بسكرة السلفية
Photo
بَابٌ
في أَحْكَامِ الحَيْضِ والنِّفَاسِ
أَوَّلًا - الحَيْضُ وَأَحْكَامُهُ:
قال الله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة/ ٢٢٢].
والحيض هو: دم طبيعة وجبلة، يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة، خلقه الله لحكمة غذاء الولد في بطن أمه؛ لافتقاره إلى الغذاء، إذ لو شاركها في غذائها، لضعفت قواها، فجعل الله له هذا الغذاء.
لذلك قَلَّ أن تحيض الحامل، فإذا ولدت قلبه الله لبناً يَدُرُّ من ثدييها؛ ليتغذى به ولدها، ولذلك قَلَّ أن تحيض المرضع، فإذا خلت المرأة من حمل ورضاع، بقي لا مصرف له؛ ليستقر في مكان من رحمها.
ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة أيام، وقد يزيد عن ذلك أو يقل، ويطول شهر المرأة ويقصر حسبما ركبه الله من الطباع.
- وللحائض خلال حيضها وعند نهايته أحكام مفصلة في الكتاب والسنة:
[١] - من هذه الأحكام أن الحائض لا تصلي ولا تصوم حال حيضها، قال عليه الصلاة والسلام لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة..»(١). فلو صامت الحائض أو صلت حال حيضها، لم يصح لها صوم ولا صلاة، لأن النبي ﷺ نهاها عن ذلك، والنهي يقتضي عدم الصحة، بل تكون بذلك عاصية لله ولرسوله ﷺ.
[٢] - فإذا طهرت من حيضها، فإنها تقضي الصوم دون الصلاة بإجماع أهل العلم، قالت عائشة رضي الله عنها: «كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ؛ فكنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة»، متفق عليه(٢).
[٣] - ومن أحكام الحائض أنها لا يجوز لها أن تطوف بالبيت، ولا تقرأ القرآن، ولا تجلس في المسجد، ويحرم على زوجها وطؤها في الفرج حتى ينقطع حيضها وتغتسل.
قال تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾ [البقرة/ ٢٢٢]، ومعنى الاعتزال: ترك الوطء.
وقال النبي ﷺ: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، رواه الجماعة إلا البخاري(١)، وفي لفظ: «إلا الجماع».
[٤] - ويجوز لزوج الحائض أن يستمتع منها بغير الجماع في الفرج، كالقبلة واللمس ونحو ذلك.
[٥] - ولا يجوز لزوجها أن يطلقها وهي حائض، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ [الطلاق/ ١]، أي: طاهرات من غير جماع، وقد أمر النبي ﷺ من طلق امرأته وهي حائض أن يراجعها ثم يطلقها حال طهرها إن أراد.
- والطهر هو: انقطاع الدم، فإذا انقطع دمها، فقد طهرت وانتهت مدة حيضها؛ فيجب عليها الاغتسال، ثم تزاول ما منعت منه بسبب الحيض.
وإن رأت بعد الطهر كدرة أو صفرة، لم تلتفت إليها؛ لقول أم عطية رضي الله عنها: «كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئاً»، رواه البخاري وغيره(١)، وله حكم الرفع؛ لأنه تقرير منه ﷺ.
- تنبيه مهم:
إذا طهرت الحائض أو النفساء قبل غروب الشمس، لزمها أن تصلي الظهر والعصر من هذا اليوم، ومن طهرت منهما قبل طلوع الفجر، لزمها أن تصلي المغرب والعشاء من هذه الليلة، لأن وقت الصلاة الثانية وقت للصلاة الأولى في حال العذر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(ولهذا كان جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد يقولون:
إذا طهرت الحائض في آخر النهار، صلت الظهر والعصر جميعاً.
وإذا طهرت في آخر الليل، صلت المغرب والعشاء جميعاً.
كما نقل ذلك عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن عباس؛ لأن الوقت مشترك بين الصلاتين في حال العذر، فإذا طهرت في آخر النهار، فوقت الظهر باقٍ، فتصليها قبل العصر، وإذا طهرت في آخر الليل، فوقت المغرب باقٍ في حال العذر، فتصليها قبل العشاء(٢)).
انتهى.
وأما إذا دخل عليها وقت صلاة ثم حاضت أو نفست قبل أن تصلي، فالقول الراجح أنه لا يلزمها قضاء تلك الصلاة التي أدركت أول وقتها ثم حاضت أو نفست قبل أن تصليها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة: (والأظهر في الدليل مذهب أبي حنيفة ومالك أنها لا يلزمها شيء؛ لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد، ولا أمر هنا يلزمها بالقضاء، ولأنها أخرت تأخيراً جائزاً فهي غير مفرطة.
وأما النائم أو الناسي – وإن كان غير مفرط أيضاً – فإن ما يفعله ليس قضاء، بل ذلك وقت الصلاة في حقه حين يستيقظ أو يذكر(١)).
انتهى.
الملخص الفقهي للعلامة صالح الفوزان حفظه الله
____
(١) متفق عليه من حديث عائشة: البخاري (٣٣١) [٨٤/١] الحيض ٦٢؛ ومسلم (٧٥١) [٢٤١/٢].
في أَحْكَامِ الحَيْضِ والنِّفَاسِ
أَوَّلًا - الحَيْضُ وَأَحْكَامُهُ:
قال الله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة/ ٢٢٢].
والحيض هو: دم طبيعة وجبلة، يخرج من قعر الرحم في أوقات معلومة، خلقه الله لحكمة غذاء الولد في بطن أمه؛ لافتقاره إلى الغذاء، إذ لو شاركها في غذائها، لضعفت قواها، فجعل الله له هذا الغذاء.
لذلك قَلَّ أن تحيض الحامل، فإذا ولدت قلبه الله لبناً يَدُرُّ من ثدييها؛ ليتغذى به ولدها، ولذلك قَلَّ أن تحيض المرضع، فإذا خلت المرأة من حمل ورضاع، بقي لا مصرف له؛ ليستقر في مكان من رحمها.
ثم يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة أيام، وقد يزيد عن ذلك أو يقل، ويطول شهر المرأة ويقصر حسبما ركبه الله من الطباع.
- وللحائض خلال حيضها وعند نهايته أحكام مفصلة في الكتاب والسنة:
[١] - من هذه الأحكام أن الحائض لا تصلي ولا تصوم حال حيضها، قال عليه الصلاة والسلام لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة..»(١). فلو صامت الحائض أو صلت حال حيضها، لم يصح لها صوم ولا صلاة، لأن النبي ﷺ نهاها عن ذلك، والنهي يقتضي عدم الصحة، بل تكون بذلك عاصية لله ولرسوله ﷺ.
[٢] - فإذا طهرت من حيضها، فإنها تقضي الصوم دون الصلاة بإجماع أهل العلم، قالت عائشة رضي الله عنها: «كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ؛ فكنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة»، متفق عليه(٢).
[٣] - ومن أحكام الحائض أنها لا يجوز لها أن تطوف بالبيت، ولا تقرأ القرآن، ولا تجلس في المسجد، ويحرم على زوجها وطؤها في الفرج حتى ينقطع حيضها وتغتسل.
قال تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ﴾ [البقرة/ ٢٢٢]، ومعنى الاعتزال: ترك الوطء.
وقال النبي ﷺ: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، رواه الجماعة إلا البخاري(١)، وفي لفظ: «إلا الجماع».
[٤] - ويجوز لزوج الحائض أن يستمتع منها بغير الجماع في الفرج، كالقبلة واللمس ونحو ذلك.
[٥] - ولا يجوز لزوجها أن يطلقها وهي حائض، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ [الطلاق/ ١]، أي: طاهرات من غير جماع، وقد أمر النبي ﷺ من طلق امرأته وهي حائض أن يراجعها ثم يطلقها حال طهرها إن أراد.
- والطهر هو: انقطاع الدم، فإذا انقطع دمها، فقد طهرت وانتهت مدة حيضها؛ فيجب عليها الاغتسال، ثم تزاول ما منعت منه بسبب الحيض.
وإن رأت بعد الطهر كدرة أو صفرة، لم تلتفت إليها؛ لقول أم عطية رضي الله عنها: «كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئاً»، رواه البخاري وغيره(١)، وله حكم الرفع؛ لأنه تقرير منه ﷺ.
- تنبيه مهم:
إذا طهرت الحائض أو النفساء قبل غروب الشمس، لزمها أن تصلي الظهر والعصر من هذا اليوم، ومن طهرت منهما قبل طلوع الفجر، لزمها أن تصلي المغرب والعشاء من هذه الليلة، لأن وقت الصلاة الثانية وقت للصلاة الأولى في حال العذر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(ولهذا كان جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد يقولون:
إذا طهرت الحائض في آخر النهار، صلت الظهر والعصر جميعاً.
