في حديثٍ عن العيد:
"عندما أشم رائحة الضأن القوية تنبعث من الخراف المربوطة أمام دكان الجزار المجاور، فإنني أعرف أن عيد الأضحى قادم قبل أن يستوعب ذهني المعلومة. نوع من الارتباط الشرطي. ابنتي تكره هذه الرائحة كراهية التحريم وتؤكد أن حتى مياه الصنبور تكون لها ذات الرائحة.
الحق أنني أحب هذه الرائحة لأنها تستدعي حشدًا من الذكريات.
لم نكن أسرة ثرية، بل هي الأسرة التي ينطبق عليها مصطلح الطبقة الوسطى حرفيًا، لكن ظل الخروف جزءًا من تقاليد العيد، حيث ترسله جدتي هدية لنا كل عام تقريًبا، وكان يصل بحفاوة مع السيارة نصف النقل والحبل الغليظ وصوته الأجش الذي نعتقد أنه (ماء) بينما يعتقد الغربيون أنه (باء). هناك في الحمام يقف كضيف فوق العادة له ثقله وأهميته. ثم يأتي يوم العيد والذبح وبرك الدماء وشعوري الممض بأنني أتخلى عن صديق، وهو الشعور الذي يزول فورًا بمجرد أن يبدأ طهي اللحم.. تتحرك عصارات معدتي وأنتظر في شغف.
بعد الإفطار الشهي يأتي الجزء القذر من العملية – بالنسبة لي – وهو أرغفة الخبز المحشوة بالأرز واللحم التي يأخذني أبي معه لنوزعها في أماكن تجمع الفقر والمتسولين. نجوب أزقة ضيقة وعرة خلف السيد البدوي وفي منطقة سيدي مضيها والشيخة صباح. هناك تكتشف درجات من الفقر والقبح والتشوه لم تتصور أنها موجودة قط، ويخرج لك المتسولون من الظلمات يئنون مثل أفلام الزومبي.
كنت في العاشرة مثلاً، وكنت أعتبر هذه الجولة تنغيصًا.. ضريبة لابد منها مقابل متعة لحم العيد، بينما كان أبي يعتبرها أهم لحظات اليوم. وفي المساء نقوم بجولة سريعة أخرى على بيوت الأقارب وطانط فلانة وطانط فلانة. ينتهي اليوم وأنت كتلة عجين من فرط الإرهاق.
لكن البيت مليء باللحم، وأنا لا أكف عن الأكل كأنني الطفل المقصود في بيتي بيرم التونسي الجميلين:
استنظره الموت وفي العيد الكبير جاله
في اللحم لما أكل من كل ما طاله
أكل في بيتهم وبيت عمه وبيت خاله
ويعيد غداه كل ما يدخل لأهله ضيوف
كانت معدتي ما زالت في فترة الضمان.. لقد خرجتْ من المصنع لتوها، وكانت قادرة على هضم الحجارة والزلط.. تعبير (عسر هضم) كان يبدو لي نوعًا من الخيال العلمي الغامض.
بعد يومين تضع لي أمي قطعة لحم كبيرة لكن مشبعة.. في اليوم الرابع هي قطعة في حجم علبة ثقاب صغيرة فأجن رعبًا.. هل انتهى كل شيء بسرعة؟.. تقول أمي بلهجة الحكيم الذي خبر قسوة الزمن:
ـ«كل سنة وانت طيب.. الخروف خلص!»
مستحيل!… هناك سرقة في الموضوع.. هناك عشرة كيلوجرامات مخبأة في مكان ما من الثلاجة، أو لابد أن نوبة كرم غلبتها فأعطت زوجة البواب خمسة كيلوجرامات.
يكون علي أن اتحمل قسوة الحياة ومرارة انتهاء كل شيء، خاصة أمام طبق البامية القرديحي أو طبق الفول الذي سيأتي في اليوم التالي.. تلك تجربتي الأولى مع التشيروفوبيا أو الخوف من السعادة.. الخوف من قسوة انتهائها"
د.أحمد خالد توفيق
"عندما أشم رائحة الضأن القوية تنبعث من الخراف المربوطة أمام دكان الجزار المجاور، فإنني أعرف أن عيد الأضحى قادم قبل أن يستوعب ذهني المعلومة. نوع من الارتباط الشرطي. ابنتي تكره هذه الرائحة كراهية التحريم وتؤكد أن حتى مياه الصنبور تكون لها ذات الرائحة.
