الأصولِ التَّقليدي الَّذي نلتَمس فيه الهدايةَ لم يعُد مناسبًا للوفَاء بحاجَاتنا المعاصرة»؛ ولو أنَّه دعا إلى تنقية أصول الفقه ممَّا علق به من علم الكلام الَّذي لا طائل تحتَه ولا فائدةَ عمليَّة منه لكان حقيقًا أن يسمَّى مجدِّدًا، لكنَّه ـ وللأسف الشَّديد ـ رفع رايةَ دعوة لا يمكنُ وصفُها إلاَّ أنَّها هدم لدين الإسلام ونسفٌ لأصوله وأحكامه باسم تَجديدِه؛ ولهذا جاءت فتاويه خارجةً عن المعهود عند أهل العلم، ومخالفةً للنُّصوصِ القطعية الصريحة، كقوله بجواز ارتداد المسلم عن دينه، وتجويزه زواج المسلمة من الكتابي، ودعوته لاجتماع الأديان السَّماويَّة في دين واحد يُسمَّى: جبهة أهل الكتاب؛ وغيرها من البدع والضَّلالات الَّتي لا تستند إلى دليل؛ بل تستند إلى أصوله الجديدة كبدعة القياس الواسع، والاستصحاب الواسع؛ وهذا أنموذج من دعاة التَّجديد الدِّيني ـ وهُم كُثر في عالمنا اليوم ـ يتفاوتون في الانحراف والمروق من أحكام الإسلام؛ وإنَّ من أعظم أسباب انحراف هذا الرَّجل وأمثاله من التَّجديديِّين العقلانيِّين أنَّهم لم يُراعوا فهمَ السَّلف وفقهَهم ولم يرفعوا به رأسًا، وهوَّنوا من شأن العلماء السَّائرين على نهج السَّلف ووصفُوهم بالجمود والرَّجعيَّة وأنَّهم نصوصيَّة؛ يقول الشَّاطبي في «الموافقات» (3/71 ـ 77) «وكثيرًا ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسنة، يحمِّلونهما مذاهبهم، ويُغَبِّرون بمشتبهاتهما في وجوه العامَّة، ويظنون أنهم على شيء...؛ فلهذا كلِّه يجب على كلِّ ناظر في الدَّليل الشَّرعي مُراعاة ما فَهم منه الأوَّلُون، وما كانوا عليه في العَمل به؛ فهو أحرى بالصَّواب وأَقْوَمُ في العِلم والعَمل».
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال البشير الإبراهيمي رحمه الله:
«ابدأُوا بتحرير أنفُسكم من نفوسِكم وشهواتها ورذائلها، فإذا انتَصرتُم في هذا الميدان، فأنتُم مُنتصرون في كلِّ ميدان».
[«آثار الإبراهيمي» (٤/ ٣٠٨)]
📌قال البشير الإبراهيمي رحمه الله:
«ابدأُوا بتحرير أنفُسكم من نفوسِكم وشهواتها ورذائلها، فإذا انتَصرتُم في هذا الميدان، فأنتُم مُنتصرون في كلِّ ميدان».
[«آثار الإبراهيمي» (٤/ ٣٠٨)]
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال ابنُ كثير رحمه الله:
«مَن أعانَ ظالمًا سُلِّط عليه، فإنَّ الله ينتَقم من الظَّالم بالظَّالم، ثمَّ ينتَقمُ من الظَّالمين جميعًا».
[«البداية والنهاية» (١٧/ ٤٥٨)]
📌قال ابنُ كثير رحمه الله:
«مَن أعانَ ظالمًا سُلِّط عليه، فإنَّ الله ينتَقم من الظَّالم بالظَّالم، ثمَّ ينتَقمُ من الظَّالمين جميعًا».
