راية الإصلاح ـ دار الفضيلة للنشر
2.92K subscribers
2.67K photos
805 videos
124 files
1.09K links
قناة دينية تعليمية تابعة لموقع راية الإصلاح ودار الفضيلة للنشر والتوزيع بالجزائر
للتواصل معنا : 92 99 06 (0559) (نقال - تيليجرام)
Download Telegram
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 كرامات الأولياء بين الغلو والجفاء
💢 أ. د عبد الرزاق البدر
💢 منشور في العدد (41) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 كرامات الأولياء بين الغلو والجفاء
💢 أ. د عبد الرزاق البدر
💢 منشور في العدد (41) من #مجلة_الإصلاح

👇👇👇

لمَّا كان أمر «كرامة الأولياء» قد غلا فيه بعض النَّاس، وجفا فيه بعضهم، وتوسَّط فيه آخرون؛ أحببتُ أن أُسهِم بهذه المقالة، راجيًا اللهَ الكريم أن تكون نافعةً مفيدةً خالصةً لوجهه، مطابقةً لسنَّة نبيِّه ﷺ.
#أوَّلاً: ما هي الكرامة؟
الكرامة ـ كما يقول أهل العلم ـ: هي أمرٌ خارقٌ للعادة، يجريه اللهُ على يد من يشاء من أوليائه؛ تأييدًا لهم في أمرٍ دينيٍّ أو دنيويٍّ؛ وهي ضدُّ الإهانة.
فإمَّا أن يحتَاج الوليُّ إلى حجَّةٍ وبرهانٍ وعونٍ في ذلكَ فيُكرِمه اللهُ ـ عز وجل ـ بأمرٍ خارقٍ للعادَة، يكون حجَّةً له ودليلاً على دعوته الصَّحيحة المستمدَّة من الكتاب والسُّنَّة.
وإمَّا أن يحتاج الوليُّ إلى أمرٍ دنيويٍّ، كاحتياجه مثلاً إلى الطَّعام أو الشَّراب، أو غير ذلك، فيُكرِمه اللهُ ـ عز وجل ـ بأمرٍ خارقٍ للعادة، فيكون فيه مساعدةٌ له على ذلك.
وأعظم الكرامات وأجلُّها وأرفعها قدرًا وأعلاها منزلةً كرامة الإيمان، ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِين﴾ [الحجرات: 17]، فهي منَّةٌ من الله جسيمةٌ، ونعمة من الله عظيمةٌ, وكرامةٌ من الله لعباده.
#ثانيًا: من هم الأولياء؟
بيَّن الله ـ عز وجل ـ لنا حقيقة الأولياء في القُرآن الكريم، فلا حاجةَ إلى بيانٍ بعد بيانه ـ عز وجل ـ, ففي القُرآن الكريم أنَّ الوليَّ هو المؤمن التَّقيُّ، قال الله ـ عز وجل ـ: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُون﴾ [يونس: 62ـ63].
وأهل العلم يقولون: إذا اجتمع الإيمان والتَّقوى؛ فإنَّ الإيمان يراد به فعل الأوامر، والتَّقوى يراد بها ترك النَّواهي.
فمعنى ذلك أنَّ الأولياء هم القائمون بأوامر الله تعالى، المنتهون عن نواهيه، الواقفون عند حدوده.
أمَّا أدعياء الوَلاية ـ ويكثُرون في مثل جماعة الصُّوفيَّة المنتشرة في العالم الإسلامي ـ؛ فهؤلاء في الحقيقة أفعالهم وأقوالهم تدلُّ على أنَّهم ليسوا أولياء للرَّحمن؛ لأنَّ الوليَّ هو المؤمن التَّقي الَّذي يمتثل أوامر الله تعالى، وينتَهي عمَّا نهى اللهُ تعالى عنه, بينما إذا نظرت إلى أفعال هؤلاء تجد أنَّ كثيرًا منها مجانبٌ للإيمان والتَّقوى؛ فتجد فيهم من يعتقد أنَّه وصل إلى درجةٍ هو أرفع فيها من أن يعبُد الله تعالى! والله ـ عز وجل ـ يقول لنبيِّه ﷺ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين﴾ [الحجر: 99]، أي: استَمِرَّ على عبادة الله إلى أن تموت، وهكذا شأن أتباعه ﷺ، ولهذا يعتقدون أنَّ الوليَّ ـ على اصطلاحهم ـ بلغ منزلة لا يأتي الكعبةَ ويطوف بها، بل هو أرفع من ذلك، بل هي الَّتي تأتي إليه لتطوف به!