الحق أنني أحب هذه الرائحة لأنها تستدعي حشدًا من الذكريات.
لم نكن أسرة ثرية، بل هي الأسرة التي ينطبق عليها مصطلح الطبقة الوسطى حرفيًا، لكن ظل الخروف جزءًا من تقاليد العيد، حيث ترسله جدتي هدية لنا كل عام تقريًبا، وكان يصل بحفاوة مع السيارة نصف النقل والحبل الغليظ وصوته الأجش الذي نعتقد أنه (ماء) بينما يعتقد الغربيون أنه (باء). هناك في الحمام يقف كضيف فوق العادة له ثقله وأهميته. ثم يأتي يوم العيد والذبح وبرك الدماء وشعوري الممض بأنني أتخلى عن صديق، وهو الشعور الذي يزول فورًا بمجرد أن يبدأ طهي اللحم.. تتحرك عصارات معدتي وأنتظر في شغف.
بعد الإفطار الشهي يأتي الجزء القذر من العملية – بالنسبة لي – وهو أرغفة الخبز المحشوة بالأرز واللحم التي يأخذني أبي معه لنوزعها في أماكن تجمع الفقر والمتسولين. نجوب أزقة ضيقة وعرة خلف السيد البدوي وفي منطقة سيدي مضيها والشيخة صباح. هناك تكتشف درجات من الفقر والقبح والتشوه لم تتصور أنها موجودة قط، ويخرج لك المتسولون من الظلمات يئنون مثل أفلام الزومبي.
كنت في العاشرة مثلاً، وكنت أعتبر هذه الجولة تنغيصًا.. ضريبة لابد منها مقابل متعة لحم العيد، بينما كان أبي يعتبرها أهم لحظات اليوم. وفي المساء نقوم بجولة سريعة أخرى على بيوت الأقارب وطانط فلانة وطانط فلانة. ينتهي اليوم وأنت كتلة عجين من فرط الإرهاق.
لكن البيت مليء باللحم، وأنا لا أكف عن الأكل كأنني الطفل المقصود في بيتي بيرم التونسي الجميلين:
استنظره الموت وفي العيد الكبير جاله
في اللحم لما أكل من كل ما طاله
أكل في بيتهم وبيت عمه وبيت خاله
ويعيد غداه كل ما يدخل لأهله ضيوف
كانت معدتي ما زالت في فترة الضمان.. لقد خرجتْ من المصنع لتوها، وكانت قادرة على هضم الحجارة والزلط.. تعبير (عسر هضم) كان يبدو لي نوعًا من الخيال العلمي الغامض.
بعد يومين تضع لي أمي قطعة لحم كبيرة لكن مشبعة.. في اليوم الرابع هي قطعة في حجم علبة ثقاب صغيرة فأجن رعبًا.. هل انتهى كل شيء بسرعة؟.. تقول أمي بلهجة الحكيم الذي خبر قسوة الزمن:
ـ«كل سنة وانت طيب.. الخروف خلص!»
مستحيل!… هناك سرقة في الموضوع.. هناك عشرة كيلوجرامات مخبأة في مكان ما من الثلاجة، أو لابد أن نوبة كرم غلبتها فأعطت زوجة البواب خمسة كيلوجرامات.
يكون علي أن اتحمل قسوة الحياة ومرارة انتهاء كل شيء، خاصة أمام طبق البامية القرديحي أو طبق الفول الذي سيأتي في اليوم التالي.. تلك تجربتي الأولى مع التشيروفوبيا أو الخوف من السعادة.. الخوف من قسوة انتهائها"
د.أحمد خالد توفيق
Forwarded from عبدالله الوهيبي
اسرحْ بخيالك معي.. ماذا لو سألك إنسان قبل عشر سنوات: ما توقعاتك عن نفسك بعد عشر سنوات؟ أفكارك؟ مقاييس أبعاد شخصيتك (الخمس الكبرى: الانضباط، الانبساط، الانفتاح، التوافق، العصابية)؟ تفضيلاتك في الأكل والشرب والأماكن والأزمنة؟ اهتماماتك الأساسية؟ أولوياتك القيمية؟ ثم عد إلى واقعك الآن، وقارن. حسنًا.. الآن؛ ماذا عن العشر سنوات القادمة؟ ما الذي تتوقّع تغيّره؟ وبأي نسبة؟.