[«البداية والنهاية» (١٧/ ٤٥٨)]
الصدق_والأمانة_صلاح_للفرد_والمجتمع.mp4
13.5 MB
✴️ عنوان الخطبة: الصدق والأمانة صلاح للفرد والمجتمع
✴️ الخطيب: عمر الحاج مسعود
✴️ تاريخ الإلقاء: 28 صفر 1447 الموافق 22أوت 2025
✴️ الخطيب: عمر الحاج مسعود
✴️ تاريخ الإلقاء: 28 صفر 1447 الموافق 22أوت 2025
Audio
✴️ عنوان الخطبة: كن متعلما معلما ناصحا
✴️ الخطيب: عمر الحاج مسعود
✴️ تاريخ الإلقاء: 06 ربيع الأول 1447 الموافق لـ 29 أوت 2025
✴️ الخطيب: عمر الحاج مسعود
✴️ تاريخ الإلقاء: 06 ربيع الأول 1447 الموافق لـ 29 أوت 2025
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال الشيخ مُقبل بن هادي الوادعي رحمه الله:
«إذَا كانَ الجهَّالُ هُم الَّذين يقُودُون الدَّعواتِ فأبْشِر بنكَسَات الدَّعواتِ؛ فلابدَّ مِن مجالسَة العُلماء، والاستفَادَةِ منهُم، كما فَعَل علماؤُنا المتقَدِّمون» [«تحفة المجيب» (ص ١٨٣)]
📌قال الشيخ مُقبل بن هادي الوادعي رحمه الله:
«إذَا كانَ الجهَّالُ هُم الَّذين يقُودُون الدَّعواتِ فأبْشِر بنكَسَات الدَّعواتِ؛ فلابدَّ مِن مجالسَة العُلماء، والاستفَادَةِ منهُم، كما فَعَل علماؤُنا المتقَدِّمون» [«تحفة المجيب» (ص ١٨٣)]
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 البيان في أخطاء الاستشهاد بآي القرآن الجزء (9)
💢 عز الدين رمضاني
💢 منشور في العدد (34) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: http://bit.ly/41ZJ3eU
رابط نسخة بدف: https://t.me/rayatalislah/4731
👇👇👇
💢 البيان في أخطاء الاستشهاد بآي القرآن الجزء (9)
💢 عز الدين رمضاني
💢 منشور في العدد (34) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: http://bit.ly/41ZJ3eU
رابط نسخة بدف: https://t.me/rayatalislah/4731
👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 البيان في أخطاء الاستشهاد بآي القرآن الجزء (9)
💢 عز الدين رمضاني
💢 منشور في العدد (34) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: http://bit.ly/41ZJ3eU
رابط نسخة بدف: https://t.me/rayatalislah/4731
👇👇👇
من استشهادات العامَّة ببعض ألفاظ القرآن المخالفة لمعناها المراد، قولُهم فيمن يتَّبع غيره ويحاكيه في أفعاله وأقواله ويحرص على الاقتداء به وتقليده في كلِّ ما هو عليه: «هؤلاء قومُ تُبَّع»، فجرت على ألسنتهم هذه المقولة على سبيل الذَّمِّ والتَّعيير لمن كان شأنه التَّقليد الأعمى، وهي ليست كذلك لـما سيأتي بيانه
وجه الخطأ:
فَهْمُهُمْ للفظة «تبَّع» من أنَّها تعني الاتِّباع، أو ما يشتقُّ منها؛ كالمتابعة والتّباع والتَّبعيَّة، ولم ينصرف فهمُهُم إلى أنَّ «تُبَّعًا» رجلٌ صالحٌ، والذَّمُّ إنَّما وقع على قومه لا عليه كما تشير إليه الآيات.
التَّصحيح والتوجيه:
ويأتي من وجوه عدَّة:
أوَّلُها: اعلم ـ وفَّقك اللهُ للفهم السَّليم ـ أنَّ لفظة «تبَّع» وردت في القرآن في موضعين:
الأوَّل: في قوله تعالى: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِين ﴾ [الدخان: 37].
والثَّاني: في قوله جلَّ وعلا: ﴿ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيد ﴾ [ق: 14].
فالآيتان جاء فيهما ذكرُ قومِ تبَّع في معرض الذَّمِّ والتَّوبيخ على ما كانوا عليه من الكفر والعناد والتَّكذيب بالبعث والرُّسل؛ لدلالة السِّياق السَّابق واللاَّحق على ذلك، ولم يأتِ في الآيتين ذمُّ «تبّع».
ثانيها: أنَّ «تبَّع» اسم كانت تطلقه «حِمْيَر» على كلِّ من مَلَكَهُم من الملوك، كما تسمِّي الفرس من مَلَكَهم بكسرى، وقيصر لمن ملك الرُّوم، وفرعون لمن ملك مصر، والنَّجاشي لمن ملك الحبشة، وغير ذلك من أعلام الأجناس، أفاده ابن كثير في «تفسيره» (6/256).