فعلى سَبيل المثال في كتَاب «إحياء علوم الدِّين» (1/243) يقول الغزالي: «يقال: إنَّ لله تعالى عِبادًا تطوف بهم الكعبةُ تَقرُّبًا إلى الله ـ عز وجل ـ».
ويذكُر أحدُهم أنَّه رأى في المنام أنَّ النَّبيَّ ﷺ شدَّ الرِّحال إلى قرية الرِّفاعي، والكعبة تسير معه! وقد قال ﷺ في تلك الرُّؤيا: ها أنا والكعبة زائرون! وجلس ينادي أهلَ القرى في طريقه أن يزوروا معه الشَّيح أحمد الرِّفاعي!
ثمَّ تبيَّن للرَّاوي أنَّ الرُّؤيا حقيقة! فقام وذهب إلى قرية الرِّفاعي مشاركًا موكب النَّبيِّ ﷺ، والكعبة ذاهبةٌ معه إلى ذلك المكان!(2)
وفي كتاب «تبليغي نصاب»(3) الَّذي هو عُمدةٌ عند «جماعة التَّبليغ»: أنَّ الكعبة تذهب وتطوف بالأولياء.
بل إنَّ هذا الضَّلال دخل في بعض كُتبِ الفقه المعتمدة في المذهب الحنفي، ففي «البحر الرَّائق» لابن نجيم و«ردُّ المُحتار» لابن عابدين، في مسألة استقبال القبلة، «الكعبة إذا رُفِعَتْ عن مكانها لزيارةِ أصحاب الكَرَامَةِ ففي تلك الحالة جازت صلاةُ المُتوَجِّهين إلى أرضها»(4) .
والشَّاهد مفارقة هؤلاء لهذا الجانب من الولاية ألا وهو فعل المأمور.
أمَّا ما يتعلَّق بترك المَنهيِّ؛ فإنَّ مِنْ أَشْنَعِ ذلك أنَّ بعضَهم ارتكَبَ الفواحشَ المُحرَّمَة ومارسها تحت مُسمَّى الكرامة.
ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في ترجمة عليُّ بن وحيش في كتاب «طبقات الصُّوفية» للشَّعراني قال: «الشَّيخ عليُّ ابن وَحِيش صاحب الكرامات، ومن كراماتِه أنَّه إذا جاء شيخ قرية إلى قريتهم على حِمارة، يذهب إليه ويقول له: انزل عن الحمارة وأمسك لي رأسها حتَّى أفعل بها!».
فأيُّ وَلاية لله هذه نعوذ بالله من سخطه وأليم عقابه؟!
ثمَّ إنَّ القوم أهل مكرٍ وخديعةٍ، عندهم قواعد يقعِّدونها لأتباعهم، حتَّى لا يُحاول أحدٌ أن يعترض عليهم، أو أن ينكر شيئًا من أعمالهم وأقوالهم.
فمن ذلك قولهم وتلقينهم للمُريد: «لا تَعتَرِض فتَنْطَرِد»، أو «سلِّم تَسلَم»، أو «كُن عند الشَّيخ كالميِّت عند مُغسِّله»، فالشَّيخ لا يقال له: لِمَ؟
فهذا وما قبله كلُّه ليس من الولاية ولا من الكرامة في شيء، وأولياء الله قد يُجرِي اللهُ تعالى على أيديهم شيئًا من الكرامات(5).
#وفي حصول هذه الكرامات لهم مصالح عديدةٌ، من أهمِّها:
أوَّلا: أنَّ فيها إظهارَ قدرة الله تعالى.
فمثلا: لم تجر سنَّةُ الله الكونيَّة أن يخرج الطَّعامُ أو الماءُ من بين الأصابع، وليس من السُّنة الكونيَّة أن تضيء العصا نورًا، وهكذا...
فاللهُ ـ عز وجل ـ يخرق هذه السُّنة فيجري آيةً وكرامةً على يد الوليِّ، فتظهر قدرةُ الله تعالى، وأنه على كلِّ شيءٍ قدير.
ثانيًا: أنَّها آيةٌ للنَّبيِّ، كما قال بعض أهل العلم: «كلُّ كرامةٍ للوليّ هي آيةٌ للنَّبيِّ»؛ لأنَّها إنَّما حصلت للوليِّ ببركة اتِّباعه للنَّبيِّ، وبطاعته له.