وإذا طهرت في آخر الليل، صلت المغرب والعشاء جميعاً.
كما نقل ذلك عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن عباس؛ لأن الوقت مشترك بين الصلاتين في حال العذر، فإذا طهرت في آخر النهار، فوقت الظهر باقٍ، فتصليها قبل العصر، وإذا طهرت في آخر الليل، فوقت المغرب باقٍ في حال العذر، فتصليها قبل العشاء(٢)).
انتهى.
وأما إذا دخل عليها وقت صلاة ثم حاضت أو نفست قبل أن تصلي، فالقول الراجح أنه لا يلزمها قضاء تلك الصلاة التي أدركت أول وقتها ثم حاضت أو نفست قبل أن تصليها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة: (والأظهر في الدليل مذهب أبي حنيفة ومالك أنها لا يلزمها شيء؛ لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد، ولا أمر هنا يلزمها بالقضاء، ولأنها أخرت تأخيراً جائزاً فهي غير مفرطة.
وأما النائم أو الناسي – وإن كان غير مفرط أيضاً – فإن ما يفعله ليس قضاء، بل ذلك وقت الصلاة في حقه حين يستيقظ أو يذكر(١)).
انتهى.
الملخص الفقهي للعلامة صالح الفوزان حفظه الله
____
(١) متفق عليه من حديث عائشة: البخاري (٣٣١) [٨٤/١] الحيض ٦٢؛ ومسلم (٧٥١) [٢٤١/٢].
بسكرة السلفية
Photo
(٢) هذا مفهوم بالاستقراء، وقد ثبت مضمونه في عدة أحاديث، ومنها حديث عائشة عند البخاري (٣٠٤) [٥٢٦/١] الحيض ٦.
(٣) متفق عليه بنحوه: البخاري (٣٢١) [٥٤٦/١]؛ ومسلم (٧٦١) [٢٥١/٢].
(١) أخرجه من حديث أنس: مسلم (٦٩٢) [٢٠٣/٢]؛ وأحمد (١٢٣٣٩) [١٦٧/٣]؛ وأبو داود (٢٨٥) [١٢٩/١]؛ والترمذي (٢٩٨٣) [٢١٤/٥]؛ والنسائي (٢٨٧) [١٦٧/١]؛ وابن ماجه (٦٤٤) [٣٥٧/١] ولفظه: «إلا الجماع».
(١) أخرجه: البخاري (٣٢٦) [٥٥٢/١]؛ والنسائي (٣٦٦) [٢٠٤/١]؛ وابن ماجه (٦٤٧) [٣٥٩/١]؛ وأبو داود (٣٠٧) [١٥٥/١]، وفيه زيادة: «بعد الطهر شيئاً».
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام، [٧٦/٢٢].
(٣) متفق عليه بنحوه: البخاري (٣٢١) [٥٤٦/١]؛ ومسلم (٧٦١) [٢٥١/٢].
(١) أخرجه من حديث أنس: مسلم (٦٩٢) [٢٠٣/٢]؛ وأحمد (١٢٣٣٩) [١٦٧/٣]؛ وأبو داود (٢٨٥) [١٢٩/١]؛ والترمذي (٢٩٨٣) [٢١٤/٥]؛ والنسائي (٢٨٧) [١٦٧/١]؛ وابن ماجه (٦٤٤) [٣٥٧/١] ولفظه: «إلا الجماع».
(١) أخرجه: البخاري (٣٢٦) [٥٥٢/١]؛ والنسائي (٣٦٦) [٢٠٤/١]؛ وابن ماجه (٦٤٧) [٣٥٩/١]؛ وأبو داود (٣٠٧) [١٥٥/١]، وفيه زيادة: «بعد الطهر شيئاً».
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام، [٧٦/٢٢].
Forwarded from قناة أبو عيسى لطفي براهمي الدعوية
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
لزوم الأدب والأخلاق الحسنة 1
بسكرة السلفية
Photo
باب
من الشرك لبس الحلقة والخيط
ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه
قوله: «من الشرك» من: هنا للتبعيض، أي: هذا من الشرك، وليس كل الشرك، والشرك اسم جنس يشمل الأصغر والأكبر، وليس هذه الأشياء قد يكون أصغر، وقد يكون أكبر بحسب اعتقاد لابسها وكان لبس هذه الأشياء من الشرك: لأن كل من أثبت لله سببًا لم يجعله الله سببًا شرعيًا، ولا قدريًا فقد أشرك بالله.
مثلاً: قراءة الفاتحة: سبب للشفاء شرعي.
وأكل المسهل: سبب لانطلاق البطن، وهو قدري، لأنه يُعلم بالتجربة(1).
والناس في الأسباب طرفان ووسط:
الأول: من ينكر الأسباب، وهم كل من قال بنفي حكمة الله كالجبرية والأشعرية.
الثاني: من يغلو في إثبات الأسباب حتى يجعلوا ما ليس بسبب سببًا، وهؤلاء هم عامة الخرافيين من الصوفية، ونحوهم.
الثالث: من يؤمن بالأسباب وتأثيراتها، ولكنهم لا يثبتون من الأسباب إلا ما أثبته الله سبحانه ورسوله سببًا شرعيًا أو كونيًا(1).
ولا شك أنَّ هؤلاء هم الذين آمنوا بالله إيمانًا حقيقيًا، وآمنوا بحكمته حيث ربطوا الأسباب بمسبباتها، والعمل بمعلولاتها وهذا من تمام الحكمة.
ولبس الحلقة ونحوها إن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله فهو مشرك شركًا أكبر في توحيد الربوبية؛ لأنه اعتقد أنَّ مع الله خالقًا غيره.
وإن اعتقد أنها سبب، ولكنه ليس مؤثرًا بنفسه، فهو مشرك شركًا أصغر، لأنه اعتقد أنَّ ما ليس بسبب سببًا، فقد شارك الله تعالى في الحكم في هذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سببًا.
وطريق العلم بأن الشيء سبب: إما عن طريق الشرع، وذلك كالعسل فيه شفاء للناس من القرآن، وكقراءة القرآن فيها شفاء للناس.
وإما عن طريق القدر: كما إذا جرَّبنا هذا الشيء فوجدناه نافعًا في هذا الألم، أو المرض، ولكن لابد أن يكون أثره ظاهرًا مباشرًا كما لو اكتوى بالنار فبرئ بذلك مثلاً، فهذا سبب ظاهر بيِّن، وإلاّ فإنا قلنا هذا لئلا يقول قائل: أنا جرَّبت هذا وانتفعت به، وهو لم يكن مباشرًا كالحلقة، فقد يلبسها إنسان وهو يعتقد أنها نافعة، فينفع لأن للانفعال النفسي للشيء، أثرًا بيِّنًا، فقد يقرأ إنسان على مريض فلا يرتاح له، ثم يأتي آخر يعتقد أن قراءته نافعة، فيقرأ عليه الآية نفسها فيرتاح له، ويشعر بخفة الألم، كذلك الذين يلبسون الحلق، ويربطون الخيوط قد يحسون بخفتها بناء على اعتقادهم نفعها.
وخفَّة الألم لمن اعتقد نفع تلك الحلقة مجرد شعور نفسي والشعور النفسي ليس طريقًا شرعيًا لإثبات الأسباب كما أن الإلهام ليس سببًا للشرع، وما ذكره شيخ الإسلام في بعض كلام له في الفتاوى أنه طريق شرعي لإثبات الأحكام، هذا بالنسبة للإنسان نفسه، لا بالنسبة للأمة، وذكر في الفتاوى ما يدل على أن الإلهام طريق من طرق الشرع، ولكنه في الحقيقة ليس طريقًا للتشريع، فقد يرتاح الإنسان لهذا الشيء، ويرى أنه هو الصواب، ولكن لا يكون حجة على غيره، وإن ألم.
قوله: «ولبس الحلقة والخيط».
الحلقة: من حديد، أو ذهب، أو فضة، أو ما أشبه ذلك، والخيط معروف.
قوله: «ونحوهما» كالرصعات لرفع البلاء، أو دفعه، وكمن يصنع شكلاً
معينًا من نحاس، أو غيره لدفع البلاء، أو يعلِّق على نفسه شيئًا من أجزاء الحيوانات، والناس كانوا يعلقون القرب البالية لدفع العين حتى إذا رآه الشخص نفرت نفسه فلا يعين(2).
قوله: «لرفع البلاء، أو دفعه» والفرق بينهما: أن الرفع: بعد نزول البلاء. والدفع: قبل نزول البلاء.
وشيخ الإسلام لا ينكر السبب الصحيح للرفع أو الدفع، وإنما يُنكر السبب غير الصحيح.
القول المفيد على كتاب التوحيد شرح العلامة
___
(1) قال السعدي رحمه الله في القول السديد ص (34): ولابد من معرفة ثلاثة أمور في الأسباب:
الأول: ألا يجعل منها سببًا إلا ما ثبت أنه سبب شرعًا أو قدرًا.