ونقل ابن الجوزي في «زاد المسير» (7/348) عن أبي عُبيدة قوله: «كلُّ ملك من ملوك اليمن كان يُسمَّى تُبَّعًا؛ لأنَّه يتبع صاحبه، فموضع «تبَّع» في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام، وقال مقاتل: إنَّما سمِّي تبَّعًا لكثرة أتباعه»، لكن الظَّاهر من الآيات كما قال القرطبي في «تفسيره» (16/145): أنَّ الله سبحانه إنَّما أراد واحدًا من هؤلاء، لا كلَّ التَّبابعة، ثمَّ إنَّ النَّبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «لا تسبُّوا تبَّعًا؛ فإنَّه كان قد أسلم»، وهذا يدلُّ على أنَّه كان واحدًا بعينه.
وذكر ابنُ الجوزي في «تفسيره» (7/348)، وكذا القرطبي في «الجامع» (16/146) عن الكلبي أنَّ اسم تبَّع هذا: أبو كرب أسعد ابن ملكيكرب، وعند ابن كثير في «التَّفسير» (7/257) أنَّ اسمه أسعد أبو كريب ابن ملكيكرب اليماني.
ثالثها: جاء في الحديث نهي النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سبِّ «تبَّع»؛ لأنَّه كان مؤمنًا، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لاَ تَسُبُّوا تُبَّعًا؛ فَإِنَّهُ قد كَانَ أَسْلَمَ»(1)، وفي قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «فَإنَّهُ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ» إشارةً إلى أنَّه كانَ كافرًا قبلَ ذلك، قال ابن كثير (7/257) «وكأنَّه ـ والله أعلم ـ كان كافرًا ثمَّ أسلم، وتابع دين الخليل على يدي من كان من أحبار اليهود في ذلك الزَّمان على الحقِّ قبل بعثة المسيح ـ عليه السلام ـ».
وأمَّا قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لعين هُوَ أَمْ لاَ؟ ومَا أَدْرِي أعُزيرٌ نَبِيٌّ هُوَ أَمْ لاَ؟»(2)، فهذا قبل أن يوحى إليه في أمره، ثمَّ أعلمه الله بعد ذلك أنَّه أسلم، كما أفاده الشَّرَّاح(3) .
رابعها: تتابعت الرِّوايات والأخبار على نعت «تُبَّع» بالصَّلاح والخير، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: «كان «تبَّع» رجلاً صالحًا، ألا ترى أنَّ الله ـ عز وجل ـ ذمّ قومه ولم يذمَّه»(4) .
وعن قتادة قال: «وذُكِر لنا أنَّ كعبًا كان يقول عن تبَّع: نُعت نَعت الرَّجل الصَّالح، ذمّ الله قومه ولم يذمه»(5) .
وقد استفاضت النُّقول والآثار والتَّراجم، بذكر مدَّته الَّتي حكمها، واتِّساع ملكه، وكثرة رعاياه، واستقصاء أخباره الدَّالة على صلاح أمره؛ ككسوته الكعبة، حتَّى قيل إنَّه أوَّل من كسا الكعبة، وانصرافه عن المدينة بعدما أراد خرابها لمَّا أُخبِر أنَّها مهاجَر نبيٍّ اسمه أحمد، وإيمانه بالنَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وغير ذلك من أخباره، ولِما كان عليه من حميد الخصال وصالح الأعمال اختلف فيه هل كان نبيًّا أم مَلِكًا؟
فقيل: إنَّه كان نبيًّا، وروي عن ابن عبَّاس(6)، وقيل: إنَّه كان ملكًا من الملوك، وروي عن كعب(7) ، ووجه من قال بالأوَّل ما رواه الثَّعلبي في «تفسيره» (5/130) بإسناده إلى أبي هريرة مرفوعًا: «مَا أَدْرِي أَكَانَ تُبَّعٌ نَبِيًّا أَوْ غَيْرَ نَبِيٍّ»(8).
