«حورية» رواية غموض ورعب وحب…
تحكي صراعًا شرسًا بين النفس والعقل، وبين الحب والكراهية.
عالمٌ يختلط فيه الواقع بالحلم، ويواجه البطل فيه نسخته المظلمة—شخصيه غامضة لا يعرف إن كانت خلاصه… أم نهايته.
الرواية تجسيد للأنانية، لحب النفس، وللخوف الذي يتحول إلى شغف.
قصة قصيرة في صفحاتها… عميقة في جراحها… تترك القارئ ممسكًا بأنفاسه حتى آخر كلمة💙.
لمتابعه الروايه انضموا للقناه 💙
https://t.me/Rouhhee
تحكي صراعًا شرسًا بين النفس والعقل، وبين الحب والكراهية.
عالمٌ يختلط فيه الواقع بالحلم، ويواجه البطل فيه نسخته المظلمة—شخصيه غامضة لا يعرف إن كانت خلاصه… أم نهايته.
الرواية تجسيد للأنانية، لحب النفس، وللخوف الذي يتحول إلى شغف.
قصة قصيرة في صفحاتها… عميقة في جراحها… تترك القارئ ممسكًا بأنفاسه حتى آخر كلمة💙.
لمتابعه الروايه انضموا للقناه 💙
https://t.me/Rouhhee
🔥7❤6
روايه حورية
بقلم : محمد ياسر
الفصل الاول
قناه الروايه:
https://t.me/Rouhhee
“ما قبل الفتحة الأولى للظلام”
كان يوسف يشبه الخرطوم في هدوئه الصباحي.
مدينة تبدأ يومها ببطء… كأنها تعتذر عن الليل.
ويوسف كذلك—شابٌ لا يحب الضجيج، ولا يخطط لثورات، ولا يطلب من الحياة إلا أن تمشي بخط مستقيم، بلا زوايا حادة.
كان يستيقظ قبل الفجر بدقائق، يمدّ يده نحو هاتفه ويتأكد من الوقت، ثم ينهض متثاقلًا كمن يحمل على كتفيه نصف ليل العالم.
يغسل وجهه بماءٍ بارد، ويستمع إلى خريره كأنه نشيد صغير يعيده لهدوئه القديم.
ثم يقف للصلاة… هادئًا، مطمئنًا، خاشعًا كما يحب.
لم يكن “متدينًا مثاليًا”، لكنه كان يعرف أن الصلاة هي الشيء الوحيد البينقذه لما باقي الحياة تتخلى عنه.
كان يسجد… فيبرد صدره، ويرفع رأسه… فيرجع له بعض الهواء.
بعد الصلاة يعود إلى غرفته الصغيرة.
سرير على يمين الباب، مكتبة خشبية عتيقة على اليسار، ورائحة بخور علّقتها أمّه في الجدران قبل أن تذهب للعمل.
كانت أمه معلّمة… تعرف كيف تزرع الدفء في البيت حتى لما تسكت.
وأبوه محامٍ هادئ، صوته عالي في المحكمة، لكنه يمشي في البيت على أطراف أصابعه حتى لا يوقظ “عائشة”… الصغيرة التي تركض نحوه كل يوم لحظة يرجع من العمل، كأنه بطل خارق عاد من معركة.
اختار يوسف قميصًا مكويًا نصف كيّ، وخرج.
فتح باب سيارته القديمة—التي كانت تصدر صوتًا يشبه:
“تنهيده ، كانها تشتكي منه، كأنك تقول الفيني كملت ما عندي حيل لمشوار واحد ؟”
ثم أدار المفتاح، فاهتزّ المحرك قليلًا قبل أن يستسلم للعمل.
كان يسميها “الصابرة”، لأنها الوحيدة التي لم تخذله في سبع سنوات.
الطريق
الشمس كانت تتسلل من بين المباني، والنسيم الخفيف يلامس وجهه كأنه يربّت عليه.
لكن يوسف لم يشعر بالراحة.
كان الإحساس الثقيل الذي بدأ قبل أسبوع لا يزال يرافقه:
شيء يأتيه ليلًا…
يجلس معه…
ويهمس في أذنه بصوت لا يشبه أصوات البشر ولا الشيطان ، صوت في دماغه ، زحام من الأفكار بدون نهايه...
رنّ الهاتف.
ظهر اسمها:
سارة.
ممرضة… طيبة… لطيفة… أكتر زولة بتعرف كيف تهدّيهو ..
يوسف – «صباح الخير يا سارة.»
ساره – «صباح النور… صحيت بدري؟»
يوسف – «كالعادة. صليت ومشيت.»
ساره – «الحمد لله… واها دعيت لي؟ .»
يوسف– «اكيد يا ساره اكيد.. ثم تنهد»
ساره – «يوسف… إنت كويس؟ صوتك اليوم غريب.»
ساره – «راسي يا ساره راسي ..حلم صاحاني… ما كان مريح.»
ساره – «عن شنو؟»
يوسف – «باب… وصوت… وضباب…»
ساره– «يوسف… أنت قلت قبل كده إنو الليل بقي صعب عليك. في شنو بالضبط»
يوسف – «لكن الليلة… كانت أصعب.صدقيني ايام وحتعدي ، أها أحكي لي الحاصل عليك شنو؟؟»
سكتت قليلًا ثم قالت:
– «أها… عندي كلام مهم. لما تجي المستشفى بعد الشغل… هتكلم معاك.»
يوسف – «موضوع شنو؟»
ساره – «مهم… بس ما تخاف.»
يوسف – «ممكن أتاخر …»
ساره – «ياخ تعال بس…»
في المكتب
وصل يوسف لدوامه.
المكيف شغال بنص طاقتك، والورق فوق الطاولات كأنه ينتظر شخص يعتذر منه .
قبل أن يجلس، سمع صوت صديقه أحمد:
– «يا يوسف! الصابرة جابتك ولا لزيتها؟؟ ؟»
يوسف – «جابتني… وجابت أخبار ما لطيفة.»
احمد – «ياخي العربية دي لو عندها لسان كانت اشتكتك للمرور.»
يوسف – «ولو عندها لسان… كانت قالت ليك ارحمنا وخلينا في حالنا»
ضحكا.
احمد – «سارة اتصلت؟»
يوسف – «اتصلت.»
احمد– « كانت بتتكلم معاي شكلها دايرة تتكلم عن موضوع الخطوبة.»
يوسف – «أنا داير أستقر… ألتزم… أصلّي… أعيش مع زولة تشبهني. وسارة هي الوحيدة البتفهمني.»
احمد – «خلاص… أمش ليها بعد الشغل وشوف البحصل شنو.»
يوسف – « راسي عايز يطق ، كل يوم بقيت بحلم بس الليلة… الحلم كان غير.»
احمد – «كيف؟»
يوسف – «في صوت… قال لي: "ما تنوم بدري الليلة".»
احمد – «مجرد كابوس.»
يوسف – «لكن الصوت… كان جوه دماغي حاسس بيهو جوه.»
عدد
سكت أحمد…
هز رأسه بخفة…
وقال:
– «يوسف… إنت لازم ترتاح. القلق دا ما طبيعي.»
---
تصدعات الخوف
مر اليوم ببطء.
كل ورقة يلمسها تُذكّره بالباب الأسود.
كل صوت في المكتب يعيد تلك الجملة:
“ما تنوم بدري الليلة…”
مع نهاية الدوام خرج يوسف.
ركب الصابرة…
لكن ما أن نظر للمرآة الخلفية حتى رأى ظلًا يمرّ بسرعة—بلا ملامح… بلا وجه.
صرخ:
– «يا ساتر!!»
تعرقت يداه.
قلبه ضرب بقوة.
ذكر فورًا اسمًا واحدًا:
الدكتور علاء.
طبيب نفسي… يعرفه منذ سنة… لما مرّ يوسف بقلق شديد.
ضغط على دواسة البنزين، واتجه مباشرة نحو المستشفى النفسي.
---
المستشفى النفسي
الممرات كانت تشبه كتبًا قديمة انسكب عليها الضوء.
وجوه المرضى ليست مخيفة… بل موجوعة.
ناس جالسين في صمت—كل واحد ماسك بجرح داخلي ما عنده شكل.
في الزوايا، أصوات خطوات… همس… وبكاء مكتوم.
هنا… يعرف الإنسان أن أكثر الناس ابتسامًا
هم أكثرهم ألمًا.
بقلم : محمد ياسر
الفصل الاول
قناه الروايه:
https://t.me/Rouhhee
“ما قبل الفتحة الأولى للظلام”
كان يوسف يشبه الخرطوم في هدوئه الصباحي.
مدينة تبدأ يومها ببطء… كأنها تعتذر عن الليل.
ويوسف كذلك—شابٌ لا يحب الضجيج، ولا يخطط لثورات، ولا يطلب من الحياة إلا أن تمشي بخط مستقيم، بلا زوايا حادة.
كان يستيقظ قبل الفجر بدقائق، يمدّ يده نحو هاتفه ويتأكد من الوقت، ثم ينهض متثاقلًا كمن يحمل على كتفيه نصف ليل العالم.
يغسل وجهه بماءٍ بارد، ويستمع إلى خريره كأنه نشيد صغير يعيده لهدوئه القديم.
ثم يقف للصلاة… هادئًا، مطمئنًا، خاشعًا كما يحب.
لم يكن “متدينًا مثاليًا”، لكنه كان يعرف أن الصلاة هي الشيء الوحيد البينقذه لما باقي الحياة تتخلى عنه.
كان يسجد… فيبرد صدره، ويرفع رأسه… فيرجع له بعض الهواء.
بعد الصلاة يعود إلى غرفته الصغيرة.
سرير على يمين الباب، مكتبة خشبية عتيقة على اليسار، ورائحة بخور علّقتها أمّه في الجدران قبل أن تذهب للعمل.
كانت أمه معلّمة… تعرف كيف تزرع الدفء في البيت حتى لما تسكت.
وأبوه محامٍ هادئ، صوته عالي في المحكمة، لكنه يمشي في البيت على أطراف أصابعه حتى لا يوقظ “عائشة”… الصغيرة التي تركض نحوه كل يوم لحظة يرجع من العمل، كأنه بطل خارق عاد من معركة.