في يناير عام 2013م نشر عالم النفس الاجتماعي دان غيلبرت ومن معه ورقة بحثية عن توقعات الناس عن ذواتهم المستقبلية، وتوصلت الورقة إلى أن معظم الناس يرون أنهم تغيروا كثيرًا في الماضي، لكنهم لا ينظرون إلى تغيرات المستقبل بنفس القدر، بل يتوهمون أنهم بلغوا «الآن» نهاية تاريخهم الشخصي، وأن ذواتهم قد وصلت إلى صيغتها "النهائية"، فيقللون من حجم التغيّر المتوقّع في سنوات حياتهم المقبلة، ولذا فعنوان الورقة: "وهم نهاية التاريخ The end of history illusion"، وهو عنوان معبّر يحيل إلى كتاب فوكوياما الشهير "نهاية التاريخ والإنسان الأخير The End of History and the Last Man"، والذي قرر فيه أن الديموقراطية الليبرالية الغربية هي سقف التقدم الممكن، ونهاية التاريخ البشري العام، وهو تصور موهوم كما هو معلوم، وغليبرت ينقل هذه الفكرة إلى التاريخ الشخصي، فطبقًا للورقة فإن الناس -وفي كل الأعمار تقريبًا- يفشلون في تخيّل التغير الذي ينتظرهم في العقد التالي من حياتهم، لاسيما في حال الكبر، فكثير من الناس يتوهّمون أن التغيّر يتباطأ مع التقدّم في السن، بينما الواقع أن التغيّر مستمر طوال الحياة. ماذا يمكن أن نستنتج من هذا؟
أولًا: ضرورة التريث والتأنّي في القرارات الاستراتيجية في حياة الفرد، فليس من التعقّل اتخاذ قرارات طويلة المدى والتأثير طبقًا لمعطيات محتملة، فحين يصمم قرار الزواج أو التخصص (أو ما شابهها) من دون اعتبار لتغيرات الزمن المتوقّعة فسيواجه الفرد المصاعب حتمًا. وهذا بدهي تقريبًا.
ثانيًا: عمق التغيّر أو دوامه -وهو الثابت الإنساني الوحيد-؛ يفتح بابًا إلى الأمل، فما تكرهه في نفسك أو في من حولك؛ فإنه غالبًا لا يدوم (ويمكنك التأكد من ذلك بتأمل الماضي الذي توهمت دوامه)، كما أنه أيضًا يشرع بابًا آخر للحذر والتخوّف العاقل، فلا تطمئن لما أنت فيه أكثر مما ينبغي، وتمسك بحبل الله، فإن تقلبات الزمن لا تستثني أحدًا، فإن سلم لك دينك وقلبك فلا تأس على ما فاتك من غيره، ثم كابد ليكون تغيّرك الحتميّ ترقيًا في مدارج الكمالات الدينية، وصعودًا في منازل المقامات الروحية العالية.
في يناير عام 2013م نشر عالم النفس الاجتماعي دان غيلبرت ومن معه ورقة بحثية عن توقعات الناس عن ذواتهم المستقبلية، وتوصلت الورقة إلى أن معظم الناس يرون أنهم تغيروا كثيرًا في الماضي، لكنهم لا ينظرون إلى تغيرات المستقبل بنفس القدر، بل يتوهمون أنهم بلغوا «الآن» نهاية تاريخهم الشخصي، وأن ذواتهم قد وصلت إلى صيغتها "النهائية"، فيقللون من حجم التغيّر المتوقّع في سنوات حياتهم المقبلة، ولذا فعنوان الورقة: "وهم نهاية التاريخ The end of history illusion"، وهو عنوان معبّر يحيل إلى كتاب فوكوياما الشهير "نهاية التاريخ والإنسان الأخير The End of History and the Last Man"، والذي قرر فيه أن الديموقراطية الليبرالية الغربية هي سقف التقدم الممكن، ونهاية التاريخ البشري العام، وهو تصور موهوم كما هو معلوم، وغليبرت ينقل هذه الفكرة إلى التاريخ الشخصي، فطبقًا للورقة فإن الناس -وفي كل الأعمار تقريبًا- يفشلون في تخيّل التغير الذي ينتظرهم في العقد التالي من حياتهم، لاسيما في حال الكبر، فكثير من الناس يتوهّمون أن التغيّر يتباطأ مع التقدّم في السن، بينما الواقع أن التغيّر مستمر طوال الحياة. ماذا يمكن أن نستنتج من هذا؟
أولًا: ضرورة التريث والتأنّي في القرارات الاستراتيجية في حياة الفرد، فليس من التعقّل اتخاذ قرارات طويلة المدى والتأثير طبقًا لمعطيات محتملة، فحين يصمم قرار الزواج أو التخصص (أو ما شابهها) من دون اعتبار لتغيرات الزمن المتوقّعة فسيواجه الفرد المصاعب حتمًا. وهذا بدهي تقريبًا.
