أَطْلال مُفردة.
2.42K subscribers
77 photos
4 videos
1 file
2 links
كل محاولاتي ميّتة .
Download Telegram
كلُّ شيءٍ بعده بات ناشفًا ، وأنا الآن أكثر النساء جفافًا .
في كل ليلة ، أضع فتات الحنين تحت وسادتي ، وبعضًا من الرسائل التي تحتضر ، وتشَهق آخر ما تبقى فيها من عاطفة ، وقليلًا من الأحضان المؤرشفة تكفيني لصباح غدٍ باهت ، وصورةً واحدة تنام بجواري ، وتسجيلاتٍ صوتية تحاول أن تُجسّد قربك ، وقُبلتين تأخرتا كثيرًا عن التوقيت ، لينام فؤادي مطمئنًا أن الحنين ما زال حيًا وإنّ كان مريضًا .
كل ما أودّ معرفته الآن ، أيّ "أحبك" كانت صادقة .
ذلك المكان ، قائلًا:
الآن ، أنا أطلالكما ، أنتمي إليكما أكثر مما تنتميان لبعضكما ، أعرف تفاصيلكما التي نسيتموها ، أحفظ الصمت الذي كان ينام بينكما ، والضحكات التي لم تكتمل ، والأحاديث التي كنتم تؤجلونها حتى يعود الوقت ولم يعد ، كل شيء فيّ يشبهكما ، لكن لا شيء منكما يعود إليّ .
مُحزن أن يكون لي مكانٌ محفوظٌ في قلوبٍ لا أعرفها ، أن يذكرني الغرباء في دعواتهم ، أن يرسلوا لي امتنانهم العابر ، ويمنحوني حبًا لا يتورّطون فيه ، وفي قلب من أُحب ، لا أملك حتى نصف غرفة ، ولا ركنًا بسيطًا أضع فيه قلقي ولا طاولة أترك عليها أسئلتي ، ولا حتى مقعدًا طارئا ؛ خارجة عن التغطية في قلبه .
أعيشُ في قشِّ الاحتمالات ، أُقلب وجهي بين وجوهِ الأيام ، ولا أعرف أيُّ وجهٍ منها يبتسمُ لي ، وأيها يخبّئ لي خنجرًا في جيب الغد ، أجلسُ على ضفافِ قراراتٍ لم أتخذها ، وأتامل ضياعي يتكاثر ، أبحث عن النجاة ، وأخشى أن أقع في جحيم آخر أكثر ضراوة ، أراقبُ الأيام تمرُّ من حولي كقافلةٍ لا تنوي التوقف ، وأنا المنهكةُ في المنتصف ، لا أملك الخريطة ، ولا احتمالًا يكفيني من الذعر .
كلُّ ما فيّ ، يعيش على الحافة .
كلّما أوصدتُ بابَ الخوف ، جاءت الريحُ تفتَح نافذةً للقلق ، كأنَّ الحياةَ تتواطأ مع ارتباكي .
كبرتُ ، ولا تزالُ الندوبُ تحت جلدي تُخبرني كم كانت الطرق طويلة ، وكم من مرةٍ سِرتُ فيها وحدي أخيطُ قلبي بإبرة الصبر ، وأربطُ جُرحي بالكتمانِ حتى لا يسقطَ مني شيء في منتصف الطريق ، كبرتُ ، ولا زلتُ أُجيد التظاهر بالقوة ، أتحدث بثباتٍ والخذلان يعبرُ حلقي كغصة ، أبتسمُ وفي قلبي روايات لم تكتمل ، وأضحكُ كي لا يسمع أحد صوت ارتجافي ، في داخلي طفلةٌ لا تزال تسأل : لماذا يحدث كل هذا؟ ، وإمرأةٌ تُربّت على كتفها وتقول : لأنكِ تنضجين ، والنضج ليس بالمجان ، بل يُؤخذ من ضوء القلب ، ومن وهج الأحلام ، كبرتُ ، ولكنني رغم كل ما فقدت ، ما زلتُ أحتفظُ بي ، بنسختي التي نجَت ، التي لم تكُن الأجمل دائمًا لكنها الأصدق ، بنسختي التي مرّت بكل شيء ، وخرجت من كل شيء ، وتحملُ ظلّ الضوء في عينيها ، وشيئًا من الإيمان في قلبها بأن القادم ـ ولو كان مُبهمًا ـ لا بدّ أن يُنصفها .
ثلاثٌ وعشرون سنبلةً نَمَت على تُراب أيامي ، منها ما التهمته الريحُ قبل أن يشتدّ عودُه ، ومنها ما أكلته الطيور ، ومنها ما سقط قبل أوانه ، ومنها ما ذبل قبل أن يُلامس الضوء ، وبعضُها نضج قبل وقته ، ومنها من اختبأ في صدري كأمنية مؤجلة .
أن تترك روحك معلّقة في ممرٍّ قديم عبرته يومًا ، وتمضي في الحياة حيًّا بالقدر الذي يُلقى فيه عليك السلام ، لكنك ميتٌ بالقدر الذي لا يعنيك فيه من قاله .
مارستُ الموت بأطرافٍ مرتجفة ، ووجهٍ فقد شهيّته للحياة ، وأعددتُ قبري أكثر من مرة ، ونسيتُ أن أكتب وصيتي ، لأنني كنتُ أعود في كل مرة بطريقةٍ ما ، إنه موتٌ بدائي خام وقذر ، أقضم فيه اليوم ببطء ثم ابتلعه بدون ملح قائلًا "أنا بخير" ، وهذه النهايات العادية لا تعجبني ، أردتُ موتًا يُكتب عنه ، كنتُ أبحث عن طريقةٍ فاخرةٍ للانتحار ومبتكرة للرحيل .
