بــِروحــــي فتـــۘ❀ـَٰـآہ𓆩💙𓆪
6.1K subscribers
685 photos
59 videos
10 files
124 links
💙هذا المُستخدم مصاب بفرط الحب لأحدهم، فلا تعتبوا عليه، بل اغفروا له إن جُنَّ بحبّه، وإن تسلّل سهمُ كلماته إلى أعماقكم وأرهق قلوبكم💙
Download Telegram
عَجِيبٌ كَيفَ أنّكَ تلتَصقُ بِروحِي تَسيلُ فِي دَمي تتَكاثرُ فِي دَاخَلي بَشَكلٍ مُفزعٍ ، إنكَ حَتَى وَاضحٌ علَى وَجهي علَى صَوتي وَعلَى يَدي ، أنا مُلطِخٌ جٍدًا بِك .💙.!!
❤3🔥1
رواية : حورية
بقلم : محمد ياسر
الفصل الرابع

«يوم ميلاد… بلا شموع»

قناه الرواية:
https://t.me/Rouhhee

كانت الذكريات أول أعداء الإنسان؛
تخرج عليه حين يطمئن،
وتلدغه حين يظن أنه نجا،
كأن الماضي ليس زمناً مضى…
بل روحًا تتسكع داخل القلب ولا تموت.

وكان يوسف يعرف هذا أكثر من غيره؛
فكل خسارة عاشها
بدأت دائمًا من تلك الغرفة الصغيرة في صدره…
حيث لا سبيل للهروب.

قبل 5 سنوات..
كان يوم ميلاده الثالث عشر من يناير،
كان القدر يهيّئ له ضربة قاسية
لم يكن مستعدًا لها مهما اشتدّ ظهره.

ثلاثة رجال يسافرون نحوه في اللحظة نفسها:
مارك من بريطانيا،
فرانك من مصر،
أيمن من مدينته البعيدة.
ثلاثتهم قرروا أن يعودوا في هذا اليوم،
أن يعيدوا الزمن خمسه عشره سنه للوراء،
أن يدخلوا بيته لحظة منتصف الليل
ويصرخوا: «كل عام وانت الخير !».

لكن يوسف…
لم يكن يتذكر ميلاده أصلًا.

هو لم يحتفل به يومًا،
ولا عرف له معنى،
ولا سعى إليه.
كان الناس يذكّرونه…
وهو لا يشعر.

أما والدته..
فكانت الوحيدة التي تعرف،
والوحيدة التي تحاول أن تخفي عنه الحقيقة هذا العام،
والوحيدة التي قلبها يرتجف كل دقيقة
وهي تتمنى أن تصل المفاجأة قبل أن يصل أي خبر آخر.

كانت تخرجه من البيت بحجج واهية:
– «أمشِ اشتري لي ملح.»
– «أمشِ شوف خالتك.»
– «تعال ودّيني السوق .»

لأن يوسف لو بقي دقيقة واحدة بالبيت…
كان سيعرف أن شيئًا كبيرًا يتحضّر له.

لكن الطريق…
لا يعطي ضمانات لأحد.


فلاش باك — «أولاد الحي»

قبل خمسه عشره سنه،
كان الحي يعرف ضحكة واحدة تتوزع على أربعة أولاد:
يوسف، مارك، فرانك، أيمن.

يوسف…
الهادئ الذي يلمّ شملهم.

مارك — محمد عبدالسلام —
لكن اسمه الحقيقي مات يوم قال له يوسف ضاحكًا:
«إنت بتحب الفيس بوك كأنك مديره مارك … من الليله اسمك مارك ومافي زول حيناديك غير كدا!»
فضحك الولد… وصار الاسم قدرًا.

فرانك — محمد أحمد —
ملامحه جعلت الحي يناديه بذلك بلا نقاش كان يشبه الممثل فرانك كثيرا..

أيمن…
الرجل الصغير الذي يعقلهم كلهم.

كانوا أربعة…
أكثر من إخوة… أقل من أن تُفسّر علاقتهم بالكلام.

يلعبون، يركضون، يعبرون الحي كأنه ملكهم،
يقفزون فوق أسوار الجيران،
يهربون من الحارس،
يضحكون حتى البكاء.

وحين تفرّقوا…
مارك إلى بريطانيا،
فرانك إلى مصر،
أيمن إلى مدينة أخرى…
بقي يوسف وحده يحمل ذكرياتهم كمن يحمل وطنًا كاملًا على كتفيه.

حتى اتفقوا أخيرًا
أن يعودوا في يوم واحد…
يوم ميلاده.
يوم « الشمل الكبير ».

لكن الأقدار…
كتبت نهاية أخرى.


الاتصال...

كان يوسف في منتصف الشارع،
ينهي مشوارًا بلا معنى،
حين رنّ هاتفه.

ظهر اسم أمه زينب

– «أها يا أمي، خير؟»

لكن صوتها كان مكسورًا…
باهتًا…
مخنوقًا.

– «تعال البيت… هسّي…»
ثم انقطع الخط.

ارتجف يوسف.
ضغط على البنزين…
السيارة انطلقت كأنها تهرب من شيء أسود.

وعند أول الشارع…
رأى الناس متجمعين.
وجوه شاحبة.
دموع.
سيارة شرطة.
وصوت بكاء مكتوم.

ركض.
صرخ.
– «أبوي وين؟!»

جاءه صوت والده من الخلف:
– «أنا هنا… أنا تمام… ما تشيل هم»

امي تمام بخير.
ابوي كويس

إذن… من الميت؟
من يستحق هذا الصمت الثقيل؟

لم يجب أحد.

حتى جاء رجل الشرطة العجوز،
صديق والد يوسف،
ووضع يده على كتفه وقال:

– «تعال المشرحة… لازم تتعرّف على الجثث.»
يوسف - « جثث منو»
الشرطي- « ما حكيتو ليوسف حاجه »
هز والده رأسه علامه على التأكيد
يوسف- « فهموني فشنو؟؟؟؟»
ياسين ( والد يوسف) « يا ولدي اهدي اول أرح معانا حتفهم كل حاجه»


المشرحة — «ثلاثة جدران بيضاء»

دخل يوسف المشرحة وهو نصف حي.
الباب الحديدي فتح بصوت يشبه نعيقًا باردًا،
والجو داخل المكان كان زمهريرًا.

ثلاثة جثث
ثلاثة أغطية بيضاء.

رفع الفني الغطاء الأول.

كان مارك.
مارك الذي كانت ضحكته تسبق أنفاسه…
صار صمتًا كاملًا.

فتح الفني الغطاء الثاني.

كان فرانك.
وجهه القوي صار هدوءًا مخيفًا.

ثم الغطاء الثالث.

كان أيمن…
الرجل الصغير الذي كان يعقّلهم كلهم…
راقدًا بلا نفس.

جلس يوسف على الأرض…
الهواء يضيق…
الدماغ تجمد…
والقلب يرتطم بين ضلوعه كأنه يريد الخروج.

وقال بصوت مخنوق:
«كيف ؟
ليه جايينني؟
ليه ؟
متين حصل كدا ؟»

لكن الموت لا يفسر.

وفي تمام الساعة 12
يوم ميلاده…
انطفأ يوسف تمامًا،
وسقط فاقد الوعي
في حضرة ثلاثة وجوه
كانت كل حياته.


السقوط الطويل

دخل في غيبوبة لثلاثة أسابيع.
الأطباء قالوا كلامًا طبيًا باردًا:
«صدمة عصبية حادة.»
«اضطراب ما بعد الصدمة.»

لكن الحقيقة؟
الحقيقة أن روحه لم تستطع العودة وحدها.

كانت زينب والدته تقضي ساعات تمسك يده
وتبكي بلا صوت.
حتى في الأسبوع الثالث

راودت يوسف الاحلام ، كأنه يعيش حياه أخرى في عالم اخر ...
ولكن فجاه فتح عينيه ببطء…
ورأى الوجوه:
أمه، خالته، سهى…
وسارة.