ثانيًا: عمق التغيّر أو دوامه -وهو الثابت الإنساني الوحيد-؛ يفتح بابًا إلى الأمل، فما تكرهه في نفسك أو في من حولك؛ فإنه غالبًا لا يدوم (ويمكنك التأكد من ذلك بتأمل الماضي الذي توهمت دوامه)، كما أنه أيضًا يشرع بابًا آخر للحذر والتخوّف العاقل، فلا تطمئن لما أنت فيه أكثر مما ينبغي، وتمسك بحبل الله، فإن تقلبات الزمن لا تستثني أحدًا، فإن سلم لك دينك وقلبك فلا تأس على ما فاتك من غيره، ثم كابد ليكون تغيّرك الحتميّ ترقيًا في مدارج الكمالات الدينية، وصعودًا في منازل المقامات الروحية العالية.
علّق أبوالعباس المرسي رحمه الله على حديث: (الدنيا سجن المؤمن)
فقال:"وشأن المسجون التحديق بعينيه، والإصغاء بأذنيه، متى يُدعى للخروج فيجيب".
فقال:"وشأن المسجون التحديق بعينيه، والإصغاء بأذنيه، متى يُدعى للخروج فيجيب".
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
عن تتبع مفردة أسلوب يقول د.زكي نجيب محمود "النفس ضنينة بسرها وليس كل إنسان قادر على أن يسلب نفسه سرَها".
فعلاً {وإن من البيان لسحرًا}
فعلاً {وإن من البيان لسحرًا}
الأناة هي صفة خلقية تهيمن على سلوك الإنسان فيغلب عليه الهدوء والاستقرار والتفكير قبل اتخاذ القرار، وتصونه من العجلة والخضوع لضغط نفسي معين...
الأناة منهج ضروري للتعامل مع الإشكالات والشبهات التي تنهال على قلب المسلم من كل مكان في هذا الزمان، بأن يتريّث في أمرها ويفكر فيها كثيراً، فتدفعه للاستشارة وطول النظر، وحينها سينزل الإشكال في موقعه الطبيعي...
ضعف الأناة يفتح على الإنسان ركام التأثيرات النفسية والضغوط الآنيّة، فيكون المؤثر الأقوى ليس هو البحث عن الحق ولا ميزان العدل، بل هي الحالة النفسية التي يعيشها، تدفعه إلى تصورات كلية قطعية بشكل سريع مع قصور ظاهر في استيعاب الفكرة أو تعميمها أو التدقيق في دلائلها.
___________
من كتاب: معركة النص د. فهد العجلان.
الأناة منهج ضروري للتعامل مع الإشكالات والشبهات التي تنهال على قلب المسلم من كل مكان في هذا الزمان، بأن يتريّث في أمرها ويفكر فيها كثيراً، فتدفعه للاستشارة وطول النظر، وحينها سينزل الإشكال في موقعه الطبيعي...
ضعف الأناة يفتح على الإنسان ركام التأثيرات النفسية والضغوط الآنيّة، فيكون المؤثر الأقوى ليس هو البحث عن الحق ولا ميزان العدل، بل هي الحالة النفسية التي يعيشها، تدفعه إلى تصورات كلية قطعية بشكل سريع مع قصور ظاهر في استيعاب الفكرة أو تعميمها أو التدقيق في دلائلها.
___________
من كتاب: معركة النص د. فهد العجلان.
من حُسن الرجاء:
يقال في المثل: { مصير الحيّ يتلاقى} بمعنى: أن الناس في سعيهم الدائم قد يجدون بعضهم لا محالة.
ويوافقه البيت القائل:
"وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما
يظنان كل الظنِّ ألّا تلاقيا"
يقال في المثل: { مصير الحيّ يتلاقى} بمعنى: أن الناس في سعيهم الدائم قد يجدون بعضهم لا محالة.