ثمة احتياج لا يُدركه قلبي إلا حين أكتب عنك ، فكل جملةٍ عنك تزيح طبقةً من الغياب، وتقربك من قلبي أكثر مما تفعل المسافات ، فوحدها الكتابة تملك جرأة الاعتراف بأن قربك ليس رفاهية ، بل نجاة ، وأن لا شيء يُرمّم فراغك سواها ، لأنها تُعيدك إليّ ، ولو مجازًا ، ولأنني أحتاجك أكثر بكثير مما أُظهر .
بالكتابة فقط ، أمتلكك ، لا أطلبك ، لا أرجوك ، بل أنتزعك وأطحنك على مقاس جوعي ، بالكتابة أستطيع أن أعجنك وفقًا لشراهتي بك ، وأخلعك عن واقعك ، بالكتابة أنا فقط من تستطيع إعادة تشكيلك كلما مسّني جوعك ، وتقسو عليك حين تشعر أنك لست لها ، بالكتابة يمكنني إلغاء إرادتك ومدّك على اتساع الحنين ، أستطيع بالكتابة أن أجعل وقتك بحوزتي ، وألغي الجغرافيا وأجعل الأرض تدور حول لهفتي إليك ، بالكتابة يمكنني حكر أحضانك وقبلاتك لي ، وأن أجعلك عاشقًا مخلصًا ، بالكتابة هناك رفاهية مثل أن أحدد نطاق رؤيتك مع محو النساء من عالمك ، بالكتابة فقط أستطيع تأسيسك على مقاس أنانيتي بك .
ثم يأتي صباح آخر لا يحمل لك سوى المزيد من الأسئلة .
يبدو أننا لسنا من يُمسك بالخيوط كما نظن ، ثمّة يدٌ خفيّة تجلس في العتمة ، تُحرّكنا على مهل ، تُبدّل أفكارنا ، تُضعف عزائمنا ، تُنسي قلوبنا الطريق ثم تضحك ، يدٌ تُقنعنا أن الذنب خفيف كنسمة عابرة ، وأن الرجوع إلى الله أمرٌ يمكن تأجيله كرسالة لم تُفتح بعد ، يدٌ تُبدّل ملامح القُبح بمساحيق براقة ، وتُغري أرواحنا بالرقص على حافة الخطيئة ، كأننا نُمارس الحرية لا السقوط ، يدٌ تُعلي من صوت المقارنة في دواخلنا ، فتُطفئ نور الرضا ، وتترك القلب يتقافز في هاويةٍ لا قرار لها ، ثم تأخذ بيدنا نحو صحراء روحيةٍ قاحلة ، تزرع فينا بُذور الكسل ، وتُسقينا من سراب لا يُروينا ، يدٌ تقتل أحلامنا بصبرٍ شيطاني ، حتى نغمد رؤوسنا تحت وسادة اليأس ، ونُطفئ أحلامنا ، يدٌ تُلبس الانفلات عباءة الوعي ، وتُسمّي الانحراف تحرّرًا ، وتُعلّق الأخلاق على مشجب السخرية وتضع الهويّة في قفص الاتهام ، يدٌ تُشجّعنا أن نعيش في حزنٍ مُترف ، نُعلّقه كوسامٍ على صدورنا ، ونمنحه شرعية البقاء ، يدٌ تغزل من حولنا شرنقةً من الانجراف ، لا نراها ، لا نحسّ بها ، ونمشي ونحن نظنّ أننا نختار ، بينما نُساق بلطف نحو التيه .
أشعر أنني لست أنا ، بل مسوّدةٌ تحاول الحياة قبل أن تصير نصًّا كاملًا .
بلغ بي العطش إلى الأُنس حدًّا جعلني أفكر أن أمرَّ على القبور ، أجلس عندها وأحدّث أصحابها عن الأيام التي تسير بنا إلى هاوية الوحدة ، أريد أن أؤمن أن ثمة حياة خلف كل باب ، حتى وإن كان الباب من تراب .
هناك شيء غامض يزحف في روحي ، يدفعني للجنون ، مثل اقتحام بيتٍ ليس لي ، لا طمعًا في ما يحويه ، بل لأرتكب الهفوة الأولى عن عمد ، كي أُقاد ببطء إلى زنزانة ضيّقة ، فأجد أخيرًا جدرانًا تحتويني ، أتوق إلى أن تُغلق عليّ الأبواب لأطمئن أن الشرود لن يهرب من بين أصابعي ، وأن رأسي المزدحم لن يتسع للمزيد ، ربما أفتعل السقوط فقط لأعرف ملمس الأرض ، وربما أستسلم للأغلال حتى أستعيد حريتي ، وربما كل ما في الأمر أنني أريد مكانًا صغيرًا أضع فيه ما يثقلني .
للمرة التي فقدتُ فيها القدرة على إحصائها ، أجدني واقفةً في منتصف الفراغ خالية الوفاض ، أفرش على طاولة هذا الصباح حزن الأمس كخرائطٍ بالية ، أُحدّق في تضاريسه بعينٍ منهكة ، وأتناوله لقمةً بعد أخرى ، علّ مرارته تنكمش في جوفي قبل أن يدركه المساء ، لكن الحزن ماكرٌ على نحوٍ يكفي لأن يجد طريقه إلى صدري ، مهما حاولتُ أن أقدّمه كوجبةٍ أخيرة .