راية الإصلاح ـ دار الفضيلة للنشر
2.92K subscribers
2.67K photos
805 videos
124 files
1.09K links
قناة دينية تعليمية تابعة لموقع راية الإصلاح ودار الفضيلة للنشر والتوزيع بالجزائر
للتواصل معنا : 92 99 06 (0559) (نقال - تيليجرام)
Download Telegram
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 ما يَعصِم من فتنة الدَّجَّال
💢 عباس ولد عمر
💢 منشور في العدد (44) من #مجلة_الإصلاح

👇👇👇


من أشراط السَّاعة الَّتي جعلَها اللهُ تعالى مُؤذِنَةً بانقضاءِ الدُّنيا وزوالِها، ودنوِّ القيامة ومجيئِها؛ خروجُ المسيحِ الدَّجَّال الَّذي جعلَه اللهُ سبحانه فتنةً للنَّاس، بل إنَّ فِتنتَه أعظمُ فتنَةٍ على وجه الأرض مُنذُ ذَرَأَ اللهُ الخليقةَ، فعن أبي أمامة الباهلي ـ رضي الله عنه ـ قال: خطبنا رسولُ الله ﷺ، فكان أكثرُ خُطبَتِه حديثًا حدَّثَنَاه عن الدَّجَّالِ وحَذَّرناه، فكان من قولِه أنْ قال: «إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأَرْضِ مُنْذُ ذَرَأَ اللهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ، [وَلاَ تَكُونُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ] أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَإِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلاَّ حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ، وأَنَا آخِرُ الأَنْبِيَاءِ، وأَنْتُمْ آخِرُ الأُمَمِ، وهُوَ خَارِجٌ فِيكُمْ لاَ مَحَالَةَ»(1).
ولعظيم شأنِ فتنةِ الدَّجَّال، وكبيرِ خَطَرها؛ فقد أكثرَ نبيُّنَا ﷺ من ذِكرِه وتحذيرِ أُمَّتِه منه، حتَّى قال: «إِنِّي قَدْ حَدَّثْتُكُمْ عَنِ الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لاَ تَعْقِلُوا»(2)، وعن النَّوَّاس ابنِ سَمْعَان ـ رضي الله عنه ـ قال: «ذكرَ رسولُ الله ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غداةٍ، فخفَّضَ فيه ورفَّع حتَّى ظَننَّاه في طائفةِ النَّخل»(3) .
وقد بالغ ﷺ في وصفِه حتَّى تكونَ أُمَّتُه على بيِّنَةٍ منه، ولا تَنخدِع بما يأتي به، ففي حديث أبي أمامة السَّابِق قال ﷺ: «فإِنِّي سَأَصِفُهُ لَكُمْ صِفَةً لَمْ يَصِفْهَا إِيَّاهُ نَبِيٌّ قَبْلِي، إِنَّهُ يَبْدَأُ فيقُولُ: أَنَا نَبِيٌّ؛ ولاَ نَبِيَّ بَعْدِي، ثمَّ يُثَنِّي فَيقُولُ: أنا رَبُّكُمْ؛ ولاَ تَرَوْنَ رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا، وإِنَّهُ أَعْوَرُ، وإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بأَعْوَرَ، وإِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِر، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كَاتِبٍ أو غَيْرِ كَاتِبٍ، وإِنَّ مِنْ فِتْنَتِه أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً ونَارًا، فَنَارُهُ جَنَّةٌ وجَنَّتُهُ نَارٌ».
ولمَّا كان ﷺ أشفَقَ النَّاسِ على الأمَّةِ وأنْصَحَهم لها؛ فإنَّه قد أرشد إلى ما تحصُل به النَّجاةُ من شرِّ هذه الفتنة، كما هو دأبه في أكثر ما حذَّرَ من وقوعِه من بعده، لا يذكر الدَّاءَ إلاَّ ويَقرِنُه ببيان الدَّواءِ، كما في حديث العرباض بنِ سارية، وحديثِ العَيْنَة وغيرِ ذلك؛ فحقيقٌ بكلِّ مُؤمِنٍ ـ يبغي السَّلامةَ لدينه، ويسعى للنَّجاةِ من عذاب ربِّه ـ أن يكون حَذِرًا منها، وَجِلاً من الوقوع في شِراكِها، مُجتَهِدًا في الأخذ بالأسباب الَّتي تُنجِيه من شَرِّها.
================================
وممَّا أرشد النَّبيُّ ﷺ إلى الاعتصام به أمورٌ:
================================
أوَّلها: الالتجاءُ إلى الله سبحانه، والاستغاثةُ به، والاستعاذةُ به من شرِّ الدَّجَّال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فلا مَلجَأَ للمؤمنين من هذه الفتنة العظيمةِ إلاَّ إلى ربِّهم؛ إذ لا يملِكُ العبدُ الضَّعيف لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، ولا يستطيع حولاً ولا قُوَّةً؛ إلاَّ بمعونةِ الرَّبِّ وتوفيقِه، قال تعالى: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ ﴾ [يونس: 107]، وكما قال نوح ـ عليه السلام ـ: ﴿ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ﴾ [هود: 43]، هذا في ما يصيبُ العبدَ في شأنِه كُلِّه، دقِّه وجِلِّه، فكيف بفتنةٍ لم يكن مثلُها ولا يكون.
ولهذا أمر ﷺ من ابْتُلِيَ بفتنة الدَّجَّال أن يَلْجَأَ إلى رَبِّه ويستغِيثَ بخالِقِه، فقال: «وإِنَّ مِنْ فِتْنَتِه أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً ونَارًا، فَنَارُهُ جَنَّةٌ وجَنَّتُهُ نَارٌ، فَمَنِ ابْتُلِيَ بنَارِهِ فَلْيَسْتَغِثْ بالله»(4).
وممَّا أَمَرَ به ﷺ كذلك الاستعاذةُ بالله من شرِّ فتنتِه، ورد ذلك مُطلَقًا ومُقيَّدًا، أمَّا المُطلَقُ ففيما رواه زيدُ ابنُ ثابِت ـ رضي الله عنه ـ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لهم: «تَعَوَّذُوا بالله مِنْ عَذَابِ النَّارِ»، قالوا: نعوذ بالله من عذابِ النَّارِ، فقال: «تَعَوَّذُوا بالله مِنْ عَذَابِ القَبْرِ»، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: «تَعَوَّذُوا بالله مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ». قالوا: نعوذُ بالله من الفتن ما ظهرَ منها وما بَطَنَ، قال: «تَعَوَّذُوا باللهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ»، قالوا: نعوذ بالله من فتنةِ الدَّجَّال»(5) .
وأمَّا الأمرُ المُقيَّد؛ فالمقصود به تخصيصُ ذلك بدُبُرِ الصَّلاةِ، ودليلُه حديثُ أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الآخِرِ؛ فَلْيَتَعَوَّذْ بالله مِنَ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، ومِنْ عَذَابِ القَبْرِ، ومِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا والمَمَاتِ، ومِنْ شَرِّ [فِتْنَةِ] المَسِيحِ الدَّجَّالِ»(6) .
ولقد كان النَّبيُّ ﷺ حريصًا على هذه الدَّعوات؛ حتَّى إنَّه كان يُعلِّمُها الصَّحابةَ كما يُعلِّمُهم السُّورةَ من القرآن، كما في حديث ابنِ عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُعلِّمُهم هذا الدُّعاءَ كما يُعلِّمُهم السُّورةَ من القرآن؛ يقول: «قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا والمَمَاتِ»(7).