سارة كانت واقفة في الخلف،
تمسك دفترًا صغيرًا،
تخفي نصف وجهها بشعرها،
وكأن وجودها خجل لا يريد أن ينكشف.
❤7
كانت علاقتها بيوسف ضعيفة جدًا…
لكن القدر كان يكتب شيئًا آخر.
ثم خرجو كلهم من أجل إبلاغ الأطباء أن يوسف قد عاد

حين فتح يوسف عينيه وغادروا من في الغرفه كان الضوء خافتًا… والغرفة صامتة إلا من صفير جهازٍ يراقب نبضه كأنه يراقب ما تبقّى من روحه.

دخل ثلاثة أطباء، خطواتهم هادئة، ملامحهم متعاطفة بطريقة تُفهم دون كلمات.

اقترب الطبيب الأكبر، وقال بنبرةٍ مدروسة:

– «الحمد لله على سلامتك يا يوسف… فقدت الوعي لفترة.»

يوسف رفع رأسه بصعوبة، كأنه يحمل جبلًا.

– «اصحابي ؟؟ …»
صوته خرج مبحوحًا، مترددًا، كأنه يخشى الإجابة أكثر من الجهل.

تبادل الأطباء النظرات.
ثم تقدّم الطبيب قائلاً:

– «لن نتحدث عن هذا الآن… صحتك أولًا.»

لم يكن الأمر تهرّبًا…
كانوا يعلمون أن الجرح أكبر من قدرة قلبه على التحمل.
فقرّروا أن يمنعوا عن جسده أول ضربة…
حتى ينهض ليستقبل التالية.

لكن يوسف لم يسكت:
– «كيف ماتوا؟ أنا عايز اعرف كيف ماتو؟ ولي جو وكيف اتلاقو؟؟»

الطبيب جلس بجانبه، وقال بصدق لا مراوغة فيه:

– «يا يوسف…، بسبب حادث سير.»

وساد صمت طويل…
كأن الحزن نفسه يراقب من زاوية الغرفة.

ثم قال الطبيب الآخر، محاولًا أن يكون لطيفًا:

– «في الحقيقة… كانوا عائدين من المطار.
أيمن هو الذي اقترح أن يأخذكم ك مفاجأة…
فذهبوا من المطار مباشرة إلى بيتكم.
تَمازحوا في الطريق… ضحكوا…
اشتروا لك هدية عيد ميلادك.»

يوسف أغلق عينيه…
ورأى المشهد كأنه فيلم لا يستطيع إيقافه.

الطبيب أكمل بصوت منخفض:

– «لكن… سيارة ما كانت تسير بعكس الطريق اصطدمت بهم.
انقلبت سيارتهم أربع مرات.
مات سائق السيارة فورًا…
وأصدقاؤك الثلاثة…
لم يجدوا فرصة ليقولوا كلمة واحدة.»

يوسف حرك يده ببطء نحو قلبه…
كأنه يتحسس مكانًا احترق داخله.

لم يبكِ.
لم ينهار.
بل جلس ساكنًا…
كأن الصدمة جففت حتى الدموع.

الأطباء تركوه بسلام،
وغادروا الغرفة دون كلمة إضافية،
فالألم كان واضحًا بما يكفي.


خاطرة قصيرة..

الموت…
ليس صدى بعيدًا كما نظن،
إنه خطوةٌ تقف خلفنا دائمًا،
تنتظر لحظة واحدة فقط
لتضع يدها على كتف الحياة
وتقول: «انتهى الدور…»



يأتي في ضحكة طريق،
الموت ليس عدوًّا…
هو الحقيقة الوحيدة التي لم تكذب علينا يومًا.
يذكّرنا أننا مؤقتون،
وأن كل من نحبهم
يتركون فينا مساحة فارغة
لا يملأها شيء.

ولولا الموت…
لما عرفنا قيمة اللحظة،
ولا ثِقل الذاكرة،
ولا معنى أن نقول لأحد:
«ابقَ… فإن غيابك يقتلني.»

العودة بلا روح

يوسف عاد للحياة…
لكن بلا حياة.

جلس في البيت أيامًا طويلة
لا يتحدث،
لا يأكل،
لا ينظر لأحد.

كان يفتح قروب أصدقائه
ويرسل رسائل كل ليلة:

«وينكم؟
مارك… ياخي رد.
أيمن… قوم بالله.
فرانك… إنت صاحي؟»

بدون رد .

حتى جاء يومٌ
وضعت زينب هداياهم أمامه.
الهدايا التي كانوا سيقدمونها له في منتصف الليل.

قالت بصوت متكسّر:
– «افتحها… يمكن ترتاح.»

لكن يوسف…
انفجر.

مزّق كل شيء.
كسّر الهدايا.
حطم الساعات.
طرد الجميع.
حتى أمه.

ثم جلس على الأرض،
يجمع القصاصات بيدين ترتجفان،
يبكي لأول مرة
منذ موتهم.

وفي تلك الليلة
اعترف قلبه بالحقيقة:
الثلاثة لن يعودوا.

وبدأ عام كامل من الظلام…
عام لا صوت فيه إلا أنفاس رجل
يحاول ألا ينهار.

وفي تلك السَّنةِ السَّوداء…
كان هناك ظلٌّ صغيرٌ
يمشي خلف يوسف،
يتربّص بالصمت،
ويعدّ أنفاسه،
وينتظر اللحظة التي
سيخلع فيها العتمة
ويتحوّل إلى ضوء.

اسم ذلك الظل…
كان سارة.

وسارة لم تكن ظلًّا فقط،
كانت اليد الوحيدة التي امتدّت نحوه،
الحبل الأخير المتدلّي من أعلى الهاوية،
كانت طوق نجاته
وأخرجته – وعاد يوسف الى حياته بسبب ساره ... أو هكذا ظننّا جميعًا...


يتبع..

@HmadaChan
❤5
في كلّ حبٍّ صادق، هنالك ضريبة…
لكن الضريبة الحقيقية ليست في الوقت الذي تُعطيه، ولا في جهدٍ تُهديه، ولا في مالٍ يُنفق بلا حساب.
الضريبة الحقيقية… هي أن تُسلّم جزءاً من روحك وتنتظر — بجرأةٍ مُرتعشة — أن يعود إليك سليماً.

نحن نُحب بسهولة يا صديقي…
نشتعل بكلمة، ننتشي بنظرة، ننخدع بوعدٍ قيل على عَجَل.
الحبّ نفسه لا يحتاج شجاعة؛
الذي يحتاجها هو “الاستمرار” حين يُصبح الطريق مُظلماً،
هو أن تبقى واقفاً حين يُختبر ما قلتَه في اللحظة التي كنتَ فيها طافحاً بالمشاعر.

فليس كلّ من قال أحبّك، قادرٌ على تحمّل معنى هذه الكلمة حين تنطفئ موسيقى البدايات.
كثيرون يهربون…
وكثيرون يضعفون…
وكثيرون يبكون لأنّ الحب ثقيل، أثقل مما ظنّوه بكثير.

المعضلة ليست في العثور على من يُلامس قلبك،
بل على من لا يهرب حين يكتشف أنّ هذا القلب يحتاج إلى حماية،
إلى تضحية،
إلى ثبات.

تخيّل علاقة لم تُختبر بعد…
وعندما يأتي أول امتحان، تنكشف الحقيقة بلا رتوش:
هناك من يُفضّل النجاة بنفسه،
وهناك من يُفضّل النجاة بك…
والفارق بين الاثنين هو الفارق بين الحبّ الحقيقي…
والحبّ الذي لم يكن سوى نشوةٍ تُشبه السُّكر.

ألسنا مخلوقين من نفخةٍ ربانية؟
ألسنا نبحث، بشراسةٍ يائسة أحياناً، عن سكنٍ يَلمّ شتاتنا؟
لماذا إذن نُعطي أعمارنا لمن لا يقوى أن يحمل صدقنا لحظة واحدة؟

أنا لا أشفق على من يقول “نعم” بدل “لا”.
أنا أشفق على من يخون نفسه ليُرضي قلباً لا يستحقّ،
على من يختار الهزيمة لأنه يخاف الوحدة،
على من يظنّ أن التضحيات تخيف، بينما الحقيقة أنها… تُنقذ.

ثور من أجل روحك، لا من أجل وهمك.
تمرّد على الخوف، لا على الحبيب.
حارب من أجل ذلك الشخص الذي إن خسرته، خسرت نفسك معه.