ثالثًا: أنَّ فيها تعجيل البُشرى للوليِّ؛ فاللهُ ـ عز وجل ـ قد يكرم من يشاء من أوليائه بكرامةٍ من الكرامات، وأمرٍ خارق للعادات فيكونُ فيه بشرى له.
لكن ليس كلُّ أمرٍ خارقٍ للعادة دليلاً على الوَلاية، ولهذا ينبغي للمسلم ألاَّ يغتَرَّ بالكرامة، ولا يجعلها هدَفه.
قال بعضُ أهل العِلم: «لا يكُن همُّك الكرامة، وليكن همُّك الاستقامة» (6).
فمن لم تحصل على يديه كرامة، لا ينبغي أن يظنَّ أنَّ ذلك دليلٌ على أنَّه ليس من أولياء الله، بل إنَّه قد تحصل للرَّجل الَّذي هو أقلُّ منزلةً كرامةٌ، ولا تحصل على يد من هو أعلى منه منزلةً؛ لحكمةٍ أرادها الله تعالى، كأن يكون الرَّجل إيمانه أضعفَ من غيره، فالله ـ عز وجل ـ يكرمه بذلك حتَّى يتقوَّى إيمانُه، فيزداد إيمانًا وطاعةً لله ـ عز وجل ـ، وحبًّا له وتصديقًا بشرعه.
والمهمُّ أنَّه ينبغي ألاَّ يكونَ همُّ الإنسان حصولَ الكرامة، وليكن همُّه طاعةَ الله والاستقامة على شرعه، والموت على ذلك، كما قالَ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون﴾ [آل عمران: 102].
فأفضل كرامةٍ هي الاستقامة، قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «وإنَّما غاية الكرامة لزومُ الاستقامة، فلم يُكرِم اللهُ عبدًا بمثل أن يعينه على ما يحبُّه ويرضاه، ويزيده ممَّا يقرِّبه إليه، ويرفع به درجته» (7).
وقال أيضًا: «فلا يجوز أن يظنَّ أنَّ كلَّ من كان له شيءٌ من هذه الأمور ـ أي الأمور الخارقة للعادة ـ أنَّه وليٌّ لله، بل يعتبر أولياءُ الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم الَّتي دلَّ عليها الكتاب والسُّنة، ويُعرَفون بنور الإيمان والقرآن، وبحقائق الإيمان الباطنة، وشرائع الإسلام الظاهرة» (8).
فليست الكرامة أو الأمر الخارق للعادة هي المقياس لكون الشَّخص وليًّا لله، أو غير وليٍّ لله.
#مذاهب الناس في الكرامة:
إنَّ موقف النَّاس من هذه الكرامة طرفان ووسط:
القسم الأوَّل: الَّذين غلوا في الكرامة، وهم المتصوِّفة، ورفعوها فوق منزلتها، فادَّعوا ـ باسم الكرامة ـ أنَّهم يعلمون الغيب، ويعلمون خائنة الأعين وما تخفي الصُّدور، وأنَّهم يُقعَدون فوق العرش مع الله تعالى! وأنَّهم يمحُون ما يشاؤون ويثبتون في اللَّوح المحفوظ، كلُّ ذلك يعدُّونه في كراماتهم، وينسبون إلى أنفسهم أمورًا كثيرةً هي من خصائص الله وحده باسم الكرامة، وبطلان قولهم هذا وفساده لا يخفى على من نوَّر اللهُ بصيرتَه، ومَنَّ عليه بالاستقامَة الصَّحيحة والعبادة السَّليمة، والانقياد للحَقِّ بنور الكتَاب والسُّنة.
القسم الثَّاني: الَّذين جفَوا في الكرَامَة، وهم المعتزلة، وطائفةٌ منَ الأشاعرة وغيرهم، فأنكروا الكرامةَ كلِّيَّةً، قالوا: لأنَّ إثباتَ الكرامة للوليِّ يجعَل الأمر ملتبِسًا مع الآية والمعجزة الَّتي تكون للنَّبيِّ.
وقد ردَّ عليهم أهل العلم بردودٍ عديدةٍ، منها:
أنَّ الفرق بين الأنبياء وغيرهم ليس منحصرًا في الآية والمعجزة فحسب، فهناك أمورٌ كثيرةٌ تفرِّق بين النَّبيِّ وبين الوليِّ منها:
أنَّ الوليَّ الصَّادق لا يدَّعي النُّبوَّة، ولو قال: إنِّي نبيٌّ! لخرج من الوَلاية، فيكون كافرًا.