الثاني: ألا يعتمد العبد عليها، بل يعتمد على مسببها ومقدرها مع قيامه بالمشروع منها، وحرصه على النافع منها.
الثالث: أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره، ولا خروج لها عنه.
(1) انظر بسط هذه المسألة في مجموع الفتاوى 539 - 536 / 8، و 77 - 73 / 8، ومدارج السالكين 3 / 495.
وقال ابن القيم في مدارج السالكين 3 / 495: «وبالجملة فليس إسقاط الأسباب من التوحيد، بل القيام بها واعتبارها، وإنزالها منازلها التي أنزلها الله فيها: هو محض التوحيد والعبودية.
والقول بإسقاط الأسباب هو توحيد القدرية الجبرية أتباع جهم بن صفوان في الجبر فإنه كان غاليًا فيه، وعندهم أن الله لم يخلق شيئًا بسبب ولا جعل في الأسباب قوى وطبائع تؤثر، فليس في النار قوة الإحراق، ولا في السمّ قوة الإهلاك، ولا في الماء والخبز قوة الري والتغذي به، ولا في العين قوة الإبصار، ولا في الأذن والأنف قوة السمع والشم، بل الله سبحانه يحدث هذه الآثار عند ملاقاة الأجسام لا بها فليس الشبع بالأكل، ولا الري بالشرب ...
من الشرك لبس الحلقة والخيط
ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه
قوله: «من الشرك» من: هنا للتبعيض، أي: هذا من الشرك، وليس كل الشرك، والشرك اسم جنس يشمل الأصغر والأكبر، وليس هذه الأشياء قد يكون أصغر، وقد يكون أكبر بحسب اعتقاد لابسها وكان لبس هذه الأشياء من الشرك: لأن كل من أثبت لله سببًا لم يجعله الله سببًا شرعيًا، ولا قدريًا فقد أشرك بالله.
مثلاً: قراءة الفاتحة: سبب للشفاء شرعي.
وأكل المسهل: سبب لانطلاق البطن، وهو قدري، لأنه يُعلم بالتجربة(1).
والناس في الأسباب طرفان ووسط:
الأول: من ينكر الأسباب، وهم كل من قال بنفي حكمة الله كالجبرية والأشعرية.
الثاني: من يغلو في إثبات الأسباب حتى يجعلوا ما ليس بسبب سببًا، وهؤلاء هم عامة الخرافيين من الصوفية، ونحوهم.
الثالث: من يؤمن بالأسباب وتأثيراتها، ولكنهم لا يثبتون من الأسباب إلا ما أثبته الله سبحانه ورسوله سببًا شرعيًا أو كونيًا(1).
ولا شك أنَّ هؤلاء هم الذين آمنوا بالله إيمانًا حقيقيًا، وآمنوا بحكمته حيث ربطوا الأسباب بمسبباتها، والعمل بمعلولاتها وهذا من تمام الحكمة.
ولبس الحلقة ونحوها إن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله فهو مشرك شركًا أكبر في توحيد الربوبية؛ لأنه اعتقد أنَّ مع الله خالقًا غيره.
وإن اعتقد أنها سبب، ولكنه ليس مؤثرًا بنفسه، فهو مشرك شركًا أصغر، لأنه اعتقد أنَّ ما ليس بسبب سببًا، فقد شارك الله تعالى في الحكم في هذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سببًا.
وطريق العلم بأن الشيء سبب: إما عن طريق الشرع، وذلك كالعسل فيه شفاء للناس من القرآن، وكقراءة القرآن فيها شفاء للناس.
وإما عن طريق القدر: كما إذا جرَّبنا هذا الشيء فوجدناه نافعًا في هذا الألم، أو المرض، ولكن لابد أن يكون أثره ظاهرًا مباشرًا كما لو اكتوى بالنار فبرئ بذلك مثلاً، فهذا سبب ظاهر بيِّن، وإلاّ فإنا قلنا هذا لئلا يقول قائل: أنا جرَّبت هذا وانتفعت به، وهو لم يكن مباشرًا كالحلقة، فقد يلبسها إنسان وهو يعتقد أنها نافعة، فينفع لأن للانفعال النفسي للشيء، أثرًا بيِّنًا، فقد يقرأ إنسان على مريض فلا يرتاح له، ثم يأتي آخر يعتقد أن قراءته نافعة، فيقرأ عليه الآية نفسها فيرتاح له، ويشعر بخفة الألم، كذلك الذين يلبسون الحلق، ويربطون الخيوط قد يحسون بخفتها بناء على اعتقادهم نفعها.
وخفَّة الألم لمن اعتقد نفع تلك الحلقة مجرد شعور نفسي والشعور النفسي ليس طريقًا شرعيًا لإثبات الأسباب كما أن الإلهام ليس سببًا للشرع، وما ذكره شيخ الإسلام في بعض كلام له في الفتاوى أنه طريق شرعي لإثبات الأحكام، هذا بالنسبة للإنسان نفسه، لا بالنسبة للأمة، وذكر في الفتاوى ما يدل على أن الإلهام طريق من طرق الشرع، ولكنه في الحقيقة ليس طريقًا للتشريع، فقد يرتاح الإنسان لهذا الشيء، ويرى أنه هو الصواب، ولكن لا يكون حجة على غيره، وإن ألم.
قوله: «ولبس الحلقة والخيط».
الحلقة: من حديد، أو ذهب، أو فضة، أو ما أشبه ذلك، والخيط معروف.
قوله: «ونحوهما» كالرصعات لرفع البلاء، أو دفعه، وكمن يصنع شكلاً
معينًا من نحاس، أو غيره لدفع البلاء، أو يعلِّق على نفسه شيئًا من أجزاء الحيوانات، والناس كانوا يعلقون القرب البالية لدفع العين حتى إذا رآه الشخص نفرت نفسه فلا يعين(2).
قوله: «لرفع البلاء، أو دفعه» والفرق بينهما: أن الرفع: بعد نزول البلاء. والدفع: قبل نزول البلاء.
وشيخ الإسلام لا ينكر السبب الصحيح للرفع أو الدفع، وإنما يُنكر السبب غير الصحيح.
القول المفيد على كتاب التوحيد شرح العلامة
___
(1) قال السعدي رحمه الله في القول السديد ص (34): ولابد من معرفة ثلاثة أمور في الأسباب:
الأول: ألا يجعل منها سببًا إلا ما ثبت أنه سبب شرعًا أو قدرًا.
الثاني: ألا يعتمد العبد عليها، بل يعتمد على مسببها ومقدرها مع قيامه بالمشروع منها، وحرصه على النافع منها.
الثالث: أن يعلم أن الأسباب مهما عظمت وقويت فإنها مرتبطة بقضاء الله وقدره، ولا خروج لها عنه.
(1) انظر بسط هذه المسألة في مجموع الفتاوى 539 - 536 / 8، و 77 - 73 / 8، ومدارج السالكين 3 / 495.
وقال ابن القيم في مدارج السالكين 3 / 495: «وبالجملة فليس إسقاط الأسباب من التوحيد، بل القيام بها واعتبارها، وإنزالها منازلها التي أنزلها الله فيها: هو محض التوحيد والعبودية.
والقول بإسقاط الأسباب هو توحيد القدرية الجبرية أتباع جهم بن صفوان في الجبر فإنه كان غاليًا فيه، وعندهم أن الله لم يخلق شيئًا بسبب ولا جعل في الأسباب قوى وطبائع تؤثر، فليس في النار قوة الإحراق، ولا في السمّ قوة الإهلاك، ولا في الماء والخبز قوة الري والتغذي به، ولا في العين قوة الإبصار، ولا في الأذن والأنف قوة السمع والشم، بل الله سبحانه يحدث هذه الآثار عند ملاقاة الأجسام لا بها فليس الشبع بالأكل، ولا الري بالشرب ...
بسكرة السلفية
Photo
ولا الطاعات والتوحيد سببًا لدخول الجنة، ولا الشرك والكفر والمعاصي سببًا لدخول النار، بل يدخل هؤلاء النار بمحض مشيئته من غير سبب ولا حكمة .. وطرد هذا المذهب مفسدللدين والدنيا، بل ولِسائر أديان الرسل، ولهذا لما طرده قوم أسقطوا الأسباب الدنيوية وعطلوها، ولم يمكنهم ذلك فإنهم أن يأكلوا ويشربوا، ويباشروا من الأسباب مايندفع عنهم الحر والبرد.
وقال ص (499):
«وقد قال بعض أهل العلم: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد. وهو الأسباب - أن تكون أسبابًا - تغيير في وجه العقل. والإعراض عن الأسباب بالكلية: قدح في الشرع. والتوكل معنى يلتئم من معنى التوحيد والعقل والشرع.
وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وتقييد. فالالتفات إلى الأسباب ضربان:
أحدهما: شرك. والآخر: عبودية وتوحيد. فالشرك: أن يعتمد عليها ويطمئن إليها، ويعتقد أنها بذاتها عصمة للمقصود. فهو معرض عن المسبب لها. ويجعل نظره والتفاته مقصورًا = عليها. وأما إن التفت إليها التفات امتثال وقيام بها وأداء لحق العبودية فيها، وإنزالها منازلها: فهذا الالتفات عبودية وتوحيد، إن لم يشغله عن الالتفات إلى المسبب. وأما عودها أن تكون أسبابًا: فقدح في العقل والحس والفطرة. فإن أعرض عنها بالكلية: كان ذلك قدحًا في الشرع، وإبطالاً له.
وحقيقة التوكل: القيام بالأسباب، والاعتماد بالقلب على المسبب، واعتقاد أنها بيده. فإن شاء منعها اقتضاءها، وإن شاء جعلها مقتضية لضد أحكامها، وإن شاء أقام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه.
فالموحد المتوكل: لا يلتفت إلى الأسباب، بمعنى أنه لا يطمئن إليها، ولا يرجوها ولا يخافها، فلا يركن إليها. ولا يلتفت إليها - بمعنى أنه لا يسقطها ولا يهملها ويبطلها - بل يكون قائمًا بها، ملتفتًا إليها، ناظرًا إلى مسببها سبحانه ومجريها. فلا يصح التوكل - شرعًا وعقلاً - إلا عليه سبحانه وحده. فإنه ليس في الوجود سبب تام موجب إلا مشيئته وحده. فهو الذي سبب الأسباب. وجعل فيها القوى والاقتضاء لآثارها، ولم يجعل منها سببًا يقضي وحده أثره: بل لابد معه من سبب آخر يشاركه. وجعل لها أسبابًا تضادها وتقاومها، بخلاف مشيئته سبحانه. فإنها لا تحتاج إلى أمر آخر. ولا في الأسباب الحادثة مايبطلها ويضادها، وإن كان الله سبحانه قد يبطل حكم مشيئته بمشيئته، فيشاء الأمر ثم يشاء ما يضاده ويمنع حصوله، وإلجميع بمشيئته واختياره، فلا يصح التوكل إلا عليه، ولا الالتجاء إلا إليه، ولا الخوف إلا منه، ولا الرجاء إلا له، ولا الطمع إلا في رحمته، كما قال أعرف الخلق به، ﷺ، «أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، وقال: «لا منجي ولا ملجأ منك إلا إليك».
فإذا جمعت بين هذا التوحيد وبين إثبات الأسباب: استقام قلبك على السير إلى الله. ووضح لك الطريق الأعظم الذي مضى عليه جميع رسل الله أنبيائه وأتباعهم. وهو الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم. وبالله التوفيق. وما سبق من علم الله وحكمه حق وهو لا ينافي إثبات الأسباب. ولا يقتضي إسقاطها، فإنه سبحانه قد علم وحكم: أن كذا وكذا يحدث بسبب كذا وكذا، فسيبق العلم والحكم بحصوله عن سببه. فإسقاط الأسباب خلاف موجب علمه وحكمه. فمن نظر إلى الحدوث بغير الأسباب: لم يكن نظره وشهوده = مطابقًا للحق، بل كان شهوده غَيّة، ونظره عمى. فإذا كان علم الله قد سبق بحدوث الأشياء بأسبابها. فكيف يشهد العبد الأمور بخلاف ماهي عليه في علمه وحكمه وخلقته وأمره؟
والعلل التي تنفي في الأسباب نوعان. أحدهما: الاعتماد عليها، والتوكل عليها، والثقة بها، ورجاؤها ونحوها. فهذا شرك يرق ويغلظ. وبين ذلك.
الثاني: ترك ما أمر الله به من الأسباب. وهذا أيضًا قد يكون كفرًا وظلمًا. وبين ذلك. على العبد أن يفعل ماأمره الله به من الأمر، ويتوكل على الله توكل من يعتقد أن الأمر كله بمشيئة الله. سبق به علمه وحكمه. وأن السبب لا يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، ولا يقضي ولا يحكم، ولا يحصل للعبد مالم تسبب له به المشيئة الإلهية. ولا يصرف عنه ماسبق به الحكم والعلم. فيأتي بالأسباب إيمانًا من لا يرى النجاة والفلاح والوصول إلا بها. ويتوكل على الله توكل من يرى أنها لا تنجيه، ولا تُحصِّل له فلاحًا، ولا توصله إلى المقصود عليها. فيجرد عزمه للقيام بها حرصًا واجتهادًا، ويُفرِّغ قلبه من الاعتماد عليها، والركون إليها. تجريدًا للتوكل، واعتمادًا على الله وحده. وقد جمع النبي، ﷺ، بين هذين الأصلين في الحديث الصحيح. حيث يقول «احرص على ماينفعك، واستعن بالله. ولا تعجِز» فأمره بالحرص على الأسباب، والاستعانة بالمسبب. ونهاه عن العجز. وهو نوعان. وهو نوعان: تقصير في الأسباب، وعدم الحرص عليها، وتقصير في الاستعانة بالله، وترك غيرهما. فالدين كله - ظاهره وباطنه، شرائعه وحقائقه - تحت هذه الكلمات النبوية. والله أعلم».
وقال ص (499):
«وقد قال بعض أهل العلم: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد. وهو الأسباب - أن تكون أسبابًا - تغيير في وجه العقل. والإعراض عن الأسباب بالكلية: قدح في الشرع. والتوكل معنى يلتئم من معنى التوحيد والعقل والشرع.
وهذا الكلام يحتاج إلى شرح وتقييد. فالالتفات إلى الأسباب ضربان:
أحدهما: شرك. والآخر: عبودية وتوحيد. فالشرك: أن يعتمد عليها ويطمئن إليها، ويعتقد أنها بذاتها عصمة للمقصود. فهو معرض عن المسبب لها. ويجعل نظره والتفاته مقصورًا = عليها. وأما إن التفت إليها التفات امتثال وقيام بها وأداء لحق العبودية فيها، وإنزالها منازلها: فهذا الالتفات عبودية وتوحيد، إن لم يشغله عن الالتفات إلى المسبب. وأما عودها أن تكون أسبابًا: فقدح في العقل والحس والفطرة. فإن أعرض عنها بالكلية: كان ذلك قدحًا في الشرع، وإبطالاً له.
وحقيقة التوكل: القيام بالأسباب، والاعتماد بالقلب على المسبب، واعتقاد أنها بيده. فإن شاء منعها اقتضاءها، وإن شاء جعلها مقتضية لضد أحكامها، وإن شاء أقام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه.
فالموحد المتوكل: لا يلتفت إلى الأسباب، بمعنى أنه لا يطمئن إليها، ولا يرجوها ولا يخافها، فلا يركن إليها. ولا يلتفت إليها - بمعنى أنه لا يسقطها ولا يهملها ويبطلها - بل يكون قائمًا بها، ملتفتًا إليها، ناظرًا إلى مسببها سبحانه ومجريها. فلا يصح التوكل - شرعًا وعقلاً - إلا عليه سبحانه وحده. فإنه ليس في الوجود سبب تام موجب إلا مشيئته وحده. فهو الذي سبب الأسباب. وجعل فيها القوى والاقتضاء لآثارها، ولم يجعل منها سببًا يقضي وحده أثره: بل لابد معه من سبب آخر يشاركه. وجعل لها أسبابًا تضادها وتقاومها، بخلاف مشيئته سبحانه. فإنها لا تحتاج إلى أمر آخر. ولا في الأسباب الحادثة مايبطلها ويضادها، وإن كان الله سبحانه قد يبطل حكم مشيئته بمشيئته، فيشاء الأمر ثم يشاء ما يضاده ويمنع حصوله، وإلجميع بمشيئته واختياره، فلا يصح التوكل إلا عليه، ولا الالتجاء إلا إليه، ولا الخوف إلا منه، ولا الرجاء إلا له، ولا الطمع إلا في رحمته، كما قال أعرف الخلق به، ﷺ، «أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، وقال: «لا منجي ولا ملجأ منك إلا إليك».
