فعلى هذا التَّأويل يكون المراد: الأدلَّةُ الَّتي نصبَها اللهُ جلَّ وعلا كلَّ بالِغٍ بما فطره اللهُ عليه من الإقرار بوحدانيَّتِه، ويكون المقصود بالإشهاد إشهادًا بلسان الحال لا بلسان المقال، كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُون﴾ [التوبة: 17].
فـ﴿ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ﴾ أي: حالُهم يَشْهَدُ عليهم بذلك لا أنَّهم قالوا: إنَّهم كُفَّارٌ ومشركون، فكلمة (شاهِد) تكون تارةً بالقول وتارة بلسان الحال كما في هذه الآية الكريمة.
والقول الثَّاني لأهل العلم: أنَّ هذا الإشهادَ إشهادٌ قوليٌّ حقيقيٌّ باللِّسان، وقد وقع، ودليلُه آيةُ الأعراف، وهي قولُه جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين﴾، وما جاء في ذلك من أحاديث وآثار.
ـ عن ابنِ عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾، قال: «إنَّ اللهَ خلق آدم ـ عليه السلام ـ، ثمَّ أخرَجَ ذرِّيَّتَه من صُلبِه مثلَ الذَّرِّ، فقال لهم: مَنْ ربُّكُم؟ قالوا: اللهُ ربُّنَا! ثمَّ أعادَهم في صُلبِه حتَّى يُولَدَ كُلُّ مَنْ أخذ ميثاقه، لا يُزادُ فيهم ولا يُنقَصُ منهم إلى أن تقوم السَّاعةُ»(7).
ـ وعن ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: «أَخَذَ اللهُ المِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ( 8 ) بِنَعْمَانَ ـ يَعْنِي عَرَفَةَ ـ فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ(9)، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلاً(10)» قَالَ: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُون﴾»(11).
قال الشَّيخ الألباني ـ رحمه الله ـ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (4/158): «قلتُ: هو كما قال ـ رحمه الله تعالى ـ(12)، و لكن ذلك لا يعني أنَّ الحديثَ لا يصحُّ مرفوعًا؛ و ذلك لأنَّ الموقوفَ في حكم المرفوع لسبَبَيْن:
الأوَّل: أنَّه في تفسير القرآن، وما كان كذلك فهو في حكمِ المرفوع، ولذلك اشترط الحاكمُ في كتابه «المستدرك» أن يُخرِّجَ فيه التَّفاسيرَ عن الصَّحابةِ كما ذكر ذلك فيه (1/55).
الآخر: أنَّ له شواهِدَ مرفوعةً عن النَّبيِّ ﷺ عن جمعٍ من الصَّحابة وهُم: عمر بن الخطَّاب وعبد الله بن عمرو وأبو هريرة وأبو أمامة وهشام بن حكيم، أو عبد الرَّحمن بنُ قتادة السُّلَمي على خلافٍ عنهما، ومعاوية بنُ أبي سفيان وأبو الدَّرداء وأبو موسى، وهي إن كان غالبُها لا تَخلُو أسانيدُها من مقالٍ؛ فإنَّ بعضَها يُقوِّي بعضًا، ...و لا سيَّما وقد تلقَّاها أو تلقَّى ما اتَّفَقَتْ عليه من إخراج الذُّرِّيَّة من ظهرِ آدم وإشهادهم على أنفسهم، السَّلفُ الصَّالحُ من الصَّحابةِ والتَّابعين دون اختلافٍ بينهم، منهم عبد الله بن عمرو وعبدُ الله ابنُ مسعود وناسٌ من الصَّحابة، وأبيُّ بنُ كعب وسلمان الفارسي ومحمَّدُ بنُ كعبٍ والضَّحَّاكُ بنُ مُزاحِم والحسن البصري وقتادة وفاطمة بنتُ الحُسَيْن وأبو جعفر الباقر وغيرهم...»، ثمَّ ذكر الشَّيخ الألباني ـ رحمه الله ـ خمسةَ أحاديثَ ثمَّ قال: «ففي ذلك ردٌّ على قولِ ابنِ القيِّم أيضًا في كتاب «الرُّوح» (ص161) وقد أفاض جدًّا في تفسير الآية وتأويلِها تأويلاً يُنافِي ظاهِرَها...» الخ كلامه ـ رحمه الله ـ.
ـ والمقصود:
أنَّ أهلَ العلم اتَّفقوا على قضيَّةِ الإخراجِ ولم يتَّفِقُوا على قضيَّةِ الإشهادِ اللِّساني الحقيقي، بالمعنى المذكور في حديثِ ابنِ عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ.
قال الشَّيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ: «لا تَنافِي بين القَولَيْن فإنَّ الأخذَ للذُّرِّيَّة من ظهر آدم والإشهاد عليهم كان تقدِمةً لبعثة الرُّسُل، والحجَّةُ إنَّما قامت ببعثةِ الرُّسل، فهم الَّذين ذكَّروهم بتلك الشَّهادة، فقامت للرُّسُلِ الحُجَّةُ على النَّاسِ كما لو كان عند الإنسان شهادةٌ ثمَّ نسِيَها ثمَّ ذكَّرَه أحدٌ إيَّاها، وقال له: يا فلان اذكرْ أنَّ عندَكَ شهادةً في وقتِ كذا على كذا.
فـ﴿ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ﴾ أي: حالُهم يَشْهَدُ عليهم بذلك لا أنَّهم قالوا: إنَّهم كُفَّارٌ ومشركون، فكلمة (شاهِد) تكون تارةً بالقول وتارة بلسان الحال كما في هذه الآية الكريمة.
والقول الثَّاني لأهل العلم: أنَّ هذا الإشهادَ إشهادٌ قوليٌّ حقيقيٌّ باللِّسان، وقد وقع، ودليلُه آيةُ الأعراف، وهي قولُه جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين﴾، وما جاء في ذلك من أحاديث وآثار.
ـ عن ابنِ عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾، قال: «إنَّ اللهَ خلق آدم ـ عليه السلام ـ، ثمَّ أخرَجَ ذرِّيَّتَه من صُلبِه مثلَ الذَّرِّ، فقال لهم: مَنْ ربُّكُم؟ قالوا: اللهُ ربُّنَا! ثمَّ أعادَهم في صُلبِه حتَّى يُولَدَ كُلُّ مَنْ أخذ ميثاقه، لا يُزادُ فيهم ولا يُنقَصُ منهم إلى أن تقوم السَّاعةُ»(7).
ـ وعن ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: «أَخَذَ اللهُ المِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ( 8 ) بِنَعْمَانَ ـ يَعْنِي عَرَفَةَ ـ فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ(9)، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلاً(10)» قَالَ: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين * أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُون﴾»(11).
قال الشَّيخ الألباني ـ رحمه الله ـ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (4/158): «قلتُ: هو كما قال ـ رحمه الله تعالى ـ(12)، و لكن ذلك لا يعني أنَّ الحديثَ لا يصحُّ مرفوعًا؛ و ذلك لأنَّ الموقوفَ في حكم المرفوع لسبَبَيْن:
الأوَّل: أنَّه في تفسير القرآن، وما كان كذلك فهو في حكمِ المرفوع، ولذلك اشترط الحاكمُ في كتابه «المستدرك» أن يُخرِّجَ فيه التَّفاسيرَ عن الصَّحابةِ كما ذكر ذلك فيه (1/55).
الآخر: أنَّ له شواهِدَ مرفوعةً عن النَّبيِّ ﷺ عن جمعٍ من الصَّحابة وهُم: عمر بن الخطَّاب وعبد الله بن عمرو وأبو هريرة وأبو أمامة وهشام بن حكيم، أو عبد الرَّحمن بنُ قتادة السُّلَمي على خلافٍ عنهما، ومعاوية بنُ أبي سفيان وأبو الدَّرداء وأبو موسى، وهي إن كان غالبُها لا تَخلُو أسانيدُها من مقالٍ؛ فإنَّ بعضَها يُقوِّي بعضًا، ...و لا سيَّما وقد تلقَّاها أو تلقَّى ما اتَّفَقَتْ عليه من إخراج الذُّرِّيَّة من ظهرِ آدم وإشهادهم على أنفسهم، السَّلفُ الصَّالحُ من الصَّحابةِ والتَّابعين دون اختلافٍ بينهم، منهم عبد الله بن عمرو وعبدُ الله ابنُ مسعود وناسٌ من الصَّحابة، وأبيُّ بنُ كعب وسلمان الفارسي ومحمَّدُ بنُ كعبٍ والضَّحَّاكُ بنُ مُزاحِم والحسن البصري وقتادة وفاطمة بنتُ الحُسَيْن وأبو جعفر الباقر وغيرهم...»، ثمَّ ذكر الشَّيخ الألباني ـ رحمه الله ـ خمسةَ أحاديثَ ثمَّ قال: «ففي ذلك ردٌّ على قولِ ابنِ القيِّم أيضًا في كتاب «الرُّوح» (ص161) وقد أفاض جدًّا في تفسير الآية وتأويلِها تأويلاً يُنافِي ظاهِرَها...» الخ كلامه ـ رحمه الله ـ.