أنَّ من سنَّة الله تعالى أن يفضح الكذَّابَ، كما حصل لمُسَيلِمة الكذَّاب وغيره، فإذا حصل لأحدٍ أمرٌ خارقٌ للعادة وادَّعى أنَّه نبيٌّ فضحه اللهُ على الملأ، ولهذا منذ ادَّعى مسَيلمة الكذَّاب أنَّه نبيٌّ من أنبياء الله إلى يومنا هذَا لا يزال يوصَفُ بـ«الكذَّاب»، فلا يذكُره أحدٌ إلاَّ ويقول: مسيلمة الكذَّاب، وأصبح الكذب علَمًا عليه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «كرامة الولي من جنس آية النَّبيِّ، إلاَّ أنَّ آيةَ النَّبيِّ آيتان؛ آيةٌ كبرى، وآيةٌ صغرى، والآيات الكبرى لا تكون إلاَّ للأنبيَاء؛ مثل القرآن وغيره، أمَّا مثلاً حصُول الطَّعام، أو حصول الشَّراب، أو ما أشبهَ ذلكَ؛ فإنَّ الله ـ عز وجل ـ قد يجريها للنَّبيِّ وقد يُجريها للوليِّ» (9).
وعلى كلٍّ؛ فإنَّ الأدلَّة على ثبوت الكرامة كثيرةٌ جدًّا، وهي ـ كما قال أهل العلم ـ متواترةٌ، وأجمعَ السَّلف على ذلك بل عُدَّت من أصول أهل السُّنة التي تذكر في كتب الاعتقاد، يقول شيخ الإسلام ابن تيميَّة في «العقيدة الواسطيَّة»: «ومن أصول أهل السُّنة: التَّصديق بكرامات الأولياء، ثمَّ قال: «وهي موجودةٌ فيها إلى يوم القيامة».
فالكرامة باقية ما بقيَت الوَلاية، فالله ـ عز وجل ـ يكرم أولياءَه، ويمدُّهم بما يشاءُ، والقصص في هذا كثيرةٌ ذكرها أهل العلم.
#الفرق بين كرامات الأولياء والخوارق الشيطانية:
ذكر أهل العلم فروقًا كثيرةً جدًّا بينهما، ومن ذلك:
ـ أنَّ كرامات الأولياء سببها الإيمان والتَّقوى، أمَّا الأحوال الشَّيطانيَّة فسبَبها الوقُوع فيمَا نهى الله ـ عز وجل ـ ورسولُه ﷺ؛ من ترك العبادَة، والشِّرك بالله، والاستغاثة بغَيره، وفعل الفَواحش.
ـ أنَّ كرامات الأولياء حقٌّ وصدقٌ لا تعارض فيها، وأمَّا خوارق هؤلاء الشَّيطانيَّة فإنَّها دجَلٌ وكذِبٌ، يعارض بعضُها بعضًا، فهؤلاء يكون في أحدهم من الكذب والإثم، ما يناسبُ حال الشَّياطين المقتَرنة بهم، ليفرِّق اللهُ بذلكَ بين أوليائه المتَّقين، وبينَ المتشبِّهين بهم من أولياء الشَّياطين، قال الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِين * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم ﴾ [الشعراء: 221ـ222].
ـ أنَّ الكرامة يجريها اللهُ لوليِّه عند احتياجه إليها، إذا شاء اللهُ تعالى، وليس في كلِّ وقتٍ، وليس عند رغبة الوليِّ، بينمَا أولياء الشَّياطين تحدُث لهم خوارقهم في كلِّ وقتٍ، ومتى ما رغِبُوا، حتَّى إنَّ أحدهم يجمع النَّاسَ لها ليشاهدوها، فأصبحَت الكرامةُ بهذا نوعًا من اللَّعب.
والوليُّ لا يتحدَّث بكرامته، ولا يتباهى بها، ودعوة النَّاس إليها ليس من شعار الصَّالحين.
أمَّا أولياء الشَّياطين فالأمر الخارق للعادة هو همُّهم، وديدنهم دائمًا.
ـ أنَّ خوارق أولياء الله خارقةٌ لعادة البشر أجمعين، وللسُّنن الكونيَّة الَّتي نراها؛ لأنَّ الله ـ عز وجل ـ هو الَّذي أجرى السُّنن الكونيَّة، وهو القادر وحده على خرقها، أمَّا خوارق أولياء الشَّياطين فهي خارقةٌ لعادات بعض البشر دون بعضٍ، ويستطيع بعضُهم من السَّحرة والكهنة والمتعامِلين مع الجنِّ أن يأتوا بأمورٍ مماثلةٍ لها، أو أمورٍ أخرى مناقِضةٍ لها.