💢 البيان في أخطاء الاستشهاد بآي القرآن الجزء (9)
💢 عز الدين رمضاني
💢 منشور في العدد (34) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: http://bit.ly/41ZJ3eU
رابط نسخة بدف: https://t.me/rayatalislah/4731
👇👇👇
من استشهادات العامَّة ببعض ألفاظ القرآن المخالفة لمعناها المراد، قولُهم فيمن يتَّبع غيره ويحاكيه في أفعاله وأقواله ويحرص على الاقتداء به وتقليده في كلِّ ما هو عليه: «هؤلاء قومُ تُبَّع»، فجرت على ألسنتهم هذه المقولة على سبيل الذَّمِّ والتَّعيير لمن كان شأنه التَّقليد الأعمى، وهي ليست كذلك لـما سيأتي بيانه
وجه الخطأ:
فَهْمُهُمْ للفظة «تبَّع» من أنَّها تعني الاتِّباع، أو ما يشتقُّ منها؛ كالمتابعة والتّباع والتَّبعيَّة، ولم ينصرف فهمُهُم إلى أنَّ «تُبَّعًا» رجلٌ صالحٌ، والذَّمُّ إنَّما وقع على قومه لا عليه كما تشير إليه الآيات.
التَّصحيح والتوجيه:
ويأتي من وجوه عدَّة:
أوَّلُها: اعلم ـ وفَّقك اللهُ للفهم السَّليم ـ أنَّ لفظة «تبَّع» وردت في القرآن في موضعين:
الأوَّل: في قوله تعالى: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِين ﴾ [الدخان: 37].
والثَّاني: في قوله جلَّ وعلا: ﴿ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيد ﴾ [ق: 14].
فالآيتان جاء فيهما ذكرُ قومِ تبَّع في معرض الذَّمِّ والتَّوبيخ على ما كانوا عليه من الكفر والعناد والتَّكذيب بالبعث والرُّسل؛ لدلالة السِّياق السَّابق واللاَّحق على ذلك، ولم يأتِ في الآيتين ذمُّ «تبّع».
ثانيها: أنَّ «تبَّع» اسم كانت تطلقه «حِمْيَر» على كلِّ من مَلَكَهُم من الملوك، كما تسمِّي الفرس من مَلَكَهم بكسرى، وقيصر لمن ملك الرُّوم، وفرعون لمن ملك مصر، والنَّجاشي لمن ملك الحبشة، وغير ذلك من أعلام الأجناس، أفاده ابن كثير في «تفسيره» (6/256).
ونقل ابن الجوزي في «زاد المسير» (7/348) عن أبي عُبيدة قوله: «كلُّ ملك من ملوك اليمن كان يُسمَّى تُبَّعًا؛ لأنَّه يتبع صاحبه، فموضع «تبَّع» في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام، وقال مقاتل: إنَّما سمِّي تبَّعًا لكثرة أتباعه»، لكن الظَّاهر من الآيات كما قال القرطبي في «تفسيره» (16/145): أنَّ الله سبحانه إنَّما أراد واحدًا من هؤلاء، لا كلَّ التَّبابعة، ثمَّ إنَّ النَّبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «لا تسبُّوا تبَّعًا؛ فإنَّه كان قد أسلم»، وهذا يدلُّ على أنَّه كان واحدًا بعينه.
وذكر ابنُ الجوزي في «تفسيره» (7/348)، وكذا القرطبي في «الجامع» (16/146) عن الكلبي أنَّ اسم تبَّع هذا: أبو كرب أسعد ابن ملكيكرب، وعند ابن كثير في «التَّفسير» (7/257) أنَّ اسمه أسعد أبو كريب ابن ملكيكرب اليماني.
ثالثها: جاء في الحديث نهي النَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سبِّ «تبَّع»؛ لأنَّه كان مؤمنًا، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «لاَ تَسُبُّوا تُبَّعًا؛ فَإِنَّهُ قد كَانَ أَسْلَمَ»(1)، وفي قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «فَإنَّهُ قَدْ كَانَ أَسْلَمَ» إشارةً إلى أنَّه كانَ كافرًا قبلَ ذلك، قال ابن كثير (7/257) «وكأنَّه ـ والله أعلم ـ كان كافرًا ثمَّ أسلم، وتابع دين الخليل على يدي من كان من أحبار اليهود في ذلك الزَّمان على الحقِّ قبل بعثة المسيح ـ عليه السلام ـ».
وأمَّا قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لعين هُوَ أَمْ لاَ؟ ومَا أَدْرِي أعُزيرٌ نَبِيٌّ هُوَ أَمْ لاَ؟»(2)، فهذا قبل أن يوحى إليه في أمره، ثمَّ أعلمه الله بعد ذلك أنَّه أسلم، كما أفاده الشَّرَّاح(3) .