ـ والمقصود:
أنَّ أهلَ العلم اتَّفقوا على قضيَّةِ الإخراجِ ولم يتَّفِقُوا على قضيَّةِ الإشهادِ اللِّساني الحقيقي، بالمعنى المذكور في حديثِ ابنِ عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ.
قال الشَّيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ: «لا تَنافِي بين القَولَيْن فإنَّ الأخذَ للذُّرِّيَّة من ظهر آدم والإشهاد عليهم كان تقدِمةً لبعثة الرُّسُل، والحجَّةُ إنَّما قامت ببعثةِ الرُّسل، فهم الَّذين ذكَّروهم بتلك الشَّهادة، فقامت للرُّسُلِ الحُجَّةُ على النَّاسِ كما لو كان عند الإنسان شهادةٌ ثمَّ نسِيَها ثمَّ ذكَّرَه أحدٌ إيَّاها، وقال له: يا فلان اذكرْ أنَّ عندَكَ شهادةً في وقتِ كذا على كذا.
وأيضًا؛ فإنَّ الأخذَ من ظهور بني آدم أخذٌ من ظهرِ آدم؛ فإنَّ ظهورَهم ظهرٌ له، وعلى هذا فلا منافاةَ بين الأقوالِ وظاهرِ هذه الأحاديث، فهذه الأحاديثُ ظاهرةٌ في أنَّ اللهَ تعالى استخرجَ ذرِّيَّةَ آدم أمثالَ الذَّرِّ الأرواحَ وأشهَدَهم ثمَّ أعادهم...»، ثَّم قال: «فهذه جاءت الرُّسُل بعد ذلك وذكَّرَتْهم بالشَّهادة، والحجَّةُ إنَّما قامت ببعثَةِ الرُّسل، وعلى ذلك فلا منافاة بين القولَيْن»(13).
قال أبو بكر الطُّرطوشي (ت520هـ):
«إنَّ هذا العهدَ يلزَمُ البَشَرَ وإن كانوا لا يذكُرُونه في هذه الحياةِ كما يلزمُ الطَّلاقُ مَنْ شَهِدَ عليه به وهو قد نسِيَه»(14).
***
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
3ـ التَّقدير العُمْرِيُّ عِنْدَ تَخْلِيقِ النُّطْفَةِ في الرَّحِمِ:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فَيُكْتَبُ إذ ذاك ذكورتُها وَأُنُوثَتُهَا والأَجَلُ والعَمَلُ والشَّقَاوَةُ والسَّعَادَةُ والرِّزْقُ وجَمِيعُ مَا هُوَ لاقٍ.
ففي «الصَّحيحيْن»(15) عن عبد الله ابن مسعودٍ ـ رضي الله عنه ـ قال: حدَّثنا رَسُولُ اللَّه ﷺ وهو الصَّادِقُ المصدُوقُ: «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ(16) فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثمَّ يَكُونُ في ذَلِكَ عَلَقَةً مثلَ ذَلِكَ، ثمَّ يكُونُ في ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ. وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: يَكْتُبُ رِزْقَهُ، وَأَجَلِهُ، وَعَمَلِهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرَهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخلُهَا».
قال شيخ الإسلام في «المجموع» (12/388): «فأخبر ﷺ في هذا الحديثِ الصَّحيحِ: أنَّ الملَكَ يُؤمَرُ بكتابة رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ بَعْدَ خَلْقِ جَسَدِ ابْنِ آدَمَ وَقَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ» اهـ.
وهذا الحديثُ أصلٌ في باب القدر والعناية بذلك، والخوف من السَّوابق، والخوف من الخواتيم، وكما قيل: قلوب الأبرار معلَّقَةٌ بالخواتيم، يقولون بماذا يُختم لنا(17)؟
قال أبو بكر الطُّرطوشي (ت520هـ):
«إنَّ هذا العهدَ يلزَمُ البَشَرَ وإن كانوا لا يذكُرُونه في هذه الحياةِ كما يلزمُ الطَّلاقُ مَنْ شَهِدَ عليه به وهو قد نسِيَه»(14).
***
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
3ـ التَّقدير العُمْرِيُّ عِنْدَ تَخْلِيقِ النُّطْفَةِ في الرَّحِمِ:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فَيُكْتَبُ إذ ذاك ذكورتُها وَأُنُوثَتُهَا والأَجَلُ والعَمَلُ والشَّقَاوَةُ والسَّعَادَةُ والرِّزْقُ وجَمِيعُ مَا هُوَ لاقٍ.
ففي «الصَّحيحيْن»(15) عن عبد الله ابن مسعودٍ ـ رضي الله عنه ـ قال: حدَّثنا رَسُولُ اللَّه ﷺ وهو الصَّادِقُ المصدُوقُ: «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ(16) فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثمَّ يَكُونُ في ذَلِكَ عَلَقَةً مثلَ ذَلِكَ، ثمَّ يكُونُ في ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ. وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: يَكْتُبُ رِزْقَهُ، وَأَجَلِهُ، وَعَمَلِهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، فَوَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرَهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخلُهَا».
قال شيخ الإسلام في «المجموع» (12/388): «فأخبر ﷺ في هذا الحديثِ الصَّحيحِ: أنَّ الملَكَ يُؤمَرُ بكتابة رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ بَعْدَ خَلْقِ جَسَدِ ابْنِ آدَمَ وَقَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ» اهـ.
وهذا الحديثُ أصلٌ في باب القدر والعناية بذلك، والخوف من السَّوابق، والخوف من الخواتيم، وكما قيل: قلوب الأبرار معلَّقَةٌ بالخواتيم، يقولون بماذا يُختم لنا(17)؟
***
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4ـ التَّقْدِيرُ الحَوْلِي في ليلةِ القدرِ، يُقَدَّرُ فِيهَا مَا يَكُونُ في السَّنَةِ إلى مثلِها:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم﴾ [الدخان: 3ـ4].
ـ قال الحَسنُ البصرِي: «والله الَّذِي لا إلهَ إِلاَّ هو إِنَّهَا لفي رمضانَ وإنَّهَا لَلَيْلَةُ القدرِ، يُفرَقُ فيها كُلُّ أمرٍ حكيمٍ، فيها يقضِي اللَّهُ تعالى كُلَّ أَجَلٍ وعَمَلٍ ورِزقٍ إلى مثلِها».
ـ وعن ابنِ عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ قال: «إنَّكَ لتَرَى الرَّجُلَ يَمشِي في الأسواقِ وقد وَقَعَ اسمُه في الموتَى» ثمَّ قرأ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم﴾ يعني: ليلةَ القدرِ، ففي تلك اللَّيلَةِ يُفرَقُ أمرُ الدُّنيا إلى مثلِها مِن قابلٍ»(18).
ـ وعن مجاهدٍ في قولِه تعالى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم﴾ قال: «في ليلة القدرِ كلُّ أمرٍ يكونُ في السَّنةِ إلى السَّنَةِ: الحياةُ والموتُ، يقَدَّرُ فيها المعَايِشُ والمصَائِبُ كُلُّهَا»(19).
فيُكتَبُ من أُمِّ الكِتَابِ في ليلة القدر ما يكون في السَّنةِ من موتٍ وحياةٍ ورزقٍ ومطرٍ حَتَّى الحجَّاجِ يُقالُ: يحُجُّ فُلانٌ ويحجُّ فلان(20).
قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «ولهذا قال ابنُ عبَّاسٍ في قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون﴾ [الجاثية: 29]: «إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ المَلاَئِكَةَ بِأَنْ تَنْسَخَ مِن اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَا كَتَبَهُ مِن القدرِ ويأمُرُ الحَفَظَةَ أن تَكْتُبَ أعمالَ بني آدمَ فتُقَابِلُ بين النُّسْخَتَيْن فتكونَان سَوَاءً»، ثُمَّ يَقول ابنُ عَبَّاسٍ: «أَلَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا؟ وهل تكونُ النُّسْخةُ إلاَّ مَنْ أَصْلٍ؟»(21).
واستنساخُ الملائكةِ من اللَّوح المحفوظ قد صحَّ مرفوعًا من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: «سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالى القلَمُ، فأخَذَهُ بيَمِينِهِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ»، قَالَ: «فَكَتَبَ الدُّنْيَا وَمَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ عَمَلٍ مَعْمُولٍ بِرٍّ أَوْ فُجُورٍ، رَطْبٍ أَوْ يَابِسٍ، فَأَمََْضاهُ عِنْدَهُ فِي الذِّكْرِ»، فَقَالَ: «اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون﴾، فَهَلْ تَكُونُ النُّسْخَةُ إِلاَّ مِنْ شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ»(22).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
4ـ التَّقْدِيرُ الحَوْلِي في ليلةِ القدرِ، يُقَدَّرُ فِيهَا مَا يَكُونُ في السَّنَةِ إلى مثلِها:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم﴾ [الدخان: 3ـ4].