فالواجب على المسلم تجاه كرامات الأولياء أن يكون وسطًا ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]، لا غلوَّ ولا جفاء, فيعتقد في الكرامة الاعتقاد الصَّحيح الثَّابت في كتاب الله، وسنَّة رسول الله ﷺ دون غلوٍّ أو جفاء.
***
وأسأل الله أن يجعلني وإيَّاكم من أهل الهدى، ومن أهل التَّقوى والصَّلاح، وأهل الوَلاية، وأن يجنِّبنا ما يسخطه ويأباه، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «روضة الناظرين» (ص 59).
(2) ومؤلفه هو محمد زكريا بن محمد يحيى بن إسماعيل الكاندهلوي المدني (ت: 1402هـ).
(3)  «رد المحتار على الدر المختار» (2/114).
(4) «الطبقات الكبرى» للشَّعراني (2/129) بتصرُّف.
(5) انظر: «الفتاوى» (11/325).
(6)  ذكر نحوه شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ عن أبي علي الجوزجاني في «الفتاوى» (11/320).
(7)  «الفرقان» (ص 187).
(8)  «الفرقان» (ص 79).
(9) انظر: «النبوات» (2/803).
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌 قالت عائشة رضي الله عنها:
«كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم يجتَهدُ في العَشر الأواخِر ما لا يجتَهدُ في غيرِه» [«صحيح مسلم» (١١٧٥)]
Audio
✳️ عنوان الخطبة: طلب الجنة في لسبع البواقي
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 23 رمضان 1447 ـ 13 مارس 2026
Audio
✳️ عنوان الصوتية: كلمة عن العشر
✳️ الشيخ: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 رمضان 1447
Audio
✳️ عنوان الصوتية: ليلة القدر
✳️ الشيخ: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 رمضان 1447
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
وقفات مع الدعاء في رمضان|الشيخ عز الدين رمضاني
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
الجود في رمضان|الشيخ عز الدين رمضاني
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌 «اللَّهُمَّ إنَّك عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي»
قال ابن باديس رحمه الله:
«فيتَعيَّن أن يُكرِّرَ المسلمُ هذا الدُّعاءَ ليلةَ القَدر، وأن يُفضِّلَه على ما سِواه؛ لأنَّه لفظُ أفضَل الخَلق الَّذي علَّمَه لأحبِّ زوجاته» [«الآثار» (٢/ ٣٢٩)]
Audio
✳️ عنوان الصوتية: الحكمة في سؤال الله العفو والمغفرة في آخر رمضان
✳️ الشيخ: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 رمضان 1447 ـ عمر الحاج مسعود
Audio
✳️ عنوان الصوتية: المجاهدة لترك ذنب السر
✳️ الشيخ: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 رمضان 1447
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 وقفات مع حديث: «يمرقُون منَ الإسلام كمَا يمْرُقُ السَّهمُ منَ الرَّميَّة...»
💢 د.عبد الخالق ماضي
💢 منشور في العدد (41) من #مجلة_الإصلاح

👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 وقفات مع حديث: «يمرقُون منَ الإسلام كمَا يمْرُقُ السَّهمُ منَ الرَّميَّة...»
💢 د.عبد الخالق ماضي
💢 منشور في العدد (41) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇

روى البخاري (3610) ومسلم (1064)، عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال:
«بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا، أَتَاهُ ذُو الخُوَيْصِرَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فقال: يا رسولَ الله اعْدِلْ.
فقال: «وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ».
فقال عمرُ: يا رسولَ الله، ائْذَنْ لي فيه فأَضْرِبَ عُنُقَه؟
فقال: «دَعْهُ؛ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ، ـ وَهُوَ قِدْحُهُ ـ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ المَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ».
قال أبو سعيدٍ: فأشهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الحديثَ من رَسُولِ الله ﷺ، وأشهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بنَ أبي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وأَنَا مَعَه، فَأَمَرَ بذَلِكَ الرَّجُلِ فالْتُمِسَ فَأُتِيَ بِهِ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي نَعَتَهُ».