ومن عجيب ما جاء عن السَّلفِ في الحِرص على هذا الدُّعاء؛ ما رواه مسلم عَقِبَ هذا الحديث، قال: «بلَغَني أنَّ طاوسًا قال لابنه: أَدَعَوْتَ بها في صلاتِك؟ فقال: لا، قال: أَعِدْ صَلاتَكَ»(8).
الثَّاني: الإيمان الصَّادِق والعملُ الصَّالِحُ ولزومُ الاستقامة والتُّقى قبل نُزولِ هذه المحنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا بُدَّ أن يَعلَمَ المسلمُ أنَّ ثباتَه عند ورود الفتن إنَّما هو بتثبيت الله له، ليس له في ذلك قوَّةٌ وحيلةٌ، ولكنَّه مَحضُ فضلِ الله تعالى وخَالِصُ مِنَّتِه، وهذا الفضلُ يُكرِمُ اللهُ به أهلَ طاعته، المؤمنين برسالتِه، قال تعالى: ﴿ يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: 27]، وهذا التَّثبيتُ لقلوب المؤمنين هو من مقتضى مَعِيَّةِ الله الَّتي وعد بها عبادَه في مثل قوله: ﴿ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِين ﴾ [الأنفال: 19]، وفي قوله: ﴿ إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون ﴾ [النحل: 128]، فهذه معيَّةٌ خاصَّةٌ تقتضي الحفظَ والتَّثبيتَ، والرِّعايةَ والتَّسديدَ، والنَّصرَ والتَّمكينَ، لمن آمن بالله صِدقًا، واتَّقاه حقًّا، فلذلك يَدفَعُ سبحانه عنهم الفتن، ويُنجِيهم من المِحَنِ، بما أسْلَفوا من الاستجابة لأمرِه، والاستقامةِ على نهج نبيِّه، ولهذا جاء في وصيَّتِه ﷺ لابن عبَّاس: «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ»، وفي بعض ألفاظِه: «احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى الله في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ»(9)، وقد بيَّن ﷺ أنَّ اللهَ هو يتَوَلَّى عبادَه المؤمنين إذا خرج فيهم الدَّجَّال؛ فقال: «إِنْ يَخْرُجْ وأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُه دُونَكُمْ، وإِنْ يَخْرُجْ ولَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، واللهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»(10).
قال أبو العبَّاس القرطبي: «وقولُه: «واللهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»، هذا منه ﷺ تفويضٌ إلى الله تعالى في كفايةِ كلِّ مُسلِمٍ من تلك الفتنِ العظيمةِ، وتَوكُّلٌ عليه في ذلك»(11).
وقال القاري: ««واللهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» يعني: والله سبحانه وتعالى وليُّ كلِّ مسلم وحافِظُه؛ فيُعِينُه عليه، ويَدفَعُ شرَّه»(12).
وممَّا يُثبِّتُ اللهُ به عبادَه تُجَاهَ هذه المحنة؛ ما ذكرَه ﷺ عن الدَّجَّال أنَّه: «مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كَاتِبٍ وغَيْرِ كَاتِبٍ»، وفي رواية: «يَقْرَؤُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ»(13) ، فهذه أمارةٌ مُشاهَدَةٌ جعلَها اللهُ ـ عز وجل ـ فاضِحَةً لأمر الدَّجَّال، كاشِفةً عن حقيقَتِه، ولكن لا يَرَى ذلك إلاَّ مَنْ أرادَ اللهُ هِدايَتَه وعِصمَتَه من أوليائه، ولو كان الرَّجُلُ منهم أُمِّيًّا لا يَقْرَأ، ويَحجُبُها سبحانه عن أعدائه ولو كانوا أقرَأَ النَّاسِ وأَعْلَمَهم بالدُّنيا.
قال النَّووي ـ رحمه الله ـ: «الصَّحيح الَّذي عليه المُحقِّقون أنَّ هذه الكتابةَ على ظاهرِها، وأنَّها كتابةٌ حقيقةً، جعلها اللهُ آيَةً وعلامةً من جملة العلامات القاطعةِ بكُفرِه وكَذِبِه وإبطالِه، ويُظهِرُها اللهُ تعالى لكلِّ مُسلِمٍ كاتِبٍ وغير كَاتِبٍ، ويُخفِيها عمَّنْ أرادَ شقَاوَتَه وفِتنتَه، ولا امتناع في ذلك»(14).
وقال ابنُ كثير ـ رحمه الله ـ: «فبيْنَ عَيْنَيْه مَكتوبٌ كافرٌ كتابةً ظاهرةً، وقد حقَّقَ ذلك الشَّارِعُ في خَبَرِه بقوله: «ك ف ر»(15)، فدلَّ ذلك على أنَّه كتابةٌ حسِّيَّةٌ لا مَعنوِيَّةٌ كما يقولُه بعضُ النَّاس»(16).
وصدق اللهُ تعالى إذْ يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ [الأنفال: 29]، فهذه العلامةُ الظَّاهرَةُ الَّتي يختَصُّ اللهُ بها عبادَه المؤمنين، وحِزبَه المُفلِحين، والَّتي تَنكَشِفُ لهم بها حقيقةُ الدَّجَّالِ اللَّعين، إنَّما هي ثَمَرَةُ المُجاهدَةِ في الله، والمصابرةِ على طاعتِه، فجزاهم رَبُّهم بأن جعل لهم فُرقَانًا يُفرِّقُون به بين الحقِّ والباطلِ؛ وذلك في أَعْظَمِ فِتنَةٍ تَعرِضُ للنَّاس.
يقولُ شيخ الإسلام ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ مُعلِّقًا على الحديث السَّابق: «فدلَّ على أنَّ المُؤمِنَ يتبيَّنُ له ما لا يَتبيَّنُ لغَيرِه؛ ولا سيما في الفتن، وينكشِفُ له حالُ الكَذَّابِ الوَضَّاعِ على الله ورسولِه؛ فإنَّ الدَّجَّالَ أَكْذَبُ خلقِ الله؛ مع أنَّ اللهَ يُجرِي على يَدَيْه أمورًا هائِلَةً، ومَخاريقَ مُزلزِلَةً، حتَّى إنَّ مَنْ رآه افتتن به؛ فيَكشِفُها اللهُ للمؤمن حتَّى يعتقِدَ كذبَها وبُطلانَها، وكلَّما قَوِيَ الإيمان في القلب قَوِيَ انكشافُ الأمور له، وعرفَ حقائقَها من بواطلِها، وكُلَّما ضَعُفَ الإيمانُ ضَعُفَ الكشفُ»(17).
ولمَّا كان التَّثبيتُ في هذه الفتنة حاصلاً لأهل الطَّاعة خاصَّةً؛ فقد رغَّبَ رسولُنا ﷺ في المبادرة إلى العمل الصَّالح قبل حلولها فقال: «بَادِرُوا بالأَعْمَالِ سِتًّا: الدَّجَّالَ، والدُّخَانَ، ودَابَّةَ الأَرْضِ، وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وأَمْرَ العَامَّةِ، وخُويصة أَحَدِكُمْ»(18).