ـ قال الحَسنُ البصرِي: «والله الَّذِي لا إلهَ إِلاَّ هو إِنَّهَا لفي رمضانَ وإنَّهَا لَلَيْلَةُ القدرِ، يُفرَقُ فيها كُلُّ أمرٍ حكيمٍ، فيها يقضِي اللَّهُ تعالى كُلَّ أَجَلٍ وعَمَلٍ ورِزقٍ إلى مثلِها».
ـ وعن ابنِ عبَّاسٍ ـ رضي الله عنهما ـ قال: «إنَّكَ لتَرَى الرَّجُلَ يَمشِي في الأسواقِ وقد وَقَعَ اسمُه في الموتَى» ثمَّ قرأ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم﴾ يعني: ليلةَ القدرِ، ففي تلك اللَّيلَةِ يُفرَقُ أمرُ الدُّنيا إلى مثلِها مِن قابلٍ»(18).
ـ وعن مجاهدٍ في قولِه تعالى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيم﴾ قال: «في ليلة القدرِ كلُّ أمرٍ يكونُ في السَّنةِ إلى السَّنَةِ: الحياةُ والموتُ، يقَدَّرُ فيها المعَايِشُ والمصَائِبُ كُلُّهَا»(19).
فيُكتَبُ من أُمِّ الكِتَابِ في ليلة القدر ما يكون في السَّنةِ من موتٍ وحياةٍ ورزقٍ ومطرٍ حَتَّى الحجَّاجِ يُقالُ: يحُجُّ فُلانٌ ويحجُّ فلان(20).
قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «ولهذا قال ابنُ عبَّاسٍ في قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون﴾ [الجاثية: 29]: «إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ المَلاَئِكَةَ بِأَنْ تَنْسَخَ مِن اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَا كَتَبَهُ مِن القدرِ ويأمُرُ الحَفَظَةَ أن تَكْتُبَ أعمالَ بني آدمَ فتُقَابِلُ بين النُّسْخَتَيْن فتكونَان سَوَاءً»، ثُمَّ يَقول ابنُ عَبَّاسٍ: «أَلَسْتُمْ قَوْمًا عَرَبًا؟ وهل تكونُ النُّسْخةُ إلاَّ مَنْ أَصْلٍ؟»(21).
واستنساخُ الملائكةِ من اللَّوح المحفوظ قد صحَّ مرفوعًا من حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: «سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالى القلَمُ، فأخَذَهُ بيَمِينِهِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ»، قَالَ: «فَكَتَبَ الدُّنْيَا وَمَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ عَمَلٍ مَعْمُولٍ بِرٍّ أَوْ فُجُورٍ، رَطْبٍ أَوْ يَابِسٍ، فَأَمََْضاهُ عِنْدَهُ فِي الذِّكْرِ»، فَقَالَ: «اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون﴾، فَهَلْ تَكُونُ النُّسْخَةُ إِلاَّ مِنْ شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ»(22).
***
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
5ـ التَّقديرُ اليومِي، وهو سَوْقُ المقاديرِ إلى المواقِيتِ الَّتي قُدِّرت لها فيما سبق:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال اللهُ جلَّ وعلا: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْن * فَبِأَيِّ آلاَء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان﴾ [الرحمن: 29 ـ 30].
كُلَّ يومٍ هو في شأنٍ مثلَ أن يُحييَ ويُميتَ، ويُعِزَّ ويُذِلَّ، ويَشفِيَ مريضًا، ويُعطي سائلاً، إلى غير ذلك من أفعاله.
ـ عن مجاهد في قوله جلَّ وعلا: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْن﴾، قال ـ رحمه الله ـ: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ يُجِيبُ دَاعِيًا، وَيَكْشِفُ كَرْبًا، وَيُجِيبُ مُضْطَرًّا، وَيَغْفِرُ ذَنْبًا»(23)، وهذا على التَّمثيل.
ـ وقال الحُسَين بنُ الفَضْل البَجَلي الكوفي ثمَّ النَّيسابوري (ت 282هـ) ـ وكان إمامَ عصره في معاني القرآن ـ: «هُوَ سَوْقُ المقاديرِ إلى المواقِيتِ، فهي شؤون له يُبديها لا شؤون يَبتديها».
وجُملَةُ القولِ:
إنَّ التَّقديرَ اليوميَّ هُوَ إنفاذُ المقدورِ على العبدِ، في الوقت الَّذي سبق في علم الله تعالى الأزلي أن يَنَالَهُ فِيهِ، لا يتقدَّمُه ولا يتأَخَّرُ عنه.
«وهذا التَّقديرُ اليوميُّ تفصيلٌ من التَّقْدير الحولي، والحولي افصيل من التقدير العمري عند تخليق النطفة، والعمري تفصيل من التقدير العمري الأوَّل يومَ الميثاق، وهو تفصيلٌ من التَّقديرِ الأزلي الَّذي خطَّه القلمُ في الإمامِ المُبين»(24).
***
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي: اللَّوح المحفوظ.
(2) صحيح، رواه أبو داود (4700)، وانظر: «ظلال الجنَّة» (102 ـ 107).
(3) رواه معمر بن راشد في «جامعه» (11/111 ـ ملحق بمصنَّف عبد الرَّزَّاق) وابنُ أبي عاصم في «السُّنَّة» (161) بسند صحيح.
(4) صحيح، رواه أحمد في «مسنده» (29/206) (17660)، والحاكم (1/31)، انظر: «الصَّحيحة» (48)، و«أصول السُّنَّة» لابن أبي زَمَنِين (ص252).
(5) البخاري (1359) ومسلم (2658).
(6) مسلم (2865).
(7) رواه الطَّبري (10/554) بسند حسنٍ.
( 8 ) أي: من ذرِّيَّتِه، سُمِّيَ ظَهْرًا لخروجهم منه (السِّندي).
(9) صغار النَّمل.
(10) أي: من غير أن يُولي أمرَه غيرَه.
(11) صحيح؛ أخرجه أحمد (2455)، وابنُ أبي عاصم في «السُّنَّة» (208)، والنَّسائي في «الكبرى» (11191)، وانظر الصحيحة (1623).
(12) أي الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ فقد رجَّح فيه الوقف وقال: إنَّه أكثر وأثبت.
(13) نقله عنه الشَّيخُ عبد العزيز الرَّاجحي كما في «شرحه على الطَّحاوية» (1/347).
(14) نقله عنه ابنُ عطيَّة في «المُحرَّر الوجيز» (2/475).
(15) البخاري (3208)، ومسلم (2643) واللَّفظُ له.
(16) وهو ما يكون منه خَلقُ الإنسان؛ لأنَّه جاء في «صحيح مسلم» (1438): «مَا مِنْ كُلِّ المَنِيِّ يَكُونُ الوَلَدُ».
(17) «جامع العلوم والحكم» (1/173).
(18) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (2/448 ـ 449) بسندٍ صحيحٍ.
(19) أخرجه الطَّبري (21/8) بسندٍ صحيحٍ.
(20) رُوِيَ عن غيرِ واحِدٍ من السَّلفِ كما قال الحافظُ ابنُ كثير في «تفسيره» (7/246).
(21) «المجموع» (12/387)، وأثرُ ابنِ عبَّاسٍ أخرجه الطَّبري بأسانيد يُقوِّي بعضُها بعضًا.
(22) صحيح، أخرجه الآجُرِّي في «الشَّريعة» (339)، انظر «الصَّحيحة» (3136).
(23) أخرجه الطَّبري (22/213) بسندٍ صحيحٍ.
(24) «معارج القبول» (3/939).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
5ـ التَّقديرُ اليومِي، وهو سَوْقُ المقاديرِ إلى المواقِيتِ الَّتي قُدِّرت لها فيما سبق:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال اللهُ جلَّ وعلا: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْن * فَبِأَيِّ آلاَء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان﴾ [الرحمن: 29 ـ 30].
كُلَّ يومٍ هو في شأنٍ مثلَ أن يُحييَ ويُميتَ، ويُعِزَّ ويُذِلَّ، ويَشفِيَ مريضًا، ويُعطي سائلاً، إلى غير ذلك من أفعاله.
ـ عن مجاهد في قوله جلَّ وعلا: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْن﴾، قال ـ رحمه الله ـ: «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ يُجِيبُ دَاعِيًا، وَيَكْشِفُ كَرْبًا، وَيُجِيبُ مُضْطَرًّا، وَيَغْفِرُ ذَنْبًا»(23)، وهذا على التَّمثيل.
ـ وقال الحُسَين بنُ الفَضْل البَجَلي الكوفي ثمَّ النَّيسابوري (ت 282هـ) ـ وكان إمامَ عصره في معاني القرآن ـ: «هُوَ سَوْقُ المقاديرِ إلى المواقِيتِ، فهي شؤون له يُبديها لا شؤون يَبتديها».