اختار يوسف قميصًا مكويًا نصف كيّ، وخرج.
فتح باب سيارته القديمة—التي كانت تصدر صوتًا يشبه:
“تنهيده ، كانها تشتكي منه، كأنك تقول الفيني كملت ما عندي حيل لمشوار واحد ؟”
ثم أدار المفتاح، فاهتزّ المحرك قليلًا قبل أن يستسلم للعمل.
كان يسميها “الصابرة”، لأنها الوحيدة التي لم تخذله في سبع سنوات.
الطريق
الشمس كانت تتسلل من بين المباني، والنسيم الخفيف يلامس وجهه كأنه يربّت عليه.
لكن يوسف لم يشعر بالراحة.
كان الإحساس الثقيل الذي بدأ قبل أسبوع لا يزال يرافقه:
شيء يأتيه ليلًا…
يجلس معه…
ويهمس في أذنه بصوت لا يشبه أصوات البشر ولا الشيطان ، صوت في دماغه ، زحام من الأفكار بدون نهايه...
رنّ الهاتف.
ظهر اسمها:
سارة.
ممرضة… طيبة… لطيفة… أكتر زولة بتعرف كيف تهدّيهو ..
يوسف – «صباح الخير يا سارة.»
ساره – «صباح النور… صحيت بدري؟»
يوسف – «كالعادة. صليت ومشيت.»
ساره – «الحمد لله… واها دعيت لي؟ .»
يوسف– «اكيد يا ساره اكيد.. ثم تنهد»
ساره – «يوسف… إنت كويس؟ صوتك اليوم غريب.»
ساره – «راسي يا ساره راسي ..حلم صاحاني… ما كان مريح.»
ساره – «عن شنو؟»
يوسف – «باب… وصوت… وضباب…»
ساره– «يوسف… أنت قلت قبل كده إنو الليل بقي صعب عليك. في شنو بالضبط»
يوسف – «لكن الليلة… كانت أصعب.صدقيني ايام وحتعدي ، أها أحكي لي الحاصل عليك شنو؟؟»
سكتت قليلًا ثم قالت:
– «أها… عندي كلام مهم. لما تجي المستشفى بعد الشغل… هتكلم معاك.»
يوسف – «موضوع شنو؟»
ساره – «مهم… بس ما تخاف.»
يوسف – «ممكن أتاخر …»
ساره – «ياخ تعال بس…»
في المكتب
وصل يوسف لدوامه.
المكيف شغال بنص طاقتك، والورق فوق الطاولات كأنه ينتظر شخص يعتذر منه .
قبل أن يجلس، سمع صوت صديقه أحمد:
– «يا يوسف! الصابرة جابتك ولا لزيتها؟؟ ؟»
يوسف – «جابتني… وجابت أخبار ما لطيفة.»
احمد – «ياخي العربية دي لو عندها لسان كانت اشتكتك للمرور.»
يوسف – «ولو عندها لسان… كانت قالت ليك ارحمنا وخلينا في حالنا»
ضحكا.
احمد – «سارة اتصلت؟»
يوسف – «اتصلت.»
احمد– « كانت بتتكلم معاي شكلها دايرة تتكلم عن موضوع الخطوبة.»
يوسف – «أنا داير أستقر… ألتزم… أصلّي… أعيش مع زولة تشبهني. وسارة هي الوحيدة البتفهمني.»
احمد – «خلاص… أمش ليها بعد الشغل وشوف البحصل شنو.»
يوسف – « راسي عايز يطق ، كل يوم بقيت بحلم بس الليلة… الحلم كان غير.»
احمد – «كيف؟»
يوسف – «في صوت… قال لي: "ما تنوم بدري الليلة".»
احمد – «مجرد كابوس.»
يوسف – «لكن الصوت… كان جوه دماغي حاسس بيهو جوه.»
عدد
سكت أحمد…
هز رأسه بخفة…
وقال:
– «يوسف… إنت لازم ترتاح. القلق دا ما طبيعي.»
---
تصدعات الخوف
مر اليوم ببطء.
كل ورقة يلمسها تُذكّره بالباب الأسود.
كل صوت في المكتب يعيد تلك الجملة:
“ما تنوم بدري الليلة…”
مع نهاية الدوام خرج يوسف.
ركب الصابرة…
لكن ما أن نظر للمرآة الخلفية حتى رأى ظلًا يمرّ بسرعة—بلا ملامح… بلا وجه.
صرخ:
– «يا ساتر!!»
تعرقت يداه.
قلبه ضرب بقوة.
ذكر فورًا اسمًا واحدًا:
الدكتور علاء.
طبيب نفسي… يعرفه منذ سنة… لما مرّ يوسف بقلق شديد.
ضغط على دواسة البنزين، واتجه مباشرة نحو المستشفى النفسي.
---
المستشفى النفسي
الممرات كانت تشبه كتبًا قديمة انسكب عليها الضوء.
وجوه المرضى ليست مخيفة… بل موجوعة.
ناس جالسين في صمت—كل واحد ماسك بجرح داخلي ما عنده شكل.
في الزوايا، أصوات خطوات… همس… وبكاء مكتوم.
هنا… يعرف الإنسان أن أكثر الناس ابتسامًا
هم أكثرهم ألمًا.
❤9🔥2👍1
خاطرة قصيرة:
المريض النفسي ليس ضعيفًا…
إنه شخص انهزم وحده، ثم جمع نفسه وحده،
وذهب للطبيب وحده،
ليقول بأدب: «ساعدوني… قبل ما أسقط.»
والطبيب النفسي ليس ساحرًا…
هو صديق يُعيد ترتيب الفوضى،
ويقول لك: «ما عيب تبكي… العيب تتظاهر بالقوة لحدّ ما تقع.»
دخل يوسف على الدكتور علاء.
رفع الطبيب رأسه وقال بابتسامة:
– «ليه ملامح الخوف دي كلها ؟ اتفضل اجلس يا ابني .»
يوسف – «دكتور… أنا شفت حاجة… ما طبيعية.»
– «اقعد… واحكي.»
يوسف – «ظل… ظهر قدامي… في المراية… وأنا صاحي.»
– «هل كنت مرهق؟»
يوسف – «مرهق… وخايف… راسي ما بيهدا كلو افكار »
– «يوسف… الخوف لمن يزيد… بخلي الخيال حقيقي. لكن دا ما معناهو إنك مجنون.»
يوسف – «أنا… ما داير أكون نسخة مرعبة من نفسي حاسس انو دا م انا »
– «أمشي البيت هسي ، وتعال لي بكره أخد ليك منوم عشان تقدر تنوم ، وسجل رقمك هنا حاتواصل معاك عشان مواعيد المقابله.»
خرج يوسف… وقلبه أخف قليلًا.
اتصل بسارة، فقالت له:
– «ما قدرت أستناك… أنا في مقهى قريب من المستشفى… تعال.»
---
المقهى
كانت سارة تجلس قرب النافذة..
كانت ترتدي عباءة بسيطة، وطرحة بلون الورد الهادئ.
وجهها صادق… ومليان طيبة… كانها خلقت من أجل الحب..
يوسف مغرم بها… يسميها طوق النجاه
هي كانت صديقته لسنين…
ضحكوا مع بعض… بكوا… وقفوا جنب بعض…
إلى أن انقلبت الصداقة—بهدوء—لحُب لا يعلَن بسهولة.
جلس أمامها.
ابتسمت وقالت:
– «مالك؟ شكلك مرهق.»
يوسف – «ما نمت كويس.»
ساره – «لسه الاحلام بتجي »
– «بصوره متكرره يا ساره ، الاحلام دي لو كانت انتي كان حيكون اهون..»
ضحكت وهي تخفض عينيها.
سكتت لحظة… ثم قالت كلامًا لم يكن ينتظره:
– «يوسف… في موضوع مهم.»
– «خير؟»
– «جاني عريس…»
تجمد قلبه.
– «و…؟»
– «العريس دا… متعلق بي شديد. وأهلي… ما عايزين يرفضوه.»
– «سارة…»
– «لكن…»
رفعت عينيها نحوه بثبات:
– «أنا ما عايزة… غيرك إنت.»
– «ما بقدر أعيش بدونك. وإنت عارف الكلام دا.»
– «سارة…»
– «لازم نعمل خطوة جدّية. قبل الأمور تكبر.»
كانت تنظر إليه بنظرة فيها خوف… وحب… ورجاء.
نظرة زولة مستعدة تقاتل الدنيا… بس ما تخسر يوسف.
وهنا…
بدأ الليل الحقيقي
يُفتح بابه الأول...💙
يتبع
@HmadaChan
المريض النفسي ليس ضعيفًا…
إنه شخص انهزم وحده، ثم جمع نفسه وحده،
وذهب للطبيب وحده،
ليقول بأدب: «ساعدوني… قبل ما أسقط.»
والطبيب النفسي ليس ساحرًا…
هو صديق يُعيد ترتيب الفوضى،
ويقول لك: «ما عيب تبكي… العيب تتظاهر بالقوة لحدّ ما تقع.»
دخل يوسف على الدكتور علاء.
رفع الطبيب رأسه وقال بابتسامة:
– «ليه ملامح الخوف دي كلها ؟ اتفضل اجلس يا ابني .»
يوسف – «دكتور… أنا شفت حاجة… ما طبيعية.»
– «اقعد… واحكي.»
يوسف – «ظل… ظهر قدامي… في المراية… وأنا صاحي.»
– «هل كنت مرهق؟»
يوسف – «مرهق… وخايف… راسي ما بيهدا كلو افكار »
– «يوسف… الخوف لمن يزيد… بخلي الخيال حقيقي. لكن دا ما معناهو إنك مجنون.»
يوسف – «أنا… ما داير أكون نسخة مرعبة من نفسي حاسس انو دا م انا »
– «أمشي البيت هسي ، وتعال لي بكره أخد ليك منوم عشان تقدر تنوم ، وسجل رقمك هنا حاتواصل معاك عشان مواعيد المقابله.»