رابعها: تتابعت الرِّوايات والأخبار على نعت «تُبَّع» بالصَّلاح والخير، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: «كان «تبَّع» رجلاً صالحًا، ألا ترى أنَّ الله ـ عز وجل ـ ذمّ قومه ولم يذمَّه»(4) .
وعن قتادة قال: «وذُكِر لنا أنَّ كعبًا كان يقول عن تبَّع: نُعت نَعت الرَّجل الصَّالح، ذمّ الله قومه ولم يذمه»(5) .
وقد استفاضت النُّقول والآثار والتَّراجم، بذكر مدَّته الَّتي حكمها، واتِّساع ملكه، وكثرة رعاياه، واستقصاء أخباره الدَّالة على صلاح أمره؛ ككسوته الكعبة، حتَّى قيل إنَّه أوَّل من كسا الكعبة، وانصرافه عن المدينة بعدما أراد خرابها لمَّا أُخبِر أنَّها مهاجَر نبيٍّ اسمه أحمد، وإيمانه بالنَّبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وغير ذلك من أخباره، ولِما كان عليه من حميد الخصال وصالح الأعمال اختلف فيه هل كان نبيًّا أم مَلِكًا؟
فقيل: إنَّه كان نبيًّا، وروي عن ابن عبَّاس(6)، وقيل: إنَّه كان ملكًا من الملوك، وروي عن كعب(7) ، ووجه من قال بالأوَّل ما رواه الثَّعلبي في «تفسيره» (5/130) بإسناده إلى أبي هريرة مرفوعًا: «مَا أَدْرِي أَكَانَ تُبَّعٌ نَبِيًّا أَوْ غَيْرَ نَبِيٍّ»(8).
Telegram
راية الإصلاح ـ دار الفضيلة
والصَّحيح كما قال الألوسي في «تفسيره» (25/130) أنَّه كان على دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ(9)، ولم يكن نبيًّا، وحكاية نبوَّته عن ابن عبَّاس لا تصحُّ، وما روي من أنَّه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ قال: «مَا أَدْرِي أَكَانَ تُبَّعٌ نَبِيًّا أَوْ غَيْر نَبِيٍّ» لم يثبت.
وممَّا تقدَّم يظهر أنَّ المذموم هم قوم «تبَّع» لا «تبَّع» نفسه، وذمُّهم كان بسبب جرمهم الَّذي هو الكفر، لا بسبب إمَّعَتِهم واتِّباعهم، وهذا يتنافى مع الاستشهاد الَّذي اعتقدوه في جملة «هؤلاء قوم تبَّع»، ثمَّ إنَّ الإعراب لا ينسجم مع ما ذهبوا إليه؛ وهو أن يكون النَّعت تابعًا للمنعوت في رفعه ونصبه وخفضه، وتعريفه وتنكيره، فلو قالوا: «هؤلاء قومٌ تبعٌ» لكان الاستدلال صحيحًا؛ لأنَّ معنى تبَّع متبوع، فهو فُعَّلٌ بمعنى مفعول، وقد يجيء هذا اللَّفظ بمعنى فاعل، كما قيل للظلِّ تُبَّعٌ؛ لأنَّه يتبع الشَّمس(10) ، ولكن إنَّما عنوا الجملة المأخوذة من الآية، وحينئذ لا يستقيم استدلالهم، والعلم عند الله تعالى الأكرم، وصلَّى الله على نبيِّه وسلّم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أحمد في «المسند» (22880)، وانظر «الصَّحيحة» (2423).
(2) أبو داوود (4674)، وصحَّحه الألباني.
(3) «فتح الباري» (1/66)، «عون المعبود» (12/280)، و«بذل المجهود» (18/198).
(4) الحاكم في «المستدرك» (2/450)، وقال: «صحيح على شرط الشَّيخين» ووافقه الذَّهبي، وقال الألباني في «الصَّحيحة» (5/549): «وهو كما قالا».
(5) «تفسير الطَّبري» (21/50)، و«تفسير ابن كثير» (7/258)، و«تفسير البغوي» (4/153).
(6) «تفسير القرطبي» (16/147).
(7) «تفسير القرطبي» (16/147).
( 8 ) شكَّك الحافظ ابن حجر في ««تخريج أحاديث الكشَّاف» أن يكون هذا الحديث روي بهذا الإسناد قال: والمعروف بهذا الإسناد (ما أدري ألعين هو أم لا..) ثمَّ نقل قول الدَّارقطني في إسناد الثَّعلبي أنَّه من تفرُّد عبد الرَّزَّاق (انظر «الكاف الشَّاف في تخريج أحاديث الكشَّاف» (5/475).