ويوافقه البيت القائل:
"وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما
يظنان كل الظنِّ ألّا تلاقيا"
قيل في حُسن اجتناء الكلام، وتخيّر أطيبه:
"لمّا تناولتُ القلم تداعت عليّ المعاني من كل جهة، فأحببت أن أترك كل معنى يرجع إلى موضعه ثم أجتني لك أحسنها" العتّابي.
-كان يقف قلمهُ كثيراً فقيل له في ذلك، فقال:"إن الكلام يزدحم في صدري؛ فيقف قلمي لأتخيّره" التوحيدي نقلاً عن ابن المقفع.
"لمّا تناولتُ القلم تداعت عليّ المعاني من كل جهة، فأحببت أن أترك كل معنى يرجع إلى موضعه ثم أجتني لك أحسنها" العتّابي.
-كان يقف قلمهُ كثيراً فقيل له في ذلك، فقال:"إن الكلام يزدحم في صدري؛ فيقف قلمي لأتخيّره" التوحيدي نقلاً عن ابن المقفع.
مدارك
أسمى الله الزوجة سكنًا فقال: { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها}.
وللفقهاء كلام جميل حول هذا، يقول الشنقيطي في أضواء البيان:
إذا تزوج المسافر ببلد، أو مر على بلد فيه زوجته أتم الصلاة؛ لأن الزوجة في حكم الوطن، وهذا هو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما وأحمد.
يقول أحمد بخيت في قصيدته "بالأمس":
إن لم يكن لك في البلاد حبيبة
فاذهب بعيدًا فالبلاد مؤجلة
بمعنى: أنه قد انتفى سبب من أسباب الاستقرار
فما الذي يمنعك من البقاء حينئذ!
أسمى الله الزوجة سكنًا فقال: { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها}.
وللفقهاء كلام جميل حول هذا، يقول الشنقيطي في أضواء البيان:
إذا تزوج المسافر ببلد، أو مر على بلد فيه زوجته أتم الصلاة؛ لأن الزوجة في حكم الوطن، وهذا هو مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما وأحمد.
يقول أحمد بخيت في قصيدته "بالأمس":
إن لم يكن لك في البلاد حبيبة
فاذهب بعيدًا فالبلاد مؤجلة
بمعنى: أنه قد انتفى سبب من أسباب الاستقرار
فما الذي يمنعك من البقاء حينئذ!
من بديع اللغة: أن السين والتاء من دلالات الطلب، فحين نقول: استجمام النفس، واسترخاء الجسد، واستذكار الدرس، واستحسان الأمر، واسترضاء المحبوب، فنحن نسعى إليه، إذ لا يُتحصل إلا بجهد، قبل أن تحصل نتيجته.
"إن قَرَّتِ العَينُ بِأَن أَؤوبا
لم آلُ أَن أستَرضِيَ الغَضوبا"-ابن زيدون
"إن قَرَّتِ العَينُ بِأَن أَؤوبا
لم آلُ أَن أستَرضِيَ الغَضوبا"-ابن زيدون
"على الإنسان أن يُدرك أنّ أوقات الانشغال نعمة، وأنّ التَّعّب المُثمر نعمة، وكلّ دقيقةٍ تقضيها في الاشتغال على نفسك وعقلك وقلبك، هي استثمارٌ مؤجّل لو لَم تَرَ النتائج الآن! النَّفس تَميل لراحتها، ولاتعلَم أنّها ترتاح بالتَّعَب..
كلّ لحظة قراءةْ استصعَبتَها لكنّك أكمَلتَ الكتاب، كلّ مشروعٍ لم تتركه في المنتصف، كلّ فكرةٍ عزمت على إتمامها، كلّ لحظةٍ استثمرت ما فيها، كلّ برنامجٍ ودورةٍ ومحاضرةٍ ولقاءٍ أخذت منه حدّ الارتواء!
كلّ دفترٍ ملأته، و قلمٍ أنهَيتَه، وكتابٍ قرأته، وحقيبةٍ حملتها، وخطىً سِرتَها، وساعة خَلَوتَ بها، كلُّ هذا يشهد لك، كلّه ذاتَ يومٍ يَرفَعُك".
كلّ لحظة قراءةْ استصعَبتَها لكنّك أكمَلتَ الكتاب، كلّ مشروعٍ لم تتركه في المنتصف، كلّ فكرةٍ عزمت على إتمامها، كلّ لحظةٍ استثمرت ما فيها، كلّ برنامجٍ ودورةٍ ومحاضرةٍ ولقاءٍ أخذت منه حدّ الارتواء!
