كانت فكرة الموت تزورها كموظفٍ قديم في دائرةٍ مهجورة ، لا يحمل حلًا ، فقط أختامًا صدئة يضغطها على أوراق رأسها بلا سبب ، لم تكن ترغب في الفناء بقدر ما كانت ترغب في إسكات هذا الطنين الداخلي ، ذاك الذي يُشبه محركًا يعمل في غرفةٍ مغلقة ، ظنّت أن الانطفاء سيمنحها نظامًا ، وأن غيابها سيُعيد ترتيب الفوضى كما تفعل النار بالأكوام ، كانت تُفاوض العدم كأنه طبيبٌ نفسيّ لم يحمل لها جوابًا ، فجلست وحيدة ، تحاور الموت كما يحاور المرء ظله في غرفة مغلقة .
سأكتفي بأن أودِع الكلمات في دفاتر لا تعرف طريقك ، وأُطلق الرسائل يتيمةً بلا عنوان ، سأكتب لك كثيرًا ، وسأشرح لك عن فوضاي ، وأكتب لك عن شخصيتي المتطايرة ، وأعترف بمشاعر متحررة من زينة الاستحسان ، صادقةً حدَّ الفضيحة ؛ سأكتب بعفوية لا تُراجع ولا تُنقح ، لأنك لن تقرأ ، سأستعير صوتك لأصوغ ردودًا تشبه ما تمنّيته منك ، وأعيد تشكيلك في مخيلتي كطينٍ طيّع ، أُقوّم حوافه ، وأليّن قسوته ، وأمنحه النبرة التي تُشبهني أكثر مما تُشبهك ، وهكذا ، أحبك مرةً أخرى دون علمك .
أنا لا أُحب كما يُحب الآخرون ، ولا أكره كما يُفترض للكراهية أن تكون ؛ مشاعري كائناتٌ مفترسة ، تولد بأنيابٍ حادة ، لا تهدأ إلا بعد أن تمزق ما حولها من أمان ، تقتات على الخوف والهيام والغرور الذي يحيط بالعلاقات البشرية ، أحب كمن يواجه نارًا لا يعرف نهايتها ، ويقترب رغم تحذير قلبه ، وأكره بطريقةٍ لا تعرف الشفقة ، تقتل الصور السابقة ، وتحرق كل حلم ؛ الحب والكراهية عندي وجهان لعملةٍ واحدة ، متشابكان ومتصارعان .
صرت أخاف عليّ منّي ؛ أخاف أن أشيخ قبل أواني ، أن أُرهق روحي بخصومات لا تستحق هذا الاحتراق ، وأن أختنق تحت وطأة شعور أعرف أنه يؤذيني ومع ذلك أعجز عن خلعه .
الرجل الأحمق ليس من يجهل الطريق ، بل من يعرف قيمة النور ثم يختار العتمة ؛ هو ذاك الذي فرّط بفتاة حسناء، متواضعة في جمالها ، سخية في عاطفتها ، ومائدة قلبها عامرة لا ينفد عطاؤها ، ثم ظن بغروره الأجوف أنه قادر على تعويضها أو تجاوز أثرها ؛ لم يحتمل كثرتها عليه ، فالكبير يُرهق الصغير ، والامتلاء يُفزع الفارغ ، والروح الواسعة تُخيف من اعتاد الضيق ؛ لكنه سيعيش مهما طال به الزمن أو قصر ، ندم التفريط بها ، سيأكله الإدراك ببطء حين يفهم أن ما أضاعه لم تكن امرأة عادية ، بل نعمة كاملة لم يُحسن حملها ؛ حتى غروره الذي تباهى به يومًا سيغدو أداته في قتله المؤجل ، إذ سيقف يومًا أمام خسارته عاريًا من الأعذار ، مدركًا أن الخلل لم يكن فيها قط ، بل في عجزه عن صون ما يفوق طاقته ؛ فقد كانت كثيرة عليه منذ البداية ، أكبر من احتماله ، ولذلك كان طبيعيًا أن يخسرها ، كما يخسر الضعيف ما لا يملك قدرة على حمله ؛ وستتركه ليواجه حقيقة واحدة:
أنه أضاع امرأة لم يكن يستحق حتى طبقًا واحدًا من عاطفتها .
أنه أضاع امرأة لم يكن يستحق حتى طبقًا واحدًا من عاطفتها .