وجُملَةُ القولِ:
إنَّ التَّقديرَ اليوميَّ هُوَ إنفاذُ المقدورِ على العبدِ، في الوقت الَّذي سبق في علم الله تعالى الأزلي أن يَنَالَهُ فِيهِ، لا يتقدَّمُه ولا يتأَخَّرُ عنه.
«وهذا التَّقديرُ اليوميُّ تفصيلٌ من التَّقْدير الحولي، والحولي افصيل من التقدير العمري عند تخليق النطفة، والعمري تفصيل من التقدير العمري الأوَّل يومَ الميثاق، وهو تفصيلٌ من التَّقديرِ الأزلي الَّذي خطَّه القلمُ في الإمامِ المُبين»(24).
***
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي: اللَّوح المحفوظ.
(2) صحيح، رواه أبو داود (4700)، وانظر: «ظلال الجنَّة» (102 ـ 107).
(3) رواه معمر بن راشد في «جامعه» (11/111 ـ ملحق بمصنَّف عبد الرَّزَّاق) وابنُ أبي عاصم في «السُّنَّة» (161) بسند صحيح.
(4) صحيح، رواه أحمد في «مسنده» (29/206) (17660)، والحاكم (1/31)، انظر: «الصَّحيحة» (48)، و«أصول السُّنَّة» لابن أبي زَمَنِين (ص252).
(5) البخاري (1359) ومسلم (2658).
(6) مسلم (2865).
(7) رواه الطَّبري (10/554) بسند حسنٍ.
( 8 ) أي: من ذرِّيَّتِه، سُمِّيَ ظَهْرًا لخروجهم منه (السِّندي).
(9) صغار النَّمل.
(10) أي: من غير أن يُولي أمرَه غيرَه.
(11) صحيح؛ أخرجه أحمد (2455)، وابنُ أبي عاصم في «السُّنَّة» (208)، والنَّسائي في «الكبرى» (11191)، وانظر الصحيحة (1623).
(12) أي الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ فقد رجَّح فيه الوقف وقال: إنَّه أكثر وأثبت.
(13) نقله عنه الشَّيخُ عبد العزيز الرَّاجحي كما في «شرحه على الطَّحاوية» (1/347).
(14) نقله عنه ابنُ عطيَّة في «المُحرَّر الوجيز» (2/475).
(15) البخاري (3208)، ومسلم (2643) واللَّفظُ له.
(16) وهو ما يكون منه خَلقُ الإنسان؛ لأنَّه جاء في «صحيح مسلم» (1438): «مَا مِنْ كُلِّ المَنِيِّ يَكُونُ الوَلَدُ».
(17) «جامع العلوم والحكم» (1/173).
(18) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (2/448 ـ 449) بسندٍ صحيحٍ.
(19) أخرجه الطَّبري (21/8) بسندٍ صحيحٍ.
(20) رُوِيَ عن غيرِ واحِدٍ من السَّلفِ كما قال الحافظُ ابنُ كثير في «تفسيره» (7/246).
(21) «المجموع» (12/387)، وأثرُ ابنِ عبَّاسٍ أخرجه الطَّبري بأسانيد يُقوِّي بعضُها بعضًا.
(22) صحيح، أخرجه الآجُرِّي في «الشَّريعة» (339)، انظر «الصَّحيحة» (3136).
(23) أخرجه الطَّبري (22/213) بسندٍ صحيحٍ.
(24) «معارج القبول» (3/939).
التقديرات الخمسة ـ عثمان عيسي.pdf
3.8 MB
التقديرات الخمسة ـ عثمان عيسي
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال ابن عثيمين رحمه الله:
«ينبغي على كلِّ داعيةٍ إلى الخَير أن يُقابل النَّاسَ باللِّين وبيانِ الحقِّ، وأن يصبرَ على ما يجدُ مِن جفوةٍ» [«مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين» (٧/ ٣٦٨)]
📌قال ابن عثيمين رحمه الله:
«ينبغي على كلِّ داعيةٍ إلى الخَير أن يُقابل النَّاسَ باللِّين وبيانِ الحقِّ، وأن يصبرَ على ما يجدُ مِن جفوةٍ» [«مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين» (٧/ ٣٦٨)]
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 دين الآباء والأجداد
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (42) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
💢 دين الآباء والأجداد
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (42) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 دين الآباء والأجداد
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (42) من #مجلة_الإصلاح
نسخة بدف:
👇👇👇
من الأصول المسلَّمة أنَّ مصدر التَّشريع هو الوحي الكتاب والسُّنَّة؛ وعليه فإنَّ كلَّ تشريع مِن غير هذَيْن الأصلين فهو مردودٌ على صاحبه وباطلٌ لا يُلتَفت إليه؛ وابتغاءُ الهداية في غيرهما ضلالٌ وانتكاس؛ وممَّا لا ينقضي منه العَجب أن يأتي اليوم مَن يُريد إقناعنا بأنَّ من الدِّين الَّذي يتحتَّم علينا التزامُه ما نرثه عن الآباء والأجداد من الأفعال والأقوال والعادات والتَّقاليد ولو كانت مباينةً للكتاب العزيز، ومناقضةً للسُّنَّة الصَّحيحة، باسم الحفاظ على المرجعيَّة الدِّينيَّة.
والعاقلُ الحصيفُ يُدرك بأدنى تأمُّل أنَّ هذا التَّنظير غير سليم؛ بل هو شبيهٌ بمقولةٍ حاربها القرآن أشدَّ المحاربة وهي قولة الجاهليِّين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ [البقرة:170]، وقال: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُون﴾ [الزُّخرُف:22].
فبالتَّالي؛ ليس كلُّ موروث عن الآباء والأجداد يكون موافقًا للشَّرع، ويجوز التزامُه والعملُ به؛ فضلًا عن وجوبه؛ ذلك لأنَّ أسبابًا كثيرةً عبر هذه العصور المتطاولة من تاريخنا ـ كتفشِّي الجهل وقلَّة العُلماء، وتسلُّط المتأكِّلين بالدِّين من أصحاب الطُّرق، وبقَايا من عقائد الفاطميِّين الشِّيعة، والاستعمار الغاشم، ونحو ذلك من الأسباب ـ كانت كفيلةً بأن يتسرَّب إلى الدِّين ما ليس منه، وأن تلتَبس بعضُ حقائقِه؛ فالجادَّةُ أن تُعرَض الموروثات على الوحي؛ فما أقرَّه حُفظ ورُوعي، وما خالفه طُرح ونُسي؛ ويُترحَّم على مَن مضى من أهل الإيمان ويُستَغفر لهم، وتُحفظ كرامتُهم.
ولهذا دأبَ المصلحون على عدم مجاراة الآباء والمشايخ في كلِّ ما ورد عنهم، وإيثار الحقِّ على الخلقِ، وصونِ الدِّين من الزِّيادة والنَّقصِ، بإحياء السُّنن ومُحاربة البدع، ومن هؤلاء الفُحول علماء جمعيَّة العلماء أيَّام ابن باديس والعُقبي رحمهم الله؛ الَّذين أبلوا بلاءً حسنًا في الذَّود عن حياض الشَّريعة؛ ونبذ البدَع الشَّنيعة والأباطيل الموروثة، ونشر السُّنَّة الصَّحيحة؛ حفظًا لمرجعيَّة الأمَّة الدِّينيَّة، وسبيلًا لإصلاحها وتوحيدِها، ووسليةً لاستقرِارها الاجتماعي والفِكري.
وأمَّا مَن ظنَّ أنَّه برعاية البدع المنكَرة، والعادات المخالفة الموروثة عن الآباء والأجداد تتحقِّقُ الوحدةُ والاستقرارُ، فقَد ظنَّ سوءًا وطلبَ مُحالاً؛ ومسَّ الإسلامَ بقُرحة التَّحريف، وعلَّة التَّزييف؛ وحمَايةُ العِلل والقُروح تعجيلٌ بالهَلاك.
إنَّ شعارَ المُصلحين في الجزائر وغيرها قول الإمام مالك ـ رحمه الله ـ: «ما لم يكن يومئذٍ دينًا، فلن يكون اليوم دينًا»، وعلى أساس هذه الكلمة الجامعة يجبُ أن تُبنى أركانُ مرجعيَّتِنا الدِّينيَّة، وتُنسَجَ حبالُها؛ وإلَّا فعَلى أمَّتِنا السَّلام...
فاللَّهمَّ اهدِ قلوبنا وألهمنَا رُشدَنا، وسدِّد أقوالَنا وأعمالَنا.
💢 دين الآباء والأجداد
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (42) من #مجلة_الإصلاح
نسخة بدف:
👇👇👇
من الأصول المسلَّمة أنَّ مصدر التَّشريع هو الوحي الكتاب والسُّنَّة؛ وعليه فإنَّ كلَّ تشريع مِن غير هذَيْن الأصلين فهو مردودٌ على صاحبه وباطلٌ لا يُلتَفت إليه؛ وابتغاءُ الهداية في غيرهما ضلالٌ وانتكاس؛ وممَّا لا ينقضي منه العَجب أن يأتي اليوم مَن يُريد إقناعنا بأنَّ من الدِّين الَّذي يتحتَّم علينا التزامُه ما نرثه عن الآباء والأجداد من الأفعال والأقوال والعادات والتَّقاليد ولو كانت مباينةً للكتاب العزيز، ومناقضةً للسُّنَّة الصَّحيحة، باسم الحفاظ على المرجعيَّة الدِّينيَّة.