وممَّا يدلُّ على أنَّه مَنْ بادر إلى العمل الصَّالح وجاهد في الله قبلَ نُزولِ هذه المحنة نجَّاه اللهُ بفَضلِه منها، حديثُ النَّبيِّ ﷺ الَّذي قال فيه: «وَلَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِمَّا قَبْلَهَا إِلاَّ نَجَا مِنْهَا»، وفي رواية: «فَمَنْ نَجَا مِنْ فِتْنَةِ مَا قَبْلَهَا نَجَا مِنْهَا، وإِنَّهُ لاَ يَضُرُّ مُسْلِمًا»(19)، وقد يُشكِلُ هذا مع ما تقدَّمَ من أنَّ فتنةَ الدَّجَّال أعظمُ الفتن على الإطلاق، فكيف تكون عظيمةً وتكون النَّجاةُ منها لمن نَجَا من الفتن الَّتي دُونَها؟! وجوابُه: أنَّ ذلك تَفضُّلٌ من الله سبحانه لمن جَاهَدَ في ذاتِه، وتعرَّف على ربِّه في وقت رخائه، وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُم﴾ [محمد: 17]، وقد تقدَّم قولُه ﷺ: «تَعَرَّفْ إِلَى الله في الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ»، قال ابنُ رجب: «وفي الجملة؛ فمن عامل اللهَ بالتَّقوى والطَّاعة في حال رخائه؛ عامَلَه اللهُ باللُّطفِ والإعانةِ في حال شِدَّتِه»(20).
الثَّالث: العلمُ بالشَّريعة والفقهُ في الدِّين؛ لا سيَّما علمُ التَّوحيد والسُّنَّةِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ممَّا جعلَهُ اللهُ سبحانه عاصِمًا من الفتن: العلمُ به والتَّفقُّهُ في شريعته، والمقصودُ به هنا ما استقرَّ في القلب، وكان قائدًا لصاحبه إلى مرضاةِ الرَّبِّ، لا ما كان على اللِّسان؛ فإنَّه حجَّةُ الله على الإنسان، فمتى طلب المسلمُ العلمَ بنيَّةٍ خالصةٍ، وسلك في تحصيله الجادَّةَ الصَّحيحةَ، وجعل همَّتَه في العمل به بعد إدراكه؛ رزقَه اللهُ تعالى بصيرةً يُميِّزُ بها بين الحقِّ والباطل، والسُّنَّةِ والبدعة، والهدى والضَّلالة، والدُّعاة إلى الصِّراط المستقيم والمنادين على أبواب الجحيم.
ومن أفضل علوم الشَّريعة وآكدها من جهة فرضيَّةِ التَّحصيل؛ علمُ العقيدة والتَّوحيد، وقد وردت الإشارة فيما أخبر به النَّبيُّ ﷺ عن الدَّجَّال إلى بعض أصول الاعتقاد الَّتي يَستدِلُّ بها المؤمنون على تزييف أباطيل الأعور الكذَّاب، فمن تعرَّفَ على ربِّه بما له من صفات الكمال، وما يَستحِقُّه من نعوتِ الجلال، وأنَّه سبحانه مُنزَّهٌ عن النَّقائص والعيوب، لم ينخَدِع بما يأتي به من الخوارق؛ إذ كيف يُصدِّقُ الدَّجَّال في دعواه أنَّه ربُّ النَّاسِ، وفيه من المعايب الظَّاهرَةِ ما لا يخفى على إنسان، وأبرز ذلك عَوَرُه، ولهذا قال ﷺ: «أَلاَ مَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ شَأْنِهِ فَلاَ يَخْفَيَنَّ عَلَيْكُمْ أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بأَعْوَرَ [مرَّتيْن]»(21).
وممَّا يَنقُضُ دعواه من توحيد الرُّبوبيَّةِ قولُه ﷺ: «إِنَّهُ يَمْشِي في الأَرْضِ، وإِنَّ الأَرْضَ والسَّمَاءَ لله»(22)، فلا يعقل أن يكون الرَّبُّ ربًّا وهو يمشي على الأرض الَّتي هي خلقٌ من خلقه.
وممَّا تقرَّر ـ أيضًا ـ من أصول الاعتقاد؛ أنَّ اللهَ لا يُرَى في الدُّنيا، إنَّما يراه المؤمنون يومَ القيامة إذا دَخَلُوا الجنَّةَ، ولهذا ذكَّرَهم ﷺ بذلك ليَستَدِلُّوا به على دَجَلِه وافترائه فقال: «وأَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا»(23).
ومنها كذلك مسألةُ ختم النُّبوَّةِ والرِّسالةِ، فالدَّجَّالُ أوَّلَ ما يخرجُ يدَّعي أنَّه نبيٌّ، قال ﷺ: «إِنَّهُ يَبْدَأُ فَيَقُولُ: أَنَا نَبِيٌّ، ولاَ نَبِيَّ بَعْدِي»(24).
وممَّا يُفيدُ المؤمنَ في ذلك الزَّمانِ علمُه بالسُّنَّةِ والآثارِ، يدلُّ على ذلك ما أخبر به ﷺ من شأن ذلك الشَّابِّ المدني الَّذي يَخرُجُ إلى الدَّجَّالِ، قال ﷺ: «يَأْتِي الدَّجَّالُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ المَدِينَةِ، فَيَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي المَدِينَةَ، فيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ ـ أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ ـ، فيقول: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ الله ﷺ حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ؛ هَلْ تَشُكُّونَ في الأَمْرِ؟ فَيُقُولُونَ: لاَ، فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ؛ فيقولُ: والله مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّيَ اليَوْمَ، فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ»(25) ، فتأمَّلْ ثباتَ هذا المؤمن وعدمَ اغترارِه بما افتتن به أكثَرُ النَّاس من حولِه؛ لأنه وجَدَ أوصافَه مُطابِقَةً لما جاءت به الأحاديثُ حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ، فلذلك قال أوَّلَ وَهلَةٍ:«أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ الله ﷺ حَدِيثَهُ»، بل إنَّ ثباتَه كان فيما هو أعظم من ذلك، أعني لمَّا قَتَلَه الدَّجَّالُ وأَحْيَاهُ، فما كان منه إلاَّ أن قال: «والله مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّيَ اليَوْمَ»، لذلك استحقَّ هذا الشَّابُّ المؤمن أن يكون «أَعْظَمَ النَّاسِ شَهَادَةً عِنْدَ رَبِّ العَالَمِينَ»(26).
وإذا كان العلمُ بالسُّنَنِ المروِيَّةِ من أسباب العصمة من فتنة الدَّجَّالِ، فلا بُدَّ من الحِرصِ على إذاعةِ هذه الأحاديث بين النَّاسِ وتَذكيرِهم بها، حتَّى يَحذَرُوا هذه الفتنةَ، ويأخذوا بأسباب الوقاية منها.
قال ابن ماجه ـ عقِبَ روايَتِه لحديث أبي أمامة في ذكر الدَّجَّال ـ: «سمعتُ أبا الحسن الطَّنافِسي يقول: سمعتُ عبدَ الرَّحمن المحاربي يقول: ينبغي أن يُدفَعَ هذا الحديثُ إلى المُؤدِّبِ حتَّى يُعلِّمَه الصِّبيانَ في الكُتَّاب».
ثمَّ إنَّ في ترك التَّذكيرِ بها إهمالاً لأمرٍ اهتمَّ به نبيُّنَا ﷺ غايةَ الاهتمام، وقد تقدَّمَ معنا قولُه ﷺ: «إِنِّي قَدْ حَدَّثْتُكُمْ عَن الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لاَ تَعْقِلُوا»، وأَوْلَى منْ يتعيَّنُ في حقِّه ذلك، أئمَّةُ المساجد والدُّعاةُ إلى دين الله تعالى، وقد جعل النَّبيُّ ﷺ من علامات خروجِ الدَّجَّالِ أن تَترُكَ الأئمَّةُ ذِكرَه على المنابر، فعن راشد بن سعد قال: «لمَّا فُتِحَت إصْطَخْر نادى منادٍ: ألا إنَّ الدَّجَّالَ قد خَرَج، قال فلقيَهم الصَّعبُ ابنُ جَثَّامَة فقال: لولا ما تقولون لأخبرْتُكم أنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لاَ يَخُرُجُ الدَّجَّالُ حتَّى يَذْهَلَ النَّاسُ عَنْ ذِكْرِهِ، وحَتَّى تَتْرُكَ الأَئِمَّةُ ذِكْرَهُ على المَنَابِرِ»(27) ، قال الألباني: «ولقد صدق هذا الخبرُ على أئمَّةِ المساجد فتركوا ذِكرَ الدَّجَّال على المنابر وهم خاصَّةُ النَّاس؛ فماذا يكون حال عامَّتهم؟!»(28).