نعم… ستدفع أثماناً باهظة.
نعم… ستنزف في الطريق.
لكن حين تجد “الذي يستحق”،
سيُصبح نزفك مجرد تذكيرٍ صغير بأنك كنت على قيد الحياة.

وإن لم نُضحِّ من أجل الحبّ الصادق…
فلأجل ماذا إذن نُضحّي؟
من أجل العالم؟
العالم لا يُعوَّض.
أمّا الروحُ التي تُشبهك… فتكفيك عن العالم كلّه. 💙
❤7👍1🍓1
"حادّة
‏وليس هُناك أرّق منهَا".💙
❤2
إليك أيها العزيزه
يامن تدخل من أوسع نوافذ قلبي، رقيقًا كخيوط
شمس، ومرةً كعاصفة.. غزيرًا كغرق، خفيفًا کنسیم،
وأخرى عتیًا کریح
على كل حال، فإنني أُحبكِ💙.
❤2
يتورَد قلبي بِك 💙
❤9
رواية: حورية
بقلم: محمد ياسر
الفصل الرابع
«فَتحُ جُرحٍ قَديم»

قناة الرواية:
t.me/Rouhhee




بعض الجروح لا تُشفى…
هي لا تموت أصلًا، فقط تنام.
تتظاهر بأنها هدأت،
ثم تعود في اللحظة التي تضع فيها رأسك على الوسادة،
لتفتح صفحةً كنت تظن أنك طويتها للأبد.

الجرح القديم… يشبه بابًا صدئًا في آخر الذاكرة،
تدفعه الأيام فيُغلق،
وتدفعه فكرة واحدة… فيُفتح من جديد.

ويوسف…
كان يسمع صرير ذلك الباب داخل رأسه منذ عاد من المستشفى.
بابًا لا يعرف ما وراءه…
ولا يملك القوة ليقفله.



دوّامة الوعي

جلس يوسف في غرفته،
كأنه محاصر بأسئلة لا تُشبه أي سؤال.

كيف وصل الى البحر ؟
لماذا اختفت ساعات من حياته؟
متى انكسر الضوء في رأسه؟
وأي يد أطفأت وعيه وأغرقته في ذلك الظلام؟
ماذا حدث؟

كان يشعر كأن جزءًا من عمره قد قُطِع بسكين.
مائة فكرة تدور حوله…
ألف شعور ينهش صدره…
ولا جواب.

حتى الهواء صار ثقيلاً،
والغرفة تتأرجح حوله كأنها سفينة بلا رُبّان.

ثم…
طرقٌ خفيف على الباب.

فتح الباب ببطء، ودخل والده ياسين…
إلى جانبه أمه زينب، ملامحهم كلها خوف..





جلس ياسين قرب يوسف،
يحاول أن يبتلع خوفه ويبدو قويًا:

–« يا ولدي… أحكي لينا. مالك؟ حصل شنو؟»

اقتربت زينب،
وضعت يدها على كتفه كأنها تخشى أن ينفرط:

«يوسف… حياتك مالا؟ إنت ما زي أول… في شي؟»
ياسين - «امك حكت لي كل حاجه ، نزلت البحر لشنو مالك أحكي لي؟؟»

يوسف لم يرفع رأسه.
كان ينظر إلى الأرض كأنها تحمل سرًّا ما.

يوسف «– ما عارف… والله ما عارف.»

نظر له ياسين بعينين تزدادان رعبًا:

–« كيف يعني ما عارف؟ في شي حصل؟ في زول ضايقك؟
سارة… مالا؟ حصل بينكم شي؟»

رفعت زينب صوتها قليلًا.

– «إنت ولدي… نحنا حاسين بيك.
من رجعت من البحر وإنت ما إنت.
قول، أي كلمة… ريّحنا.»

يوسف هزّ رأسه ببطء،

– «ما بقدر أشرح… لأني أنا ذاتي ما فاهم.
في حاجات جوّاي… لكن ما عندي ليها اسم, ممكن تخلوني برأي ؟؟»

تبادل الوالدان نظرة مليئة بالعجز.
تلك النظرة التي تقول:
"… نخليهو ياخد وقتو يمكن يرجع احسن."

وبعد دقائق صمتٍ ثقيل،
تراجعا ببطء…
انسحب ياسين، تبعته زينب بدمعة محبوسة.

كانا يعرفان أن هناك شخصًا واحدًا
يستطيع الوصول إلى يوسف حين يعجز الجميع.


اللحظة التي تغيّر الهواء

رنّ هاتف يوسف.
اسم أحمد – زميله في العمل.

ردّ يوسف بصوتٍ ميت:

– ألو؟

أحمد:
– يوسف… ياخي طمّنّي. حصل ليك شنو؟ سمعت كلام…

يوسف:
– أنا كويس… بعدين نتكلم.

المكالمة لم تتجاوز ثواني معدودة.
انتهت قبل أن تبدأ.

وقبل أن يعيد الهاتف إلى الطاولة…

طقّ… طقّ… طقّ

الطرق على الباب هذه المرّة كان أسرع،
أقرب،
أشدّ وجعًا على عصب يوسف.

صرخ وهو يغطي وجهه:

– ما عايز زول!! … خلوني براحتي!

أغمض عينيه بقوة،
يتمنى أن يختفي كل شيء…
أن يصمت العالم.

لكن الباب… انفتح.

خطوات خفيفة.
أنفاس مرتجفة.

ثم ذلك الصوت…
الصوت الذي استطاع، وحده،
أن يشق الظلام:

– يوسف…؟
إنت كويس؟

كانت سارة.

يوسف رفع رأسه بصعوبة،
عينيه حمراوين،
وصوته مكسور:

«– سارة… انا محتاج ليك ....»

اقتربت بخطوات بطيئة،
كأنها تخشى أن ينكسر أكثر:

«بغض النظر عن انك كوركت فيني بدون سبب بس أنا جاية أطمن عليك…
بس كدا… ما دايرة منك شي.
إنت شكلك تعبان شديد».

يوسف:
– تعبان؟
«سارة… أنا ما عارف الحاصل لي شنو.
رأسي مليان أصوات… انا ما فاهم شي »

جلست قريبة..

ساره - «ما لازم تفهّم كل حاجة الليلة.
أهم شي… إنك ما تكون براااك.
أنا هنا… ما حأمشي.»

يوسف جلس علي نصف السرير اتجهه إلى ساره ..

– «سارة… أنا بخاف.»

ساره– «وأنا بخاف عليك…
بس الخوف بنقيف قدامه سوا، مش انت برااك.»

ارتجفت شفاه يوسف،
وكأن كلمة واحدة منها كانت طوق نجاه

– ما تخليني يا سارة…

فهمست، بصوتٍ يشبه ضمادة:

«– يوسف لو كل الدنيا خذلتك…
أنا ما بخذلك»

تنهد يوسف…

–« يا سارة…
في حاجة لازم أقولها ليك.»

ترفع حاجبها بخوف، وتجلس أقرب:

–« قول يا يوسف… أنا معاك.»

يشهق، ثم يمرّر يده على وجهه:

– «كنت في البحر…
عارفة؟
واقف جنب الشاطئ… ساكت…
والموية تحتي
فجأة…
لقيت نفسي مبلول… وأنا في العربية!
مبلول عديل يا سارة…
وكأنّي طلعت من البحر هسي دا»

يرتجف صوته:

– أنا ما فاهم…
كيف حصل دا؟
في شنو؟
مالي؟
ولا كيف؟
والله يا سارة حسّيت إني ما أنا…

سارة كان قلبها يدق بسرعة، لكنها تحاول تهدي نبرة صوتها:

«– طيب… نمشي دكتور؟
نراجع دكتور علاء؟
يمكن في حاجة بسيطة…»:

«– أنا…
أنا مشيت لي دكتور علاء…»

تتسع عيناها بصدمة:

ساره – «ومشيت برااك؟
ليه ما قلت لي؟
ليه خليت نفسك تعاني؟
لازم نمشي ليهو مع بعض…
نفهم الحاصل… سوا.»

ثم تمد يدها ببطء…
بحنانٍ يعرفه يوسف أكثر من اسمه،
وتلمس شعره من الأمام،
تحاول تسكّن ارتجافه.

اقتربت منه…
عيناها في عينيه،
كأنها تبحث عن روحه بين جفونه.