والعاقلُ الحصيفُ يُدرك بأدنى تأمُّل أنَّ هذا التَّنظير غير سليم؛ بل هو شبيهٌ بمقولةٍ حاربها القرآن أشدَّ المحاربة وهي قولة الجاهليِّين، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ [البقرة:170]، وقال: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُون﴾ [الزُّخرُف:22].
فبالتَّالي؛ ليس كلُّ موروث عن الآباء والأجداد يكون موافقًا للشَّرع، ويجوز التزامُه والعملُ به؛ فضلًا عن وجوبه؛ ذلك لأنَّ أسبابًا كثيرةً عبر هذه العصور المتطاولة من تاريخنا ـ كتفشِّي الجهل وقلَّة العُلماء، وتسلُّط المتأكِّلين بالدِّين من أصحاب الطُّرق، وبقَايا من عقائد الفاطميِّين الشِّيعة، والاستعمار الغاشم، ونحو ذلك من الأسباب ـ كانت كفيلةً بأن يتسرَّب إلى الدِّين ما ليس منه، وأن تلتَبس بعضُ حقائقِه؛ فالجادَّةُ أن تُعرَض الموروثات على الوحي؛ فما أقرَّه حُفظ ورُوعي، وما خالفه طُرح ونُسي؛ ويُترحَّم على مَن مضى من أهل الإيمان ويُستَغفر لهم، وتُحفظ كرامتُهم.
ولهذا دأبَ المصلحون على عدم مجاراة الآباء والمشايخ في كلِّ ما ورد عنهم، وإيثار الحقِّ على الخلقِ، وصونِ الدِّين من الزِّيادة والنَّقصِ، بإحياء السُّنن ومُحاربة البدع، ومن هؤلاء الفُحول علماء جمعيَّة العلماء أيَّام ابن باديس والعُقبي رحمهم الله؛ الَّذين أبلوا بلاءً حسنًا في الذَّود عن حياض الشَّريعة؛ ونبذ البدَع الشَّنيعة والأباطيل الموروثة، ونشر السُّنَّة الصَّحيحة؛ حفظًا لمرجعيَّة الأمَّة الدِّينيَّة، وسبيلًا لإصلاحها وتوحيدِها، ووسليةً لاستقرِارها الاجتماعي والفِكري.
وأمَّا مَن ظنَّ أنَّه برعاية البدع المنكَرة، والعادات المخالفة الموروثة عن الآباء والأجداد تتحقِّقُ الوحدةُ والاستقرارُ، فقَد ظنَّ سوءًا وطلبَ مُحالاً؛ ومسَّ الإسلامَ بقُرحة التَّحريف، وعلَّة التَّزييف؛ وحمَايةُ العِلل والقُروح تعجيلٌ بالهَلاك.
إنَّ شعارَ المُصلحين في الجزائر وغيرها قول الإمام مالك ـ رحمه الله ـ: «ما لم يكن يومئذٍ دينًا، فلن يكون اليوم دينًا»، وعلى أساس هذه الكلمة الجامعة يجبُ أن تُبنى أركانُ مرجعيَّتِنا الدِّينيَّة، وتُنسَجَ حبالُها؛ وإلَّا فعَلى أمَّتِنا السَّلام...
فاللَّهمَّ اهدِ قلوبنا وألهمنَا رُشدَنا، وسدِّد أقوالَنا وأعمالَنا.
دين_الآباء_والأجداد_ـ_توفيق_عمروني.pdf
1.4 MB
دين الآباء والأجداد ـ توفيق عمروني
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال ابن عثيمين رحمه الله:
«والأمنُ مع الرِّزق الواسِع هُما غايةُ النِّعمة في هذه الحياة»
[«تفسير سورة الشعراء» (ص٢٤٢)]
📌قال ابن عثيمين رحمه الله:
«والأمنُ مع الرِّزق الواسِع هُما غايةُ النِّعمة في هذه الحياة»
[«تفسير سورة الشعراء» (ص٢٤٢)]
Audio
✳️ عنوان الخطبة: الأمن والإيمان
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 16 صفر 1448 ـ 31 جويلية 2026
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 16 صفر 1448 ـ 31 جويلية 2026
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌 قال ابن باديس رحمه الله:
«حقٌّ على أهل الدَّعوة إلى الله ـ وخصُوصًا المُعلِّمين ـ أن يُقاومُوا ما بيَّنا مِن جهلٍ وجمودٍ وإعراضٍ وفتورٍ بالتزام: البيانِ للحقَائق العلميَّة بأدلَّتِها، والعقائد ببراهينِها، والأخلاقِ بمحاسنِها، والأعمالِ بمصالِحها» [«آثار ابن باديس» (١/ ١٨٥)]
📌 قال ابن باديس رحمه الله:
«حقٌّ على أهل الدَّعوة إلى الله ـ وخصُوصًا المُعلِّمين ـ أن يُقاومُوا ما بيَّنا مِن جهلٍ وجمودٍ وإعراضٍ وفتورٍ بالتزام: البيانِ للحقَائق العلميَّة بأدلَّتِها، والعقائد ببراهينِها، والأخلاقِ بمحاسنِها، والأعمالِ بمصالِحها» [«آثار ابن باديس» (١/ ١٨٥)]
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال ابن القيِّم رحمه الله:
«مَن فارقَ الدَّليلَ، ضَلَّ عَن سَواء السَّبيل، ولا دليلَ إلى الله والجنَّة، سِوى الكتَاب والسُّنَّة، وكلُّ طريقٍ لم يصْحَبْها دليلُ القُرآن والسُّنَّة فهيَ مِن طُرُق الجحِيم، والشَّيطانِ الرَّجيم» [«مدارج السالكين» (٢/ ٤٣٩)]
📌قال ابن القيِّم رحمه الله:
«مَن فارقَ الدَّليلَ، ضَلَّ عَن سَواء السَّبيل، ولا دليلَ إلى الله والجنَّة، سِوى الكتَاب والسُّنَّة، وكلُّ طريقٍ لم يصْحَبْها دليلُ القُرآن والسُّنَّة فهيَ مِن طُرُق الجحِيم، والشَّيطانِ الرَّجيم» [«مدارج السالكين» (٢/ ٤٣٩)]
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 ري الظمآن بذكر أشربة القرآن
💢 د/خالد حمودة
💢 منشور في العدد (43) من #مجلة_الإصلاح
رابط نسخة بدف:
👇👇👇
💢 ري الظمآن بذكر أشربة القرآن
💢 د/خالد حمودة
💢 منشور في العدد (43) من #مجلة_الإصلاح
رابط نسخة بدف:
👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 ري الظمآن بذكر أشربة القرآن
💢 د/خالد حمودة
💢 منشور في العدد (43) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُم﴾ [محمد: 15]
ذكَرَ اللهُ تعالى في هذه الآيةِ أربعةَ أنواعٍ من الأشربةِ، ووصفَ كلَّ نوعٍ بوصف:
* فبدأ بالماء؛ لأنَّه أصلُ كلِّ شيءٍ، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُون﴾ [الأنبياء: 30]، ولهذا كانت الحاجةُ إليه أَكثَرَ والنَّفعُ به أعظمَ، وقد أجرى اللهُ عادَتَه ـ بحكمته ـ أنَّه كلَّما كانت الحاجةُ إلى الشَّيء أشدَّ كان وجودُه في أيدي النَّاس أكثرَ وأوفرَ.
ووصفه بأنَّه غيرُ آسِنٍ ـ وهو خاصٌّ بماء الجنَّة ـ، أي ليس مُتَغيِّرَ الرِّيحِ بسبب كونِه مُتحجِّرًا ثابتًا في مكانه فتَرِدُ عليه الآفاتُ ويُغيِّرُه طولُ المُكث، بل هو مُتجدِّدٌ يَنبُعُ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ.
وفيه خاصِّيَّةٌ أخرى تَفْصِلُهُ عن غيره من الأشربة، وهي أنَّه لا يحتاج النَّاسُ في الحصول إليه إلى معالجة، بل هو من الله ابتداءً نازلاً من السَّماء ونابعًا من الأرض، يرتَفِقُ به النَّاسُ ويشرَبونه على هيئتِه الَّتي يجدونه عليها.
***
* ثمَّ ثنَّى باللَّبن؛ لأنَّه يلي الماءَ في كثرةِ وجوده والحاجةِ إليه، وقال أبو حيَّان: «لأنَّه يَجرِي مَجرَى الطُّعوم في كثيرٍ من أَقْواتِ العرب وغيرِهم»(1).