خرج يوسف… وقلبه أخف قليلًا.
اتصل بسارة، فقالت له:
– «ما قدرت أستناك… أنا في مقهى قريب من المستشفى… تعال.»
---
المقهى
كانت سارة تجلس قرب النافذة..
كانت ترتدي عباءة بسيطة، وطرحة بلون الورد الهادئ.
وجهها صادق… ومليان طيبة… كانها خلقت من أجل الحب..
يوسف مغرم بها… يسميها طوق النجاه
هي كانت صديقته لسنين…
ضحكوا مع بعض… بكوا… وقفوا جنب بعض…
إلى أن انقلبت الصداقة—بهدوء—لحُب لا يعلَن بسهولة.
جلس أمامها.
ابتسمت وقالت:
– «مالك؟ شكلك مرهق.»
يوسف – «ما نمت كويس.»
ساره – «لسه الاحلام بتجي »
– «بصوره متكرره يا ساره ، الاحلام دي لو كانت انتي كان حيكون اهون..»
ضحكت وهي تخفض عينيها.
سكتت لحظة… ثم قالت كلامًا لم يكن ينتظره:
– «يوسف… في موضوع مهم.»
– «خير؟»
– «جاني عريس…»
تجمد قلبه.
– «و…؟»
– «العريس دا… متعلق بي شديد. وأهلي… ما عايزين يرفضوه.»
– «سارة…»
– «لكن…»
رفعت عينيها نحوه بثبات:
– «أنا ما عايزة… غيرك إنت.»
– «ما بقدر أعيش بدونك. وإنت عارف الكلام دا.»
– «سارة…»
– «لازم نعمل خطوة جدّية. قبل الأمور تكبر.»
كانت تنظر إليه بنظرة فيها خوف… وحب… ورجاء.
نظرة زولة مستعدة تقاتل الدنيا… بس ما تخسر يوسف.
وهنا…
بدأ الليل الحقيقي
يُفتح بابه الأول...💙
يتبع
@HmadaChan
❤11🔥1
اللهم يا ربّ البيت الحرام…
قد جئتُ إلى بيتك راجيًا رحمتك، سائلًا عفوك، متعلّقًا بكرمك.
اللهم لا تجعلها آخر زيارة، وافتح لي أبواب القبول والتوفيق.
اللهم استجب دعائي، ويسّر أمري، واهدِ قلبي، واصرف عني ما يضرّني، واقضِ لي حاجتي بما تحب وترضى.
يا رب… اجعلني من عبادك الذين يُقبلون عليك فلا يُخيَّبون، ويطلبون رحمتك فلا يُردّون.❤️
قد جئتُ إلى بيتك راجيًا رحمتك، سائلًا عفوك، متعلّقًا بكرمك.
اللهم لا تجعلها آخر زيارة، وافتح لي أبواب القبول والتوفيق.
اللهم استجب دعائي، ويسّر أمري، واهدِ قلبي، واصرف عني ما يضرّني، واقضِ لي حاجتي بما تحب وترضى.
يا رب… اجعلني من عبادك الذين يُقبلون عليك فلا يُخيَّبون، ويطلبون رحمتك فلا يُردّون.❤️
❤15
روايه حورية
بقلم : محمد ياسر
الفصل الثاني
قناه الروايه:
https://t.me/Rouhhee
"السقوط الأول… حين يبدأ الليل في تذكُّر اسمه"
كان الليل تلك الليلة ثقيلًا…
ثقيلاً لدرجة تشبه يدًا فوق صدر نائمٍ، تمنعه من التنفّس.
يوسف ألقى جسده على السرير بعد يومٍ طويل، لكن النوم لم يأتي كراحة…
جا كضيفٍ متوحّش، فتح الباب بدون استئذان.
وما إن غفا…
حتى شعر كأن الظلام ليس حوله—
بل داخله.
الجبل
وجد نفسه واقفًا على قمة جبلٍ لا يُرى آخره.
ريح باردة تضرب وجهه… باردة لدرجة تشبه أصابع ميّت ينفض عنها تراب المقابر.
تحت قدميه…
هاوية سوداء، لا قاع لها.
ثم…
شيء يقترب من خلفه.
شيء يلمسه أولًا بخفّة…
ثم بقسوة…
ثم يدفعه بقوةٍ لا تشبه البشر.
حاول يتمسّك بحافة الجبل،
لكن الصخور كانت تنسحب من بين أصابعه كأنها حيّة…
كأن الجبل يرفضه.
صرخ:
– «في منو؟!»
بدون رد
وفجأة…
سقط.
السقوط كان بطيئًا… مرعبًا…
بطيئًا لدرجة يسمع فيها قلبه وهو ينفصل عنه.
ثم توقّف.
لم يسقط على الأرض…
بل سقط في حضن امرأة.
امرأة بلا ملامح.
وجهها ضباب،
شعرها طويل، مبلّل، كأنها خرجت من البحر قبل دقيقة.
لكن رائحتها…
كانت رائحة الموت تماما.
شدّته لصدرها…
أصابعها السوداء انغرست في ضلوعه.
سمع طَق.
ثم أخرى.
ضلوعه تنكسر.
ثم صرخ…
وفجأة…
استيقظ...
نهض على رنين جوّاله.
صدره يوجعه… كأن الكسر كان حقيقي.
نظر الشاشة:
الدكتور علاء.
– «ألو…»
– «يوسف؟ صباح الخير اتصلت عليك عشان اذكرك لازم تلاقيني الليله للمقابله»
– « يا دكتور تاني في حلم… كان حقيقي يا دكتور. حسّيت نفسي بموت.»
– « كدي اهدا وتعال العيادة اليوم… ضروري.»
– «حاضر.»
اغلق الهاتف، ويداها لا إراديا اتصلتا بطوق نجاته...
رفع هاتفه واتصل بسارة.
ردّت بنبرة تعب:
– «ألو… صباح الخير يا يوسف.»
– «سارة… الحلم الكان…»
قاطعته وهي تزفر:
– «الله يهديك يا يوسف… ما تبدأ اليوم شنو كل شويه حلمت. المهم، موضوع العريس… ناوي تتقدم متين؟ أهلي دايرين رد.»
سكت لحظة.
ثم انفجر…
– «دا كل همّك؟!
يا سارة دا كل همّك؟!
أنا بقول ليك بحلم بحاجات بتكسر ضلوعي…
وانتي تقولي عريس؟!»
– «يوسف… إنت مالك؟»
– «أعمل شنو؟!
راتبي يادوب مكفيني… وانتي عارفة!
أنا بقول ليك أنا بخاف… وأنا بتكسر من جوّا…
وانتي… ولا همّك!»
شهقت:
– «إنت بتصرخ لي شنو؟!»
– «عشان أنا ضايع… وأنا ما قادر أرتّب نفسي. بس.»
وقفل الخط.
وظل واقفًا…
احس إن هنالك شئ انكسر… لا يعرف قلبه ام قلب ساره...
تحرك يوسف الى الدوام يوسف كأن الليل ترك على روحه طبقة من الرماد.
لم يكن حيًّا تمامًا… ولا غائبًا تمامًا.
كان شيئًا شفافًا، يعبر الهواء بلا صوت.
الدوام
صعد الدرج ببطء.
العالم حوله بلا ألوان…
أبيض وأسود… كأن الحياة فقدت الحبر الذي تُكتب به.
كان يسمع أصواتًا بعيدة… كأن أحدهم يناديه من آخر نفق.
ولم يرد.
جلس أمام مكتبه. وضع يديه على لوحة المفاتيح…
لكن أصابعه لم تعترف بالأرقام.
كان يكتب… ثم يمحو… ثم يحدّق في شاشة لا يفهمها.
أحمد، ، حاول أن يوقظه من الغيبوبة:
– «يوووسف… ياخي انت كويس؟»
لم يلتفت.
– «يا زول… أنا بتكلم معاك.»
يوسف حرّك رأسه قليلًا، لكنه ظل صامتًا…
كأن صوته مكسور في مكانٍ ما.
– «إنت الليله مالك في شي حاصل بينك وبين ساره .»
لم يجب.
تركة أحمد بحسرة، ومشى نحو مكتب المدير.
مكتب خالد – المدير المباشر
خالد كان رجلاً صريحًا، عمليًا، لا يحب الدوران.
نظر إلى يوسف من وراء المكتب، تأمّل وجهه الباهت، وطلب منه الجلوس.
– «يوسف…»
رفع يوسف رأسه ببطء.
– «تعال نتكلم بصراحة… الحسابات ال دخلتها أمس كانت كلها غلط.»
ظل يوسف ينظر إلى الطاولة… كأنه يراها لأول مرة.
– «أنا ما بلومك… أنا بس داير أعرف: شنو الحاصل؟»
يوسف بصوت خافت، متكسّر:
– «يا خالد… ما عارف…»
– «أنا مديرك… لكن قبل كدا أنا بني آدم، وبعرف التعب لمن يهد زول.
أنت الأيام دي… ضايع يا يوسف. ضايع شديد.»
تنفّس يوسف بعمق… وحاول أن يجمع شتات جملة واحدة:
– «ما بقدر… أركز… رأسي مليان… أصوات… وأفكار… وخوف…»
خالد انحنى للأمام، تحدث بنبرة فيها قسوة… وفيها رحمة:
– «يا ابني… ما في زول بيقوى براهو
الضعف ما عيب… العيب إنك تغلط وتغلط بدون ما تراجع غلطك.»
ارتجفت يد يوسف قليلًا.
لم يكن يبكي… لكن عينيه كأنهما تحملان موسمًا كاملًا من المطر الممنوع.
– «أمشي البيت… ارتاح. ما داير منك شغل اليوم.
وبكرة… تجيني بعد ما ترتّب نفسك.
أوعك تخلي روحك تقع قدّامي يا يوسف… أنا شايفك بتنهار.»
وقف يوسف.
تأمّل الأرض… ثم قال ببطء:
– «شكراً…»
– «ما بينا شكر … شوف نفسك أول.
الدوام ما بخلص… بس صدقني روح الانسان ممكن تخلص انتبه علي نفسك يا يوسف انت غالي علي شديد »
خرج يوسف من المكتب…
والعالم ما زال أبيض وأسود.