«– حبيبي…
أنا جنبك…
ما بخليك،
ولا بخليك تواجه دا برااك أبداً.»
❤2👍1
اقتربت أكثر…
أنفاسها تلامس أنفاسه،
شفاهها تقترب ببطء…
تكاد تلامس شفتيه…

وفجأة

صوت غريب ينفجر داخل رأس يوسف :

«أوعه…
أوعه تخلّيها تلمسك…
أبعد…
أبعد هسسي…»

شهق يوسف
وكأن أحداً صرخ في أذنه.

تراجع للخلف بعنف،
وقع ظهره على السرير،
عيناه اتّسعتا رعباً:

«– زحّي…
زحّي مني يا سارة!!
خلاص…
اطلعي برا…
ما عايز شي…
براااا!!»

تجمدت سارة في مكانها.
عيناها تلمعان بصدمة وحزن…
لكنها لم تقترب.
لم تسأل.
لم تبكِ.

فقط نظرت له..
ثم قالت ..
- «يا يوسف صدقني ما بنفع فيك خير »

ثم قامت بهدوء…

وخرجت.

وتركت الباب نصف مفتوح…
وكأنها تنتظر أن يعود إليه صوته… أو روحه.

جلس يوسف في زاوية الغرفة كأن العالم انكمش عليه فجأة.
الجدران تقرّبت… الهواء ضاق… والليل صار كائنًا له فم وصوت.

الصوت بدأ أولًا كهمسة… ثم صار هديرًا يخبط في رأسه كأمواج سوداء:

«ما تلمسك… كيف تلمسك… ما تقرّب…»

الكلمات تمشي فوق جلده مثل أصابع باردة.
يوسف حاول ينهض… لكن الخوف شدّه من كاحله وسحبه للداخل.
لحظة واحدة… ثم انفجر بالصراخ.

ارتجف جسده… تقوّس ظهره… كأنه يتلقى صعقة كهرباء من يدٍ غير مرئية.
صرخ… ثم تلاشى كل شيء.


عاد إلى الدنيا على رائحة غريبة.
مزيج مطهرات.. ونَفَسٍ يشبه رائحة العيادات ...

فتح يوسف عينيه.

كانت زينب، والدته، تجلس بجواره… يدها ترتجف فوق صدره دون أن تجرؤ على لمسه.
وسارة… تجلس عند طرف السرير، عيناها واسعتان، كأنهما بركتان رغم الخوف.

بصوت خافت، كمن يسأل لغزًا لا يريد كشفه:

– أنا… وين؟

سارة تقترب خطوة… تكاد تُخفي رجفتها بابتسامة صغيرة:

– في المستشفى يا يوسف… إنت بخير؟

يوسف يضغط أصابعه على جبينه كأنه يريد أن يمسك الألم ليكسّره:

– صداع… راسي عايز يتفتّح نصين… الحصل شنو لي؟

زينب تنظر لسارة… تهز رأسها: ما تقولي كل شيء.
:

– «جاتك نوبة هلع… نوبة قوية… لكن عدت الحمدلله.»

عمّ الصمت…
ذلك الصمت الذي لا يُسمع فيه إلا قلب يحاول يبدأ من جديد.
يوسف لم يسأل لم يكثر من الأسئلة فقط اغمض عيناه وتنهد ...

دخل الطبيب بخطوات خفيفة، كأن الأرض تعرفه وتحترم حضوره.
اقترب، فتح ملفًا صغيرًا، وقال:

«– أنا دكتور سامر… والحصل ليوسف اسمه نوبة هلع. بإختصار العقل اعلن حالة طوارئ»

يوسف يرفع رأسه قليلًا:

– سببها شنو؟؟

ابتسم الطبيب :

– يا يوسف… نوبات الهلع ما بتجي بدون سبب … بتجي من التاريخ.
من الوجع الساكن جوّاك… من الخوف القديم… من الصدمات القديمه الما بتموت.

يوسف يخفض نظره… يسأل بصوت مكسور:

– يعني شنو؟

الطبيب ينحني قليلًا نحوه:

– «تذكرت موقف قديم ، وما قدرت تتجاوزو حصل ليك كل دا »
يوسف - « ما اتذكرت شي انا، والله كنت عادي بس ما عارف راسي كان كلو أصوات »

الطبيب رفع الملف… وقال بنبرة واضحة:

– أنا ححوّلك لطبيب نفسي ممتاز… اسمه دكتور علاء.
هو متخصص في الصدمات والهلع… وممكن يمسك الخيط الضعيف جوّاك ويقوّيه.

مجرد ذكر الاسم خلّى سارة ترفع رأسها، وتعاين ليوسف ...


زينب «– طبيب نفسي؟ يعني… الحالة خطيرة للدرجة دي»

يجلس الطبيب سامر على طرف السرير:

– أبدًا يا امي . لكن لازم نفهم جذور الخوف،
دا علاج زي أي مرض… نهايتو شفاء.
ودكتور علاء زميل قديم… وأنا واثق فيه تمام.
وهو ح يكون معاكم خطوة بخطوة من هسي.


يوسف يحاول يجلس مستقيمًا:

– طيب… متين بشوفه؟

الطبيب وهو يغلق الملف:

– هسي. دكتور علاء في الطريق…
دي حتكون أول جلسة ليك. بسيطة، مباشرة… وبتفتح بابك للعلاج من جديد.

وبين سكون الغرفة…
وبين العيون التي بدأت تطمئن…
شعر يوسف لأول مرة انه لابد من فتح جروح قديمه..

وأن هنالك يدًا تمتد نحو الظلام…هي قادرة على صناعة أول شمعة..


يتبع...
@HmadaChan
❤6
رواية حوريه
بقلم : محمد ياسر
الفصل الخامس
«انا مريض نفسي»

قناه الروايه:
http://t.me/Rouhhee



المرضُ النفسيّ ليس صدعًا في الروح بقدر ما هو نداءٌ خافت، يطلب منّا أن ننصت لأنفسنا قبل أن ننهار بصمت.
هو تعبٌ تراكم، ووجعٌ لم يجد كتفًا يسنده، فصار يظهر في هيئة خوفٍ، أو شرود، أو ثقل لا يُعرف مصدره.

والاعتراف بهذا الوجع ليس ضعفًا… بل خطوة أولى نحو النجاة.
فالعلاجُ ليس هروبًا من الألم، بل عبورٌ واعٍ إليه كي يهدأ.

وكان يوسف يعلم هذا جيدًا،
يعرف أن الصمت لم يعد ينفع، وأن الاحتمال وحده لا يكفي…
لذلك استسلم للطبيب النفسي،
استسلامًا يشبه الشجاعة الأولى التي يُكتب بعدها شفاءٌ جديد..



كانت الغرفة غارقة في صمتٍ ثقيل،
صمتٍ يُخيَّل لمن يدخله أنّ الأنفاس تُسمَع فيه كوقع خطواتٍ على أرضٍ فارغة.
الهواء ساكن،
والجدران كأنّها تترقّب ما سيُقال.

جلس يوسف على حافة السرير، منكّس الرأس،
عيناه تائهتان كمن يبحث عن مخرجٍ لا يراه.
وعلى يمينه جلست أمّه زينب،
تقبض على يده بين يديها،
تُمرّر أصابعها فوق جلده في محاولةٍ لإخفاء ارتجافها.
كانت تحدّق في وجهه بقلقٍ يفضحه صمتها.

أمّا سارة…
فوقفت عند الباب، لا تجلس ولا تتكلّم،
تراقبه بنظرةٍ تحمل مزيجًا من الخوف والرجاء،
كأنّ حضورها هناك يكفي ليخبره أنّه لم يعد وحيدًا…
وأنّ ما ينتظره ليس مواجهةً منفردة.

كان الصمت بينهم جميعًا مشحونًا…
ليس فراغًا، بل توترًا ثقيلًا،
وسؤالًا معلّقًا في الهواء:
هل ستبدأ الليلة رحلة الكشف… أم رحلة السقوط؟



انفتح باب الغرفة بهدوء…
ودخل ياسين والد يوسف بخطوات تبين فيها السهر والتعب.

وقف من القرب السرير، وسحب نفس طويل:

– أنا آسف يا يوسف…
اتأخّرت عليكم شديد.
والله كنت مشغول بالقضية… اضطرّيت أقعد في المكتب لحدي ما خلّصت كم إجراء.