وهو يُفارِقُ الماءَ في كون الحصول عليه يَتوقَّفُ على مُعالَجةٍ، لكنَّها مُعالجةٌ يسيرةٌ بالحلب فقط، لا تزيد على ذلك.
ووصفه بأنَّه لم يتغيَّرْ طعمُه، وذلك لوجهين:
ـ أحدهما: أنَّ اللَّبنَ الَّذي يُحلَبُ من الضُّروع يَتغيَّر بسبب الحَلْب، بخلاف لبَنِ الجنَّةِ؛ فإنَّ اللهَ خَلَقَه في الأنهار ابتداءً لا يتطرَّقُ إليه تغيُّرٌ، ولهذا قال عكرمة: «لم يتغيَّر طعمه: لم يُحْلَبْ»(2).
ـ والثَّاني: أنَّه لمَّا كان طعمُ اللَّبن فيما عَهِدَ النَّاسُ غيرَ مُتفاوِتٍ باعتبار آحاد الأنعام بل باعتبار أجناسِها؛ فلَبَنُ الإبلِ غيرُ لَبَنِ المَعْزِ، وهما غيرُ لبن الضَّأن، وكلُّها سائغةٌ لذيذةٌ، وإنَّما يَعرِضُ لها التَّغيُّرُ بعدَ الحلبِ بالحموضة ونحوِها، وصَفَه بأنَّه لم يتغيَّرْ طعمُه فهو على طعمِه حين يُحلَبُ أبدًا.
***
* ثمَّ ثلَّثَ بالخمر لمَّا كانت تحتاجُ من المعالجة والانتظار إلى أكثر ممَّا يُحتاجُ إليه في تحصيل اللَّبن، والحاجة إليها أيضًا أقلُّ؛ إذ هي إنَّما تُرَادُ للتَّفكُّه والتَّلذُّذ، وقال أبو حيَّان: «لأنَّه إذا حصل الرِّيُّ والمطعوم تشوَّقت النَّفسُ إلى ما تَلْتذُّ به»(3).
لكن لمَّا كانت تتفاوَتُ في اللَّذةِ ومنها ما ليس بجيِّدٍ ولا لذيذٍ؛ نفى اللهُ هذه الآفةَ عن خمرِ الجنَّة بقوله: ﴿لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾.
وعدَلَ عن وصفِها بالصِّفة المُشبَّهةِ ـ لذيذ ـ إلى وصفِها بالمصدر تحقيقًا لكمال لذَّتها وبلوغِها الغايةَ في ذلك، وفيها وجهٌ آخر: أن تكون (لذَّةً) تأنيث (لذيذ) فقد ذكروه، والأوَّل أَجْوَد.
ثمَّ أسندها للشَّاربين ليفيد أنَّ حظَّهم منها هو اللَّذة فقط، وفي ضمن ذلك نفى ما يَعرِضُ لشاربي خمرِ الدُّنيا من الصُّدَاع والقَيْءِ واغتيالِ العقول: بل هي للتَّلذُّذ الخالص(4)، وأبدى الرَّازي وجهًا آخرَ فقال: «قال في الخمر: ﴿لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ ولم يقُلْ في اللَّبن: لم يتَغَيَّرْ طعمُه للطَّاعمين، ولا قال في العسل: مُصفَّى للنَّاظرين؛ لأنَّ اللَّذةَ تَختَلِفُ باختلاف الأشخاص، فرُبَّ طعامٍ يلتذُّ به شخصٌ ويَعافُه الآخر، فقال: ﴿لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ بأسرِهم، ولأنَّ الخمرَ كريهةُ الطَّعم فقال: ﴿لذَّة﴾ أي لا يكون في خمرِ الآخرة كراهةُ الطَّعم، وأمَّا الطَّعمُ واللَّونُ فلا يَختلِفَان باختلاف النَّاس؛ فإنَّ الحلوَ والحامضَ وغيرَهما يُدرِكُه كلُّ أحدٍ كذلك، لكنَّه قد يَعافُه بعضُ النَّاس ويلتذُّ به البعضُ مع اتِّفاقهم على أنَّ له طعمًا واحدًا، وكذلك اللَّون فلم يكن إلى التَّصريح بالتَّعميم حاجة»(5).
***
* ثمَّ ختمَ بالعسل إذ هو أعزُّ الأربعة وأقلُّها وجودًا وأشدُّها عند الطَّلب معالجةً، وقال أبو حيَّان: «لأنَّ فيه الشِّفاءَ في الدُّنيا ممَّا يَعرِضُ من المشروب والمطعوم، فهو مُتأخِّرٌ في الهيئة»(6).
ولمَّا كان منه المُصفَّى والمَشُوب، والخَالِصُ والمخلوطُ، وصَفَ الرَّبُّ الرَّحيمُ المنَّانُ عَسَلَ الجنَّةِ بأنَّه مُصفًّى.
***
💢 ري الظمآن بذكر أشربة القرآن
💢 د/خالد حمودة
💢 منشور في العدد (43) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُم﴾ [محمد: 15]
ذكَرَ اللهُ تعالى في هذه الآيةِ أربعةَ أنواعٍ من الأشربةِ، ووصفَ كلَّ نوعٍ بوصف:
* فبدأ بالماء؛ لأنَّه أصلُ كلِّ شيءٍ، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُون﴾ [الأنبياء: 30]، ولهذا كانت الحاجةُ إليه أَكثَرَ والنَّفعُ به أعظمَ، وقد أجرى اللهُ عادَتَه ـ بحكمته ـ أنَّه كلَّما كانت الحاجةُ إلى الشَّيء أشدَّ كان وجودُه في أيدي النَّاس أكثرَ وأوفرَ.
ووصفه بأنَّه غيرُ آسِنٍ ـ وهو خاصٌّ بماء الجنَّة ـ، أي ليس مُتَغيِّرَ الرِّيحِ بسبب كونِه مُتحجِّرًا ثابتًا في مكانه فتَرِدُ عليه الآفاتُ ويُغيِّرُه طولُ المُكث، بل هو مُتجدِّدٌ يَنبُعُ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ.
وفيه خاصِّيَّةٌ أخرى تَفْصِلُهُ عن غيره من الأشربة، وهي أنَّه لا يحتاج النَّاسُ في الحصول إليه إلى معالجة، بل هو من الله ابتداءً نازلاً من السَّماء ونابعًا من الأرض، يرتَفِقُ به النَّاسُ ويشرَبونه على هيئتِه الَّتي يجدونه عليها.
***
* ثمَّ ثنَّى باللَّبن؛ لأنَّه يلي الماءَ في كثرةِ وجوده والحاجةِ إليه، وقال أبو حيَّان: «لأنَّه يَجرِي مَجرَى الطُّعوم في كثيرٍ من أَقْواتِ العرب وغيرِهم»(1).
وهو يُفارِقُ الماءَ في كون الحصول عليه يَتوقَّفُ على مُعالَجةٍ، لكنَّها مُعالجةٌ يسيرةٌ بالحلب فقط، لا تزيد على ذلك.
ووصفه بأنَّه لم يتغيَّرْ طعمُه، وذلك لوجهين:
ـ أحدهما: أنَّ اللَّبنَ الَّذي يُحلَبُ من الضُّروع يَتغيَّر بسبب الحَلْب، بخلاف لبَنِ الجنَّةِ؛ فإنَّ اللهَ خَلَقَه في الأنهار ابتداءً لا يتطرَّقُ إليه تغيُّرٌ، ولهذا قال عكرمة: «لم يتغيَّر طعمه: لم يُحْلَبْ»(2).
ـ والثَّاني: أنَّه لمَّا كان طعمُ اللَّبن فيما عَهِدَ النَّاسُ غيرَ مُتفاوِتٍ باعتبار آحاد الأنعام بل باعتبار أجناسِها؛ فلَبَنُ الإبلِ غيرُ لَبَنِ المَعْزِ، وهما غيرُ لبن الضَّأن، وكلُّها سائغةٌ لذيذةٌ، وإنَّما يَعرِضُ لها التَّغيُّرُ بعدَ الحلبِ بالحموضة ونحوِها، وصَفَه بأنَّه لم يتغيَّرْ طعمُه فهو على طعمِه حين يُحلَبُ أبدًا.
***
* ثمَّ ثلَّثَ بالخمر لمَّا كانت تحتاجُ من المعالجة والانتظار إلى أكثر ممَّا يُحتاجُ إليه في تحصيل اللَّبن، والحاجة إليها أيضًا أقلُّ؛ إذ هي إنَّما تُرَادُ للتَّفكُّه والتَّلذُّذ، وقال أبو حيَّان: «لأنَّه إذا حصل الرِّيُّ والمطعوم تشوَّقت النَّفسُ إلى ما تَلْتذُّ به»(3).
لكن لمَّا كانت تتفاوَتُ في اللَّذةِ ومنها ما ليس بجيِّدٍ ولا لذيذٍ؛ نفى اللهُ هذه الآفةَ عن خمرِ الجنَّة بقوله: ﴿لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾.
