أَطْلال مُفردة.
2.42K subscribers
77 photos
4 videos
1 file
2 links
كل محاولاتي ميّتة .
Download Telegram
كان الثلج يبتلع صوته بصمتٍ بطيء ، حتى أدرك الشتاء أن ما بينهما لم يبقى منه شيء ، جلس بقربها يحتضنها ، ظانًّا أن دفء ذراعيه قادرٌ على إحياء ما مات في داخلها ، غير مدركٍ أن ما كان يبرد ليس جسدها ، بل قلبها ، لفّها بمعطفه المرتجف ، خائفًا عليها من بردٍ لا يصيب سوى الأجساد ، متغافلًا عن بردٍ أشد شراسة يسكن أعماقها ، بردٍ نبت من خيبةٍ تراكمت حتى أطفأت آخر جمرةٍ كانت تحمله له ، همس بأسماءٍ ظنّ أنها توقظ حنينها: أسماءٍ لأيامٍ ضحكا فيها ، ووعودٍ نسجاها ، وأحلامٍ خطّاها معًا ، لكن الكلمات ارتدّت إليه خاوية ، فلم تجد لها موضعًا في قلبها ، فكانت ملامحها هادئة ، ونظراتها تشي بموت الحب الذي جمعهما ؛ هناك فقط أدرك الحقيقة التي طالما تهرّب منها: أنه لم يكن يحتضن امرأةً فقدها الموت بل امرأةً فقدته هو ، ولم يكن يودّعها بل كان يودّع نفسه فيها ، ويترك قلبه معلّقًا بين حبٍ حاول النجاة ، وروحٍ اختارت النجاة منه .
هل السعي للمثالية يعتبر مرض ؟
Anonymous Poll
67%
نعم
33%
لا
وكلما هممتُ أن أقسو على نفسي ، تذكّرتُ أنني لستُ أكثر من هيكلٍ هشّ ، حزمةِ عظامٍ تُمسك بها أربطةٌ واهنة ، وتكسوها طبقةُ جلدٍ لا تقي أكثر مما تستر ، عندها أتذكر أنني لستُ مخلوقةً لأسحق نفسي إذا تعثرت ، فكيف أكون قاسيةً على بنيةٍ لو صدمها الهواء بقوةٍ كافية لارتعشت؟
وبأيّ منطقٍ أُضيف نفسي إلى قائمة العالم الذي يثقل كاهلي؟
ولِمَ أتحول إلى يدٍ تجلدني بدل أن تربّت عليّ؟
وبأي شراسةٍ أُعامل نفسي وأنا أعرف أنني قابلةٌ للكسر من المحاولة الأولى؟
فأنا خُلقتُ للمحاولة لا للإتقان ، وللسعي لا لبلوغ النهايات ، وللنسيان قبل أن أُطالب بالحفظ ، لم أولد ومعي وصايا للصواب ولا كتيبٌ يشرح لي كيف لا أخطئ ، جئتُ عاريةً من التعليمات ، مكسوّةً فقط برغبةٍ دائمة في أن أكون أفضل مما كنت ، ولهذا ، حين يُغلق اللومُ صدري ، أُذكّرني بأن الحياة لم تطلب مني الكمال ، بل طلبت مني أن أكون حيّة ، وأن الهشاشة ليست ضعفًا ، بل دليلٌ على أنني ما زلتُ قابلةً للارتجاف ، قابلةً للشعور ، قابلةً للنهوض مرةً أخرى ، فأخفض سوطي كلما علا صوت اللوم بداخلي .
3
قفزتُ فوق سنواتٍ لم أنتصر عليها بعد ، فابتلعتها على عجل مثل لقمةٍ حارة لا تليق بفم طفلةٍ تتظاهر بالقوة ، وكانت أقسى من أن تُهضم في عمرٍ صغير ، وما زلتُ حتى الآن أدفع ثمنها نارًا تسري في معدتي ، مقيمةً في أحشائي ، فتلك الأيام ما زالت تحترق في داخلي لأنني ابتلعتها قبل نضجها .