نظر لي ولدو نظرة فيها حنين ووجع:

– سامحني يا ولدي…
المفروض أكون معاكم من بدري.

زينب رفعت راسها ليهو…
عيونها فيها عتاب وقلق،
بس ما قالت ولا كلمة.

ياسين مشى ليها، ولامس كتفها برفق:

– معليش يا زينب…
اتاخرت عليكم

بعدها لفّ على سارة…
ابتسم ليها وسلم عليها بلطف:

– أهلاً يا سارة… كيفنك؟

سارة خطت خطوة لقدّام، صافحته باحترام:

– أهلاً عمّ ياسين… يا رب يوسف يقوم بالسلامة.

ياسين هزّ راسه، وقال بنبرة دافئة:

– آمين يا بتي…

وبعد ثواني، سألها:

– أبوك… مصطفى؟ كيف؟

ابتسمت سارة:

– بخير الحمد لله… جا من السفر قبل كم يوم. يسلم عليك

ضحك ياسين ضحكة خفيفة:

– دا زول طيب… وقفتو معاي زمان ما بنساها.
بلّغيه سلامي… وقولي ليهو مشتاقين ليهو

سارة:

– حاضر… بوصّلو.

سكتوا كلهم لحظة…

وفجأة الباب اتفتح تاني…

دخل دكتور علاء.

ياسين رفع راسه وقال:

– مرحب… دا دكتور علاء.

وقفوا كلهم… إلا يوسف،
الحظة براها اتغيّرت أول ما دخل.

وبكدا…
بدأ الطريق الصعب:
اول خطوات دخول الضلام عشان يلقى أول شعاع نور...


هدأ المكان…

دكتور علاء وقف في منتصف الغرفة، ناظر للجميع بابتسامة صغيرة:

– يا جماعة… لو تسمحوا، داير أقعد مع يوسف براهو دقيقة.

ياسين هزّ راسه وقال:

– حاضر يا دكتور… نحنا حنطلع.

زينب وقفت، قلبها متعلق بولدها:

– يوسف… لو دايرني أقعد؟

يوسف حرك راسه بالنفي…
لكن قبل ما يطلعوا كلهم، رفع عينه لسارة:

– إنت… أقعدي معاي.

سارة وقفت ساكنة للحظة، ثم جلست قريب منه…
يدها فوق ركبتها، لكن قريبة من إيده كأنها جاهزة تسنده لو وقع.

بعد خروج الجميع، قفل دكتور علاء الباب بهدوء،
وجلس في الكرسي المقابل ليوسف، ظهره مستقيم… وصوته مطمئن:

– طيب يا يوسف…
أنا ما دايرك تضغط على نفسك الليلة.
نتكلّم على قد ما تقدر…
ولو عجزت توقف، دا طبيعي.

يوسف يتنفس بعمق، عينه تهرب وترجع،
وسارة تنظر اليه فقط..
دكتور علاء يضع يديه فوق بعض:

– يوسف…
أول حاجة داير أعرفها:
لما سمعت الصوت في راسك… كنت حاسس بشنو؟
بس الشعور… ما لازم تفاصيل.

يوسف بلع ريقه:

– خفت… خفت شديد.
حسيت زول جوا راسي بَهدّدني…
زي… كانه ببعدني من كل حاجه.

دكتور علاء يومّئ ببطء:

– تمام…
الخوف دا جاك فجأة ولا حسّيت بيهو اتراكم من قبل؟

يوسف:

– ما فجأة شديد…
لكن قبل فترة… بقيت بسمع زي همسات… زي همهمة.
وأنا في البحر… ما حسّيت بنفسي. فجأة كنت في العربية.

علاء يسند ظهره على الكرسي، نبرة صوته ثابتة:

– لو قلت لي:
أكتر لحظة حسّيت نفسك ضايع فيها؟
لحظة واحدة… أي لحظة.
شنو بتطلع في بالك؟

يوسف يغلق عينيه…
يمد يده كأنه يمسك فراغاً يطير من بين أصابعه:

– لحظة…
لما فتحت عيني ولقيت نفسي مبلول.
والله يا دكتور حسّيت دا ما جسمي…
وحياتي اتشطبت منها صفحة، بدون وعي

سارة تضغط يدها على ركبتها.
تحاول ما تقاطع… لكن عيونها تقول "اتكلم… قول كل شي."

علاء يميل للأمام:

– حسّيت إنك ما موجود؟
ولا حسّيت إنك موجود لكن ما أنت؟

يوسف يفتح عينيه ببطء:

– موجود…
لكن ما أنا.
كأنو في زول تاني ماسك مقود حياتي.
وأنا اتفرّج بس.

علاء يكتب ملاحظة صغيرة، ثم يرفع رأسه:
❤2
علاء – تمام…
عاوز أسألك سؤال تاني مهم:
قبل كل دا…
قبل البحر…
قبل الصوت…
كنت بتمرّ بشنو؟
ضغط؟ خوف؟ فقدان؟ حاجة وجعتك زمان؟

يوسف ينسحب لبرا رأسه لحظة…
نظرته تبحر بعيد… وكأن سؤال الطبيب فتح بوابة في ذاكرته:

– في…
في حاجات…
لكن ما داير أقولها…
خايف لو قلتها…
صوت سارة يجي خفيف… حنون… مكسور:

– قولها يا يوسف…
لو ما هسّة، متين؟
نحنا معاك.

دكتور علاء ينظر لهما، ويهز رأسه بتشجيع:

– الوجع البتخاف تقولهو…
هو ذاته الباب الداير يتفتح.
وما في شي ح يصحى ويأذيك…
إنت هسّة في مكان آمن.
وأنا هنا… ما بخليك تقع.

يوسف يتنفس بقوة… ثم يهمس:

– كان في موقف…
زمان…
وما اتجاوزتو.

يقترب علاء خطوة:

– دا البدايات يا يوسف…
وإحنا ح نمشي خطوة خطوة.
ما مستعجلين.
قول البتقدر عليهو… وخلي الباقي يجي بوقتُو.

وسارة…
تمد يدها ببطء…
وتلمس ظهر يد يوسف،
كأنها بتقولو: أنا هنا…

يوسف (بصوت هادي لكن موجوع):
– يا سارة… أحكي ليهم الحاصل… أنا ما قادر والله العظيم

سارة تتنهد، تنظر لعلاء ..
– الحاصل يا دكتور… يوسف كان معاه ثلاثة أصحاب… فرانك، ومارك، وأيمن.
ديل ناس كانو أخوانو… ما صحاب بس.
سافروا كلهم لمكان تاني للشغل بعد سنين من الصحبه … واتفقوا بعد ١٥ سنه فرقه يجو و يعملو ليوسف مفاجأة في عيد ميلادو…
لكن…

سارة تبلع ريقها، صوتها يرجف:
– عملو حادث… وماتو كلهم في اللحظة ذاتها.
الخبر وقع فوق يوسف زي جبل… دخل في حالة نفسية سنتين…
ما بنوم… ما بأكل… ما بقدر يقيف في الشارع البمرو فيهو العربات..
لكن… بفضل أمو وأهلو… قدر شويّة شويّة يطلع من الحفرة دي…

يوسف يقاطعها :
– لا… بمساعدتك إنتي يا سارة… إنتي بس.
أمي وأهلي وقفو… لكن إنتي الجبرتِ الكسر…
إنتي الانقذتيني والله ...

سارة تخفض نظرها بخجل، وعلاء يبتسم ابتسامة هادية تحمل فهم عميق…

دكتور علاء (يميل على الكرسي للامام):
– طيب يا يوسف… خليني أسألك كم سؤال…
في كلام سارة… وفي الطريقة الاتكلمت بيها…
واضح ليا إنك عشت صدمة شديدة… وبتحارب آثارها لحدي هسه.

يوسف ينظر ليه بتوتر بسيط.

علاء:
– بتجيك كوابيس عن الحادث؟ عن صحابك؟
بتسمع أصواتهم مرات؟
بتحس إنك ما قادر ترجع للحياة الطبيعية زي باقي الناس؟

يوسف:
– أيوا… كتيرة…
مرات بسمع ضحكتهم… مرات بسمع صراخ…
ومرات… بحس إنهم واقفين معاي…
حاولت انهي حياتي كم مره بس ساره كانت حاضره..