فإذا جمعت بين هذا التوحيد وبين إثبات الأسباب: استقام قلبك على السير إلى الله. ووضح لك الطريق الأعظم الذي مضى عليه جميع رسل الله أنبيائه وأتباعهم. وهو الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم. وبالله التوفيق. وما سبق من علم الله وحكمه حق وهو لا ينافي إثبات الأسباب. ولا يقتضي إسقاطها، فإنه سبحانه قد علم وحكم: أن كذا وكذا يحدث بسبب كذا وكذا، فسيبق العلم والحكم بحصوله عن سببه. فإسقاط الأسباب خلاف موجب علمه وحكمه. فمن نظر إلى الحدوث بغير الأسباب: لم يكن نظره وشهوده = مطابقًا للحق، بل كان شهوده غَيّة، ونظره عمى. فإذا كان علم الله قد سبق بحدوث الأشياء بأسبابها. فكيف يشهد العبد الأمور بخلاف ماهي عليه في علمه وحكمه وخلقته وأمره؟
والعلل التي تنفي في الأسباب نوعان. أحدهما: الاعتماد عليها، والتوكل عليها، والثقة بها، ورجاؤها ونحوها. فهذا شرك يرق ويغلظ. وبين ذلك.
الثاني: ترك ما أمر الله به من الأسباب. وهذا أيضًا قد يكون كفرًا وظلمًا. وبين ذلك. على العبد أن يفعل ماأمره الله به من الأمر، ويتوكل على الله توكل من يعتقد أن الأمر كله بمشيئة الله. سبق به علمه وحكمه. وأن السبب لا يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، ولا يقضي ولا يحكم، ولا يحصل للعبد مالم تسبب له به المشيئة الإلهية. ولا يصرف عنه ماسبق به الحكم والعلم. فيأتي بالأسباب إيمانًا من لا يرى النجاة والفلاح والوصول إلا بها. ويتوكل على الله توكل من يرى أنها لا تنجيه، ولا تُحصِّل له فلاحًا، ولا توصله إلى المقصود عليها. فيجرد عزمه للقيام بها حرصًا واجتهادًا، ويُفرِّغ قلبه من الاعتماد عليها، والركون إليها. تجريدًا للتوكل، واعتمادًا على الله وحده. وقد جمع النبي، ﷺ، بين هذين الأصلين في الحديث الصحيح. حيث يقول «احرص على ماينفعك، واستعن بالله. ولا تعجِز» فأمره بالحرص على الأسباب، والاستعانة بالمسبب. ونهاه عن العجز. وهو نوعان. وهو نوعان: تقصير في الأسباب، وعدم الحرص عليها، وتقصير في الاستعانة بالله، وترك غيرهما. فالدين كله - ظاهره وباطنه، شرائعه وحقائقه - تحت هذه الكلمات النبوية. والله أعلم».
بسكرة السلفية
Photo
ثانيًا - الاستحاضةُ وأحكامُها:
الاستحاضةُ: سيلانُ الدمِ في غيرِ وقتهِ على سبيلِ النزيفِ من عرقٍ يسمى العاذلِ.
والمُسْتَحَاضَةُ أمرُها مُشكلٌ، لاشتباهِ دمِ الحيضِ بدمِ الاستحاضةِ.
فإذا كان الدم ينزل منها باستمرارٍ أو غالبَ الوقتِ، فما الذي تعتبرُه منه حيضًا وما الذي تعتبرُه استحاضةً لا تتركُ من أجلهِ الصومَ والصلاة، فإن المستحاضة يعتبر لها أحكام الطاهرات؟
وبناءً على ذلك، فإنَّ المستحاضةَ لها ثلاثُ حالاتٍ:
الحالةُ الأولى: أن تكونَ لها عادةٌ معروفةٌ لديها قبلَ إصابتها بالاستحاضةِ، بأن كانت قبلَ الاستحاضةِ تحيضُ خمسةَ أيامٍ أو ثمانيةَ أيامٍ - مثلاً - في أولِ الشهرِ أو وسطه، فتعرفُ عدَّتها ووقتها.
فهذه تجلسُ قدرَ عادتها وتدعُ الصلاةَ والصيامَ، وتُعتبر لها أحكامُ الحيضِ.
فإذا انتهت عادتُها، اغتسلت وصلَّت، واعتبرت الدمَ الباقي دمَ استحاضةٍ.
لقوله ﷺ لأمِّ حبيبةَ: «امكثي قدرَ ما كانت تحبسُكِ حيضتُكِ، ثم اغتسلي وصلِّي»(1)، رواه مسلم.
ولقوله ﷺ لفاطمةَ بنتِ أبي حُبيشٍ: «إنما ذلك عرقٌ، وليس بحيضٍ، فإذا أقبلت حيضتُكِ، فدعي الصلاةَ...». متفق عليه(2).
الحالةُ الثانيةُ: إذا لم يكن لها عادةٌ معروفةٌ، لكنَّ دمها متميزٌ. بعضه يحملُ صفةَ الحيضِ، بأن يكونَ أسودَ أو ثخينًا أو له رائحةٌ.
وبقيتُه لا يحملُ صفةَ الحيضِ، بأن يكونَ أحمرَ ليس له رائحةٌ ولا ثخينًا.
ففي هذه الحالةِ تعتبرُ الدمَ الذي يحملُ صفةَ الحيضِ حيضًا، فتجلسُ وتدعُ الصلاةَ والصيامَ.
وتعتبرُ ما عداهُ استحاضةً، تغتسلُ عند نهايةِ الذي يحملُ صفةَ الحيضِ، وتصلي وتصومُ، وتُعتبرُ طاهرًا؛ لقوله ﷺ لفاطمةَ بنتِ أبي حبيش: «إذا كان دمُ الحيضِ، فإنه أسودُ يُعرفُ، فأمسكي عن الصلاةِ، فإذا كان الآخرُ، فتوضئي وصلي...». رواه أبو داود والنسائيُّ، وصححه ابنُ حبانَ والحاكمُ(1).
ففيه أنَّ المُسْتَحَاضةَ تُغيِّرُ صفةَ الدمِ، فتميزُ بها بينَ الحيضِ وغيره.
الحالةُ الثالثةُ: إذا لم يكن لها عادةٌ تعرفُها ولا صفةٌ تميزُ بها الحيضَ من غيره. فإنها تجلسُ غالبَ الحيضِ ستةَ أيامٍ أو سبعةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ؛ لأن هذه عادةُ غالبِ النساءِ؛ لقوله ﷺ لحمنةَ بنتِ جحشٍ: «إنما هي رَكضةٌ من الشيطانِ، فتحيضي ستةَ أيامٍ أو سبعةَ أيامٍ ثم اغتسلي، فإذا استنقأتِ فصلي أربعةً وعشرينَ أو ثلاثةً وعشرينَ، وصومي وصلِّي، فإن ذلك يُجزئُكِ، وكذلك فافعلي كما تحيضُ النساءُ»، رواه الخمسةُ، وصححه الترمذيُّ(2)
والحاصلُ مما سبقَ:
أنَّ المُعتادةَ تردُّ إلى عادتها، والمميزةُ تردُّ إلى العملِ بالتمييزِ، والفاقدةُ لهما تحيضُ ستًا أو سبعًا.
وفي هذا جمعٌ بين السُّنَنِ الثلاثِ الواردةِ عن النبيِّ ﷺ في المُستَحَاضةِ.
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمه الله: (والعلاماتُ التي قيلَ بها ستٌّ: إما العادةُ، فإن العادةَ أقوى العلاماتِ؛ لأنَّ الأصلَ مقامُ الحيضِ دون غيره.
وإما التمييزُ، لأنَّ الدمَ الأسودَ والثخينَ المنتنَ أولى أن يكونَ حيضًا من الأحمرِ.
وإما اعتبارُ غالبِ عادةِ النساءِ؛ لأنَّ الأصلَ إلحاقُ الفردِ بالأعمِ الأغلبِ.
فهذه العلاماتُ الثلاثُ تدلُّ عليها السنةُ والاعتبار...)(1)، ثم ذكر بقية العلاماتِ التي قيلَ بها.
وقال في نهاية كلامه: (وأصوبُ الأقوالِ اعتبارُ العلاماتِ التي جاءتْ بها السنةُ، وإلغاءُ ما سوى ذلك)(2). انتهى.
ما يلزمُ المُسْتَحَاضةَ في حالِ الحُكمِ بطهارتِها:
1 - يجبُ عليها أن تغتسلَ عند نهايةِ حيضتِها المُعتبرةِ حسبما سبقَ بيانُه.
2 - تغسلُ فرجَها لإزالةِ ما عليه من الخارجِ عندَ كلِّ صلاةٍ، وتجعلُ في المخرجِ قطنًا ونحوه يمنعُ الخارجَ، وتشدُّ عليه ما يُمسكُه عن السقوطِ، ثم تتوضأُ عند دخولِ وقتِ كلِّ صلاةٍ.
لقوله ﷺ في المستحاضةِ: «تدعُ الصلاةَ أيامَ أقرائها، ثم تغتسلُ وتتوضأُ عندَ كلِّ صلاةٍ»، رواه أبو داود وابنُ ماجه والترمذيُّ وقال: «حديثٌ حسنٌ»(1).
وقال ﷺ: «أنعتُ لكِ الكُرسُفَ، فإنه يذهب الدمَ»(2)، والكُرسُفُ القطنُ.