والخوف ما زال يهمس في أذنه كظلٍّ يحاول أن يعيش معه.
بقلم : محمد ياسر
الفصل الثاني
قناه الروايه:
https://t.me/Rouhhee
"السقوط الأول… حين يبدأ الليل في تذكُّر اسمه"
كان الليل تلك الليلة ثقيلًا…
ثقيلاً لدرجة تشبه يدًا فوق صدر نائمٍ، تمنعه من التنفّس.
يوسف ألقى جسده على السرير بعد يومٍ طويل، لكن النوم لم يأتي كراحة…
جا كضيفٍ متوحّش، فتح الباب بدون استئذان.
وما إن غفا…
حتى شعر كأن الظلام ليس حوله—
بل داخله.
الجبل
وجد نفسه واقفًا على قمة جبلٍ لا يُرى آخره.
ريح باردة تضرب وجهه… باردة لدرجة تشبه أصابع ميّت ينفض عنها تراب المقابر.
تحت قدميه…
هاوية سوداء، لا قاع لها.
ثم…
شيء يقترب من خلفه.
شيء يلمسه أولًا بخفّة…
ثم بقسوة…
ثم يدفعه بقوةٍ لا تشبه البشر.
حاول يتمسّك بحافة الجبل،
لكن الصخور كانت تنسحب من بين أصابعه كأنها حيّة…
كأن الجبل يرفضه.
صرخ:
– «في منو؟!»
بدون رد
وفجأة…
سقط.
السقوط كان بطيئًا… مرعبًا…
بطيئًا لدرجة يسمع فيها قلبه وهو ينفصل عنه.
ثم توقّف.
لم يسقط على الأرض…
بل سقط في حضن امرأة.
امرأة بلا ملامح.
وجهها ضباب،
شعرها طويل، مبلّل، كأنها خرجت من البحر قبل دقيقة.
لكن رائحتها…
كانت رائحة الموت تماما.
شدّته لصدرها…
أصابعها السوداء انغرست في ضلوعه.
سمع طَق.
ثم أخرى.
ضلوعه تنكسر.
ثم صرخ…
وفجأة…
استيقظ...
نهض على رنين جوّاله.
صدره يوجعه… كأن الكسر كان حقيقي.
نظر الشاشة:
الدكتور علاء.
– «ألو…»
– «يوسف؟ صباح الخير اتصلت عليك عشان اذكرك لازم تلاقيني الليله للمقابله»
– « يا دكتور تاني في حلم… كان حقيقي يا دكتور. حسّيت نفسي بموت.»
– « كدي اهدا وتعال العيادة اليوم… ضروري.»
– «حاضر.»
اغلق الهاتف، ويداها لا إراديا اتصلتا بطوق نجاته...
رفع هاتفه واتصل بسارة.
ردّت بنبرة تعب:
– «ألو… صباح الخير يا يوسف.»
– «سارة… الحلم الكان…»
قاطعته وهي تزفر:
– «الله يهديك يا يوسف… ما تبدأ اليوم شنو كل شويه حلمت. المهم، موضوع العريس… ناوي تتقدم متين؟ أهلي دايرين رد.»
سكت لحظة.
ثم انفجر…
– «دا كل همّك؟!
يا سارة دا كل همّك؟!
أنا بقول ليك بحلم بحاجات بتكسر ضلوعي…
وانتي تقولي عريس؟!»
– «يوسف… إنت مالك؟»
– «أعمل شنو؟!
راتبي يادوب مكفيني… وانتي عارفة!
أنا بقول ليك أنا بخاف… وأنا بتكسر من جوّا…
وانتي… ولا همّك!»
شهقت:
– «إنت بتصرخ لي شنو؟!»
– «عشان أنا ضايع… وأنا ما قادر أرتّب نفسي. بس.»
وقفل الخط.
وظل واقفًا…
احس إن هنالك شئ انكسر… لا يعرف قلبه ام قلب ساره...
تحرك يوسف الى الدوام يوسف كأن الليل ترك على روحه طبقة من الرماد.
لم يكن حيًّا تمامًا… ولا غائبًا تمامًا.
كان شيئًا شفافًا، يعبر الهواء بلا صوت.
الدوام
صعد الدرج ببطء.
العالم حوله بلا ألوان…
أبيض وأسود… كأن الحياة فقدت الحبر الذي تُكتب به.
كان يسمع أصواتًا بعيدة… كأن أحدهم يناديه من آخر نفق.
ولم يرد.
جلس أمام مكتبه. وضع يديه على لوحة المفاتيح…
لكن أصابعه لم تعترف بالأرقام.
كان يكتب… ثم يمحو… ثم يحدّق في شاشة لا يفهمها.
أحمد، ، حاول أن يوقظه من الغيبوبة:
– «يوووسف… ياخي انت كويس؟»
لم يلتفت.
– «يا زول… أنا بتكلم معاك.»
يوسف حرّك رأسه قليلًا، لكنه ظل صامتًا…
كأن صوته مكسور في مكانٍ ما.
– «إنت الليله مالك في شي حاصل بينك وبين ساره .»
لم يجب.
تركة أحمد بحسرة، ومشى نحو مكتب المدير.
مكتب خالد – المدير المباشر
خالد كان رجلاً صريحًا، عمليًا، لا يحب الدوران.
نظر إلى يوسف من وراء المكتب، تأمّل وجهه الباهت، وطلب منه الجلوس.
– «يوسف…»
رفع يوسف رأسه ببطء.
– «تعال نتكلم بصراحة… الحسابات ال دخلتها أمس كانت كلها غلط.»
ظل يوسف ينظر إلى الطاولة… كأنه يراها لأول مرة.
– «أنا ما بلومك… أنا بس داير أعرف: شنو الحاصل؟»
يوسف بصوت خافت، متكسّر:
– «يا خالد… ما عارف…»
– «أنا مديرك… لكن قبل كدا أنا بني آدم، وبعرف التعب لمن يهد زول.
أنت الأيام دي… ضايع يا يوسف. ضايع شديد.»
تنفّس يوسف بعمق… وحاول أن يجمع شتات جملة واحدة:
– «ما بقدر… أركز… رأسي مليان… أصوات… وأفكار… وخوف…»
خالد انحنى للأمام، تحدث بنبرة فيها قسوة… وفيها رحمة:
– «يا ابني… ما في زول بيقوى براهو
الضعف ما عيب… العيب إنك تغلط وتغلط بدون ما تراجع غلطك.»
ارتجفت يد يوسف قليلًا.
لم يكن يبكي… لكن عينيه كأنهما تحملان موسمًا كاملًا من المطر الممنوع.
– «أمشي البيت… ارتاح. ما داير منك شغل اليوم.
وبكرة… تجيني بعد ما ترتّب نفسك.
أوعك تخلي روحك تقع قدّامي يا يوسف… أنا شايفك بتنهار.»
وقف يوسف.
تأمّل الأرض… ثم قال ببطء:
– «شكراً…»
– «ما بينا شكر … شوف نفسك أول.
الدوام ما بخلص… بس صدقني روح الانسان ممكن تخلص انتبه علي نفسك يا يوسف انت غالي علي شديد »
خرج يوسف من المكتب…
والعالم ما زال أبيض وأسود.
والخوف ما زال يهمس في أذنه كظلٍّ يحاول أن يعيش معه.
❤9
لكن…
في مكانٍ بعيد من قلبه…
كان اسم سارة يلمع مثل نقطة نور صغيرة.
وكأنه الشيء الوحيد الملون…
في يومٍ بلا لون..
تحرك يوسف عبر الصابره الي دكتور علاء ، وكله امل لإنقاذه.
جلس أمام الدكتور علاء.
يده ترتجف.
علاء نظر له بثبات:
– «الحلم الأخير… حسّسك بشنو؟»
– «زي زول بيقع… وضلوعي بتتكسر… وكنت حاسس بالوجع.»
– «قبل ما تنوم… بتحس بالخوف؟»
يوسف – «قبل… وأثناء… وبعد.»
علاء – «عصبيتك؟»
يوسف – «زي نار… بتولّع بدون سبب.»
سكت يوسف فجأة…
ورفع رأسه…
وعينيه مليانات خوف.
– «دكتور…
قول لي…
أنا مجنون؟
فيّ شنو؟»
ابتسم علاء بهدوء:
– «المجنون ما بيسأل السؤال دا يا يوسف.
العقل المرهق ما جنون…
العقل المرهق دا نداء.
وإنت سمعت النداء… وجيت.
دا أول خط نجاة.»
يوسف مسح وجهه:
– «بس أنا خايف… خايف أنوم.»
علاء – «وخوفك ما غلط.
الغلط إنك تواجه براااك.
لكن أنا معاك هسي .»
علاء – «يوسف…
إنت مريت بصدمة؟
بحاجة ما بتنقال بسهولة؟
حاجة غيّرت مجرى حياتك؟
كسّرتك؟»
يوسف شهق نفس…
وبدت روحو كلها ترتعش…
يوسف – «مريت…
مريت بحاجة…
لكن…
في صدمة…
لو فتحت بابها…
ما ح أوقف بكا…
وما مستعد…
ما مستعد أسترجعها الآن.»
علاء ما حاول يسأل اكتر
ما حاول يسرّع اللحظة…
لأنه كان عارف إن الصدمات ما بتتفتح بسهوله..
علاء – «تمام يا يوسف.
إحنا ما بنفتح جروح قديمه
في ابواب صاحبها يكون جاهز قبل ما يدقها.
المقابلة الجاية…
خليها لمن تكون مستعد.
لمن تحس قلبك يقدر يشيل الحكاية.
وأنا…
أنا ح أكون هنا.
ينسمعها مع بعض…
ونرتّب الخراب اتفقنا؟ »
يوسف وقف…
جسمه تقيل…
والباب البيفتحه بيده كان أخف من الباب البيقفل جوّا روحو.
وهو طالع…
كان صدره لسه مكتوم…
لكن لأول مرة…
في شرارة صغيرة براّقة…
شرارة بتقول:
"ما لازم أحارب براي. "
خاطرة قصيرة:
كأنّ البحر خُلق للرجل الذي يُجيد الكتمان.