علاء يهز راسو بهدوء، نبرة الطبيب الحاذق:
– يوسف… الكلام دا خلاني أشك إنك ما بس مريت بصدمة…
إنت احتمال كبير تكون مصاب بـ اضطراب ما بعد الصدمة المُعقّد…
النوع المعقد جدا ..
والذكريات ما تبقى ذكريات، تبقى جروح شغالة لحدي الآن.

يوسف (بتنهد):
– يعني… أنا مجنون يا دكتور؟

علاء – لا… أبداً.
إنت ما مجنون… إنت مجروح.
والزول المجروح… بيتعالج.
وإنت قطعت نص الطريق…
وبقيت لسه في نصه التاني… .

سارة تمسك يد يوسف بصمت، ويوسف ينظر ليها بامتنان، وعلاء يدوّن بعض الملاحظات…

علاء:
– حنشتغل سوا… خطوة خطوة.
وحنرجّعك لحياتك…
بلا خوف… بلا وجع… ولا كوابيس اتفقنا؟؟

يخرج دكتور علاء من الغرفة بخطوات هادئة، يقفل الباب وراه، متجه لزینب وياسين عشان يشرح ليهم الحالة…

في الغرفة، الهدوء يرجع يهبط زي سحابة تقيلة.
سارة تقعد جنب يوسف، تقرّب كرسيها، وتنظر ليه بنظرة كلها حنان.

سارة (بصوت خفيف):
– كلو ح يهون يا يوسف… والله كلو.
إنت بس ما تشيل هم… نحنا معاك.

يوسف يخفض رأسه، يمسك أصابعه بقوة، صوته ينكسر:

يوسف:
– سارة…
أنا مريض نفسي…
يعني أنا شنو؟
أنا بقيت مجنون؟
ولا أعمل شنو؟
أمشي أختفي؟
ولا أنسحب من الناس؟
ولا أضحك وأتظاهر إني كويس؟
أنا… ما فاهم نفسي.

سارة تمد يدها وتمسك يده ، تحركها بخفة :

سارة:
– يا يوسف…
إنت ما مجنون…
المرض النفسي زيو وزي اي مرض عايز علاج..

تتنفس بعمق وتواصل:
– أي زول ممكن يمرض… جسدياً أو نفسياً.
المرض النفسي ما بقلّل منك…
ولا بقلّل من رجولتك…
ولا بقلّل من قلبك.

يوسف – طيب… أنا أعمل شنو؟
أمشي كيف؟
أتعالج كيف وأنا خايف من الليله قبل بكرة؟

سارة (تقرب أكتر، صوتها مطمّن):
– تعمل حاجة واحدة بس…
تخـلّيني أقيف معاك.
وتخلي علاء يعالجك
وتسمع كلام الدكتور خطوة… خطوة.
إنت ما مطالب تكون قوي اليوم…
ولا مطالب تكون شجاع.
إنت مطلوب منك تتعالج.

يوسف يشهق شهقة صغيرة، يرفع نظره ليها:

يوسف:
– وإنتِ… ما ح تزهجي مني؟
ولا تخافي؟
ولا تقولي يوسف بقى ما طبيعي؟

سارة تبتسم ابتسامة صغيرة مهزومة بالحب:
– أنا لو بخاف… بخاف عليك، ما منك.
وما بزهج… لأنو البمرض اليوم، بكرة بطيب.
واهم شي عندي هسي انك تكون كويس.

يوسف (برأس منخفض):
– سارة…
أمم… لو سمحتي… خليني برااي شوية.
عايز أرتّب راسي…
ما قادر أستوعب الحاصل.

سارة تتردد لحظة، تحس بالخوف عليه، لكن تحترم طلبه:
– طيب… لكن لو حسّيت بأي حاجة… نادي.
أنا برا.
تبتسم بخفوت وتمشي، تقفل الباب وراها بهدوء.
❤4👍3
يسقط الصمت على الغرفة فجأة…
يوسف يجلس، كفّو على جبينو، والتنفس يتقلّص…
أفكار تتلاقح، وتجرجر بعض…
“أنا مريض؟ أنا مجنون؟ ولا شنو؟ ليه أنا؟ ليه ما قدرت أنقذهم؟ ليه رجع الألم؟ ليه؟…”

دوّامة…
تسحب روحو خطوة… خطوة…
لحدي ما يحس الأرض تحتو بدأت تتلاشى.

يغمض عينو…

وفجأة—
صوت البحر.
الموج…
رياح بارده
يفتح عينو ببطء، يلقى نفسو واقف في البحر…

الضباب مغطي المكان…
والموية بتضرب على ركبتيه.
يحاول يلتفت…
لكن جسمو تقيل…
كأنو مثبت في الرمل.

فجأة…
خطوات ناعمة… هادئة… وراهو.
قريبة…
قريبة شديد.

لكن… ما قادر يلف.
الجسد كلو متشنج.

وتجي ريحه…
ريحة حلوة… نسائية… فيها حاجة مألوفة وفيها حاجة بتخوف.

يوسف يفتح عينو أكتر… يحاول يتحرك…
لكن فجأة—
ذراعان ناعمتان يلفن خصره من الخلف.
حضن بارد… يقطع النفس.

قلبه يدق…
والبحر يصرخ.

ثم يهبط الهمس…
قريب في أذنو…
صوت بنت…
لكن ما سارة…
ولا أي صوت بيعرفو.

الصوت الرفيع يقول:

– سارة؟…
دي لازم تتخلص منها…
هي أول خطوة في الشفاء…
وأول خطوة… في النهاية


يتبع…
❤2
اسم الروايه حوريه برايكم؟
حوريه دي منو؟؟؟❤️🌚
اكتبو وروني
❤5
استبيان اظهار وجود ، اي زول متابع الروايه يضغط القلب الاحمر ما متابعه اضغط الازرق
Anonymous Poll
46%
❤️
54%
💙
❤8
رواية حورية
بقلم : محمد ياسر
الفصل السادس
« حوريه»

قناه الروايه:
http://t.me/Rouhhee



ثمة أمورٌ لا تُرى بالعين،
ولا تُفسَّر بالعقل،
لكنها تلامس الروح كما يلامس البردُ عظامَ الليل.
نحن البشر نمشي بثقةٍ واهية،
نحسب أن العالم محصورٌ فيما نراه،
بينما الظلالُ من حولنا تحصي أنفاسنا،
وتتبع خطواتنا بصمتٍ يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا.

وفي كل قلبٍ نافذةٌ صغيرة…
إن تُركت بلا حارس،
تسلّل منها ما لا اسم له،
وما لا يُحبُّ كما نحب،
بل يتملّك…
ويتماهى…
حتى لا نعود نميّز بين خوفٍ في داخلنا،
ووجودٍ يقف خلفنا.

هذه الروايه دخلت طور اخر....
ليست عن بشرٍ فقط،
بل عن ما يراقبهم من وراء الحجاب،
حين تُطفأ الأنوار،
ويبدأ الليل الحقيقي...
وعلمَ يوسفَ يومَها… أنّ ما وراء أفكاره أكبرُ من عقلِه،
وأعظمُ من قدرةِ البشر أجمعين؛
وأنّ ما يلاحقه ليس خيالًا،
بل حقيقةٌ تتربّص بروحه من العالَمِ الّذي لا يُرى...





توهّم يوسف للحظة أنّ ما يحدث له ليس سوى ارتباكٍ داخلي،
لكن الصوت الذي تسلّل إلى جواره كان واضحًا، قريبًا بصورة لا تشبه الوهم.

– «يا يوسف… لازم تتخلص من ساره
ليو عايز تبقي كويس لازم نتخلص منها ؟»

ارتجف قلبه، والتفت بلا وعي، كأن الصوت يتحرّك معه.
وفجأة، جاءه صوت آخر… أكثر نعومة، أكثر خطورة، كأنه يخرج من صدره لا من الغرفة:

– «حبيبي… إنت ما مريض نفسي.
أنا عارفه كويس انك مالك»

انكمش جسده، وشعر بأن الهواء يضيق حوله.
ولم يمهله الخوف طويلًا، إذ اخترق الظلام صوت ثالث…
صوت كأنه مبلّل بالماء، خشنًا كصخرة رطبة:

– «يوسف… أنا بحَرّكك من العيادة هسي… قوم حاوديك مكان احلى»

تصلّبت أطرافه، وصار الصراخ محبوسًا في حلقه.
حاول المقاومة—لكن جسده لم يعد يسمع أوامره.
كانت يدٌ غير مرئية تمسكه من الداخل، كأنها تشدّ روحه من جذورها.