========== الوقفة الأولى: ==========
من المقصود بهذا الحديث؟
الَّذي عليه أهلُ العلم أنَّ المقصودَ بهذا الحديث رأسًا هم الخوارج، وهم فِرقةٌ خرجَتْ لقتال عليِّ بنِ أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ بسبب التَّحكيم، ومذهبُهم البراءةُ من عثمان وعليٍّ ـ رضي الله عنهما ـ، والخروجُ على الإمام إنْ كان ظالمًا أو فاسقًا، وتكفيرُ مُرتكِبِ الكبيرةِ والقولُ بتخليده في النَّار، إلى غير ذلك من مُعتَقَداتِهم، ففي سَنَةِ سَبْعٍ وثلاثين وقعتْ مَوقِعَةُ صِفِّينَ، وفيها رفعَ أهلُ الشَّامِ المصاحِفَ، ودعَوْا إلى الحُكمِ بما في كتاب الله، وقبل عليٌّ ذلك، ثمَّ إنَّ بعضَ جَيشِه اعْتَرَضُوا على قبولِ التَّحكيم بعد ذلك فكانت فِرقة الخوارج، الَّذينَ كفَّروا عليًّا ـ رضي الله عنه ـ، ثمَّ جعلوا مَنْ تبرَّأَ من عُثمَانَ وعليٍّ وطلحةَ والزُّبَيْر والحُكَّامِ من بني أُمَيَّةَ فهو منهم، وانحازُوا بعدَ ذلك، وكوَّنوا قُوَّةً تقوم على مَبْدَإِ تكفيرِ العُصَاةِ من أُمَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ واعتبارهم من المُخلَّدين في النَّار.
وبدأ الخروجُ على الإمام، وقد جَهَد أميرُ المؤمنين عليٌّ في ردِّهم عن غيِّهم وإزالةِ الشُّبهةِ عنهم، ولكنَّهم لم يَقبَلُوا منه، بل كانوا يقاطعونه ويُؤذونه ويشْتُمُونَه، وانتهى بهم الأمر إلى قتاله ـ رضي الله عنه ـ.
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ «مجموع الفتاوى» (3/279) : «وأوَّل بدعةٍ حدثتْ في الإسلام بدعةُ الخوارج والشِّيعةِ، حدَثَتَا في أثناء خلافةِ أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب، فعاقب الطَّائفَتَيْن، أمَّا الخوارجُ فقاتلوه فقَتَلَهم، وأمَّا الشِّيعةُ فحرَّقَ غاليَتَهم بالنَّار، وطَلَبَ قتلَ عبدِ الله بن سبأ فهَرَبَ منه، وأَمَرَ بجَلْد من يُفضِّله على أبي بكر وعمر».
وقال أيضًا (25/305): «وقولُه: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، يَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الحَقِّ»، أخرجاه في «الصَّحيحين»، فكانت هذه الحروريَّةُ هي المارِقةُ»، وقال في «الجواب الصَّحيح» (6/114): «وهؤلاء ظهروا بعد موتِه ﷺ ببضعٍ وعشرين سنةً في أواخر خلافةِ عليٍّ لمَّا افترق المسلمون وكانت الفئةُ بين عَسْكَرِ عليٍّ وعسكر معاويةَ وقتلهم عليُّ بن أبي طالبٍ وأصحابُه وهم أَدْنَى الطَّائفتَيْنِ إلى الحقِّ»
========== الوقفة الثَّانية: ==========
كثرةُ النُّسُكِ والعبادةِ ليست دليلاً على الاستقامةِ
الخوارجُ ذكرَ عنهمُ النَّبيُّ ﷺ أنَّهم مُجتهِدُون اجتهادًا كبيرًا في العبادة، فقال: $يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ#، ورُغمَ ذلك فهم يمرُقُون من الإسلام، بسبب ما تلبَّسُوا به من البدعةِ الغليظةِ، ورُبَّمَا كان بعضُ العصاة ممَّن يعاقِرُونَ الكبائرَ أفضلَ من هؤلاء العابدين المُبتَدِعِينَ، قال الشَّيخُ أبو العَبَّاس ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ «الاستقامة» (1/258): «ولا ريبَ أنَّ الخوارجَ كان فيهم مِنَ الاجتهادِ في العبادة والوَرَعِ ما لم يَكُنْ في الصَّحابةِ كما ذكرَه النَّبيُّ ﷺ، لكن لمَّا كان على غير الوجه المشروع أفضى بهم إلى المروق من الدِّينِ، ولهذا قال عبد الله ابنُ مسعود وأبيُّ بنُ كعبٍ: «اقْتِصَادٌ في سنَّةٍ خيرٌ من اجتهادٍ في بدعةٍ».