1
كان من الممكن جدًا أن أهرع إليك في ليلةٍ سحيقةٍ كهذه ، أفرغُ في حِجر طمأنينتك جُعبة معاركي الصغيرة ، وأسكب بين يديك ترهات يومي ومناوشات قدري ، وأشكو إليك كيف تآمرت تفاصيل النهار الرتيبة لتكدر صفو مزاجي ، بل حتى كان بوسعي أن أشير بإصبعِ الارتجاف إلى ذلك "الوحش" الذي يتوعدني في زوايا غرفتي المظلمة ، فتُقابل أنت جِماح خوفي بفيض قولك إنّ لكل معضلةٍ مخرجًا ، نازعًا عن كاهلي أثقال الوجود ، وواعدًا بأنك ستخوض النزال عوضًا عني ، لتزيح عن قلبي رداء الوجل وتوهمني أن العالم بأسره صيدٌ سهلٌ في قبضة يديك ، فتهدأ لوعتي ، حينها فقط كان فؤادي سيخلدُ إلى سكينته ، ونغرقُ سويًّا في هجعةٍ هانئة ، نضحكُ فيها بملءِ استخفافنا من صخب العالم ما دمنا في حِمى المعيّة ؛ لكن الواقع مراراته معهودة ، ولم يكن يومًا بهذا السخاء ، فأنت اليوم لست هنا لتكون لي مأمنًا ، وأنا لم أعد هناك لأهتدي إليك .
تتغطرسُ صورتُك في فضاءِ بصيرتي حتى استحالتْ حجابًا نُورانيًا كفيفًا عن كُل ما سواك ، فما عاد الوجودُ في عيني إلا أنت ؛ فأنا أُحبك حُبًا يتجاوز منطق العلة والمعلول ، حُبًا ينبثقُ من ذاته ولذاته ، بلا تسويغٍ يُقيده ولا سببٍ يحصره ، حتى غدا قلبي راديكاليًا في انحيازه ، لا يلتفتُ لغير مِحراسك ولا يرتدُّ إليه طرفُه إلا وهو غارقٌ في تفاصيلك ، أُحبك كأنك كُل من في الأرض ، وكأن الأرض خَلتْ إلا منك .
إنه الاستنزاف في أعتى صوره ، حين تقبل عليه ممتلئًا بضجيج الحنين ، فيمارس صمته الممنهج تقليمًا لأظافر لهفتك ، وتجريدًا لزهو عاطفتك ، حتى تغادره خاويًا إلا من حيرةٍ تنهشُ جدواك ، وكأنك لم تكن يومًا سوى صرخة ضاعت في وادٍ لئيمٍ لا يمنح حتى صدى الصوت .
ندعوك أن نُوفق في مسعانا وأن يُكتب لنا الخير وأن نسير في دربنا آمنين مُطمئنين يارب ، نسألك يا رب أمورًا مُيسّرة وقلبًا مُطمئنًّا وخيرًا في كل خطوة ونسألك الخير في كل أمرٍ وفي كل اختيار .
2
حين تلوح شارة النهاية في أفق مِحبرتي ، لن أترك للتاريخ فرصة وضع النقطة الأخيرة ، بل سأبتر عُمر قلمي الوحيد وأشطرهُ نصفين بيدي ؛ نصفٌ أزرعه خنجرًا من الأبنوس بين شغاف قلبي ليحرر زفرةً كتمتها دهورًا ، ونصفٌ أتجرعه ليختلط الحبر بدمي ، فأستعيد مخاض الكلمات التي لم تُولد بعد وأواريها الثرى في أحشائي ؛ إنني بهذا الفعل لا أبحث عن الضياع ، بل أمارس حقي في كتمان وجعي ، وأغلق دائرة حياتي على نفسي كي لا يقرأَ الغرباء قصة جرحي ، وكي تبقى حكايتي سرًا ، بدأت بيدي وانتهت فيَّ .
فالحاضر اليوم ثوبٌ ضيقٌ صُنع لغيري ، أرتديه قسرًا وأتحسسُ فيه غُرزًا غريبة تنفرُ منها جلودُ عواطفي ، وتأبى خيوطه الخشنة أن تتماهى مع رقة أحلامي ، كأني في قلب هذه الأيام لغةٌ بائدة تحاول عبثًا أن تجد لها مكانًا في أبجديةٍ حديثةٍ باردة .
في كل مرة أجدني فيها أقف على عتبة التسليم ، وأشعر بمفاتيح قلبي وهي توشك أن تنزلق من يدي لتستقر في كفّك ، يضربني جدارٌ من الذعر البارد ؛ لا أخشاك ولا أشكك في نبل عاطفتك ، لكنني أرتعشُ من "أنا" التي تولد حين أحب ؛ تلك الكائنة التي لا تعرف أنصاف الحلول ، ولا تتقن فن النجاة الفردي ؛ أنا لا أتراجع لأن قلبي يرفضك ، بل لأن قلبي إذا دخل مِحرابك نسيَ طريق العودة إلى صدري ، أخاف من تلك النسخة التي تسكنني ، والتي تصبح رقيقةً لدرجة الخدش ، وشفافةً لدرجة العراء ، وعظيمةً لدرجة الانهيار ، إنني أُحبك بقلبٍ يرتدي دروعًا ، فاعذر وقوفي الطويل عند الباب ؛ فأنا أحاول فقط أن أروّض تلك التي بداخلي ، لكي لا تلتهمنا معًا بنار صدقها المتطرف .