يهرب إليه لا لينجو… بل ليضع أوجاعه فيه
كمن يخبّئ سرًا في صدر صديقٍ أمين.
هناك، عند الحافة الزرقاء،
يستعيد الرجل جزءًا من نفسه،
ويتنفّس الحقيقة بلا شهود،
كأن الهروب—أحيانًا—أقرب طريق للثبات.
البحر… المكان الوحيد الممكن يتنفس فيه يوسف
يوسف ما بدخّن،
ما بشرب،
ما بيعرف طريق الانتشاء الصناعي.
انتشاءه الوحيد…
إنه يقيف قدّام البحر،
ويرفّع صدره،
ويخلّي الهواء يدخل لحد آخر الرئة.
البحر مكانه السري…
زر إعادة التشغيل…
المنفذ الوحيد الهارب منه ومن نفسه.
جلس على صخرته.
الموج يتكسّر تحته.
والهواء يملأ صدره كأنه دواء.
كان يوسف يسير كأنه مأخوذٌ بقوةٍ لا يفهمها…
الرغبة في دخول البحر لم تكن قرارًا، بل كانت إحساسًا طافحًا من داخله، إحساسٌ ضاغط يشبه نداءً قديمًا يعود ليطالب بحقّه.
وقف عند الحافة، نظر إلى الآفاق الواسعة كمن يحاول أن يقرأ شيئًا مكتوبًا على حافة الدنيا، ثم بدأ ينزل… خطوةً بعد خطوة…
خطوات بطيئة، هادئة، لكنها مُحمَّلة بثقل سنوات طويلة.
تنفّس بعمق.
كأن صدره يحاول أن يبتلع العالم قبل أن يطفو أو يغرق.
وفجأة—بلا سابق إنذار—انبثق صوت من العدم،
صوت لم يكن خارجيًا تمامًا… ولا داخليًا تمامًا…
صوتٌ خافت، بارد، ينفذ إلى العظم:
«أغرق… ما عندك أمل تعيش.»
وفي لحظة…
انطفأ كل شيء.
ظلام حالك.
ظلام يشبه حفرة بلا قاع…
ثم صمت طويل كأن الزمن نفسه حبس أنفاسه.
…
وفجأة صوت سيارة…
انفجار ضوء…
ارتجاج في الروح…
فتح يوسف عينيه ببطء،
وجد نفسه جالسًا داخل الصابرة أمام باب منزله.
ملابسه تلتصق بجسده، تنقط ماءً كأنه خرج من البحر في هذه اللحظة.
يداه ترتجفان.
أنفاسه متقطعة.
نظر إلى المقود، إلى الباب، إلى الطريق أمامه…
ولا شيء في ذاكرته يخبره:
متى قاد؟
كيف عاد؟
أين اللحظة التي حملته من قاع البحر إلى عتبة بيته؟
كل ما عرفه…
أن الليل أكبر منه،
وأن ثمة سرًّا ثقيلاً حدث…
ولا يزال يقطر من جسده كما يقطر ماء البحر الآن.
نزل يوسف من السيارة مترنّحًا،
كل خطوة يخطوها تترك خلفه أثر ماء…
كأنه لا يزال يخرج من البحر، لا من الشارع.
صعد الدرج ببطء،
ورأسه يعجُّ بأسئلةٍ لا يملك حتى شجاعة صياغتها:
كيف وصل؟ لماذا عاد؟ ماذا حدث؟ هل كان ذلك الصوت وهمًا… أم نداء؟
ضغط على الجرس.
فتحت أمه الباب—زينب، تلك التي تعرف وجع أولادها حتى قبل أن ينطقوا.
حدّقت فيه بدهشة حادّة، بنظرة أمّ ترى الشرّ قبل أن يُذكر.
قالت بصوت متوتر:
«يوسف… إنت كويس؟ مالك مبلول كدا؟ مشيت وين؟»
لكن يوسف لم يملك أي كلمة.
اقترب فقط…
ثم انهار في حضنها كطفل سُلبت منه كل الحيلة.
ارتمى بكل ثقله—ثقل الماء، ثقل الخوف، ثقل شيء لم يفهمه بعد—
وبكى… بكى بصوتٍ عالٍ كأنه يبكي للمرة الأولى في حياته.
أمه تحاول أن تلمس رأسه، أن تطمئنه، أن تسأله…
وهو لا يستطيع الرد.
كل ما يخرج منه:
نحيب رجلٍ رأى شيئًا لم يكن مستعدًا لرؤيته.
وهناك… عند عتبة البيت، في حضن أمّه،
لم يولد الخوف فقط،
بل وُلدت حكاية جديدة…
حكاية ظلامٍ بدأ يبتلع يوسف من تلك اللحظة،
ظلام لا يعرف أحد—ولا حتى هو—إلى أين سيقوده...
يتبع...
في مكانٍ بعيد من قلبه…
كان اسم سارة يلمع مثل نقطة نور صغيرة.
وكأنه الشيء الوحيد الملون…
في يومٍ بلا لون..
تحرك يوسف عبر الصابره الي دكتور علاء ، وكله امل لإنقاذه.
جلس أمام الدكتور علاء.
يده ترتجف.
علاء نظر له بثبات:
– «الحلم الأخير… حسّسك بشنو؟»
– «زي زول بيقع… وضلوعي بتتكسر… وكنت حاسس بالوجع.»
– «قبل ما تنوم… بتحس بالخوف؟»
يوسف – «قبل… وأثناء… وبعد.»
علاء – «عصبيتك؟»
يوسف – «زي نار… بتولّع بدون سبب.»
سكت يوسف فجأة…
ورفع رأسه…
وعينيه مليانات خوف.
– «دكتور…
قول لي…
أنا مجنون؟
فيّ شنو؟»
ابتسم علاء بهدوء:
– «المجنون ما بيسأل السؤال دا يا يوسف.
العقل المرهق ما جنون…
العقل المرهق دا نداء.
وإنت سمعت النداء… وجيت.
دا أول خط نجاة.»
يوسف مسح وجهه:
– «بس أنا خايف… خايف أنوم.»
علاء – «وخوفك ما غلط.
الغلط إنك تواجه براااك.
لكن أنا معاك هسي .»
علاء – «يوسف…
إنت مريت بصدمة؟
بحاجة ما بتنقال بسهولة؟
حاجة غيّرت مجرى حياتك؟
كسّرتك؟»
يوسف شهق نفس…
وبدت روحو كلها ترتعش…
يوسف – «مريت…
مريت بحاجة…
لكن…
في صدمة…
لو فتحت بابها…
ما ح أوقف بكا…
وما مستعد…
ما مستعد أسترجعها الآن.»
علاء ما حاول يسأل اكتر
ما حاول يسرّع اللحظة…
لأنه كان عارف إن الصدمات ما بتتفتح بسهوله..
علاء – «تمام يا يوسف.
إحنا ما بنفتح جروح قديمه
في ابواب صاحبها يكون جاهز قبل ما يدقها.
المقابلة الجاية…
خليها لمن تكون مستعد.
لمن تحس قلبك يقدر يشيل الحكاية.
وأنا…
أنا ح أكون هنا.
ينسمعها مع بعض…
ونرتّب الخراب اتفقنا؟ »
يوسف وقف…
جسمه تقيل…
والباب البيفتحه بيده كان أخف من الباب البيقفل جوّا روحو.
وهو طالع…
كان صدره لسه مكتوم…
لكن لأول مرة…
في شرارة صغيرة براّقة…
شرارة بتقول:
"ما لازم أحارب براي. "
خاطرة قصيرة:
كأنّ البحر خُلق للرجل الذي يُجيد الكتمان.
يهرب إليه لا لينجو… بل ليضع أوجاعه فيه
كمن يخبّئ سرًا في صدر صديقٍ أمين.
هناك، عند الحافة الزرقاء،
يستعيد الرجل جزءًا من نفسه،
ويتنفّس الحقيقة بلا شهود،
كأن الهروب—أحيانًا—أقرب طريق للثبات.
البحر… المكان الوحيد الممكن يتنفس فيه يوسف
يوسف ما بدخّن،
ما بشرب،
ما بيعرف طريق الانتشاء الصناعي.
انتشاءه الوحيد…
إنه يقيف قدّام البحر،
ويرفّع صدره،
ويخلّي الهواء يدخل لحد آخر الرئة.
البحر مكانه السري…
زر إعادة التشغيل…
المنفذ الوحيد الهارب منه ومن نفسه.
جلس على صخرته.
الموج يتكسّر تحته.
والهواء يملأ صدره كأنه دواء.
كان يوسف يسير كأنه مأخوذٌ بقوةٍ لا يفهمها…
الرغبة في دخول البحر لم تكن قرارًا، بل كانت إحساسًا طافحًا من داخله، إحساسٌ ضاغط يشبه نداءً قديمًا يعود ليطالب بحقّه.
وقف عند الحافة، نظر إلى الآفاق الواسعة كمن يحاول أن يقرأ شيئًا مكتوبًا على حافة الدنيا، ثم بدأ ينزل… خطوةً بعد خطوة…
خطوات بطيئة، هادئة، لكنها مُحمَّلة بثقل سنوات طويلة.
تنفّس بعمق.
كأن صدره يحاول أن يبتلع العالم قبل أن يطفو أو يغرق.
وفجأة—بلا سابق إنذار—انبثق صوت من العدم،
صوت لم يكن خارجيًا تمامًا… ولا داخليًا تمامًا…
صوتٌ خافت، بارد، ينفذ إلى العظم:
«أغرق… ما عندك أمل تعيش.»
وفي لحظة…
انطفأ كل شيء.
ظلام حالك.
ظلام يشبه حفرة بلا قاع…
ثم صمت طويل كأن الزمن نفسه حبس أنفاسه.
…
وفجأة صوت سيارة…
انفجار ضوء…
ارتجاج في الروح…
فتح يوسف عينيه ببطء،
وجد نفسه جالسًا داخل الصابرة أمام باب منزله.