وعدَلَ عن وصفِها بالصِّفة المُشبَّهةِ ـ لذيذ ـ إلى وصفِها بالمصدر تحقيقًا لكمال لذَّتها وبلوغِها الغايةَ في ذلك، وفيها وجهٌ آخر: أن تكون (لذَّةً) تأنيث (لذيذ) فقد ذكروه، والأوَّل أَجْوَد.
ثمَّ أسندها للشَّاربين ليفيد أنَّ حظَّهم منها هو اللَّذة فقط، وفي ضمن ذلك نفى ما يَعرِضُ لشاربي خمرِ الدُّنيا من الصُّدَاع والقَيْءِ واغتيالِ العقول: بل هي للتَّلذُّذ الخالص(4)، وأبدى الرَّازي وجهًا آخرَ فقال: «قال في الخمر: ﴿لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ ولم يقُلْ في اللَّبن: لم يتَغَيَّرْ طعمُه للطَّاعمين، ولا قال في العسل: مُصفَّى للنَّاظرين؛ لأنَّ اللَّذةَ تَختَلِفُ باختلاف الأشخاص، فرُبَّ طعامٍ يلتذُّ به شخصٌ ويَعافُه الآخر، فقال: ﴿لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ ﴾ بأسرِهم، ولأنَّ الخمرَ كريهةُ الطَّعم فقال: ﴿لذَّة﴾ أي لا يكون في خمرِ الآخرة كراهةُ الطَّعم، وأمَّا الطَّعمُ واللَّونُ فلا يَختلِفَان باختلاف النَّاس؛ فإنَّ الحلوَ والحامضَ وغيرَهما يُدرِكُه كلُّ أحدٍ كذلك، لكنَّه قد يَعافُه بعضُ النَّاس ويلتذُّ به البعضُ مع اتِّفاقهم على أنَّ له طعمًا واحدًا، وكذلك اللَّون فلم يكن إلى التَّصريح بالتَّعميم حاجة»(5).
***
* ثمَّ ختمَ بالعسل إذ هو أعزُّ الأربعة وأقلُّها وجودًا وأشدُّها عند الطَّلب معالجةً، وقال أبو حيَّان: «لأنَّ فيه الشِّفاءَ في الدُّنيا ممَّا يَعرِضُ من المشروب والمطعوم، فهو مُتأخِّرٌ في الهيئة»(6).
ولمَّا كان منه المُصفَّى والمَشُوب، والخَالِصُ والمخلوطُ، وصَفَ الرَّبُّ الرَّحيمُ المنَّانُ عَسَلَ الجنَّةِ بأنَّه مُصفًّى.
***
وساوى بين الأربعة في كونِها أنهارًا إشارةً إلى أنَّ العزيزَ النَّادرَ والقليلَ الغائرَ يَستَوِي في توفيره على أهل الجنَّةِ مع الممنون الكاثر.
***
فهذه الأربعةُ هي أصول أَشرِبَةِ النَّاسِ؛ بل عليها يدورون، وكما أنَّ اللهَ تعالى امتنَّ بها على أهل الجنَّة فقد امتنَّ بها على أهل الدُّنيا أيضًا، فذكرها سبحانه كلَّها في سورة النِّعمِ، سورةِ النَّحل، ومن بديع سرِّ القرآن أنَّها وردت في سياق الامتنان بها على أهل الدُّنيا على نَسَقِ ترتيب ورودها في سياق المنَّة على أهل الجنَّة: الماءُ ثمَّ اللَّبن ثمَّ الخمر ثمَّ العسل، لكن اقترن معها من الوصف ما يُناسِبُ حالَ أهلِ الدُّنيا، كما أنَّها وُصِفَتْ فيما سبق بما يُنَاسِبُ حالَ أهلِ الجنَّة.
قال الله تعالى: ﴿وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُون﴾ [النحل: 65]، فذكر الماءَ وإنزالَه من السَّماء، وما في ذلك من الآية الدَّالَّةِ على قُدرَةِ الله تعالى ورحمتِه ومِنَّتِه، وعلى إمكان البعث أيضًا.
ثمَّ قال: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِين﴾ [النحل: 66]، فذكر اللَّبنَ وما فيه من الآية والعبرةِ، وهي خروجُه من بين فَرْثِ الأنعام ودِمائِها خَالِصًا سائغًا.
ثمَّ قال: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون﴾ [النحل: 67]، مُنَبِّهًا إلى الخمرِ المُتَّخَذِ من أنواع الفاكهة اللَّذيذةِ، وما في ذلك من الآية، ـ وهذا قبل تحريمها ـ، ويلتحق بالخمر أنواعُ الأَنبِذَةِ والعصَائِرِ الَّتي يتَّخذِهُا النَّاسُ كَلَّها ممَّا ليس بمُسكِرٍ.
ثمَّ ذكرَ العسلَ آخِرًا فقال ـ عز وجل ـ: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُون* ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ [النحل: 68 ـ 69]، ونبَّه إلى أنَّ ما تَعمَلُه النَّحلُ فهو بأمرِ الله وإيحائِه وهذه أوَّلُ مراتبِ المِنَّةِ، ثمَّ تنوَّع مسارحها ما بين الجبال والبيوت ليتنوَّعَ عسَلُها وتختَلِفَ أنواعُه، فيتعدَّدَ نفعُه وتكثُرَ فائدِتُه، وهي مِنَّةٌ أخرى، ثمَّ خروجُه من حيثُ لا يقدرون على إخراجه بالمعالجة، وهو بطونها، وختم بالإشارة إلى العبرة في ذلك.
واقترن ذكرُ الأنواعِ الأربعةِ من الأشربةِ بالتَّنبيه على أخذِ الاعتبار منها للإشارةِ إلى أنَّ نِعمَ الدُّنيا تُرادُ للاستمتاع وللاعتبار، بخلاف نِعَمِ الجنَّةِ فليسَتْ إلاَّ للتَّمتُّع بها، فلذلك لم يَذكُرِ اللهُ في مشارِبها وأنهارِها ما ذكر في مشارب الدُّنيا.
لكن يبقى النَّظر في مناسبة كلِّ معتبِرٍ من هذه الأنواع لما وُصِفَ به.
فوَصَفَ المُعتَبِرِين من إنزال الماءِ بأنَّهم قومٌ يسمعون، وسرُّ ذلك ـ والله أعلم ـ كثرةُ مُعايَنَةِ النَّاسِ للماءِ ومُشاهدَتِهم له ولنزولِه، فإِلْفُهم لذلك قد يُذهِلُهم عن الاعتبار كما هو مشاهَدٌ في نظائِرِ ذلك من الآيات، ولذلك فاعتبارهم بإنزال الماء بعد أن يَستَمِعُوا للوحي فيأخذوا منه التَّذكيرَ بتلك العِبْرَةِ، وعَكَسَ ابنُ عطيَّةَ فقال: «قوله: ﴿يَسْمَعُون﴾ يدلُّ على ظهور هذا المُعتَبَرِ فيه وبيانه، لأنَّه لا يحتاج إلى تفكُّرٍ ولا نَظَرِ قلب، وإنَّما يحتاج المنبَّه إلى أن يسمع القول فقط»(7).
وعمَّ المُخاطَبين في الاعتبار باللَّبن فقال: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أي جميعًا، لظهور المنَّة الجليلة في هذه النِّعمة السَّهلة القريبةِ.
وذكر العقلَ في السَّكَرِ؛ لأنَّ في الاعتبار به شيئًا من الخفاءِ الَّذي يحتاجُ إلى أن يُستَخْرَجَ، وهو أنَّ لله تعالى مِنَنًا تُستَعمَلُ مُفرَدةً ولها مَنافِعُها، ومنها نِعَمٌ تنشَأُ من التَّركيب بين نِعمَتَيْن، فالمُزاوَجةُ بين الماءِ والفاكهةِ تُنتِجُ خمرًا، وهو شيءٌ ثالثٌ غيرُهما، وله من الفائدة ما ليس لهما، فسبحان واهِبِ العقول ومانِحِ النِّعَمِ المُفرَدَةِ والمُركَّبَةِ، «وناسب ذكر العقل ههنا؛ فإنَّه أَشْرَفُ ما في الإنسان، ولهذا حرَّمَ اللهُ على هذه الأمَّةِ الأشربةَ المُسكِرَةَ صيانةً لعقولها»( 8 ).
ورُبَّما يكون من سرِّ ذلك أيضًا أنَّ عملَ السُّكر يحتاج إلى إعمال العقلِ وتصريفِ الفكر، بخلاف تحصيل الماء واللَّبن.
فأمَّا العسل فوُصِفُوا فيه بالتَّفكُّر لِمَا أُشِير إليه من أنَّ المنَّة فيه طبقاتٌ: الإيحاءُ ثمَّ التَّنويعُ ثمَّ الإخراجُ ثمَّ الشِّفاءُ وغيرُه من الآراب، فللفكرة في شأنه مجالٌ، وللمُتفكِّرين في شأنِه مَراتِبُ وأحوالٌ.