كلّ دفترٍ ملأته، و قلمٍ أنهَيتَه، وكتابٍ قرأته، وحقيبةٍ حملتها، وخطىً سِرتَها، وساعة خَلَوتَ بها، كلُّ هذا يشهد لك، كلّه ذاتَ يومٍ يَرفَعُك".
كتب المعتمد بن عباد لزوجته أم الربيع معتذرًا:
مرضتم فأمسكتُ الزيارة عامدًا
وما عن قلىً أمسكتُها لا ولا هجر
ولكنني أشفقتُ من أن أزوركم
وأبصرُ آثار الخسوف على البدر
هذا العذر الذي يقال عنه:حشفًا وسوء كيلة، وما أكثر الأعذار التي تحتاج لعذر آخر؛ لأنها اكتست بالحُلل إلا حلّة العذر.
مرضتم فأمسكتُ الزيارة عامدًا
وما عن قلىً أمسكتُها لا ولا هجر
ولكنني أشفقتُ من أن أزوركم
وأبصرُ آثار الخسوف على البدر
هذا العذر الذي يقال عنه:حشفًا وسوء كيلة، وما أكثر الأعذار التي تحتاج لعذر آخر؛ لأنها اكتست بالحُلل إلا حلّة العذر.
يقول السغناقي عن محاسن إحياء الموات:
"ثم محاسن إحياء الموات ظاهرة؛ لأن فيه [حسنا] أصليًا إلا عند اقتضاء الحكمة ضده كما في ضده، وهو إماتة الحي فإن [فيها] قبحًا أصليًا إلا عند اقتضاء الحكمة ضدها، فالاعتبار للأمر الأصلي؛ ولأن في إحياء الموات إنبات أرض هامدة، وإثبات طراوة زائدة، وإصلاح ما أفسده الزمان بمرور الأيام، والتسبيب للخصب في أقوات الأنام، وعمارة الأرض الغامرة، وتليين ما خشن من الأماكن الواعرة، وإظهار وصف من أوصاف الجنان بحيث تلتذ به أعين الغلمان والقيان من إجراء الأنهار تحت أشجار النخيل والرمان متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان، فنعيم العاجلة نموذج الآجلة، ولا ينكر حسن صفة الجنان، فكذا حسن ما أشبه بها من العمران، قال أبو نصر: المراد من الحياة ههنا {الحياة} النامية، قال الله تعالى: {فأحيينا به الأرض بعد موتها}، وإنما سمي مواتًا؛ لبطلان الانتفاع بها تشبيها بالحيوان إذا مات وبطل الانتفاع به".
يا سلام على عذوبة اللغة وألفاظها، والله كأنه ضرب من ضروبِ السحر لا تفتأ تريد المزيد منه، وتسابق الوقت وأنت تقرأ، وكأنك تلتهم المعاني لا تقرأوها فقط.!
وهذا الكلام في الأراضي وقطعانها، والأحياء وبنيانها، فكيف بالقلوب وعمرانها؟!
فإذا كان الشارع قد التفت لإحياء الموات وهي الجامدة الهامدة الساكنة، فكيف ببث الحياة في روح الإنسان وفي عقله ونفسه!؟
"ثم محاسن إحياء الموات ظاهرة؛ لأن فيه [حسنا] أصليًا إلا عند اقتضاء الحكمة ضده كما في ضده، وهو إماتة الحي فإن [فيها] قبحًا أصليًا إلا عند اقتضاء الحكمة ضدها، فالاعتبار للأمر الأصلي؛ ولأن في إحياء الموات إنبات أرض هامدة، وإثبات طراوة زائدة، وإصلاح ما أفسده الزمان بمرور الأيام، والتسبيب للخصب في أقوات الأنام، وعمارة الأرض الغامرة، وتليين ما خشن من الأماكن الواعرة، وإظهار وصف من أوصاف الجنان بحيث تلتذ به أعين الغلمان والقيان من إجراء الأنهار تحت أشجار النخيل والرمان متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان، فنعيم العاجلة نموذج الآجلة، ولا ينكر حسن صفة الجنان، فكذا حسن ما أشبه بها من العمران، قال أبو نصر: المراد من الحياة ههنا {الحياة} النامية، قال الله تعالى: {فأحيينا به الأرض بعد موتها}، وإنما سمي مواتًا؛ لبطلان الانتفاع بها تشبيها بالحيوان إذا مات وبطل الانتفاع به".