ملابسه تلتصق بجسده، تنقط ماءً كأنه خرج من البحر في هذه اللحظة.
يداه ترتجفان.
أنفاسه متقطعة.
نظر إلى المقود، إلى الباب، إلى الطريق أمامه…
ولا شيء في ذاكرته يخبره:
متى قاد؟
كيف عاد؟
أين اللحظة التي حملته من قاع البحر إلى عتبة بيته؟
كل ما عرفه…
أن الليل أكبر منه،
وأن ثمة سرًّا ثقيلاً حدث…
ولا يزال يقطر من جسده كما يقطر ماء البحر الآن.
نزل يوسف من السيارة مترنّحًا،
كل خطوة يخطوها تترك خلفه أثر ماء…
كأنه لا يزال يخرج من البحر، لا من الشارع.
صعد الدرج ببطء،
ورأسه يعجُّ بأسئلةٍ لا يملك حتى شجاعة صياغتها:
كيف وصل؟ لماذا عاد؟ ماذا حدث؟ هل كان ذلك الصوت وهمًا… أم نداء؟
ضغط على الجرس.
فتحت أمه الباب—زينب، تلك التي تعرف وجع أولادها حتى قبل أن ينطقوا.
حدّقت فيه بدهشة حادّة، بنظرة أمّ ترى الشرّ قبل أن يُذكر.
قالت بصوت متوتر:
«يوسف… إنت كويس؟ مالك مبلول كدا؟ مشيت وين؟»
لكن يوسف لم يملك أي كلمة.
اقترب فقط…
ثم انهار في حضنها كطفل سُلبت منه كل الحيلة.
ارتمى بكل ثقله—ثقل الماء، ثقل الخوف، ثقل شيء لم يفهمه بعد—
وبكى… بكى بصوتٍ عالٍ كأنه يبكي للمرة الأولى في حياته.
أمه تحاول أن تلمس رأسه، أن تطمئنه، أن تسأله…
وهو لا يستطيع الرد.
كل ما يخرج منه:
نحيب رجلٍ رأى شيئًا لم يكن مستعدًا لرؤيته.
وهناك… عند عتبة البيت، في حضن أمّه،
لم يولد الخوف فقط،
بل وُلدت حكاية جديدة…
حكاية ظلامٍ بدأ يبتلع يوسف من تلك اللحظة،
ظلام لا يعرف أحد—ولا حتى هو—إلى أين سيقوده...
يتبع...
❤8
🤣9
أنا هنا ، عندما تكون لديك أحلام سيئة ، وعندما تشعر أنك لا تستطيع الحديث ، وعندما تشعر أن روحك ثقيلة ، بغض النظر عن مانمر به .. أنا هنا دائمًا💙
❤8
عانقتُها،
نيابةً عن كُل تلك الليالي
التي ربَّتت فيها على نفسي وقلتُ ستمضي.💙
نيابةً عن كُل تلك الليالي
التي ربَّتت فيها على نفسي وقلتُ ستمضي.💙
❤5
”آمنت أن العلاقات بين البشر لا تقاس بالحب بقدر ما تقاس بالأمان.. الأمان الدائم، أن تستأمن أحدهم على عيوبك وزلاتك حتى على تلك الأمور التي تخاف قولها لنفسك، أن لا تشعر بضرورة إخفاء بعض الأحاديث خشية أن تشوه صورتك 💙.”
❤10
"لم أشعر معك ولو لمرة بالغربة
كنت دائماً مثل الوطن الحنون
إنه ذلك النوع من الحب
الذي لا يمكن تفسيره
لأنه يحمل الكثير من المشاعر
التي لا توصف بالكلمات
لا أعتقد أنه حُب
هو شيءٌ أرقى من الحُب بمراحل
شيء لا يمكن تفسيره،
شيء يشبه العودة إلى المنزل
بعد سنواتٍ مُتعبة جداً .💙
كنت دائماً مثل الوطن الحنون
إنه ذلك النوع من الحب
الذي لا يمكن تفسيره
لأنه يحمل الكثير من المشاعر
التي لا توصف بالكلمات
لا أعتقد أنه حُب
هو شيءٌ أرقى من الحُب بمراحل
شيء لا يمكن تفسيره،
شيء يشبه العودة إلى المنزل
بعد سنواتٍ مُتعبة جداً .💙
❤5🔥2🥰1
عَجِيبٌ كَيفَ أنّكَ تلتَصقُ بِروحِي تَسيلُ فِي دَمي تتَكاثرُ فِي دَاخَلي بَشَكلٍ مُفزعٍ ، إنكَ حَتَى وَاضحٌ علَى وَجهي علَى صَوتي وَعلَى يَدي ، أنا مُلطِخٌ جٍدًا بِك .💙.!!
❤3🔥1
رواية : حورية
بقلم : محمد ياسر
الفصل الرابع
«يوم ميلاد… بلا شموع»
قناه الرواية:
https://t.me/Rouhhee
كانت الذكريات أول أعداء الإنسان؛
تخرج عليه حين يطمئن،
وتلدغه حين يظن أنه نجا،
كأن الماضي ليس زمناً مضى…
بل روحًا تتسكع داخل القلب ولا تموت.
وكان يوسف يعرف هذا أكثر من غيره؛
فكل خسارة عاشها
بدأت دائمًا من تلك الغرفة الصغيرة في صدره…
حيث لا سبيل للهروب.
قبل 5 سنوات..
كان يوم ميلاده الثالث عشر من يناير،
كان القدر يهيّئ له ضربة قاسية
لم يكن مستعدًا لها مهما اشتدّ ظهره.
ثلاثة رجال يسافرون نحوه في اللحظة نفسها:
مارك من بريطانيا،
فرانك من مصر،
أيمن من مدينته البعيدة.
ثلاثتهم قرروا أن يعودوا في هذا اليوم،
أن يعيدوا الزمن خمسه عشره سنه للوراء،
أن يدخلوا بيته لحظة منتصف الليل
ويصرخوا: «كل عام وانت الخير !».
لكن يوسف…
لم يكن يتذكر ميلاده أصلًا.
هو لم يحتفل به يومًا،
ولا عرف له معنى،
ولا سعى إليه.
كان الناس يذكّرونه…
وهو لا يشعر.
أما والدته..
فكانت الوحيدة التي تعرف،
والوحيدة التي تحاول أن تخفي عنه الحقيقة هذا العام،
والوحيدة التي قلبها يرتجف كل دقيقة
وهي تتمنى أن تصل المفاجأة قبل أن يصل أي خبر آخر.
كانت تخرجه من البيت بحجج واهية:
– «أمشِ اشتري لي ملح.»
– «أمشِ شوف خالتك.»
– «تعال ودّيني السوق .»
لأن يوسف لو بقي دقيقة واحدة بالبيت…
كان سيعرف أن شيئًا كبيرًا يتحضّر له.
لكن الطريق…
لا يعطي ضمانات لأحد.
فلاش باك — «أولاد الحي»
قبل خمسه عشره سنه،
كان الحي يعرف ضحكة واحدة تتوزع على أربعة أولاد:
يوسف، مارك، فرانك، أيمن.
يوسف…
الهادئ الذي يلمّ شملهم.
مارك — محمد عبدالسلام —
لكن اسمه الحقيقي مات يوم قال له يوسف ضاحكًا:
«إنت بتحب الفيس بوك كأنك مديره مارك … من الليله اسمك مارك ومافي زول حيناديك غير كدا!»
فضحك الولد… وصار الاسم قدرًا.
فرانك — محمد أحمد —
ملامحه جعلت الحي يناديه بذلك بلا نقاش كان يشبه الممثل فرانك كثيرا..
أيمن…
الرجل الصغير الذي يعقلهم كلهم.
كانوا أربعة…
أكثر من إخوة… أقل من أن تُفسّر علاقتهم بالكلام.
يلعبون، يركضون، يعبرون الحي كأنه ملكهم،
يقفزون فوق أسوار الجيران،
يهربون من الحارس،
يضحكون حتى البكاء.
وحين تفرّقوا…
مارك إلى بريطانيا،
فرانك إلى مصر،
أيمن إلى مدينة أخرى…
بقي يوسف وحده يحمل ذكرياتهم كمن يحمل وطنًا كاملًا على كتفيه.
حتى اتفقوا أخيرًا
أن يعودوا في يوم واحد…
يوم ميلاده.
يوم « الشمل الكبير ».
لكن الأقدار…
كتبت نهاية أخرى.
الاتصال...
كان يوسف في منتصف الشارع،
ينهي مشوارًا بلا معنى،
حين رنّ هاتفه.
ظهر اسم أمه زينب
– «أها يا أمي، خير؟»
لكن صوتها كان مكسورًا…
باهتًا…
مخنوقًا.
– «تعال البيت… هسّي…»
ثم انقطع الخط.
ارتجف يوسف.
ضغط على البنزين…
السيارة انطلقت كأنها تهرب من شيء أسود.
وعند أول الشارع…
رأى الناس متجمعين.
وجوه شاحبة.
دموع.
سيارة شرطة.
وصوت بكاء مكتوم.
ركض.
صرخ.
– «أبوي وين؟!»
جاءه صوت والده من الخلف:
– «أنا هنا… أنا تمام… ما تشيل هم»
امي تمام بخير.
ابوي كويس
إذن… من الميت؟
من يستحق هذا الصمت الثقيل؟
لم يجب أحد.
حتى جاء رجل الشرطة العجوز،
صديق والد يوسف،
ووضع يده على كتفه وقال:
– «تعال المشرحة… لازم تتعرّف على الجثث.»
يوسف - « جثث منو»
الشرطي- « ما حكيتو ليوسف حاجه »
هز والده رأسه علامه على التأكيد
يوسف- « فهموني فشنو؟؟؟؟»
ياسين ( والد يوسف) « يا ولدي اهدي اول أرح معانا حتفهم كل حاجه»
المشرحة — «ثلاثة جدران بيضاء»
دخل يوسف المشرحة وهو نصف حي.
الباب الحديدي فتح بصوت يشبه نعيقًا باردًا،
والجو داخل المكان كان زمهريرًا.
ثلاثة جثث
ثلاثة أغطية بيضاء.