ويمكنُ استعمالُ الحفائظِ الطبيةِ الموجودةِ الآن.
الملخص الفقهي للعلامة صالح الفوزان حفظه الله
_____
(1) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام، 23/235].
(1) أخرجه مسلم من حديث عائشة (757) [2/249].
(2) متفق عليه من حديث عائشة: البخاري (228) [1/432] واللفظ له؛ ومسلم
(1) أخرجه: أبو داود (286) [1/143]؛ والنسائي (215) [1/133] واللفظ له؛ وابن حبان (1348) [4/18]؛ والحاكم (620) [1/298].
(2) أخرجه: أحمد (27463) [6/489]؛ وأبو داود (287) [1/144]؛ والترمذي (128) [1/221]؛ وابن ماجه (627) [1/247]. وأخرجه النسائي من قصة أم حبيبة، وفيه: «ركضة من الرحم» (354) [1/201].
(1) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام، 21/630].
(2) المصدر السابق.
الاستحاضةُ: سيلانُ الدمِ في غيرِ وقتهِ على سبيلِ النزيفِ من عرقٍ يسمى العاذلِ.
والمُسْتَحَاضَةُ أمرُها مُشكلٌ، لاشتباهِ دمِ الحيضِ بدمِ الاستحاضةِ.
فإذا كان الدم ينزل منها باستمرارٍ أو غالبَ الوقتِ، فما الذي تعتبرُه منه حيضًا وما الذي تعتبرُه استحاضةً لا تتركُ من أجلهِ الصومَ والصلاة، فإن المستحاضة يعتبر لها أحكام الطاهرات؟
وبناءً على ذلك، فإنَّ المستحاضةَ لها ثلاثُ حالاتٍ:
الحالةُ الأولى: أن تكونَ لها عادةٌ معروفةٌ لديها قبلَ إصابتها بالاستحاضةِ، بأن كانت قبلَ الاستحاضةِ تحيضُ خمسةَ أيامٍ أو ثمانيةَ أيامٍ - مثلاً - في أولِ الشهرِ أو وسطه، فتعرفُ عدَّتها ووقتها.
فهذه تجلسُ قدرَ عادتها وتدعُ الصلاةَ والصيامَ، وتُعتبر لها أحكامُ الحيضِ.
فإذا انتهت عادتُها، اغتسلت وصلَّت، واعتبرت الدمَ الباقي دمَ استحاضةٍ.
لقوله ﷺ لأمِّ حبيبةَ: «امكثي قدرَ ما كانت تحبسُكِ حيضتُكِ، ثم اغتسلي وصلِّي»(1)، رواه مسلم.
ولقوله ﷺ لفاطمةَ بنتِ أبي حُبيشٍ: «إنما ذلك عرقٌ، وليس بحيضٍ، فإذا أقبلت حيضتُكِ، فدعي الصلاةَ...». متفق عليه(2).
الحالةُ الثانيةُ: إذا لم يكن لها عادةٌ معروفةٌ، لكنَّ دمها متميزٌ. بعضه يحملُ صفةَ الحيضِ، بأن يكونَ أسودَ أو ثخينًا أو له رائحةٌ.
وبقيتُه لا يحملُ صفةَ الحيضِ، بأن يكونَ أحمرَ ليس له رائحةٌ ولا ثخينًا.
ففي هذه الحالةِ تعتبرُ الدمَ الذي يحملُ صفةَ الحيضِ حيضًا، فتجلسُ وتدعُ الصلاةَ والصيامَ.
وتعتبرُ ما عداهُ استحاضةً، تغتسلُ عند نهايةِ الذي يحملُ صفةَ الحيضِ، وتصلي وتصومُ، وتُعتبرُ طاهرًا؛ لقوله ﷺ لفاطمةَ بنتِ أبي حبيش: «إذا كان دمُ الحيضِ، فإنه أسودُ يُعرفُ، فأمسكي عن الصلاةِ، فإذا كان الآخرُ، فتوضئي وصلي...». رواه أبو داود والنسائيُّ، وصححه ابنُ حبانَ والحاكمُ(1).
ففيه أنَّ المُسْتَحَاضةَ تُغيِّرُ صفةَ الدمِ، فتميزُ بها بينَ الحيضِ وغيره.
الحالةُ الثالثةُ: إذا لم يكن لها عادةٌ تعرفُها ولا صفةٌ تميزُ بها الحيضَ من غيره. فإنها تجلسُ غالبَ الحيضِ ستةَ أيامٍ أو سبعةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ؛ لأن هذه عادةُ غالبِ النساءِ؛ لقوله ﷺ لحمنةَ بنتِ جحشٍ: «إنما هي رَكضةٌ من الشيطانِ، فتحيضي ستةَ أيامٍ أو سبعةَ أيامٍ ثم اغتسلي، فإذا استنقأتِ فصلي أربعةً وعشرينَ أو ثلاثةً وعشرينَ، وصومي وصلِّي، فإن ذلك يُجزئُكِ، وكذلك فافعلي كما تحيضُ النساءُ»، رواه الخمسةُ، وصححه الترمذيُّ(2)
والحاصلُ مما سبقَ:
أنَّ المُعتادةَ تردُّ إلى عادتها، والمميزةُ تردُّ إلى العملِ بالتمييزِ، والفاقدةُ لهما تحيضُ ستًا أو سبعًا.
وفي هذا جمعٌ بين السُّنَنِ الثلاثِ الواردةِ عن النبيِّ ﷺ في المُستَحَاضةِ.
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمه الله: (والعلاماتُ التي قيلَ بها ستٌّ: إما العادةُ، فإن العادةَ أقوى العلاماتِ؛ لأنَّ الأصلَ مقامُ الحيضِ دون غيره.
وإما التمييزُ، لأنَّ الدمَ الأسودَ والثخينَ المنتنَ أولى أن يكونَ حيضًا من الأحمرِ.
وإما اعتبارُ غالبِ عادةِ النساءِ؛ لأنَّ الأصلَ إلحاقُ الفردِ بالأعمِ الأغلبِ.
فهذه العلاماتُ الثلاثُ تدلُّ عليها السنةُ والاعتبار...)(1)، ثم ذكر بقية العلاماتِ التي قيلَ بها.
وقال في نهاية كلامه: (وأصوبُ الأقوالِ اعتبارُ العلاماتِ التي جاءتْ بها السنةُ، وإلغاءُ ما سوى ذلك)(2). انتهى.
ما يلزمُ المُسْتَحَاضةَ في حالِ الحُكمِ بطهارتِها:
1 - يجبُ عليها أن تغتسلَ عند نهايةِ حيضتِها المُعتبرةِ حسبما سبقَ بيانُه.
2 - تغسلُ فرجَها لإزالةِ ما عليه من الخارجِ عندَ كلِّ صلاةٍ، وتجعلُ في المخرجِ قطنًا ونحوه يمنعُ الخارجَ، وتشدُّ عليه ما يُمسكُه عن السقوطِ، ثم تتوضأُ عند دخولِ وقتِ كلِّ صلاةٍ.
لقوله ﷺ في المستحاضةِ: «تدعُ الصلاةَ أيامَ أقرائها، ثم تغتسلُ وتتوضأُ عندَ كلِّ صلاةٍ»، رواه أبو داود وابنُ ماجه والترمذيُّ وقال: «حديثٌ حسنٌ»(1).
وقال ﷺ: «أنعتُ لكِ الكُرسُفَ، فإنه يذهب الدمَ»(2)، والكُرسُفُ القطنُ.
ويمكنُ استعمالُ الحفائظِ الطبيةِ الموجودةِ الآن.
الملخص الفقهي للعلامة صالح الفوزان حفظه الله
_____
(1) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام، 23/235].
(1) أخرجه مسلم من حديث عائشة (757) [2/249].
(2) متفق عليه من حديث عائشة: البخاري (228) [1/432] واللفظ له؛ ومسلم
(1) أخرجه: أبو داود (286) [1/143]؛ والنسائي (215) [1/133] واللفظ له؛ وابن حبان (1348) [4/18]؛ والحاكم (620) [1/298].
(2) أخرجه: أحمد (27463) [6/489]؛ وأبو داود (287) [1/144]؛ والترمذي (128) [1/221]؛ وابن ماجه (627) [1/247]. وأخرجه النسائي من قصة أم حبيبة، وفيه: «ركضة من الرحم» (354) [1/201].
(1) [مجموع فتاوى شيخ الإسلام، 21/630].
(2) المصدر السابق.
بسكرة السلفية
Photo
ثالثًا - النِّفَاسُ وأَحْكَامُهُ:
والنِّفَاسُ كالحَيْضِ فيما يَحِلُّ كالاستمتاعِ منها بِمَا دونَ الفَرجِ. وفيما يحرم: كالوطء في الفرج، ومنع الصوم، والصلاة، والطلاق، والطواف، وقراءة القرآن، واللبث في المسجد، وفي وجوب
الغسل على النفساء عند انقطاع دمها كالحائض.