ثم… اختفى كل شيء.

أغمض عينيه للحظة،
وفي تلك اللحظة الشاحبة…
تسلّلت إليه رائحة البحر،
والنسيم يمرّ على وجهه كما يمر الموت على كتف حي.

فتح عينيه—

لم يعد في المستشفى.
كان واقفًا وسط الماء…
الموج يصل إلى ركبتيه، والبحر حوله..

نظر حوله مذهولًا.
الناس يتحركون على الشاطئ، يضحكون، يصرخون، يبيعون، يمشون…
عالم كامل يحيط به،
وعقله ينهار ببطء.

تحسس جيبه—
لا شيء.
هاتفه ما زال في المستشفى.
إذن… من الذي أحضره إلى هنا؟

بدأ يركض…
ركض بلا وعي، بلا اتجاه،
صرخ بصوت مخنوق لا يسمعه أحد،
والبحر يضرب ركبتيه بقوة،
والخوف يضرب قلبه بعنف أشد.

وفجأة…
جاءه الصوت من خلفه،
قريبًا… قريبًا لدرجة شعر معها بأنفاسه على عنقه:

– «تعال يا يوسف…
بتهرب لي؟
إنت ما داير البحر؟
طيب… داير شنو؟»

توقّف يوسف…
وتجمّد الدم في عروقه.
لم يعد يدري إن كانت قدماه مغروستين في الرمل،
أم أن الرعب هو الذي كبّله.

وعلم في تلك اللحظة—
أن ما يحدث له…
ليس كابوسًا، ولا وهمًا،
بل شيئًا أكبر من وعيه،
وأخطر من أن يقال بصوتٍ مسموع.


اختفاء يوسف من الغرفة..

كان الممرُّ هادئًا على نحوٍ مريب، والضوءُ الأبيض يتدلّى من السقف متعبًا مثل عينٍ لم تنمْ منذ أعوام. جلست سارة قرب باب الغرفة، وضمّت كفّيها في قلقٍ يكاد يُسمَع. كانت تحاول احترام رغبة يوسف في البقاء وحيدًا… لكن شيئًا في صدرها كان يطرق بعنف، إحساسٌ غامض يخبرها أن السكون ليس إلا ستارًا يخفي وراءه عاصفة.

في داخل المكتب المجاور، جلس الدكتور علاء مع ياسين وزينب يشرح لهم خطورة الحالة وما يمر به يوسف ..

لكن سارة… لم تستطع الصبر أكثر.

اقتربت من الباب، طرقت بخفّة وهمست:

– «يوسف… إنت كويس؟»

لا جواب.
تحسست قلبها، اقتربت أكثر، وانحنت على الفتحة الضيقة في الباب محاولةً أن ترى شيئًا من الداخل…

وفجأة—
تجمّد الدم في عروقها.

كانت الصدمة مثل صفعة:
السرير… فارغ.

دفعت الباب بقوة، كأن الأرض انهارت تحتها، ودخلت الغرفة بعينين تتنقلان بين الجدران كمن يبحث عن ظلّ ضائع. وجدت هاتفه على الأرض، وحذاءه عند طرف السرير. لم يكن هناك ما يفسّر خروجه… ولا أحد رآه.

همست، ثم ارتفع صوتها مذعورًا:

– «يوسف!!… يوسف وينك ؟!!»

انفجرت تركض خارج الغرفة، تُنادي، تُلهث، ووجهها شاحب مثل ورقة فقدت لونها.

صرخت في الممر تضرب الهواء بيديها:

– «ياسين!! زينب!! ألحقو… يوسف ما في الغرفة! اختفى… اختفى وما عارفه مشى وين!!»

ارتجّ الممرّ كله.
ارتبكت الوجوه.
وتجمّد الزمن للحظة…
كأن المستشفى نفسها شعرت بأن شيئًا غير طبيعي قد حدث للتو...


دبت الفوضى في الممر كخيطٍ انقطع فجأة من نسيج الليل. هرع الطاقم الطبي، وتحرّك رجال الأمن، وكلٌّ يحمل في عينيه سؤالًا واحدًا:
كيف اختفى مريض داخل غرفة مغلقة؟

بدأت مراجعة كاميرات المراقبة، شاشةً تلو الأخرى، الممرات، الأبواب، المصاعد، مخارج الطوارئ…
ولا أثر.

وكأن يوسف تبخر من الهواء.

في تلك اللحظة، وقف ياسين أمام سارة، وصوته مخنوق بالقلق:

– «يا سارة… يمكن إنتي نّمت شوية. يمكن طلع وإنتِ ما حسيتي.»

مسحت دموعها بارتباك، تهز رأسها بقوة:
❤5
– «لا يا ياسين! والله ما نمت… والله كنت قاعده قدام الباب ما اتحركت. أنا… أنا ما فاهمة الحصل شنو.»

اقترب منها أكثر، يحاول تهدئتها:

– «يا سارة الناس بتغفى بدون ما تحس… يمكن حصل ليك كدا. مافي زول بطلع من غير زول يشوفو.»

في الطرف الآخر من الممر، كان دكتور علاء يتحدث مع زينب، محاولًا الحفاظ على رباطة جأشه:

– «يا زينب إحنا عملنا سيرش كامل… مافي دليل إنه يوسف مرّ من أي باب. لكن ما بنوقف. أنا الآن ح أراسل كل المستشفيات القريبة… يمكن يكون حصل خلط أو نقلوهو بالغلط.»

ياسين التفت إلى زينب، يشد على كتفها:

– «أنا ح أمشي البيت. يمكن مشى هناك… يمكن كان داير يطلع من المستشفى. يمكن… يمكن هرب.»

هزت زينب رأسها، صوتها يرتجف:

– «يوسف؟ يهرب؟… ياسين ولدي ما من النوع دا ابدا .»

سقطت سارة على الأرض قرب الحائط، تبكي بحرقة، وزينب انحنت تضمها بقوة، كأنها تحاول أن تمنع العالم من السقوط فوقهما.

لم يكن أحد يعرف شيئًا.
ولا شيء يفسّر اختفاء رجل لم يغادر… لكنه اختفى.


مع أول لحظة صمت، أخرجت سارة هاتفها، يدها ترتجف، واتصلت بأحمد.
كان صوته مذهولًا عندما أخبرته:

– «يوسف يا احمد يوسف ما لاقينو، اختفي كان في الغرفه لكن اختفى!»

ردّ أحمد بحدة:

– «كيف يعني اختفى من وين ؟!.»
ساره -« ماف وقت اشرح تعال لي هسي في المستشفى العمومي هسي هسي»


وبدأت رحلة البحث…
المستشفى… الطرقات… كل منطقة قريبة…
سؤال تلو سؤال، باب تلو باب.

لكن بلا فائدة.
وكأن الأرض ابتلعته.

وكأن يوسف… خرج من العالم كله، وليس من باب المستشفى فقط.


لم يكد ياسين يصل إلى باب المنزل، حتى شعر بأن صدره ينقبض. فتح الباب بسرعة، دخل، نادى بصوت مرتفع يتشبث بالأمل:

– «يوسف!… يا يوسف! وين انت !»

لكن البيت كان صامتًا… صامتًا بشكل يؤذي الأذن.

فتّش الغرف، الحمّام، المخزن، حتى سطح المنزل…
لا شيء.

أخرج هاتفه على الفور، ضغط على اسم زينب، وصوته يخرج متقطعًا من الخوف:

– «زينب… يوسف ما في البيت. فتشت كل مكان!»

جاء صوت زينب مختنقًا، فيه خوف واضح رغم محاولتها التماسك:

– «يا ياسين… علاء برضو فتّش كل المستشفى… كل الأدوار… حتى السطح… م لقاهو. ولا في أي أثر.»