وصلتُ إلى العمر الذي لا تبكي فيه المشاعر ، بل تجلس متعبةً في زاوية القلب ، تلك المرحلة التي يصلها القلب بعد أن ينجو من فرط المحاولات ، لم أعد أملك ذلك التسرع العاطفي ، وتلك الرجفة الأولى التي كانت تُخطئ كثيرًا ، كما أن عاطفتي لم تنطفئ ، هي فقط تجاوزت سنّ الدهشة ، صارت حكيمة أكثر مما يجب ، وصامتة أكثر مما تحتمل ، كل إحساس يمر بها الآن: يُوزن ، ويُفحص ، ثم يُوضع على الرف كقطعة أثرية ، كبرتُ حتى صار الحنين فكرة ، وصار الألم ذكرى ، حتى الفرح ذلك الكائن الخفيف ، صار يزورني بأدبٍ بالغ ، يجلس قليلًا ثم يغادر دون أن يترك فوضى في داخلي .
كان يعرف خرائطي الداخلية جيدًا ، ومع ذلك كان يسلمني إلى الضياع ويمضي ، كان يتركني أواجه ازدحام الأفكار ، وضجيج الأسئلة التي لا تجد كتفًا تتكئ عليه ، كان يسلخني ببطءٍ من الطمأنينة ، ويترك الأيام تفككها قطعةً قطعة ، ويتركني لعقلي وهو معلق بين الاحتمال والأسوأ ، كان يسلمني للوقت ليُعيد تشكيل قلقي ، ولنوافذ عقلٍ تتسرب منها أسوأ التأويلات ، بينما كان يعرف أن بإمكانه أن يكون الحد الفاصل بيني وبين هذا الاتساع البشع ، لكنه اختار أن يراهن على صلابتي أكثر مما يراهن على احتوائي .
2
لم يكن النفور قرارًا ، بل نتيجة طبيعية لإقامةٍ طويلة في مكانٍ لم يعد يشبهني ، فقد أمضيت وقتًا طويلًا أُعيد ترتيب نفسي داخل مساحة لا تُبالي ، أُقلص رغباتي ، وأخفض صوتي ، وأتنازل عن أشياء صغيرة حتى لم يبقَ مني ما يصلح للتنازل ، وهنا الابتعاد لم يعد هروبًا بل حركة فطرية للنجاة .
1
أحبك حبًّا يجعلني أتعامل مع نفسي كمنطقةٍ محظورة حين أختلّ ، ففي أسوأ تقلباتي أضع بيني وبينك مسافة أمان ، كأنني أخشى أن يمر وجعي من خلالي إليك دون استئذان ، فأكمّم فوضاي وأربط ارتباكي جيدًا ، وأتحمل ثقل اللحظة وحدي لأن قلبك ليس ساحةً لتجارب ألمي .
العقل حين يكون حاضرًا يرفض أن يوقع على الأكاذيب ، لذلك أحتاجُ إلى ضجيج الحانات وارتباك الكؤوس ، باحثةً عن شجاعة زائفة أتمكن بها من القول بإن ابتعادك لا يترك فيّ أثرًا ، وأن المسافة بيننا محايدة لا تلسع ؛ أحتاج أن أُحدث شرخًا طفيفًا في انتباهي لأقول لك هذا .
الخوف ؛ وإن أثقل كاهلي ، فهو السد الأخير الذي يفصلني عن خسارة ما تبقى من حياتي الحقيقية .
العناق: هو فعل إنقاذ صامت ، يجمع بين البدائية والحداثة ، بدائي لأنه يستدعي غريزة البقاء ، وحديث لأنه يقر بأن الإنسان قد يلتئم بالاحتواء قبل أن يُفهم .
1
مراكمةُ الحنين لشخصٍ لم يغادر تشبه ادخار الضوء في غرفةٍ مكتملة النوافذ .
1
حين يُصرّ المرء على توضيح معنى بعينه ، فذلك لأن نقيضه يساكنه سرًّا .