ويجب عليها أن تقضي الصيام دون الصلاة فلا تقضيها كالحائض.
والنفاس دم ترخيه الرحم للولادة وبعدها، وهو بقية الدم الذي
احتبس في مدة الحمل.
وأكثر مدته عند الجمهور أربعون يومًا.
قال الترمذي: (أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين
ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا، إلا أن ترى الطهر
قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي)(١) اهـ.
فإذا انقطع دم النفساء قبل الأربعين، فقد انتهى نفاسها، فتغتسل
وتصلي وتزاول ما منعت منه بسبب النفاس.
وإذا ألقت الحامل ما تبين فيه خلق إنسان - بأن كان فيه تخطيط
وصار معها دم بعد نزوله - فلها أحكام النفساء، والمدة التي يتبين فيها
خلق الإنسان في الحمل ثلاثة أشهر غالبًا، وأقلها واحد وثمانون يومًا، وإن
ألقت علقة أو مضغة - لم يتبين فيها تخطيط إنسان - لم تعتبر ما ينزل
بعدها من الدم نفاسًا؛ فلا تترك الصلاة ولا الصيام، وليست لها أحكام
النفاس.
تنبيه مهم:
وهنا مسألة يجب التنبيه عليها، وهي أن البعض من النساء قد تتناول دواء لمنع نزول دم الحيض حتى تتمكن من صيام رمضان أو أداء الحج.
فإن كانت هذه الحبوب لمنع نزول الدم مدة ولا تقطعه، فلا بأس
بتناولها.
وإن كانت تقطع الحيض قطعًا مؤبدًا؛ فهذا لا يجوز إلا بإذن الزوج؛
لأن هذا يترتب عليه قطع النسل.
هذه جمل من أحكام الحيض، مررنا عليها مرورًا سريعًا، وتفاصيلها
تحتاج إلى وقت طويل، لكن يجب على من أشكل عليه شيء منها أو من
غيرها أن يسأل العلماء، فسيجد عندهم إن شاء الله ما يزيل إشكاله، وبالله
التوفيق.
الملخص الفقهي للعلامة صالح الفوزان حفظه الله
__
(١) أخرجه من حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده: أبو داود (٢٩٧)
[١٥١/١]؛ والترمذي (١٢٦) [٢٢٠/١]، واللفظ له؛ وابن ماجه (٦٢٥)
[٣٤٦/١].
(٢) أخرجه من حديث حمنة بنت جحش: أحمد (٢٧٤٦٣) [٤٢٩/٦]؛ وأبو داود
(٢٨٧) [١٤٤/١]؛ والترمذي (١٢٨) [٢٢١/١]؛ وابن ماجه (٦٢٢)
[٣٤٤/١].
(١) سنن الترمذي (٢٥٨/١).
والنِّفَاسُ كالحَيْضِ فيما يَحِلُّ كالاستمتاعِ منها بِمَا دونَ الفَرجِ. وفيما يحرم: كالوطء في الفرج، ومنع الصوم، والصلاة، والطلاق، والطواف، وقراءة القرآن، واللبث في المسجد، وفي وجوب
الغسل على النفساء عند انقطاع دمها كالحائض.
ويجب عليها أن تقضي الصيام دون الصلاة فلا تقضيها كالحائض.
والنفاس دم ترخيه الرحم للولادة وبعدها، وهو بقية الدم الذي
احتبس في مدة الحمل.
وأكثر مدته عند الجمهور أربعون يومًا.
قال الترمذي: (أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين
ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا، إلا أن ترى الطهر
قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي)(١) اهـ.
فإذا انقطع دم النفساء قبل الأربعين، فقد انتهى نفاسها، فتغتسل
وتصلي وتزاول ما منعت منه بسبب النفاس.
وإذا ألقت الحامل ما تبين فيه خلق إنسان - بأن كان فيه تخطيط
وصار معها دم بعد نزوله - فلها أحكام النفساء، والمدة التي يتبين فيها
خلق الإنسان في الحمل ثلاثة أشهر غالبًا، وأقلها واحد وثمانون يومًا، وإن
ألقت علقة أو مضغة - لم يتبين فيها تخطيط إنسان - لم تعتبر ما ينزل
بعدها من الدم نفاسًا؛ فلا تترك الصلاة ولا الصيام، وليست لها أحكام
النفاس.
تنبيه مهم:
وهنا مسألة يجب التنبيه عليها، وهي أن البعض من النساء قد تتناول دواء لمنع نزول دم الحيض حتى تتمكن من صيام رمضان أو أداء الحج.
فإن كانت هذه الحبوب لمنع نزول الدم مدة ولا تقطعه، فلا بأس
بتناولها.
وإن كانت تقطع الحيض قطعًا مؤبدًا؛ فهذا لا يجوز إلا بإذن الزوج؛
لأن هذا يترتب عليه قطع النسل.
هذه جمل من أحكام الحيض، مررنا عليها مرورًا سريعًا، وتفاصيلها
تحتاج إلى وقت طويل، لكن يجب على من أشكل عليه شيء منها أو من
غيرها أن يسأل العلماء، فسيجد عندهم إن شاء الله ما يزيل إشكاله، وبالله
التوفيق.
الملخص الفقهي للعلامة صالح الفوزان حفظه الله
__
(١) أخرجه من حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده: أبو داود (٢٩٧)
[١٥١/١]؛ والترمذي (١٢٦) [٢٢٠/١]، واللفظ له؛ وابن ماجه (٦٢٥)
[٣٤٦/١].
(٢) أخرجه من حديث حمنة بنت جحش: أحمد (٢٧٤٦٣) [٤٢٩/٦]؛ وأبو داود
(٢٨٧) [١٤٤/١]؛ والترمذي (١٢٨) [٢٢١/١]؛ وابن ماجه (٦٢٢)
[٣٤٤/١].
(١) سنن الترمذي (٢٥٨/١).
بسكرة السلفية
Photo
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾(١) الآية.
قوله: «أرأيتم» أي: أخبروني، وهذا تفسير باللازم، لأن من رأى أخبر، وإلا فهي استفهام عن رؤية قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾(٣) أي: أخبرني ما حال من كذّب بالدين؟ وهي تنصب مفعولين: الأول: مفرد، والثاني: جملة استفهامية.
قوله: «ما» المفعول الأول لرأيتم، والمفعول الثاني جملة: «إن أرادني الله بضر».
قوله: ﴿تَدْعُونَ﴾ المراد بالدعاء دعاء العبادة، ودعاء المسألة، فهم يدعون هذه الأصنام دعاء عبادة، فيتعبّدون لها بالنذر، والذبح، والرّكوع والسجود، ودعاء مسألة أيضًا.
فالله سبحانه إذا أراد بعبده ضرًّا لا تستطيع أن تكشفه، وإن أراده برحمة لا تستطيع أن تكشف الرحمة عنه، فهي لا تكشف الضر، ولا تمنع النفع فلماذا تعبد؟!
والعرب كانوا إذا نزلوا بأرض طلبوا أربعة أحجار ثلاثة للقدر، والرابع ربًّا يعبدوه.
ومنهم من يصنع ربه من التمر، فإذا جاع قال أطعموني، فلم يطعمه أكله!!
قوله: ﴿كَاشِفَاتُ﴾ يشمل الدفع، والرد، فهي لا تكشف الضر بدفعه، وإبعاده، ولا تكشفه برفعه، وإزالته.
قوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أي: كافيني، والحسب الكفاية، ومنه قوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾(١) من الحسب، وهو الكفاية.
وحسبي: مبتدأ، والله: خبر، وهذا أبلغ.
وقيل: العكس، والراجح الأوّل من وجهين:
الأول: أنّ الأصل عدم التقديم والتأخير.
الثاني: أن قولك: حسبي الله فيه حصر فهو كقولك: لا حسب لي إلا الله بخلاف قولك الله حسبي، فليس فيه حصر فهو كقولك: الله حسبي أنا فقط.
قوله: ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. قدّم الجار والمجرور لإفادة الحصر، لأنّ تقديم ما حقّه التأخير يفيد الحصر.
والمعنى: أنّ المتوكّل حقيقة هو المتوكل على الله، أمّا الذي يتوكل على الأصنام، والأولياء، والأضرحة، فليس بمتوكل.
عن عمران بن حُصين رضي الله عنه: أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حَلْقَةٌ من صُفْرٍ، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو متّ وهي عليك ما أفلحت أبدًا». رواه أحمد بسند لا بأس به(١).
وهذا لا ينافي أن يوكّل الإنسان إنسانًا في شيء، ويعتمد عليه، لأن هناك فرقًا بين التوكل على الإنسان الذي يفعل لك شيئًا بأمرك، وبين توكلك على الله، لأنّ توكلك على الله اعتقادك أنّ بيده النفع والضر، وأنك متذلل معتمد عليه، مفتقر إليه.