الرَّابع: الفِرار منه وعدمُ التَّعرُّض لفتنته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن عمران بن حصين قال: قال رسولُ الله: «مَنْ سَمِعَ بالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ [ثَلاثًا]، فوَالله إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتْبَعُهُ مِمَّا ـ أو لما ـ يَبْعَثُ به مِنَ الشُّبُهَاتِ»(29).
وعن أمِّ شَريكٍ قالت: سَمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يقول: «ليَفِرَّنَّ النَّاسُ من الدَّجَّالِ في الجِبَالِ»(30)، فالواجب على المرء المسلم أن يفِرَّ بدينه، ولا يجوزُ له أن يُعجَب بإيمانه؛ لأنَّه سيوكَلُ إلى نفسِه؛ فلا يَزالُ الدَّجَّال يُرِيه من شُبُهاتِه حتَى يُصيِّرَه من أَتباعِه، من أجل ذلك قال أئمَّةُ السَّلفِ: «إِنَّ القُلوبَ ضعيفةٌ والشُّبه خطَّافة»، ويقول ابنُ القيِّم في ذلك: «فما اسْتُعِين على التَّخلُّصِ من الشَّرِّ بمِثْلِ البُعدِ عن أسبابِه ومَظانِّه، وههنا لطيفَةٌ للشَّيطان لا يَتخلَّصُ منها إلاَّ حَاذِقٌ؛ وهي أن يُظهِرَ له في مَظانِّ الشَّرِّ بعضَ شَيءٍ من الخير ويدعوه إلى تحصيلِه، فإذا قرُبَ منه ألقاه في الشَّبَكة، والله المستعان»(31) .
الخامس: حفظ عشر آيات من أوَّلِ سورة الكهف وقراءَتُها على الدَّجَّالِ لمن أَدْرَكَه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ممَّا يَعصِمُ كذلك من شرِّ فتنة الدَّجَّال؛ حفظُ العشر آياتِ الأُوَلِ من سورة الكهف، وقراءتُها عليه إذا خرَج، عن أبي الدَّرداء أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ»(32)، وفي حديثٍ آخر: «فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الكَهْفِ [فَإِنَّهَا جِوَارُكُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ]»(33).
قال أبو العبَّاس القرطبي ـ رحمه الله ـ: «لِمَا في قصَّةِ أصحابِ الكهف من العجائب والآيات، فمن عَلِمَها لم يَسْتَغْرِبْ أمرَ الدَّجَّال، ولم يَهُلْهُ ذلك، فلا يَفتَتِنُ به»(34).
ولا ريبَ أنَّ المقصودَ هنا هو الحفظُ مع التَّدبُّر والتَّفهُّمِ، وإِتبَاعِ ذلك بالعمل بما تقتضيه هذه الآيات، وإلاَّ فإِقامَةُ الحُروف فقط؛ ممَّا يُطيقُه أَكثَرُ النَّاسِ بَرُّهم وفاجِرُهم، وقد دلَّت السُّنَّةُ على أنَّ القرآنَ يَرفَعُ أُناسًا ويَضعُ آخَرِين، ويكونُ لأقوامٍ حُجَّةً وعلى آخرِينَ حَسْرَةً، كلُّ ذلك بحسب القيامِ بحَقِّه، ومراعاةِ ما أُنزِلَ لأجلِه.
وأنبِّه على أنَّه قد ورد في بعض ألفاظ الحديث السَّابق ذكرُ عشرِ آياتٍ من آخر السُّورة (35) ، والمحفوظُ الَّذي عليه أكثرُ الرُّواةِ العشر الأُوَل، فتكون اللَّفظةُ الأخرى شاذَّةً، وهو ما رجَّحه ابنُ القيم في «جلاء الأفهام» (ص379) والألباني في «الصَّحيحة» (582، 2651) و«الضَّعيفة» (1336).
السَّادس: أن يفعَلَ المُسلِمُ إن أدرك الدَّجَّالَ ما أَرْشَدَ إليه النَّبيُّ ﷺ في الأحاديث الآتية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال النَّبيُّ ﷺ: «وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنَّ مَعَهُ جَنَّةً ونَارًا، فَنَارُهُ جَنَّةٌ وجَنَّتُهُ نَارٌ»(36) ، ومقصودُه أنَّه مَنْ أراد النَّجاةَ فلْيَدْخُلِ الَّذي يرَى أنَّه نارٌ، ولْيَشْرَبْ منه؛ فإنَّه يكونُ عليه بَردًا وسلامًا، وأمَّا مَنِ اغْتَرَّ بنهره فإنَّه سيكونُ عليه نارًا وعذابًا، كما جاء مُوضَّحًا في رواياتٍ أُخَرَ؛ منها قولُه ﷺ: «لأَنَا أَعْلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنْهُ، مَعَهُ نَهْرَانِ يَجْرِيَانِ أَحَدُهُمَا ـ رَأْيَ العَيْنِ ـ مَاءٌ أَبْيَضُ، والآخَرُ ـ رَأْيَ العَيْنِ ـ نَارٌ تَأَجَّجُ»(37) ، وفي حديثٍ آخر: «فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَأَرَادَ المَاءَ فَلْيَشْرَبْ مِنَ الَّذِي يَرَاهُ أَنَّهُ نَارٌ [ولْيُغَمِّضْ [عَيْنَيْهِ] ثمَّ لْيُطَأْطِئْ رَأْسَهُ]؛ فَإِنَّهُ سَيَجِدُهُ مَاءً»، وفي روايةٍ: «فَإِنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ [عَذْبٌ طَيِّبٌ] [فَلاَ تَهْلِكُوا]» (38) ، وفي حديث: «فَمَنْ دَخَلَ نَهْرَهُ حُطَّ أَجْرُهُ ووَجَبَ وِزْرُهُ، ومَنْ دَخَلَ نَارَهُ وَجَبَ أَجْرُهُ وحُطَّ وِزْرُهُ»(39).
واعلَمْ أنَّ هذا الَّذي ذُكِرَ في الحديث من نَهْرَيِ الدَّجَّال وجنَّتِه ونارِه، وغيرِ ذلك ممَّا جاءت به الأخبار ممَّا يُجرِيهِ اللهُ على يَدِه من الخوارق الُمحيِّرَة؛ هو حقيقةٌ وليس مُجرَّدَ تَمويهٍ أو تخييلٍ، كما يقولُه مَنْ تأثَّرَ بشُبهاتِ أَهلِ الاعتزال وسلك سبيلَهم في إنكار الغيبِيَّاتِ، يقولُ ابنُ كثير: «وهذا كلُّه ليس بَمخرَقةٍ(40) ، بل له حقيقةٌ امْتَحَنَ اللهُ بها عبادَه في ذلك الزَّمان، فيُضِلُّ به كثيرًا ويَهدِي به كثيرًا، يَكفُرُ المُرتابون، ويزدادُ الَّذينَ آمنوا إيمانًا، وقد حَمَلَ القاضي عياض وغيرُه على هذا المعنى معنى الحديث: «هُو أَهْوَنُ على الله من ذلك»، أي: هو أَقلُّ من أن يَكونَ معه ما يُضِلُّ به عبادَه المؤمنين، وما ذاك إلاَّ لأنَّه نَاقِصٌ، ظاهِرُ النَّقصِ والفجورِ والظُّلمِ، وإن كان معَهُ ما مَعه من الخوارق»(41).