رفع الفني الغطاء الأول.
كان مارك.
مارك الذي كانت ضحكته تسبق أنفاسه…
صار صمتًا كاملًا.
فتح الفني الغطاء الثاني.
كان فرانك.
وجهه القوي صار هدوءًا مخيفًا.
ثم الغطاء الثالث.
كان أيمن…
الرجل الصغير الذي كان يعقّلهم كلهم…
راقدًا بلا نفس.
جلس يوسف على الأرض…
الهواء يضيق…
الدماغ تجمد…
والقلب يرتطم بين ضلوعه كأنه يريد الخروج.
وقال بصوت مخنوق:
«كيف ؟
ليه جايينني؟
ليه ؟
متين حصل كدا ؟»
لكن الموت لا يفسر.
وفي تمام الساعة 12
يوم ميلاده…
انطفأ يوسف تمامًا،
وسقط فاقد الوعي
في حضرة ثلاثة وجوه
كانت كل حياته.
السقوط الطويل
دخل في غيبوبة لثلاثة أسابيع.
الأطباء قالوا كلامًا طبيًا باردًا:
«صدمة عصبية حادة.»
«اضطراب ما بعد الصدمة.»
لكن الحقيقة؟
الحقيقة أن روحه لم تستطع العودة وحدها.
كانت زينب والدته تقضي ساعات تمسك يده
وتبكي بلا صوت.
حتى في الأسبوع الثالث
راودت يوسف الاحلام ، كأنه يعيش حياه أخرى في عالم اخر ...
ولكن فجاه فتح عينيه ببطء…
ورأى الوجوه:
أمه، خالته، سهى…
وسارة.
سارة كانت واقفة في الخلف،
تمسك دفترًا صغيرًا،
تخفي نصف وجهها بشعرها،
وكأن وجودها خجل لا يريد أن ينكشف.
بقلم : محمد ياسر
الفصل الرابع
«يوم ميلاد… بلا شموع»
قناه الرواية:
https://t.me/Rouhhee
كانت الذكريات أول أعداء الإنسان؛
تخرج عليه حين يطمئن،
وتلدغه حين يظن أنه نجا،
كأن الماضي ليس زمناً مضى…
بل روحًا تتسكع داخل القلب ولا تموت.
وكان يوسف يعرف هذا أكثر من غيره؛
فكل خسارة عاشها
بدأت دائمًا من تلك الغرفة الصغيرة في صدره…
حيث لا سبيل للهروب.
قبل 5 سنوات..
كان يوم ميلاده الثالث عشر من يناير،
كان القدر يهيّئ له ضربة قاسية
لم يكن مستعدًا لها مهما اشتدّ ظهره.
ثلاثة رجال يسافرون نحوه في اللحظة نفسها:
مارك من بريطانيا،
فرانك من مصر،
أيمن من مدينته البعيدة.
ثلاثتهم قرروا أن يعودوا في هذا اليوم،
أن يعيدوا الزمن خمسه عشره سنه للوراء،
أن يدخلوا بيته لحظة منتصف الليل
ويصرخوا: «كل عام وانت الخير !».
لكن يوسف…
لم يكن يتذكر ميلاده أصلًا.
هو لم يحتفل به يومًا،
ولا عرف له معنى،
ولا سعى إليه.
كان الناس يذكّرونه…
وهو لا يشعر.
أما والدته..
فكانت الوحيدة التي تعرف،
والوحيدة التي تحاول أن تخفي عنه الحقيقة هذا العام،
والوحيدة التي قلبها يرتجف كل دقيقة
وهي تتمنى أن تصل المفاجأة قبل أن يصل أي خبر آخر.
كانت تخرجه من البيت بحجج واهية:
– «أمشِ اشتري لي ملح.»
– «أمشِ شوف خالتك.»
– «تعال ودّيني السوق .»
لأن يوسف لو بقي دقيقة واحدة بالبيت…
كان سيعرف أن شيئًا كبيرًا يتحضّر له.
لكن الطريق…
لا يعطي ضمانات لأحد.
فلاش باك — «أولاد الحي»
قبل خمسه عشره سنه،
كان الحي يعرف ضحكة واحدة تتوزع على أربعة أولاد:
يوسف، مارك، فرانك، أيمن.
يوسف…
الهادئ الذي يلمّ شملهم.
مارك — محمد عبدالسلام —
لكن اسمه الحقيقي مات يوم قال له يوسف ضاحكًا:
«إنت بتحب الفيس بوك كأنك مديره مارك … من الليله اسمك مارك ومافي زول حيناديك غير كدا!»
فضحك الولد… وصار الاسم قدرًا.
فرانك — محمد أحمد —
ملامحه جعلت الحي يناديه بذلك بلا نقاش كان يشبه الممثل فرانك كثيرا..
أيمن…
الرجل الصغير الذي يعقلهم كلهم.
كانوا أربعة…
أكثر من إخوة… أقل من أن تُفسّر علاقتهم بالكلام.
يلعبون، يركضون، يعبرون الحي كأنه ملكهم،
يقفزون فوق أسوار الجيران،
يهربون من الحارس،
يضحكون حتى البكاء.
وحين تفرّقوا…
مارك إلى بريطانيا،
فرانك إلى مصر،
أيمن إلى مدينة أخرى…
بقي يوسف وحده يحمل ذكرياتهم كمن يحمل وطنًا كاملًا على كتفيه.
حتى اتفقوا أخيرًا
أن يعودوا في يوم واحد…
يوم ميلاده.
يوم « الشمل الكبير ».
لكن الأقدار…
كتبت نهاية أخرى.
الاتصال...
كان يوسف في منتصف الشارع،
ينهي مشوارًا بلا معنى،
حين رنّ هاتفه.
ظهر اسم أمه زينب
– «أها يا أمي، خير؟»
لكن صوتها كان مكسورًا…
باهتًا…
مخنوقًا.
– «تعال البيت… هسّي…»
ثم انقطع الخط.
ارتجف يوسف.
ضغط على البنزين…
السيارة انطلقت كأنها تهرب من شيء أسود.
وعند أول الشارع…
رأى الناس متجمعين.
وجوه شاحبة.
دموع.
سيارة شرطة.
وصوت بكاء مكتوم.
ركض.
صرخ.
– «أبوي وين؟!»
جاءه صوت والده من الخلف:
– «أنا هنا… أنا تمام… ما تشيل هم»
امي تمام بخير.
ابوي كويس
إذن… من الميت؟
من يستحق هذا الصمت الثقيل؟
لم يجب أحد.
حتى جاء رجل الشرطة العجوز،
صديق والد يوسف،
ووضع يده على كتفه وقال:
– «تعال المشرحة… لازم تتعرّف على الجثث.»
يوسف - « جثث منو»
الشرطي- « ما حكيتو ليوسف حاجه »
هز والده رأسه علامه على التأكيد
يوسف- « فهموني فشنو؟؟؟؟»
ياسين ( والد يوسف) « يا ولدي اهدي اول أرح معانا حتفهم كل حاجه»
المشرحة — «ثلاثة جدران بيضاء»
دخل يوسف المشرحة وهو نصف حي.
الباب الحديدي فتح بصوت يشبه نعيقًا باردًا،
والجو داخل المكان كان زمهريرًا.
ثلاثة جثث
ثلاثة أغطية بيضاء.
رفع الفني الغطاء الأول.
كان مارك.
مارك الذي كانت ضحكته تسبق أنفاسه…
صار صمتًا كاملًا.
فتح الفني الغطاء الثاني.
كان فرانك.
وجهه القوي صار هدوءًا مخيفًا.
ثم الغطاء الثالث.
كان أيمن…
الرجل الصغير الذي كان يعقّلهم كلهم…
راقدًا بلا نفس.
جلس يوسف على الأرض…
الهواء يضيق…
الدماغ تجمد…
والقلب يرتطم بين ضلوعه كأنه يريد الخروج.
وقال بصوت مخنوق:
«كيف ؟
ليه جايينني؟
ليه ؟
متين حصل كدا ؟»
لكن الموت لا يفسر.
وفي تمام الساعة 12
يوم ميلاده…
انطفأ يوسف تمامًا،
وسقط فاقد الوعي
في حضرة ثلاثة وجوه
كانت كل حياته.
السقوط الطويل
دخل في غيبوبة لثلاثة أسابيع.
الأطباء قالوا كلامًا طبيًا باردًا:
«صدمة عصبية حادة.»
«اضطراب ما بعد الصدمة.»
لكن الحقيقة؟
الحقيقة أن روحه لم تستطع العودة وحدها.
كانت زينب والدته تقضي ساعات تمسك يده
وتبكي بلا صوت.
حتى في الأسبوع الثالث
راودت يوسف الاحلام ، كأنه يعيش حياه أخرى في عالم اخر ...
ولكن فجاه فتح عينيه ببطء…
ورأى الوجوه:
أمه، خالته، سهى…
وسارة.
سارة كانت واقفة في الخلف،
تمسك دفترًا صغيرًا،
تخفي نصف وجهها بشعرها،
وكأن وجودها خجل لا يريد أن ينكشف.
❤7
كانت علاقتها بيوسف ضعيفة جدًا…
لكن القدر كان يكتب شيئًا آخر.
ثم خرجو كلهم من أجل إبلاغ الأطباء أن يوسف قد عاد
حين فتح يوسف عينيه وغادروا من في الغرفه كان الضوء خافتًا… والغرفة صامتة إلا من صفير جهازٍ يراقب نبضه كأنه يراقب ما تبقّى من روحه.
دخل ثلاثة أطباء، خطواتهم هادئة، ملامحهم متعاطفة بطريقة تُفهم دون كلمات.
اقترب الطبيب الأكبر، وقال بنبرةٍ مدروسة:
– «الحمد لله على سلامتك يا يوسف… فقدت الوعي لفترة.»
يوسف رفع رأسه بصعوبة، كأنه يحمل جبلًا.
– «اصحابي ؟؟ …»
صوته خرج مبحوحًا، مترددًا، كأنه يخشى الإجابة أكثر من الجهل.
تبادل الأطباء النظرات.