يا سلام على عذوبة اللغة وألفاظها، والله كأنه ضرب من ضروبِ السحر لا تفتأ تريد المزيد منه، وتسابق الوقت وأنت تقرأ، وكأنك تلتهم المعاني لا تقرأوها فقط.!
وهذا الكلام في الأراضي وقطعانها، والأحياء وبنيانها، فكيف بالقلوب وعمرانها؟!
فإذا كان الشارع قد التفت لإحياء الموات وهي الجامدة الهامدة الساكنة، فكيف ببث الحياة في روح الإنسان وفي عقله ونفسه!؟
قال عبد الله بن مسعود: «حدّث الناس ما حدجوك بأبصارهم، وأذنوا لك بأسماعهم، ولحظوك بأبصارهم، وإذا رأيت منهم فترة* فأمسك».
ويقول الجاحظ: "لا تقبل بحديثك على ما لا يقبل عليه بوجهه".
ويقول بعض الحكماء: "من لم ينشط لحديثك فارفع عنه مؤونة الاستماع منك".
كل هذه النصائح جاءت في معرض من تتلهف لمشاركته الأحاديث وعذوبتها، فكما تتخير الناس لمعروفك، تخير من ينصت لأحاديثك.
________
*فترة: الفتور بمعنى: التكاسل والتباطؤ بعد الإقبال.
ويقول الجاحظ: "لا تقبل بحديثك على ما لا يقبل عليه بوجهه".
ويقول بعض الحكماء: "من لم ينشط لحديثك فارفع عنه مؤونة الاستماع منك".
كل هذه النصائح جاءت في معرض من تتلهف لمشاركته الأحاديث وعذوبتها، فكما تتخير الناس لمعروفك، تخير من ينصت لأحاديثك.
________
*فترة: الفتور بمعنى: التكاسل والتباطؤ بعد الإقبال.
عندما تكون العيوب مزايا:
"ولا سوءَ فيهم غير أن حضورهم
يرفُّ له قلبي وللروحِ يسلبُ"
"ولا عيب في معروفهم غير أنهُ
يُبيِّن عجز الشاكرين عن الشُكرِ"
"لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم
يسلو عن الأهلِ والأوطانِ والحشمِ"
"ولا سوءَ فيهم غير أن حضورهم
يرفُّ له قلبي وللروحِ يسلبُ"
"ولا عيب في معروفهم غير أنهُ
يُبيِّن عجز الشاكرين عن الشُكرِ"
"لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم
يسلو عن الأهلِ والأوطانِ والحشمِ"
يقول: د.الطيب بو عزة
"القراءة السريعة تصلح لفواتير الماء و الكهرباء، عليكَ أن تتعلم القراءة البطيئة لأنها نِتاج الفكر"
ويقال في ذلك: (موضة القراءة السريعة لا يمكن أن ينضج بها تفكير، فالتباهي بتكديس عدد كبير من عناوين كتب يدعي بعضهم أنه قرأه بسنة أضحت من الاستعراضات المبتذلة؛ لأن المهم في القراءة التأمل والاستيعاب الدقيق، فالنصوص العميقة تحتاج قارئًا يقرأ بيقظة ذهن، ويفكر أكثر مما يقرأ".
"القراءة السريعة تصلح لفواتير الماء و الكهرباء، عليكَ أن تتعلم القراءة البطيئة لأنها نِتاج الفكر"
ويقال في ذلك: (موضة القراءة السريعة لا يمكن أن ينضج بها تفكير، فالتباهي بتكديس عدد كبير من عناوين كتب يدعي بعضهم أنه قرأه بسنة أضحت من الاستعراضات المبتذلة؛ لأن المهم في القراءة التأمل والاستيعاب الدقيق، فالنصوص العميقة تحتاج قارئًا يقرأ بيقظة ذهن، ويفكر أكثر مما يقرأ".
{صلوا على خير الأنـام محمـد
إن الصلاة عليه نـور يعقد
من كان صلى عليه قائمًا يغفر له
قبل القعود وللمتاب يجـدد
وكذاك إن صلـى عليـه قاعـدًا
يغفر له قبل القيام ويرشـد}
إن الصلاة عليه نـور يعقد
من كان صلى عليه قائمًا يغفر له
قبل القعود وللمتاب يجـدد
وكذاك إن صلـى عليـه قاعـدًا
يغفر له قبل القيام ويرشـد}