***
فهذه الأربعةُ هي أصول أَشرِبَةِ النَّاسِ؛ بل عليها يدورون، وكما أنَّ اللهَ تعالى امتنَّ بها على أهل الجنَّة فقد امتنَّ بها على أهل الدُّنيا أيضًا، فذكرها سبحانه كلَّها في سورة النِّعمِ، سورةِ النَّحل، ومن بديع سرِّ القرآن أنَّها وردت في سياق الامتنان بها على أهل الدُّنيا على نَسَقِ ترتيب ورودها في سياق المنَّة على أهل الجنَّة: الماءُ ثمَّ اللَّبن ثمَّ الخمر ثمَّ العسل، لكن اقترن معها من الوصف ما يُناسِبُ حالَ أهلِ الدُّنيا، كما أنَّها وُصِفَتْ فيما سبق بما يُنَاسِبُ حالَ أهلِ الجنَّة.
قال الله تعالى: ﴿وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُون﴾ [النحل: 65]، فذكر الماءَ وإنزالَه من السَّماء، وما في ذلك من الآية الدَّالَّةِ على قُدرَةِ الله تعالى ورحمتِه ومِنَّتِه، وعلى إمكان البعث أيضًا.
ثمَّ قال: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِين﴾ [النحل: 66]، فذكر اللَّبنَ وما فيه من الآية والعبرةِ، وهي خروجُه من بين فَرْثِ الأنعام ودِمائِها خَالِصًا سائغًا.
ثمَّ قال: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون﴾ [النحل: 67]، مُنَبِّهًا إلى الخمرِ المُتَّخَذِ من أنواع الفاكهة اللَّذيذةِ، وما في ذلك من الآية، ـ وهذا قبل تحريمها ـ، ويلتحق بالخمر أنواعُ الأَنبِذَةِ والعصَائِرِ الَّتي يتَّخذِهُا النَّاسُ كَلَّها ممَّا ليس بمُسكِرٍ.
ثمَّ ذكرَ العسلَ آخِرًا فقال ـ عز وجل ـ: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُون* ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ [النحل: 68 ـ 69]، ونبَّه إلى أنَّ ما تَعمَلُه النَّحلُ فهو بأمرِ الله وإيحائِه وهذه أوَّلُ مراتبِ المِنَّةِ، ثمَّ تنوَّع مسارحها ما بين الجبال والبيوت ليتنوَّعَ عسَلُها وتختَلِفَ أنواعُه، فيتعدَّدَ نفعُه وتكثُرَ فائدِتُه، وهي مِنَّةٌ أخرى، ثمَّ خروجُه من حيثُ لا يقدرون على إخراجه بالمعالجة، وهو بطونها، وختم بالإشارة إلى العبرة في ذلك.
واقترن ذكرُ الأنواعِ الأربعةِ من الأشربةِ بالتَّنبيه على أخذِ الاعتبار منها للإشارةِ إلى أنَّ نِعمَ الدُّنيا تُرادُ للاستمتاع وللاعتبار، بخلاف نِعَمِ الجنَّةِ فليسَتْ إلاَّ للتَّمتُّع بها، فلذلك لم يَذكُرِ اللهُ في مشارِبها وأنهارِها ما ذكر في مشارب الدُّنيا.
لكن يبقى النَّظر في مناسبة كلِّ معتبِرٍ من هذه الأنواع لما وُصِفَ به.
فوَصَفَ المُعتَبِرِين من إنزال الماءِ بأنَّهم قومٌ يسمعون، وسرُّ ذلك ـ والله أعلم ـ كثرةُ مُعايَنَةِ النَّاسِ للماءِ ومُشاهدَتِهم له ولنزولِه، فإِلْفُهم لذلك قد يُذهِلُهم عن الاعتبار كما هو مشاهَدٌ في نظائِرِ ذلك من الآيات، ولذلك فاعتبارهم بإنزال الماء بعد أن يَستَمِعُوا للوحي فيأخذوا منه التَّذكيرَ بتلك العِبْرَةِ، وعَكَسَ ابنُ عطيَّةَ فقال: «قوله: ﴿يَسْمَعُون﴾ يدلُّ على ظهور هذا المُعتَبَرِ فيه وبيانه، لأنَّه لا يحتاج إلى تفكُّرٍ ولا نَظَرِ قلب، وإنَّما يحتاج المنبَّه إلى أن يسمع القول فقط»(7).
وعمَّ المُخاطَبين في الاعتبار باللَّبن فقال: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أي جميعًا، لظهور المنَّة الجليلة في هذه النِّعمة السَّهلة القريبةِ.
وذكر العقلَ في السَّكَرِ؛ لأنَّ في الاعتبار به شيئًا من الخفاءِ الَّذي يحتاجُ إلى أن يُستَخْرَجَ، وهو أنَّ لله تعالى مِنَنًا تُستَعمَلُ مُفرَدةً ولها مَنافِعُها، ومنها نِعَمٌ تنشَأُ من التَّركيب بين نِعمَتَيْن، فالمُزاوَجةُ بين الماءِ والفاكهةِ تُنتِجُ خمرًا، وهو شيءٌ ثالثٌ غيرُهما، وله من الفائدة ما ليس لهما، فسبحان واهِبِ العقول ومانِحِ النِّعَمِ المُفرَدَةِ والمُركَّبَةِ، «وناسب ذكر العقل ههنا؛ فإنَّه أَشْرَفُ ما في الإنسان، ولهذا حرَّمَ اللهُ على هذه الأمَّةِ الأشربةَ المُسكِرَةَ صيانةً لعقولها»( 8 ).
ورُبَّما يكون من سرِّ ذلك أيضًا أنَّ عملَ السُّكر يحتاج إلى إعمال العقلِ وتصريفِ الفكر، بخلاف تحصيل الماء واللَّبن.
فأمَّا العسل فوُصِفُوا فيه بالتَّفكُّر لِمَا أُشِير إليه من أنَّ المنَّة فيه طبقاتٌ: الإيحاءُ ثمَّ التَّنويعُ ثمَّ الإخراجُ ثمَّ الشِّفاءُ وغيرُه من الآراب، فللفكرة في شأنه مجالٌ، وللمُتفكِّرين في شأنِه مَراتِبُ وأحوالٌ.
ويمكن أن يُنظَرَ في أوصاف هذه الأشربة في القرآن حيث ورَدَ ذكرُها، وهو مقامٌ آخر، والله أعلم.
والحمد لله ربِّ العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «البحر المحيط» (9/464).
(2) «تفسير الطَّبري» (21/201).
(3) «البحر المحيط» (22/166).
(4) «الكشَّاف» (4/320).
(5) «مفاتيح الغيب» (28/46).
(6) «البحر» (9/464).
(7) «المحرَّر الوجيز» (3/404).
( 8 ) قاله ابن كثير في «تفسيره» (4/581).
والحمد لله ربِّ العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «البحر المحيط» (9/464).
(2) «تفسير الطَّبري» (21/201).
(3) «البحر المحيط» (22/166).
(4) «الكشَّاف» (4/320).
(5) «مفاتيح الغيب» (28/46).
(6) «البحر» (9/464).
(7) «المحرَّر الوجيز» (3/404).
( 8 ) قاله ابن كثير في «تفسيره» (4/581).
ري_الظمآن_بذكر_أشربة_القرآن_ـ_خالد_حمودة.pdf
5.3 MB
ري الظمآن بذكر أشربة القرآن ـ خالد حمودة
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال ابن عثيمين رحمه الله:
«ينبغي للآمِر بالمَعروف والنَّاهي عن المُنكر أن يقصِد بذلكَ إصلاحَ الخَلْق وإقامةَ شرْع الله، لا أن يقصِد الانتقامَ مِن العَاصي، أو الانتصارَ لنفسِه» [«شرح رياض الصالحين» (٢/ ٤٠٨)]
📌قال ابن عثيمين رحمه الله:
«ينبغي للآمِر بالمَعروف والنَّاهي عن المُنكر أن يقصِد بذلكَ إصلاحَ الخَلْق وإقامةَ شرْع الله، لا أن يقصِد الانتقامَ مِن العَاصي، أو الانتصارَ لنفسِه» [«شرح رياض الصالحين» (٢/ ٤٠٨)]
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌 قال ابن القيم رحمه الله:
«ومعلومٌ أنَّه إذَا ازدَوج التَّكلُّمُ بالباطل، والسُّكوتُ عن بيانِ الحقِّ تولَّد مِن بينِهما: جهلُ الحقِّ، وإضلالُ الخلقِ»
[«الصَّواعق المرسلة» (١/ ٣١٥)]
📌 قال ابن القيم رحمه الله:
«ومعلومٌ أنَّه إذَا ازدَوج التَّكلُّمُ بالباطل، والسُّكوتُ عن بيانِ الحقِّ تولَّد مِن بينِهما: جهلُ الحقِّ، وإضلالُ الخلقِ»
[«الصَّواعق المرسلة» (١/ ٣١٥)]