ثم تقدّم الطبيب قائلاً:
– «لن نتحدث عن هذا الآن… صحتك أولًا.»
لم يكن الأمر تهرّبًا…
كانوا يعلمون أن الجرح أكبر من قدرة قلبه على التحمل.
فقرّروا أن يمنعوا عن جسده أول ضربة…
حتى ينهض ليستقبل التالية.
لكن يوسف لم يسكت:
– «كيف ماتوا؟ أنا عايز اعرف كيف ماتو؟ ولي جو وكيف اتلاقو؟؟»
الطبيب جلس بجانبه، وقال بصدق لا مراوغة فيه:
– «يا يوسف…، بسبب حادث سير.»
وساد صمت طويل…
كأن الحزن نفسه يراقب من زاوية الغرفة.
ثم قال الطبيب الآخر، محاولًا أن يكون لطيفًا:
– «في الحقيقة… كانوا عائدين من المطار.
أيمن هو الذي اقترح أن يأخذكم ك مفاجأة…
فذهبوا من المطار مباشرة إلى بيتكم.
تَمازحوا في الطريق… ضحكوا…
اشتروا لك هدية عيد ميلادك.»
يوسف أغلق عينيه…
ورأى المشهد كأنه فيلم لا يستطيع إيقافه.
الطبيب أكمل بصوت منخفض:
– «لكن… سيارة ما كانت تسير بعكس الطريق اصطدمت بهم.
انقلبت سيارتهم أربع مرات.
مات سائق السيارة فورًا…
وأصدقاؤك الثلاثة…
لم يجدوا فرصة ليقولوا كلمة واحدة.»
يوسف حرك يده ببطء نحو قلبه…
كأنه يتحسس مكانًا احترق داخله.
لم يبكِ.
لم ينهار.
بل جلس ساكنًا…
كأن الصدمة جففت حتى الدموع.
الأطباء تركوه بسلام،
وغادروا الغرفة دون كلمة إضافية،
فالألم كان واضحًا بما يكفي.
خاطرة قصيرة..
الموت…
ليس صدى بعيدًا كما نظن،
إنه خطوةٌ تقف خلفنا دائمًا،
تنتظر لحظة واحدة فقط
لتضع يدها على كتف الحياة
وتقول: «انتهى الدور…»
يأتي في ضحكة طريق،
الموت ليس عدوًّا…
هو الحقيقة الوحيدة التي لم تكذب علينا يومًا.
يذكّرنا أننا مؤقتون،
وأن كل من نحبهم
يتركون فينا مساحة فارغة
لا يملأها شيء.
ولولا الموت…
لما عرفنا قيمة اللحظة،
ولا ثِقل الذاكرة،
ولا معنى أن نقول لأحد:
«ابقَ… فإن غيابك يقتلني.»
العودة بلا روح
يوسف عاد للحياة…
لكن بلا حياة.
جلس في البيت أيامًا طويلة
لا يتحدث،
لا يأكل،
لا ينظر لأحد.
كان يفتح قروب أصدقائه
ويرسل رسائل كل ليلة:
«وينكم؟
مارك… ياخي رد.
أيمن… قوم بالله.
فرانك… إنت صاحي؟»
بدون رد .
حتى جاء يومٌ
وضعت زينب هداياهم أمامه.
الهدايا التي كانوا سيقدمونها له في منتصف الليل.
قالت بصوت متكسّر:
– «افتحها… يمكن ترتاح.»
لكن يوسف…
انفجر.
مزّق كل شيء.
كسّر الهدايا.
حطم الساعات.
طرد الجميع.
حتى أمه.
ثم جلس على الأرض،
يجمع القصاصات بيدين ترتجفان،
يبكي لأول مرة
منذ موتهم.
وفي تلك الليلة
اعترف قلبه بالحقيقة:
الثلاثة لن يعودوا.
وبدأ عام كامل من الظلام…
عام لا صوت فيه إلا أنفاس رجل
يحاول ألا ينهار.
وفي تلك السَّنةِ السَّوداء…
كان هناك ظلٌّ صغيرٌ
يمشي خلف يوسف،
يتربّص بالصمت،
ويعدّ أنفاسه،
وينتظر اللحظة التي
سيخلع فيها العتمة
ويتحوّل إلى ضوء.
اسم ذلك الظل…
كان سارة.
وسارة لم تكن ظلًّا فقط،
كانت اليد الوحيدة التي امتدّت نحوه،
الحبل الأخير المتدلّي من أعلى الهاوية،
كانت طوق نجاته
وأخرجته – وعاد يوسف الى حياته بسبب ساره ... أو هكذا ظننّا جميعًا...
يتبع..
@HmadaChan
لكن القدر كان يكتب شيئًا آخر.
ثم خرجو كلهم من أجل إبلاغ الأطباء أن يوسف قد عاد
حين فتح يوسف عينيه وغادروا من في الغرفه كان الضوء خافتًا… والغرفة صامتة إلا من صفير جهازٍ يراقب نبضه كأنه يراقب ما تبقّى من روحه.
دخل ثلاثة أطباء، خطواتهم هادئة، ملامحهم متعاطفة بطريقة تُفهم دون كلمات.
اقترب الطبيب الأكبر، وقال بنبرةٍ مدروسة:
– «الحمد لله على سلامتك يا يوسف… فقدت الوعي لفترة.»
يوسف رفع رأسه بصعوبة، كأنه يحمل جبلًا.
– «اصحابي ؟؟ …»
صوته خرج مبحوحًا، مترددًا، كأنه يخشى الإجابة أكثر من الجهل.
تبادل الأطباء النظرات.
ثم تقدّم الطبيب قائلاً:
– «لن نتحدث عن هذا الآن… صحتك أولًا.»
لم يكن الأمر تهرّبًا…
كانوا يعلمون أن الجرح أكبر من قدرة قلبه على التحمل.
فقرّروا أن يمنعوا عن جسده أول ضربة…
حتى ينهض ليستقبل التالية.
لكن يوسف لم يسكت:
– «كيف ماتوا؟ أنا عايز اعرف كيف ماتو؟ ولي جو وكيف اتلاقو؟؟»
الطبيب جلس بجانبه، وقال بصدق لا مراوغة فيه:
– «يا يوسف…، بسبب حادث سير.»
وساد صمت طويل…
كأن الحزن نفسه يراقب من زاوية الغرفة.
ثم قال الطبيب الآخر، محاولًا أن يكون لطيفًا:
– «في الحقيقة… كانوا عائدين من المطار.
أيمن هو الذي اقترح أن يأخذكم ك مفاجأة…
فذهبوا من المطار مباشرة إلى بيتكم.
تَمازحوا في الطريق… ضحكوا…
اشتروا لك هدية عيد ميلادك.»
يوسف أغلق عينيه…
ورأى المشهد كأنه فيلم لا يستطيع إيقافه.
الطبيب أكمل بصوت منخفض:
– «لكن… سيارة ما كانت تسير بعكس الطريق اصطدمت بهم.
انقلبت سيارتهم أربع مرات.
مات سائق السيارة فورًا…
وأصدقاؤك الثلاثة…
لم يجدوا فرصة ليقولوا كلمة واحدة.»
يوسف حرك يده ببطء نحو قلبه…
كأنه يتحسس مكانًا احترق داخله.
لم يبكِ.
لم ينهار.
بل جلس ساكنًا…
كأن الصدمة جففت حتى الدموع.
الأطباء تركوه بسلام،
وغادروا الغرفة دون كلمة إضافية،
فالألم كان واضحًا بما يكفي.
خاطرة قصيرة..
الموت…
ليس صدى بعيدًا كما نظن،
إنه خطوةٌ تقف خلفنا دائمًا،
تنتظر لحظة واحدة فقط
لتضع يدها على كتف الحياة
وتقول: «انتهى الدور…»
يأتي في ضحكة طريق،
الموت ليس عدوًّا…
هو الحقيقة الوحيدة التي لم تكذب علينا يومًا.
يذكّرنا أننا مؤقتون،
وأن كل من نحبهم
يتركون فينا مساحة فارغة
لا يملأها شيء.
ولولا الموت…
لما عرفنا قيمة اللحظة،
ولا ثِقل الذاكرة،
ولا معنى أن نقول لأحد:
«ابقَ… فإن غيابك يقتلني.»
العودة بلا روح
يوسف عاد للحياة…
لكن بلا حياة.
جلس في البيت أيامًا طويلة
لا يتحدث،
لا يأكل،
لا ينظر لأحد.
كان يفتح قروب أصدقائه
ويرسل رسائل كل ليلة:
«وينكم؟
مارك… ياخي رد.
أيمن… قوم بالله.
فرانك… إنت صاحي؟»
بدون رد .
حتى جاء يومٌ
وضعت زينب هداياهم أمامه.
الهدايا التي كانوا سيقدمونها له في منتصف الليل.
قالت بصوت متكسّر:
– «افتحها… يمكن ترتاح.»
لكن يوسف…
انفجر.
مزّق كل شيء.
كسّر الهدايا.
حطم الساعات.
طرد الجميع.
حتى أمه.
ثم جلس على الأرض،
يجمع القصاصات بيدين ترتجفان،
يبكي لأول مرة
منذ موتهم.
وفي تلك الليلة
اعترف قلبه بالحقيقة:
الثلاثة لن يعودوا.
وبدأ عام كامل من الظلام…
عام لا صوت فيه إلا أنفاس رجل
يحاول ألا ينهار.
وفي تلك السَّنةِ السَّوداء…
كان هناك ظلٌّ صغيرٌ
يمشي خلف يوسف،
يتربّص بالصمت،
ويعدّ أنفاسه،
وينتظر اللحظة التي
سيخلع فيها العتمة
ويتحوّل إلى ضوء.
اسم ذلك الظل…
كان سارة.
وسارة لم تكن ظلًّا فقط،
كانت اليد الوحيدة التي امتدّت نحوه،
الحبل الأخير المتدلّي من أعلى الهاوية،
كانت طوق نجاته
وأخرجته – وعاد يوسف الى حياته بسبب ساره ... أو هكذا ظننّا جميعًا...
يتبع..
@HmadaChan
❤5