أَطْلال مُفردة.
2.42K subscribers
77 photos
4 videos
1 file
2 links
كل محاولاتي ميّتة .
Download Telegram
أريد أن أُفرغ قلبي من البلاغة ، أن أقول “أنا تعبت” دون استعارات ، أن أكون واضحةً كالسأم ، وجافة كمن انتهى من كل شيء .
لكن لا بأس ، ثمة مجدٌ في أن أكون البداية ، في أن أكون من صقل ملامحك ، وغرس فيك تفاصيل النُبل .
هي تراك رجلًا ، لكنها لا ترى حجم الطفولة التي كنتَ تغرق بها بين يديّ .
كأن كل اللحظات التي جمعتنا كانت مسوّدةً لحياةٍ قررتَ أن تنقّحها مع غيري .
هي لا تدري أن ملامحك التي أحبتها صقلها وجعي ، وأن نُضجك الذي أعجبها تشكّل من صبري ، وأنك لم تكن جاهزًا يومًا ، حتى مررتَ بي .
أراها تمشي فوق خرائط رسمناها سويًّا ، تسكن البيوت التي بنيناها على الورق ، تفتح الأبواب التي صنعتُ مفاتيحها من قلبي ، وتناديك بأسماءٍ كنتُ أول من نطق بها لك ، أراها تعيش فصولنا المؤجلة ، تُكمل على طاولتي حديثًا لم أُنهِه ، وترتدي السكينة التي خاطها صبري على مقاسي ، تسكن في ظلّ دعواتي القديمة وتنعم بدفء كان لي ، هي الآن تعتلي العرش الذي صنعتُه لك من تواضعي ، وتُدثّرك بدفءٍ كنتُ أنا من أشعل ناره ، أنها تتوسّد أحلامًا كنتُ أنا من ربّاها على مهل .
أنا لستُ بخير ، لكنني لا أُجيد الانهيار بصوتٍ مسموع ، أنا من أولئك الذين إذا ضاقت بهم الدنيا ، اتسعوا لها أكثر ، كي لا تسقط على رؤوس الآخرين .
في داخلي جندي لم يتلقَّ أمرَ الاستسلام ، يقاتل منذ سنوات ، بلا راية ، بلا نشيد ، بلا أحد يربّت على كتفه ، يمشي على رمادِ محاولاتي ، يحمل بندقيةً فارغة ، وقلبًا مثقوبًا كجيبٍ نُسيت فيه الدعوات الصغيرة تلك التي لم يسمعها الله بعد ، هذا الجندي يلبس تعبي كدرع ، ويحمل أحلامي المكسورة كسلاح ، يقاتل نيابةً عنّي في كل ليلة ، هو ليس بطلًا لكنه أخر ما تبقى مني .
هو تجويفٌ من حجر ، يسكنه فراغٌ متجمّد ، وصمتٌ كثيف ، وبرودةٌ لا تذيبها ألفُ شمس ، لا قلبَ له ، وإن زعم فهو قبرٌ متنكِّرٌ على هيئة إنسان .
حاولتُ كثيرًا أن أفتّش عن شيءٍ حيّ فيه ، عن بادرةٍ تشي بأن وراء هذا الصمت حياة ، أو أن في ثنايا هذا البرود دفءً خجولًا يختبئ ، لكن كل محاولاتي كانت كمن ينقّب عن ضوءٍ في كوكبٍ منطفئ ، عاطفته لم تولد بعد ، روحه لم تتعلم الانتماء ، صدره ليس بيتًا كما يُفترض ، الحياة لم تلمسه بعد ، أطلال المدن الميتة بداخله ، باردٌ كحجرٍ لم تطأه شمس ، لا شموع تضيء جوانبه ، ملامحه مصاغة من السكوت ، جسده يُدار بالعادة لا بالشعور ، ما عرفت فيه إلا الجفاء ، ولا لمست منه إلا الحياد القاتل ، الزمن توقّف داخله منذ قرون . أنه قبوٌ مظلم ، لا يُنير ولا يُرحب .
يأتي الخوف ليُعيد ترتيبك ، ليأخذك من ضيق الطمأنينة الزائفة إلى سعة الإدراك ، هو ليس عدوًا كما يُشاع ، بل معلم متنكر يرتدي عباءة الوجل ليقودنا نحو الصواب ، هو الباب الذي لا يُفتح إلا لمن يملك شجاعة الطرق .
الإعتياد ، لا يُميت بل يُهذّب .
كم مرةٍ بكيتُ من وهمٍ لم يحدث ، وكم من مرةٍ خبأت رأسي من مشهدٍ لم يُعرض ، حتى جاء الوقت الذي لبس فيه الخوف هيئته ، ووقف أمامي ، بصوته ، بحدّته ، ببروده ، نظرت إليه طويلًا وشعرتُ بالخذلان ، خذلني خوفي ، إذ لم يكن بمقدار رعبي منه ، كان الخوف فكرة ، وجعلته وحشًا يسكن ظنوني ، أعطيته ألف شكل وألف نهايةٍ مؤلمة ، لكنني صرتُ الآن أعرف الخوف ، لا أتهرب منه ولا أرتجف بقدومه حتى أن الخوف لم يخرج من قلبي ، لكنه تغير في عيني ، ما عدت أراه سوطًا ولم يعّد يملك قبضته القديمة ، وكل مرةٍ كنتُ أخاف بها كنتُ أقل ذُعرًا وأكثر حياة .
لكنك كنتَ جشعًا في الهوى ، تريد أن تكون الكلّ ، أن تحوي القلوب ولا تُعطي قلبًا ، أن تكون اثنين وثلاثة ومئة ، ولا تكون لي وحدي مرة .
كنتُ أريد أن أكون كل الأشياء ، وكنتَ تخاف أن أكون شيئًا واحدًا لا يمكنك الانفكاك عنه .
أنت رجلًا يخشى أن يُحبّ امرأةً كاملة .
أنا الآن لا أشتاقك ، بل أشتاق لجهلي بك .
أنت خارج قلبي ، وأنت الآن حُر ، أطلقت سراحك للحد الذي يجعلك تُقسم قلبك على جهات الأرض الأربع ، وتُحبّ كل النساء بعشرات الألسنة ، بألوانهن ، بعروقهن ، بأحلامهن الفارغة ، أحبب من شئت ، وامتلئ بمن أردت .
نحن لم نخذل بعضنا ، نحن خذلنا الحقيقة حين جعلناها تصمت أمام رغباتنا الطفلة .
كل ما في الأمر ، كنا زائرين مؤقتين في حيوات لا تناسب مقاس قلوبنا ، والآن كلًّا منا عاد إلى مكانه المناسب في حياة الآخر .