ولا يُشكِلُ على هذا قولُ نبيِّنا ﷺ في نَهْرَيِ الدَّجَّالِ: «رَأْيَ العَيْنِ»، فغايةُ ما فيه أنَّ باطِنَهما يَختَلِفُ عن ظاهرِهما، لا أنَّهما على غير الحقيقة، قال النَّووي: «قال العلماء: هذا من جملة فتنته، امتحن اللهُ تعالى به عبادَه ليُحِقَّ الحقَّ ويُبطِلَ الباطلَ، ثمَّ يَفضَحَهُ ويُظهِرَ للنَّاسِ عَجزَه»(42)، وقال ابنُ حجر ـ وهو يُعدِّدُ ما قيل في شرح الحديث ـ: «وإمَّا أن يَجعَلَ اللهُ باطِنَ الجَنَّةِ الَّتي يُسخِّرُها الدَّجَالُ نارًا وباطنَ النَّار جنَّةً وهذا الرَّاجح»(43).
نعم؛ قد ثبت أنَّ بعضَ ما يأتِي به الدَّجَّال لَيسَ على الحقيقة، كما في قوله ﷺ: «وإنَّ من فِتنَتِه أن يَقولَ لأَعْرَابِيٍّ: أَرَأَيْتَ إِنْ بَعثْتُ لَكَ أَبَاكَ وأُمَّكَ، أَتَشْهَدُ أَنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فيَتَمَثَّلُ له شَيْطَانَانِ في صُورَةِ أَبِيهِ وأُمِّهِ، فيَقُولاَن: يا بُنَيَّ! اتْبَعْهُ؛ فَإِنَّهُ رَبُّكَ»(44)، وهذا حقٌّ نقول به، ولكن لا نتعدَّى مَورِدَ نصِّه، ولا نُحرِّفُ كلامَ المعصوم ﷺ عن ظاهره.
السَّابع: سُكنَى مكَّةَ والمدينة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فهما حَرَمَان آمِنَان، لا يَصِلُ إليهما رُعبُ المسيح الدَّجَّال، دلَّ على ذلك أحاديثُ منها:
عن أنس بن مالك عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلاَّ سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ؛ إِلاَّ مَكَّةَ والمَدِينَةَ، لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقَبٌ إِلاَّ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَها، ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ بأَهْلِهَا ثَلاَثَ رَجَفَاتٍ، فيُخْرِجُ اللهُ كُلَّ كَافِرٍ ومُنَافِقٍ»(45).
وعن جابر أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «نِعْمَتِ الأَرْضُ المَدِينَةُ؛ إذَا خَرَجَ الدَّجَّالُ عَلى كُلِّ نَقَبٍ مِنْ أَنْقَابِهَا مَلَكٌ؛ لا يَدْخُلُهَا فإِذَا كَانَ كذَلِكَ رَجَفَتِ المَدِينَةُ بأَهْلِهَا ثَلاَثَ رَجَفَاتٍ لاَ يَبْقَى مُنَافِقٌ ولاَ مُنَافِقَةٌ إِلاَّ خَرَجَ إِلَيْهِ، وأَكْثَرُ مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ النِّسَاءُ، وذَلِكَ يَوْمُ التَّخْلِيصِ، وَذَلِكَ يَوْمَ تَنْفِي المَدِينَةُ الخَبَثَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ»(46).
ومثلُهما المسجِدُ الأقصى والطُّور، لما رواه أحمد أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وإنَّه ـ أي الدَّجَّال ـ يَلْبَثُ فِيكُمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا يَرِدُ فِيهَا كُلَّ مَنْهَلٍ؛ إِلاَّ أَرْبَعَ مَسَاجِدَ: مَسْجِدَ الحَرَامَ، ومَسْجِدَ المَدِينَةِ، والطُّورَ، ومَسْجِدَ الأَقْصَى»(47).
ولا بُدَّ أن يُعلَمَ أنَّ استيطان هذه البقاع، لا يُمكِنُ بحالٍ أن يكون كافيًا لأصحابه ليَعصِمَهم من هذه الفتنة؛ إلاَّ إذا جُمِعَ إليه توحيدُ الله، والإيمانُ به، والتَّمسُّكُ بسنَّةِ نبيِّه ﷺ.
قال الألباني: «واعلَمْ أنَّ هذه البلادَ المُقدَّسَةَ إنَّما جَعلَها اللهُ عِصمَةً من الدَّجَّالِ لمن سَكنَها وهو مُؤمِنٌ مُلتَزِمٌ بما يجِبُ عليه من الحقوق والواجبات تجاه ربِّها، وإلاَّ فمُجرَّدُ استيطانِها ـ وهو بعيدٌ في حياتِه عن التَّأدُّبِ بآدابِ المؤمن فيها ـ فَمِمَّا لا يَجعَلُه في عصمةٍ منه، فسيأتي... أنَّ الدَّجَّال ـ عليه لعائن الله ـ حين يأتي المدينَةَ النَّبويَّةَ وتَمنَعُه الملائكةُ من دخولِها؛ تَرجُفُ بأهلِها ثلاثَ رَجَفَاتٍ، فلا يبقى فيها منافقٌ ولا منافقةٌ إلاَّ خرجَ إليه... فالعبرة إذَنْ بالإيمان والعمل الصَّالِحِ، فذلك هو السَّببُ الأكبَرُ في النَّجَاةِ، وأمَّا السَّكَنُ في دار الهجرة وغيرِها؛ فهو سببٌ ثانوِيٌّ، فمَنْ لم يأْخُذْ بالسَّببِ الأَكبَرِ؛ لم يُفِدْه تَمسُّكُه بالسَّببِ الأصغَرِ... وما أَحْسَنَ ما روى الإمامُ مالكٌ في «الموطَّأ» (2/235) عن يحيى بن سعيد: «أنَّ أبا الدَّرداء كتب إلى سلمان الفارسي: أنْ هَلُمَّ إلى الأرضِ المُقدَّسةِ (يعنى: الشَّام) فكتب إليه سلمان: إنَّ الأرضَ لا تُقدِّسُ أحدًا، وإنَّما يُقدِّسُ الإنسانَ عملُهُ»»(48).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه ابن ماجه (4077) وهو جزءٌ من حديثٍ طويلٍ في ذكر خَبَرِ الدَّجَّال، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا من جهة إسناده، إلاَّ أنَّ كثيرًا من جُمَلِه صحيحٌ ثابتٌ في «الصَّحيحين» وغيرهما من كتُبِ السُّنَّة كما قال الألباني في مُقدِّمَته لكتاب «قصَّة المسيح الدَّجَّال»، ولذلك صحَّحه لغيره إلاَّ كلماتٍ يسيرةً منه، وأمَّا الزِّيادةُ فهي لأحمد (14112) من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ.
(2) رواه أحمد (22764) وأبو داود (4320) عن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ.
(3) رواه مسلم (2937).
(4) ابن ماجه (4077).
(5) رواه مسلم (2867).
(6) رواه مسلم (588).
(7) رواه مسلم (590).
( 8 ) وصله عبد الرَّازَّق في «المصنَّف» بسندٍ صحيحٍ (3087).
(9) رواه أحمد (2669، 2763) والترمذي (2516)، والرواية الأخرى عند أحمد (2803)، والطبراني في «الكبير» (11243، 11560)، والحاكم (6303، 6304) وغيرهم.