«فإذا كانَ الَّذينَ يقومون اللَّيلَ، ويصومون النَّهارَ، ويقْرؤُون القرآنَ، أمَرَ النَّبيُّ ﷺ بقتالهم؛ لأنَّهم فارقوا السُّنَّة والجماعةَ، فكيف بالطَّوائف الَّذين لا يلتزمونَ شرائعَ الإسلامِ»(1)، «فالمُبتَدِعُ العابدُ الجاهلُ يُشبههم من هذا الوجه»(2).

========== الوقفة الثَّالثة: ==========
البدعةُ أشدُّ من الكبيرة
في الأمر بقتال الخوارج، بل ثبوتِ الأجرِ الكبير لمن قَتَلَهم دليلٌ على شناعةِ البدع، وأنَّها أَخْطَرُ من الكبائر؛ إذ لم يَرِدْ مثلُه في حقِّ مُرتَكِبِي الكبائر، فعن عَلِيٍّ ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يَأْتِي في آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ البَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ»، رواه البخاري (3611) ومسلم (1066)، ففي الأمر بقتالهم على بدعتهم استعظامٌ لشَرِّها، ولم يَأْتِ مثلُه في أهل الكبائر، فهم في بدعَتِهم أَشَدُّ من أهل الكبائر في كبائرهم، وروى البخاري (3344) ومسلم (1064) عن أَبِي سَعِيدٍ ـ رضي الله عنه ـ، قال بعثَ عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ إلى النَّبيِّ ﷺ بذُهَيْبَةٍ فقسَمَها بين الأربعةِ؛ الأقْرَعِ بنِ حَابِسٍ الحنظَلِيِّ ثمَّ المُجاشِعِي، وعُيَيْنَةَ بنِ بَدْرٍ الفزارِي، وزَيدٍ الطَّائِي ثمَّ أَحَدِ بني نَبْهَانَ، وعَلْقَمَةَ بنِ عُلاَثَةَ العَامِرِي ثمَّ أَحَدِ بني كِلاَبٍ، فَغضبَتْ قُرَيْشٌ والأَنْصَارُ؛ قالوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ ويدَعُنَا، قال: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ» فأقْبلَ رجلٌ غائِرُ العينَيْن مُشرِفُ الوَجنَتَيْن ناتِئُ الجبِينِ كثُّ اللِّحيَةِ محْلُوقٌ فقال: اتَّقِ اللهَ يا محمَّدُ، فقال: «مَنْ يُطِعِ اللهَ إِذَا عَصَيْتُ، أَيَأْمَنُنِي اللهُ على أَهْلِ الأَرْضِ فَلاَ تَأْمَنُونِي»، فسأَلَه رجلٌ قتلَهُ ـ أَحْسِبُهُ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ ـ فمنعهُ، فلمَّا ولَّى قال: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا، ـ أَوْ فِي عَقِبِ هَذَا ـ قَوْمًا يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»، ففي هذا الحديث عَزْمُه على قتالِ الخوارجِ، حسمًا لمادَّةِ بِدعَتِهم، ومُبالَغةً منه في تقبيحها، وفي هذا تعظيمٌ لشرِّ البدعة، وبيانِ خطرِها، وأنَّ البدعةَ أشدُّ ضررًا من الكبائرِ، وأكبرُ خطَرًا.
واشتدادُ أمرِ البدع حتَّى عَظُمَت على الكبائر؛ هو بالنَّظَر إلى مُتَعَلَّقِها، وما فيه من الاستدراك على الشَّريعة، ونسبَتِها إلى النَّقص، والقولِ بعدم تمامِ تبليغ النَّبيِّ ﷺ للدِّين كلِّه، وشَرْعِ ما لم يَأْذَنْ به اللهُ تعالى.
قال سفيان الثَّوري ـ رحمه الله ـ: «البدعةُ أَحبُّ إلى إِبليسَ من المعصية، والمعصيةُ يُتَابُ منها، والبدعةُ لا يُتَابُ منها»(3).
وفاعلُ الكبيرةِ يَقَعُ في نفسِه أنَّه مُخالِفٌ للشَّريعةِ، أمَّا فاعلُ البدعةِ؛ فإنَّه يَنسِبُ فعلَه إليها، ويجعلُه دينًا يَتقرَّبُ به، ومن وعى ما يتعلَّقُ بالبدع؛ عَرَفَ قدرَ شُؤْمِها، وأنَّها مُشتمِلةٌ على أصولٍ مُتعَدِّدةٍ من ألوان الشَّرِّ.