توقّف ياسين لحظة، كأن الكلمات لم تصل لدماغه.
قال بصوت منخفض:

– «طيب… أحمد؟ قال شنو؟»

أجابت زينب بسرعة، وكأنها تُمسك بآخر خيط:

– «أحمد جا من بدري… ما قصّر والله… وهسي واقف مع سارة… بيفتشو برا المستشفى… في الشوارع… في الحتّات القريبة… بس لحدي هسّا… مافي أي حاجة.»

أسند ياسين ظهره إلى الحائط، كأن قوته ذابت فجأة.

– «يا زينب ولدي مشى وين؟؟؟!»

ردّت زينب والدموع في عيناها:

– «والله يا ياسين… ما عارفه ما عارفه انا بس عايزه ولدي .»

لم يقل ياسين شيئًا…
كان يسمع أنفاسه فقط، وبكاء زينب … وصمتًا كبيرًا يُطبق على المدينة.

وفي تلك اللحظة، شعر الاثنان بذات الإحساس:
أن يوسف… لم يخرج وحده.
وأن ما حدث… ليس طبيعيًا...


في طرف المدينه ...
كانت السيارة تشقُّ ليل المدينة بقلقٍ ثقيل، والمصابيح على جانبي الطريق تمرّ كأشباحٍ صامتة.
سارة تجلس في المقعد الأمامي، يداها متشابكتان، عيناها تبحثان في الشوارع، في الأرصفة، في أي ظلّ قد يشبه يوسف…
وأحمد يقود بسرعةٍ محسوبة، يحاول أن يوازن بين خوفه وحدسه.

قال أحمد وهو يحدّق في الطريق:

– «سارة… خلينا نفتش في أي حتّة يوسف بحبها. البحر … القهوة البمشيها… الميادين… أي مكان ممكن يمشي ليهو.»

أومأت سارة دون أن ترفع رأسها.
كان صوتها مجهداً، كأن الكلمات تتحرج من الخروج:

– «يا أحمد… أنا… أنا خايفة. الحصل في المستشفى ما طبيعي.»

التفت إليها بسرعة، صوته فيه مزيج من دهشة وخوف:

– «إنتي لسه ما قلتي لينا… يوسف كان مالو؟ الحصل شنو جوّة الغرفة؟»

تنفّست بعمق… ثم قالت بصوت مكسور:

– «يوسف… مريض نفسي يا أحمد. وعيان شديد… كان بيسمع أصوات… وبشوف حاجات ما موجودة… وكان مرعوب… مرعوب لدرجة تخوف.»

شدّ أحمد على المقود، وجهه متفاجئ:

– «جادي؟ ما كنتو قايلين لينا الحاصل كلو…»

ردّت سارة وهي تمسح دموعها:

– «لأنه ما كان داير زول يعرف… كان بقول لي إنو الأصوات حقيقية… ما وهم… كان خايف من حاجة… وما قادر يشرح.»

أحمد نظر إليها بحنان، نبرة صوته هادئة رغم القلق:

– «اسمعيني… إنتِ ما براك. أنا معاك…زي ما يوسف غالي علي انتي كمان غاليه شديد اطمني حنلقي يوسف .؟»

هزّت رأسها وصمتت والدموع في عيناها..

مرّوا بجانب البحر…
سارة التفتت ناحيته..

– «أحمد… وقف هنا. البحَر… يوسف دايمًا بيجي هنا… يمكن… يمكن يكون قريب.»

أوقف السيارة.
وبدآ يركضان ويُناديان:

– «يــوســــف!!»

لم يجدو شي ، حتى جاءت فكره الذهاب الي أمن البحر لعل يجدو كاميرات تساعدهم...



وفي مكانٍ لا يعرف الزمن إليه طريقًا…
فتح يوسف عينيه ببطء.
❤2🔥1
كان الضوء في الغرفة هادئًا، بلونٍ أحمر خافت، يشبه وهج غروبٍ محبوس داخل جدار.
الرائحة… كانت غريبة، مزيج من بخورٍ ناعم ووردٍ مبتل، كأن المكان يتنفس طمأنينة مخادعة.
والهواء… دافئ، لطيف على الجلد، يختلف تمامًا عن برد المستشفى الأبيض.

جلس يوسف بصعوبة، أنينٌ صغير خرج من صدره عندما حاول أن يرفع نفسه—جسده كان يؤلمه كأنه سقط من عالَمٍ آخر.

رفع رأسه…

وتجمّد.

كانت هناك فتاة…
واقفة قرب النافذة.

جمالها لم يكن عاديًا.
شعرها فضي، يتدلّى عليها مثل ضوء القمر،
وعيناها زرقاوان بشكلٍ يشبه البحر تماما..

كان جمالًا ساحرا لحد الجنون..

قال يوسف بصدمة وصوت مرتجف:

– «أنا… أنا وين؟ إنتي منوو؟»

ابتسمت الفتاة ابتسامة مطمئنة… لكنها كانت تحمل شيئًا خلفها، شيئًا غامضًا لا يُفهم.

اقتربت منه بخطوات هادئة وقالت باللهجة السودانية:

– «إنت في محل أمان…
كنت لو وديتك البيت أمّك وأبوك كانوا ح يفتشوا هناك…
والحصل بالضبط زي ما قلت ليك…
سارة وأحمد هسه بيفتشوا فيك في البحر.»

اتسعت عينا يوسف، لم يعرف هل يخاف… أم يصدق… أم يصرخ.

أكملت هي، بصوتٍ ناعم ينساب مثل ماءٍ دافئ:

– «بس هنا… محل أمان.
ما في زول غيرنا… اطمن يا يوسف.»

لم يرد.
لم يسأل.
لم يجد الكلمات.

لأول مرة… شعر أنه مفتون.
جمالها كان سحرًا يُسكر العقل، يُعطّل التفكير، يُطفئ الخوف للحظة…
ثم يعيده مضاعفًا.

كانت تنظر إليه كأنها تعرفه أكثر مما يعرف نفسه.
وكان ينظر إليها… كأن قلبه يخون واقعه لأول مره


فتح يوسف عينيه أكثر، كأن الوعي يعود إليه على شكل صدمة..
ابتلع ريقه بصعوبة ثم قال بصوتٍ مرتجف:

– «سارة…؟
وين سارة؟
هي كويسة؟
أنا… أنا طلعت من المستشفى كيف؟»
« امي وأبوي؟ اديني تلفوني عشان اطمن عليهم ..»

لم يكمل جملته.

تغيّر وجه الفتاة فجأة.
الغضب مرّ في عينيها كالبرق الأزرق، حتى إن الضوء الأحمر في الغرفة بدا كأنه انطفأ خوفًا منها.

صرخت، بصوتٍ يزلزل الهواء:

– «ســـارة؟!
ســـارة؟!
سارة شنو؟!
أنا بكرها… بكرها شديد!»

تقدّمت نحو يوسف بخطوات سريعة كأن الأرض تُسحب تحتها،
كأن الغرفة تضيق.

اقتربت منه حتى شعر بحرارة أنفاسها، وقالت بصوتٍ مكسور بالغضب:

– «نسيت يوم صرخت فيك؟
نسيت يوم خلتك واقف زي الغبي قدام الناس؟
نسيت يوم مشَت مع أحمد… وما اشتغلت بيك؟»

كانت كلماتها تصيبه كالرصاص…
كل جملة كانت ذكرى يعرفها،
غضبًا عاشه،
جرحًا لم يخبر به أحدًا.

يوسف اتراجع خطوة…
العروق في رقبته ترتجف.
قال بصوت خافت، مذهول:

– «إنتي… إنتي كيف عرفتي كل دا؟
إنتي… منو؟»

اقتربت أكثر…
كأن المسافة بينهما تختفي،
كأن الهواء توقف عن الحركة.

رفعت يدَها ولمسته بخفة،
لمسة أقرب إلى التيار الكهربائي منها إلى اليد البشرية،
وقالت وهي تنظر في عينيه مباشرة:

– «يا حبيبي…
أنا ما غريبة عليك ، أنا منك وفيك وبعرفك لي خمسه سنين ...

ثم ابتسمت، ابتسامة جميلة… مرعبة… خطيرة.
همست:

– «أنا…
حُــوريـــة.»


يتبع....
❤4