(10) رواه مسلم (2937).
(11) «المفهم» (7/277).
(12) «مرقاة المفاتيح» (9/378).
(13) رواه مسلم (2934) عن حذيفة ـ رضي الله عنه ـ، والرِّواية الأخرى له (169)، وروى البخاري الجملة الأولى منه من حديث أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ.
(14) «المنهاج» (18/60).
(15) يريد بذلك ما ورد في بعض الرِّوايات أنَّه ﷺ تهجَّاها.
(16) «النِّهاية في الفتن» (19/194) ضمن «البداية والنهاية».
(17) «الفتاوى» (20/45).
(18) رواه مسلم (2934) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
(19) الرِّواية الأولى رواها أحمد (23304)، وروى الأخرى ابن حبَّان (6769).
(20) «جامع العلوم والحكم» (ص203).
(21) رواه بهذا اللَّفظ أحمد (6185)، وهو عند البخاري (4402) ومسلم (2930) بلفظ مقارب.
(22) رواه ابن خزيمة في «التَّوحيد» (1/103).
(23) رواه أحمد (22764).
(24) رواه ابن ماجه (4077).
(25) رواه البخاري (1882، 7132)، ومسلم (2938) عن أبي سعيد ـ رضي الله عنه ـ.
(26) رواه مسلم (2938).
(27) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في «الزِّيادات على المسنَد» (16667).
(28) «قصَّة المسيح الدَّجَّال» (ص31).
(29) رواه أحمد (19875، و19968)، وأبو داود (4319) وهذا لفظه، وأمَّا رواية التَّثليث فلأحمد.
(30) رواه مسلم (2945).
(31) «عِدَة الصَّابرين» (ص113).
(32) رواه مسلم (809).
(33) رواه مسلم (2937)، والزِّيادة لأبي داود (4321).
(34) «المفهم» (2/439).
(35) هي عند مسلم عقب حديث أبي الدَّرداء ـ رضي الله عنه ـ، قال مسلم: «قال شعبة: «مِنْ آخِرِ الكَهْفِ»، وقال همَّام: «مِنْ أَوَّلِ الكَهْفِ» كما قال هشام».
(36) رواه ابن ماجه (4077)، وهو عند مسلم (2934) دون قوله: «وإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ».
(37) رواه مسلم (2934).
(38) رواه مسلم (2934، و2935)، والزِّيادات له إلَّا لفظة: «عَيْنَيْهِ» فهي عند أحمد والطَّبراني، وقد تحرَّفت «فلا تَهْلِكُوا» في المطبوع من «قصَّة المسيح الدَّجَّال» للألباني إلى: «فَلَا تَهْلَلُوا»؛ فليتَنَبَّهْ.
(39) رواه أحمد (23425، و23429)، وأبو داود (4244)، عن حذيفة ـ رضي الله عنه ـ وهو الحديث الَّذي أوَّلُه: «كَانَ النَّاس يسألون رسولَ الله ﷺ عن الخير...».
(40) أي: ليست تمويهًا، يقال: رجل مُمَخْرِقٌ، والمخاريق شيء يلعب به الصِّبيان، ومنه قول عمرو بن كُلْثُوم: مَخَارِيقُ بأَيْدِي لاعبِينَا.
(41) «النِّهاية في الفتن» (19/194).
(42) «المنهاج» (18/61).
(43) «فتح الباري» (13/124).
(44) رواه ابن ماجه (4077).
(45) رواه البخاري (1881، و7124)، ومسلم (2943).
(46) رواه أحمد (14112).
(47) «المسند» (23684).
(48) «قصَّة المسيح الدَّجَّال» (ص34 ـ 35).
Channel name was changed to «راية الإصلاح ـ دار الفضيلة للنشر»
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌 قال ابن عثيمين رحمه الله:
«إنَّ من نعمة الله سبحانه وتعالى على العبد أن يُحبِّب إليه العلم، وذلك لأنَّ العلم الشَّرعي مفتاح كلِّ خير». [«تفسير سورة غافر» (ص٨)]
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال ابن حزم رحمه الله:
«اثْنَان عظُمَت راحتُهما؛ أحدُهما في غاية الحَمد، والآخرُ في غاية الذَّمِّ، وهُما: مُطَّرحُ الدُّنيا، ومُطَّرحُ الحياءِ»
[«الأخلاق والسِّير» (ص١٤٧)]
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
✳️ عنوان الخطبة: التذكير بنعم اللّه سبحانه وتعالى ـ نعمة الصحة أنموذجا
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عز الدين رمضاني 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 13 ربيع الآخر 1448 ـ 25 سبتمبر 2026
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌 قال الله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا . إنما نطعمكم لوجه الله) الآية
قال ابن تيميَّة رحمه الله:
«مَن طلبَ مِن الفُقراء الدُّعاءَ أو الثَّناءَ خرجَ مِن هذه الآية». [«مجموع الفتاوى» (١١/ ١١١)]
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 النَّسب العلمي
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (44) من #مجلة_الإصلاح

👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 النَّسب العلمي
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (44) من #مجلة_الإصلاح

👇👇👇

إنَّ منَ الأسباب الَّتي بها تنهضُ الحركةُ العلميَّةُ وتتلاحقُ عبر الأجيال والحقب الزَّمنيَّةِ المتعاقبةِ، هو التَّواصل الموجود بينَ أهل العلم مِن عُلماء وطُلاَّبِ علم، فكانت الرِّحلةُ في الطَّلب دأبَهم وديدنَهم وطريقًا من طُرق التَّعارف والتَّواصل، وللإبقَاءِ على هذه السِّلسلة متَرابطة الحلقَات والعُرى لا يفصمُها فاصمٌ ولا يقطعُها قاطعٌ؛ شُرِعَت الرِّحلةُ في طلب العلم زَمَنَ الأنبياءِ والرُّسلِ.
فقد حكى القرآنُ الكريمُ رحلةَ كليمِ الله موسى عليه السلام إلى الخَضِر عليه السلام لملاقاتِه وأخذِ العلم عنه؛ كما أُثِرَ عن كثيرٍ من السَّلف رضي الله عنهم أخبارُ رَحلاتِهم في الطَّلب ولقاءِ المشايخ والأكابرِ بدءًا بالصَّحابة رضي الله عنهم؛ كخَبر جابر بن عبد الله رضي الله عنهما المشهور في رحلتِه مسيرةَ شهرٍ إلى الشَّام لسماع حديث واحدٍ بلغه عن أحدهم يرويه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ وقد تتابعَ العلماءُ على المضي في هذه السُّنَّةِ الحميدةِ والسِّيرةِ الرَّشيدة، إلاَّ أنَّ علماءَ الحديث أخذوا بالنَّصيب الأوفرِ وحازوا قصبَ السَّبق في ميدان الرِّحلة في طلب الحديث، فكانَ شرفُ المحدِّث يزيد سموًّا كلَّما كانَت رحلتُه أَطْوَلَ وأسفارُهُ أَبْعَدَ، ولقاءاتُه بالمشايخ والأعلام أَكْثَرَ، حتَّى عُدَّ لبعضهم ثلاثةُ آلافِ شيخٍ كالحافظ ابن النَّجار البغدَادي، ودامَت رحلتُه سبعًا وعشرين سنةً، ومنهُم مَن أخذَت رحلتُه خمسًا وأربعين سنةً مِن عُمره كالإمام أبي عبدِ الله بن مندَه، يُفارقون فيها الأوطانَ، ويتركونَ الأهلَ والوِلدَان، مع ما يُلاقيه هؤلاء الرَّحَّالون في أسفَارهم مِن مشاقَّ ومتَاعب وشدَائد، بعضُها دوِّن وحفظته كتبُ التَّاريخ، وبعضُها مضَى دون ذكر ولا تَدوين، ولا يعود أحدُهم إلى موطنه حتَّى يقضي وطرَه، ويُشبع نهمَتَه، فيرجع وهو يحمِلُ علمًا وأدبًا جمًّا، وهذا لإدراكهم حقيقةً مهمَّةً وهي أنَّ مُلاقاةَ العُلماء هو السَّبيلُ الأمثل لأخذِ العلم؛ ولهذا قالوا: «إنَّ العلمَ كانَ في صُدور الرِّجال، ثمَّ انتقَل إلى الكُتب، وصارَت مفاتحُه بأيدي الرِّجال»(1).