========== الوقفةُ الرَّابعةُ: ==========
البدعةُ سببٌ لاحتجاز التَّوبة عن صاحبها
من شُؤمِ البدعةِ، وجنايتِها على فاعِلِها؛ أنَّ اللهَ ـ عز وجل ـ احْتجَزَ التَّوبةَ عنه، وهو لفظُ حديثٍ مرفوعٍ إلى النَّبيِّ ﷺ يَروِيهِ أنسٌ ـ رضي الله عنه ـ: «إنَّ اللهَ حَجَبَ التَّوْبَةَ عَنْ صَاحِبِ كُلِّ بِدْعَةٍ» رواه إسحاق بن راهوية في «المسند» (1/377)، والطَّبراني في «الأوسط» (4/281)، وابن أبي عاصم في «السُّنَّة» (1/21)، والبيهقي في «الشُّعَب» (12/54)، وصحَّحه الألباني في «صحيح التَّرغيب» (54)، والمقصود: منعُه من التَّوبة، فلم تَكُنْ له رغبةٌ فيها، ولا مُكنَةٌ منها؛ لأنَّ هواه أَغْرَاهُ ببدعَتِه، فجاراه واسْتَسْلَمَ له، وهو المذكورُ في قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُون﴾ [الأنفال: 24]؛ فإنَّه يريد أن يهتديَ فلا يهتدي، ويريدُ أن يَتوبَ فلا يتوب لغلبة هواه عليه، وفي قوله ﷺ: «يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» عدمُ رجوعِهم إلى الإسلام؛ لأنَّهم رغِبُوا عنه بالبدعة الَّتي ابْتَدَعُوها، وهو دليلٌ على احتجاز التَّوبةِ عنهم، وفي رواية لمسلم (1067): «ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ»، وسُئِلَ الإمامُ أحمدُ عن معنى ذلك فقال: «لاَ يُوَفَّقُ للتَّوْبَةِ»(4)، فتتجارى بِهِمُ الأهواءُ، وتُشْرَبُها قلوبُهم، وتتمكَّنُ منها فلا يَنْزِعُون عنها، ولا يعودون إلى السَّبيلِ والسُّنَّةِ، ومَنْ شَرِبَ مِنْ مُستَنْقَعِ الهوى؛ لمْ يَزَلْ مُتَلوِّنًا، فهُوَ يخرُجُ مِنْ بلاءٍ إلى بلاءٍ، ومن الضَّلال المُعلَن تسميتُهم ـ أي أهل البدع ـ تلوُّنَهم ذلك بمقتضى المَرحَلَة، أو طبيعةِ الأحداثِ، فلا يَعُدُّونَه تَلوُّنًا، بل لَوْنًا يُناسِبُ زمانَه، وهذا معنى قوله ﷺ: «ثُمَّ لا يَعُودُونَ فِيهِ»، وأهلُ البدع، وأهلُ الأهواء تكون توبَتُهم باتِّباعِهم السُّنَّةَ، ولا يُكتَفَى منهم بذلك ـ كما ذكره ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ ـ في «مدارج السَّالكين» (1/363) حتَّى يُبيِّنُوا فسادَ ما كانوا عليه من هوى وبدعةٍ؛ إِذِ التَّوبةُ من ذنبٍ هي بفعل ضدِّهِ، واستدلَّ ابنُ القيِّم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيم ﴾ [البقرة: 159 ـ 160] فجَعَلَ توبَتَهُمْ ببيان ما كانوا يَكتُمُونَه، وصاحبُ الهوى أشدُّ حالاً من كاتِمِ الحقِّ؛ لأنَّه يكتُمُ الحقَّ، ويدعو إلى خلافِه، فهو أَوْلى بالتَّشديدِ عليه بوجوب بيان فساد بِدعَتِه، ورُجُوعِه صراحةً عن ضلاله وهواه.
هذا ما تيسَّر ذِكرُه مِنْ وَقَفَاتٍ مع هذا الحديث، فما من خطأٍ فمنِّي وحدي، وآخرُ دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)  «مجموع الفتاوى» (22/52).
(2)  «الرد على الإخنائي» (ص 213).
(3)  «أصول الاعتقاد» اللاَّلكائي (1/149).
(4)  «كتاب فضل الإسلام» (ص35).
وقفات_مع_حديث_يمرقون_من_الإسلام_كما_يمرق_السهم_من_الرمية_ـ_عبد_الخالق.pdf
2.7 MB
وقفات مع حديث يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ـ عبد الخالق ماضي