بعد أن استُنزفت في مواسم الصراع حتى آخر ومضةٍ من احتمالي ، لم أعد أطمح إلى خلاصٍ بطوليّ ، بل إلى انطفاءٍ مُهذب ، أن أكون مثلًا على هيئةِ دميةٍ تُعلق على رفٍّ هادئ في متجرٍ منسيّ ، دميةً ذات عينين زجاجيّتين لا تحفظان الدموع ، وصدرٍ محشوٍّ بالقطن بدلًا من الخيبات ، دميةً لا عقل لها كي لا تتذكر ، ولا قلب لها كي لا يتعب ، تبتغي وجودًا منزوع الإرادة ، منزهًا عن وعيٍ يُؤرّق ، يكفيها أن يكون لها وجهٌ مطليّ بالبراءة ، وفستانٌ صغيرٌ وابتسامةٌ مخيطة بإبرةٍ لا تعرف العبوس ، وهيئةٌ فاتنة تُغري طفولةً عابرةً باقتنائي ، لأن شكلي لطيف تحت الضوء ، ولأن طفلًا قد يراني وطنًا مؤقتًا لفرحه ، أو صديقةً صامتة يبوح لها بأسراره دون أن أخونه بالفهم ، أو أختًا لدميةٍ أخرى نتكئ معًا على زجاج الواجهة ونتقاسم الغبار والانتظار ونراقب العالم دون أن يجرحنا ، كما أن خلف الزجاج هناك لا أحد يطالبني بأن أكون قوية ، يكفيني أن أُحمل بين ذراعين صغيرتين ، أن أُضغط بحبٍّ بريء يعيد ترتيب القطن في داخلي ، وأن أكون نافعةً لوحدة طفلٍ ما .
2
كان حربًا بملامح بشرية ، كل خطوةٍ منه كمين ، وكل كلمةٍ قذيفة ، وكل صمتٍ هدنةٌ خادعة تُخفي تحتها استعدادًا جديدًا للاجتياح ، كانت أرضه لا ينبتُ فيها عشبُ الطمآنينة ، ولا يُسمع في أرجائها زقزقة أمان ، بل صفيرُ إنذاراتٍ مبكرة ، ورائحةُ الاحتراق ، معهُ تعلمت أن الخوف ليس شعورًا طارئًا إنما مناخًا دائمًا ، ككائنٍ ينام بعينٍ مفتوحة ؛ وأن الترقب يمكن أن يصبح طريقة للعيش ، كان لا يعرف معنى الحصاد لأنه لا يصبر على الفصول ، يقطع الغصن قبل أن يُثمر ، يتباهى بحدة السكين أكثر من جمال الشجرة ، في وجوده تُصبح المشاعر أطرافًا زائدة ، ويغدو الحنان تهمة ، والضعفُ جريمةً لا تُغتفر ، كان بارعًا في البتر ، وفي الهدم ، وفي ترك المدن خلفه ركامًا عاطفيًا تسكنه الأشباح .
نظن عواطفنا نصوصًا نهائية ، فإذا بها مسودّات يجري عليها التعديل .
1
ضاع الشيء الذي كنا نسميه "نحن" .
كانت في كل يوم تمدّ يدها نحو صورته في داخلها ، لتُهذّبه في ذاكرتها ، وتعيد تشكيل ملامحه لتغدو صالحة للحب ؛ تُنعم حدته ، وتمحو من ظلاله ما جرحها ، كأنها تُرمم صدعًا في جدار قلبها ؛ ومع انطفاء كل يوم ، كانت تكتشف الحقيقة ذاتها:
أنها لا تصل إليه عبر الغفران كما ظنّت ، بل تنتهي إليه عبر النفور .
ما عدتُ أريد منك شيئًا ؛ لا أريد حبك في الصباح ، فالصباح لا يتأخر على أحد ولا يحتاج قلبًا يعينه كي يشرق ، ولا أريد دفئك في المساء ، فالبرودة التي تأتي منك لا تُدفئه الأذرع مهما اشتدّ العناق ، لا أريد منك شيء ، منذ البداية لا أعني لك شيء ، وأنت الآن لا تعنيني .
2