(9) ويشهد له حديث وهب بن منبِّه: «نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ النَّاس عن سب أسعد وهو تبَّع؟ قلنا: يا أبا عبد الله! وما كان أسعد؟ قال: كان على دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ»، أخرجه ابن عساكر (6/11)، قال الألباني في «الصَّحيحة» (5/549): «هو شاهد مرسل جيِّد».
(10) انظر «روح المعاني» للألوسي (25/130).
وممَّا تقدَّم يظهر أنَّ المذموم هم قوم «تبَّع» لا «تبَّع» نفسه، وذمُّهم كان بسبب جرمهم الَّذي هو الكفر، لا بسبب إمَّعَتِهم واتِّباعهم، وهذا يتنافى مع الاستشهاد الَّذي اعتقدوه في جملة «هؤلاء قوم تبَّع»، ثمَّ إنَّ الإعراب لا ينسجم مع ما ذهبوا إليه؛ وهو أن يكون النَّعت تابعًا للمنعوت في رفعه ونصبه وخفضه، وتعريفه وتنكيره، فلو قالوا: «هؤلاء قومٌ تبعٌ» لكان الاستدلال صحيحًا؛ لأنَّ معنى تبَّع متبوع، فهو فُعَّلٌ بمعنى مفعول، وقد يجيء هذا اللَّفظ بمعنى فاعل، كما قيل للظلِّ تُبَّعٌ؛ لأنَّه يتبع الشَّمس(10) ، ولكن إنَّما عنوا الجملة المأخوذة من الآية، وحينئذ لا يستقيم استدلالهم، والعلم عند الله تعالى الأكرم، وصلَّى الله على نبيِّه وسلّم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أحمد في «المسند» (22880)، وانظر «الصَّحيحة» (2423).
(2) أبو داوود (4674)، وصحَّحه الألباني.
(3) «فتح الباري» (1/66)، «عون المعبود» (12/280)، و«بذل المجهود» (18/198).
(4) الحاكم في «المستدرك» (2/450)، وقال: «صحيح على شرط الشَّيخين» ووافقه الذَّهبي، وقال الألباني في «الصَّحيحة» (5/549): «وهو كما قالا».
(5) «تفسير الطَّبري» (21/50)، و«تفسير ابن كثير» (7/258)، و«تفسير البغوي» (4/153).
(6) «تفسير القرطبي» (16/147).
(7) «تفسير القرطبي» (16/147).
( 8 ) شكَّك الحافظ ابن حجر في ««تخريج أحاديث الكشَّاف» أن يكون هذا الحديث روي بهذا الإسناد قال: والمعروف بهذا الإسناد (ما أدري ألعين هو أم لا..) ثمَّ نقل قول الدَّارقطني في إسناد الثَّعلبي أنَّه من تفرُّد عبد الرَّزَّاق (انظر «الكاف الشَّاف في تخريج أحاديث الكشَّاف» (5/475).
(9) ويشهد له حديث وهب بن منبِّه: «نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ النَّاس عن سب أسعد وهو تبَّع؟ قلنا: يا أبا عبد الله! وما كان أسعد؟ قال: كان على دين إبراهيم ـ عليه السلام ـ»، أخرجه ابن عساكر (6/11)، قال الألباني في «الصَّحيحة» (5/549): «هو شاهد مرسل جيِّد».
(10) انظر «روح المعاني» للألوسي (25/130).
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال البشير الإبراهيمي رحمه الله:
«إنَّ محمَّدًا ﷺ يُطالبُكم بإقامة الدِّين لا بإقامة المولِد، وإنَّ دينكُم دينُ الحقائقِ والأعمالِ والنُّظم، فارجعُوا إلى تلكَ الحقائق، وانصُروا اللهَ ينصُركم ويُثبِّت أقدامَكُم» [«الآثار» (٤/ ١٤٤)]
📌قال البشير الإبراهيمي رحمه الله:
«إنَّ محمَّدًا ﷺ يُطالبُكم بإقامة الدِّين لا بإقامة المولِد، وإنَّ دينكُم دينُ الحقائقِ والأعمالِ والنُّظم، فارجعُوا إلى تلكَ الحقائق، وانصُروا اللهَ ينصُركم ويُثبِّت أقدامَكُم» [«الآثار» (٤/ ١٤٤)]