وقَد عقَد ابنُ خلدُون في «تاريخه» بابًا ترجَم له بقَوله: «في أنَّ الرِّحلةَ في طَلب العُلوم ولقَاءِ المشيَخَة مزيدُ كمالٍ في التَّعلُّم»؛ ثمَّ قال: «والسَّبَب في ذلكَ أنَّ البشر يأخذُون معارفَهُم وأخلاقَهُم، وما ينتَحلون به منَ المذَاهب والفضَائل، تارةً علمًا وتعليمًا وإلقَاءً، وتارةً محاكاةً وتلقينًا بالمُباشَرة.
إلاَّ أنَّ حصولَ الملَكَات عن المباشَرة والتَّلقين أشَدُّ استحكَامًا وأقوَى رسُوخًا، فعَلى قَدْر كثرَةِ الشُّيوخ يكونُ حصولُ المَلَكات ورسُوخُها».
فمِن أَعْظَمِ فوائدِ الرِّحلة في الطَّلب هي حصولُ اللِّقاء المُباشر معَ العَالم واكتِحال العَين برُؤيته، فيُطالعُ الطَّالبُ في شيخِه النَّموذجَ الصَّادقَ الَّذي يُتَرجمُ العلمَ الَّذي يحويه صدرُه إلى أعمالٍ وأقوالٍ وآدابٍ وتصرُّفاتٍ، فيشاهد صورًا من العبادة والزُّهد والأخلاق، وأشكالا منَ الهَدي والسَّمت والدَّلِّ؛ تنطَبع في النَّفس، ويكون لها أعظمُ الأثر في مسيرة الطَّالب العلميَّة والعمليَّة، ذلكَ لأنَّ العلمَ النَّافع يدعو إلى العَمل الصَّالح، ولا يكونُ نافعًا إلاَّ إذَا ظهَرت آثارُه على صاحبه، فيجدُ الطَّالبُ ضالَّتَه الفكريَّةَ والعقليَّةَ والرُّوحيَّةَ والأدبيَّةَ بهذه المباشرَة، ويستَفيد تـنمية ملكتِه العلميَّة ورسوخَها كمَا أشار إلى ذلكَ ابنُ خلدون؛ ورَووا أنَّه «كانَ يجتَمعُ في مجلس أحمَد زُهَاء خمسة آلاف أو يزيدون نحو خمسمائة يكتُبون، والباقُون يتَعلَّمون منهُ حُسن الأدَب والسَّمت»(2).
وأمرٌ آخرُ وهو أن يصلَ الطَّالبُ نفسَه بسلسلة العلم المبارَكَة الَّتي تنتَهي به إلى مبلِّغ الوحي نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم، فتشعُر نفسُه بالانتماءِ إلى حظيرة العلم وأهلِه، فتزكو أخلاقُه، وتَحسُنُ آدابُه، ويجمُل هديُه؛ وهذا ما يُحرمُ منه المتَّصلُ بالعلم بحبلٍ غير متين؛ إمَّا عن طريق الكتاب وحدَه، أو عن طريق الوسائل الحديثة كالمواقع والمنتديات الإلكترونيَّة في الشَّبكة العنكبوتيَّة، ونحوها، فهذه طرقٌ تُوصلُ إلى كثير منَ المعرفَة، لكنَّ التَّتلمذَ عليها وتنصيبَها في محلِّ الشَّيخ المعلِّم، والاقتصارَ عليها وحدَها، هو ضربٌ مِن ضُروب الخَلل الَّذي يُصدِّع شخصيَّةَ الطَّالب، ويهزُّ فكرَه، ويُهدر عليه وقتَه، ويجعَلُ منه متعلِّمًا هزيلاً، لا يحقِّق مقصدًا، ولا يبلغ مأربًا، ولا ينشَأُ منه عالمًا محرِّرًا، ذلك لأنَّ هذا العلم روحٌ به تتمُّ الحياةُ، فلا تنقله الآلةُ إلى الرُّوح، وإنَّما ينتقل منَ الرُّوح إلى الرُّوح، لتكمُل به النَّفسُ، فيتلقَّى العلمَ مِن أفواه المشايخ حِسًّا ومشاهدةً ومزاحمةً بالرُّكب بينَ أيديهم، فيكون قَد أخذَ العلمَ بأطرافه، فيعرف الشَّيخَ، ويعرفه الشَّيخُ ويتمُّ بينَهما التَّناسُب؛ فليس مَنْ أخذ العلمَ عن الإنسان الحيِّ النَّاطقِ كمَن أخذه عن الجمَاد ولو كان ناطقًا.
أمَّا من لم يُعِرْ هذا الأصلَ العظيمَ اهتمامًا، فقَد نادى على نفسِه بالخيبة والهوان، وسيُحيط به النَّدمُ عند فَوات الأوان؛ وقد قالوا قديمًا: «مَن دخَل في العلم وحدَه؛ خرجَ وحده»؛ قال الشَّيخ بكر أبو زيد :: «أي: مَن دخل في طلب العلم بلا شيخ؛ خرجَ منهُ بلا علمٍ؛ إذ العلمُ صَنْعَةٌ، وكلُّ صنعَةٍ تحتَاج إلى صانع، فَلا بدَّ إذًا لتَعلُّمها مِن معلِّمها الحاذق»(3).
وعندما يبلغ الرُّشدَ يجد نفسَه موتورَ النَّسب العلميِّ، ويُعاب على عرائه من المشيخَة، ولهذا لمَّا كتب أحمدُ ابنُ نصر الدَّاودي المسيلي (402 هـ) مُنكِرًا على معاصريه من علماء القيروان سُكناهم في مملكَة بني عُبَيْد، وبقاءَهم بين أظهرهم؛ كان جوابُهم عليه أن قالوا له: «اسكُت لا شيخَ لك»؛ لأنَّه لم يَتفقَّهْ في أَكْثَرِ علمِه عند إمَامٍ مشهورٍ، وإنَّما وصَل إلى ما وصل بإدراكه، ويُشيرون أنَّه لو كانَ له شيخٌ يفقِّهه حقيقةَ الفقه، لعَلم أنَّ بقاءَهُم مع مَن هناكَ مِن عامَّة المسلمين تثبيتٌ لهم على الإسلام، وبقيَّةٌ صالحَةٌ للإيمَان، وأنَّه لو خرجَ العُلماء من إفريقيَّة لتشرَّق(4) مَن بقيَ فيها منَ العامَّة الألف والآلاف، فرجَّحُوا خيرَ الشَّرَّيْن(5).
وفي كتاب «الصِّلة» لابن بشكوال (1 /250) عن صالح ابن الإمام أحمد رحمه الله قال: «لقَد التفَت المعتَصمُ إلى أبي فقَال له: كلِّم ابنَ دُؤاد؛ فأعرَضَ عنهُ أبي بوجهه، وقَال: كيفَ أكَلِّمُ مَن لم أرَه على باب عالمٍ قَطُّ».