محاولة لتعليب الانتظار في قوارير الضياع ؛ حيث أصبح الوقت وحشًا كاسرًا يقتات على جفوني ، وغدت الأيام جنازة طويلة لا تنتهي لمستقبلٍ وُئِد قبل ولادته ، متجاهلةً ببرود ذلك الغياب الذي يرتدي رداء المجهول ، ومتحولًا من مجرد مسافةٍ بين جسدين إلى فجوةٍ كونية تمتص الضوء من قلبي ، تاركًا إياي أقتات على فتات الصمت .
يؤرقني الوقوف على أطلال الكلمات التي سطرتها ذات مسغبةٍ شعورية ، فأنا لا أخشى من ارتداد الحنين ، بل أفر من مرايا الحروف التي تعكس وجهًا لم يعد يشبهني ؛ إذ أجد في تلك الرسائل القديمة "فِطامًا" متأخرًا للمشاعر ، وأبصر فيها طفولةً وجدانيةً غارقةً في براءتها ، حتى لكأنّ نبضي حينها كان يكتبُ بمدادٍ من زجاج شفاف ، لا يدرك أن الأيام حجارةٌ صلدة ، فيعتصرني الآن ضيقٌ مُبهمٌ وأنا أرمقُ ذلك "الأنا" القديم ، الذي سكب روحه فوق الأوراق بلا درعٍ ولا مسافة ، فأرى في نُبلي السالف سذاجةً لا تليق بوقار الخيبات الذي أرتديه اليوم ، وكأنني أعاتب طفلًا يسكنني "كيف تجرّأ على منح المفاتيح كلها لعابرٍ لم يكن يملك ثمن الإقامة".
لقد انقضى زمن الوصال ، وبدأ زمن الوفاء بالدعاء والصدقة فهي اليوم في برزخها لا ترجو من الدنيا قصرًا ولا جاهًا ، بل تترقبُ بلهفةِ الغريب هديةً تأتيها منكم على طبقٍ من نور ، تمسحُ عنها وحشة الوحدة وتُؤنس في القبر غربتها .
6
اللهم إنها كانت اسمًا على مسمى ، أميرةً بأخلاقها ، رقيقةً في تعاملها ، طيبةً في أثرها ، اللهم إنها كانت في دنيانا غيمةً ماطرة بالسكينة ، وجوهرةً مصونةً بالأدب والخُلُق الرفيع ؛ فاجزل لها العطاء ، واجعل حظها من جودك ورحمتك بقدر ما حمل قلبها البياض والرضاء .
صرتُ شبحًا يراقب ركام حياته بدهشةٍ باردة ، كإلهةٍ إغريقيةٍ قديمة فقدت مؤمنيها ، أو كلوحة فنية نادرة سُلطت عليها الأضواء في قاعةٍ خالية تمامًا من الزوّار ؛ أنا موجودةٌ بامتياز ، لكنني فائضةٌ عن حاجة الحقيقة ، وهذا الضياع ليس تيهًا في زحام بل هو امتلاءٌ بالخلاء ، حيث صار قلبي ثقبًا أسود يبتلع الضوء والوقت والذاكرة دون أن يرتوي أو يمتلئ ؛ وأنا لا أبحث عن مخرجٍ من هذا التيه ، بل أبحث عن "ثقل"يجعلني أسقط ؛ فإن خفتي المرعبة هذه جعلتني أعبر من خلال الجدران والوجوه دون أن أترك أثرًا أو أتلقى طعنة ؛ إنني أعيش الآن في “المسافة الصفرية” بين الشيء ونقيضه ، حيث لا فرق بين الصرخة والسكينة ، وحيث يغدو وجودي مجرد خطأ مطبعيّ في نص كوني طويل ، كفقرةً زائدة لا يغير حذفُها من سياق الرواية شيئًا ، ويكمن ضياعي في أنني أدركتُ تمامًا أنني “المُشاهِدة” و”المَشهد” و”العدم” الذي يفصل بينهما ، دون أن أملك القدرة على الانحياز لأيٍّ منها .
1
إننا لا نكبر بالسنوات بقدر ما ننمو بالتآكل ؛ إذ يغدو العمر مزادًا علنيًا طويلًا نقايض فيه أجزاءً من أرواحنا لنبتاع حكمةً باردة ، أو يقينًا مثقلًا بالندوب ، وحتى إذا وقفنا أمام مرآة الذاكرة وتأملنا ملامح الطفولة في صورنا القديمة ، لم يكن حنينُنا هيامًا بزمنٍ ولّى ، بقدر ما كان أنين الثلمة للقطعة المفقودة ؛ إننا نشعر بوهج تلك الملامح لأنها تُمثّل النسخة الوحيدة التي لم تُنتزع منها قطعة ، ولم تُقدم قربانًا للتجربة ، فتبدو وجوهنا الصغيرة هناك كأيقوناتٍ مقدّسة من نورٍ خالص ، قبل أن تتشظّى هويتنا في طرقات الخيبات ، ويغدو كياننا الحالي مجرد رفاتٍ لما تبقى منا بعد دفع ضرائب العيش .