فهذا هو المَهيعُ السَّائد والمنهجُ المعهود عند أهل العلم المتقدِّمين منهم والمتأخِّرين، فلم يكونوا يتصوَّرون طالبَ علم عديمَ الصِّلة بالمشايخ والعلماء، أو فاقدَ العلاقة بالأساتذة والمعلِّمين، بل منَ الوصف اللاَّزم للطَّالب اشتهارُه بطَرْق أبوابهم للزِّيارة والاستفادَة، والجلوس بينَ أيديهم للتَّعلُّمِ والاستزادةِ، ورعايةُ حُرمتِهم في الغيب والشَّهادة، والتَّلطُّف عند مخاطبتهم، وحُسن الاستماع منهم، مع الأخذ بمجامع الأدب بحضرتهم وفي مجالسهم؛ فإنَّ العلمَ رحمٌ بينَ أهله، ولا بدَّ مِن وصلِ هذه الرَّحم، ودَفْعِ أسبابِ قطعها، وبقَدر هذَا الوصل يكون الفلاحُ والنَّجاحُ، وبقَدْر ترك هذا الوِصال يكونُ الفشلُ والإخفَاق.
فعلى طالب العلم النَّبيه أن يكون على صلةٍ وثيقةٍ بأهل العلم، لينتَظمَ في سِلكهم ويَلحقَ برَبْعِهم، وليَرفع الجهلَ والجهالةَ عن نفسه، فبالعلم يزولُ الجهلُ عنه، وبقُربه من أهل العلم ترتَفع جهالةُ عينِه وحالِه، فيَشتَهر عندَهُم بالطَّلب وتثبُت عدالتُه واستقامتُه؛ فممَّا كانَ مقرَّرًا عند المحدِّثين قديمًا أنَّهم لا يقبلُون حديثَ الرَّاوي حتَّى تُعلَم عينُه بأن يرويَ عنه على الأقلِّ اثنان من الرُّواة الثِّقات المشهورين، وتَنكشفَ حالُه من حيثُ العدالةُ والتَّجريحُ؛ لهذا كانَ من المستَهجن القَبيح أن ينصِّبَ الرَّجلُ نفسَه معلِّمًا، وهو مجهول النَّسب العلمي، ولا يَعرفُ عنه أهلُ العلم من أهل بلده القريبين منه ـ فضلاً عن غيرهم ـ شيئًا، لا عينَه وصورتَه، ولا حالَه وعدالتَه.
وبهذا الأسلوب السَّلفي الوجيه يُقطَع الطَّريقُ على المتطفِّلين على أهل العلم، والمنتَسبين إليهم بغير حقٍّ، ممَّن امتلأت بهم الدُّنيا هذه الأيَّام سواءً في عالَم الحقيقَة أو في عالَم الافتراض (عالم الأنترنت)، وصاروا يشَكِّلون عقبةً كؤودًا، يحولون بين النَّاس وبينَ العلماء، ويصرفون وجوهَ العامَّة إلى أنصاف العلماء، ويثيرون فتنًا هوجَاء، ويُشيعُون فهومًا عوجَاء، ويُصدرون أحكامًا وفتاوى عرجاء، والَّذي غرَّهم سهولةُ الوصُول إلى وسَائل العلم، ويُسر تناولها كوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمشاهدة، والشَّبكَة العَنكبوتيَّة ونحوها، فهذه الوسائل كثيراً ما تصنِّف أشخاصًا تحت مسمَّى عالم، ومفتٍ، وداعية، وباحث شرعي ونحوها من المسمَّيات، وهو غير مؤهَّل لشيء من ذلك؛ لهذا انتبه سلفنا قديمًا إلى أنَّ الكتابَ ـ مع كونِه وسيلةً خالصةً للنَّفعِ ـ غيرَ أنَّه قد يُسبِّبُ هذا التَّطفُّلَ، قال الأوزاعي رحمه الله: «كانَ هذا العلمُ كريمًا يتَلاقاه الرِّجالُ بينَهم، فلَمَّا دخَل في الكُتب، دخَل فيه غيرُ أهلِه»(6)، فكيف اليوم بهذه الوسائل الَّتي ليست متمحِّضةً للنَّفع والخير، بل هي صارفةٌ عن كثير من الحقائق، وملهيةٌ عن كثير من الدَّقائق، وتجمع إلى جنب الخير الَّذي فيها كثيرًا منَ الشُّرور والآفات، فإنَّها تُخرِجُ الصَّغير في صورة الكبير، وتصوِّر الحقير في هيئة العظيم، والنَّاقص في صورة الكامل.
فالشَّأن الَّذي ينبغي أن يُعلَمَ أنَّ مُستَودعَ العلم صُدورُ الرِّجال، قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾[العنكبوت:49]، لهذا عندما يحينُ وقت رفع العلم منَ الأرض، فإنَّ رفعَه لا يكون بإتلاف هذه الوسائل وإزالتها، بل بقَبض حمَلَة العلم وهُم العلماء، كما جاء في الحديث الصَّحيح: «إِنَّ اللهَ لا يَقْبضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، ولَكِنْ يَقْبضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلَمَاء»(7).
فإذا كنَّا نرومُ أن ترسُو سفينتُنا على شاطئ الأمان، ونسلمَ من الفتن وأسباب الهوان؛ فعلينا أن نعود بالعمليَّة التَّعليميَّة إلى سكَّتها الَّتي عهدها أهلُ العلم وتوارثها الخلف عن السَّلف وألِفُوها جيلا بعد جيل، وهو تسلُّم العلم من أفواه العُلماء والمشايخ، وأن نُبقي هذه السُّنَّة الحميدَة، والطَّريقة السَّلفيَّة الرَّشيدة، حفاظًا على شريعتنا الغرَّاء، وصيانةً لجناب سنَّة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم المحجَّة البيضاء من كلِّ سوء وفتنة عمياء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «الموافقات» (1 /140).
(2) «السِّير» (11 /316)؛ وفيه أيضًا: أنَّ أبا بكر ابن المُطوِّعي كان يقول: اختلفَت إلى أبي عبد الله ثنتي عشرة سنة، وهو يقرأ «المسند» على أولاده، فما كتبت عنه حديثا واحدا، إنما كنت أنظر إلى هديه وأخلاقه.
(3) «حلية طالب العلم» (ص 159).
(4) أي صار على عقيدة المشارقة، ويومها كانت عقيدةَ العُبَيْديِّين الباطنيِّين.
(5) «ترتيب المدارك» (7 /103)، وقال الشاطبي: «وبهذَا الوجه وقَع التَّشنيع على ابن حزم الظَّاهري، وأنَّه لم يُلازم الأخذَ عن الشُّيوخ، ولا تأدَّب بآدابهم، وبضدِّ ذلكَ كانَ العُلماءُ الرَّاسخون كالأئمَّة الأربعَة وأشباههم» [«الموافقات» (1 /144)]
(6) «تاريخ ابن عساكر» (35 /188).
(7) البخاري (100)، ومسلم (2673).
Audio
✳️ عنوان الخطبة: المحافظة على صحة الأبدان
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 13 ربيع الآخر 1448 ـ 25 سبتمبر 2026
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌 قال ابن عثيمين رحمه الله:
«إذا كان إماطةُ الأذى عن الطَّريق الحِسِّي صدقةً، فإماطةُ الأذى عن الطَّريق المَعنوي أبلغُ، وذلكَ ببيان البدَع والمُنكَرات وغيرِها». [«شرح الأربعين النووية» (ص٢٦٦)]