الشاهد من هذه الآية: أن هذه الأصنام لا تنفع أصحابها لا بجلب نفع، ولا بدفع ضر، فليست أسبابًا لذلك، فيقاس عليها كل ما ليس بسبب شرعي أو قدري، فيعتبر اتخاذه سببًا إشراكًا بالله.
وهذا يدل على حذق المؤلف، رحمه الله، وقوّة استنباطه، وإلا فالآية بلا شكّ في الشرك الأكبر، الذي تعبد فيه الأصنام، ولكن القياس واضح جدًّا، لأنّ هذه الأصنام ليست أسبابًا تنفع فيقاس عليها كل ما ليس بسبب، فيعتبر إشراكًا بالله.
هذا الحديث مناسب للباب مناسبة تامة لأنه هذا الرجل لبس حلقة من صفر لدفع البلاء أو لرفعه.
القول المفيد على كتاب التوحيد شرح العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
_
(١) سورة الزمر، الآية: ٣٨.
(٢) قال الشيخ عبدالعزيز بن باز في فتاويه ٢ / ٣٨٤: «عن التمائم إذا كانت من أسماء الشياطين، أو العظام، أو الخرز، أو المسامير، أو الطلاسم وهي الحروف المقطعة وأشباه ذلك من الشرك الأصغر، وقد تكون شركاً أكبر إذا اعتقد معلّق التميمة أنها تحفظه أو تكشف عنه المرض أو تدفع عنه الضرر دون إذن الله تعالى ومشيئته».
(٣) سورة الماعون، الآية: ١.
(١) سورة النبأ، الآية: ٣٦.
(١) رواه أحمد ٤ / ٤٤٥ واللفظ له، وابن ماجه كتاب الطب/ باب تعليق التمائم ٢ / ١١٩٧ وليس فيه: «فإنك لو مت... إلخ» وفي الزوائد: «إسناده حسن، لأن مبارك هذا هو ابن فضالة»، ورواه ابن حبان أيضًا برقم (١٤١٠) بلفظ: «إنك إن متّ وهي عليك وكلت إليها».
ومن طريق أبي عامر الخزاز عن الحسن عن عمران بنحوه رواه ابن حبان برقم (١٤١١) والحاكم ٤ / ٢١٦، وصححه ووافقه الذهبي.
قوله: «أرأيتم» أي: أخبروني، وهذا تفسير باللازم، لأن من رأى أخبر، وإلا فهي استفهام عن رؤية قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾(٣) أي: أخبرني ما حال من كذّب بالدين؟ وهي تنصب مفعولين: الأول: مفرد، والثاني: جملة استفهامية.
قوله: «ما» المفعول الأول لرأيتم، والمفعول الثاني جملة: «إن أرادني الله بضر».
قوله: ﴿تَدْعُونَ﴾ المراد بالدعاء دعاء العبادة، ودعاء المسألة، فهم يدعون هذه الأصنام دعاء عبادة، فيتعبّدون لها بالنذر، والذبح، والرّكوع والسجود، ودعاء مسألة أيضًا.
فالله سبحانه إذا أراد بعبده ضرًّا لا تستطيع أن تكشفه، وإن أراده برحمة لا تستطيع أن تكشف الرحمة عنه، فهي لا تكشف الضر، ولا تمنع النفع فلماذا تعبد؟!
والعرب كانوا إذا نزلوا بأرض طلبوا أربعة أحجار ثلاثة للقدر، والرابع ربًّا يعبدوه.
ومنهم من يصنع ربه من التمر، فإذا جاع قال أطعموني، فلم يطعمه أكله!!
قوله: ﴿كَاشِفَاتُ﴾ يشمل الدفع، والرد، فهي لا تكشف الضر بدفعه، وإبعاده، ولا تكشفه برفعه، وإزالته.
قوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أي: كافيني، والحسب الكفاية، ومنه قوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾(١) من الحسب، وهو الكفاية.
وحسبي: مبتدأ، والله: خبر، وهذا أبلغ.
وقيل: العكس، والراجح الأوّل من وجهين:
الأول: أنّ الأصل عدم التقديم والتأخير.
الثاني: أن قولك: حسبي الله فيه حصر فهو كقولك: لا حسب لي إلا الله بخلاف قولك الله حسبي، فليس فيه حصر فهو كقولك: الله حسبي أنا فقط.
قوله: ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. قدّم الجار والمجرور لإفادة الحصر، لأنّ تقديم ما حقّه التأخير يفيد الحصر.
والمعنى: أنّ المتوكّل حقيقة هو المتوكل على الله، أمّا الذي يتوكل على الأصنام، والأولياء، والأضرحة، فليس بمتوكل.
عن عمران بن حُصين رضي الله عنه: أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حَلْقَةٌ من صُفْرٍ، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا، فإنك لو متّ وهي عليك ما أفلحت أبدًا». رواه أحمد بسند لا بأس به(١).
وهذا لا ينافي أن يوكّل الإنسان إنسانًا في شيء، ويعتمد عليه، لأن هناك فرقًا بين التوكل على الإنسان الذي يفعل لك شيئًا بأمرك، وبين توكلك على الله، لأنّ توكلك على الله اعتقادك أنّ بيده النفع والضر، وأنك متذلل معتمد عليه، مفتقر إليه.
الشاهد من هذه الآية: أن هذه الأصنام لا تنفع أصحابها لا بجلب نفع، ولا بدفع ضر، فليست أسبابًا لذلك، فيقاس عليها كل ما ليس بسبب شرعي أو قدري، فيعتبر اتخاذه سببًا إشراكًا بالله.
وهذا يدل على حذق المؤلف، رحمه الله، وقوّة استنباطه، وإلا فالآية بلا شكّ في الشرك الأكبر، الذي تعبد فيه الأصنام، ولكن القياس واضح جدًّا، لأنّ هذه الأصنام ليست أسبابًا تنفع فيقاس عليها كل ما ليس بسبب، فيعتبر إشراكًا بالله.
هذا الحديث مناسب للباب مناسبة تامة لأنه هذا الرجل لبس حلقة من صفر لدفع البلاء أو لرفعه.
القول المفيد على كتاب التوحيد شرح العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
_
(١) سورة الزمر، الآية: ٣٨.
(٢) قال الشيخ عبدالعزيز بن باز في فتاويه ٢ / ٣٨٤: «عن التمائم إذا كانت من أسماء الشياطين، أو العظام، أو الخرز، أو المسامير، أو الطلاسم وهي الحروف المقطعة وأشباه ذلك من الشرك الأصغر، وقد تكون شركاً أكبر إذا اعتقد معلّق التميمة أنها تحفظه أو تكشف عنه المرض أو تدفع عنه الضرر دون إذن الله تعالى ومشيئته».
(٣) سورة الماعون، الآية: ١.
(١) سورة النبأ، الآية: ٣٦.
(١) رواه أحمد ٤ / ٤٤٥ واللفظ له، وابن ماجه كتاب الطب/ باب تعليق التمائم ٢ / ١١٩٧ وليس فيه: «فإنك لو مت... إلخ» وفي الزوائد: «إسناده حسن، لأن مبارك هذا هو ابن فضالة»، ورواه ابن حبان أيضًا برقم (١٤١٠) بلفظ: «إنك إن متّ وهي عليك وكلت إليها».
ومن طريق أبي عامر الخزاز عن الحسن عن عمران بنحوه رواه ابن حبان برقم (١٤١١) والحاكم ٤ / ٢١٦، وصححه ووافقه الذهبي.
بسكرة السلفية
Photo
عن عمران بن حصين رضي الله عنه: أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، فقال:
انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً. رواه أحمد بسند لا بأس به(١).
هذا الحديث مناسب للباب مناسبة تامة لأنه هذا الرجل لبس حلقة من صفر لدفع البلاء أو لرفعه.
والظاهر: أنه رفعه لقوله: «لا تزيدك إلا وهناً» والزيادة تكون مبنية على أصل.
ففي هذا الحديث دليل على عدة فوائد:
١ - أنه ينبغي لمن أراد إنكار المنكر أن يسأل أولاً عن الحال لأنه قد يظن ما ليس بمنكر منكراً، ودليله أن الرسول ﷺ قال: «ما هذه».
والاستفهام هنا للاستسلام فيما يظهر وليس للإنكار وقول الرجل (من الواهنة) من السببية أي: لبستها بسبب الواهنة وهي مرض يوهن الإنسان ويضعفه قد يكون في الجسم كله، وقد يكون في بعض الأعضاء.
٢ - وجوب إزالة المنكر لقوله: «انزعها» فأمره بنزعها لأن لبسها منكر وأيد ذلك بقوله: «إنها لا تزيدك إلا وهناً» أي: في النفس لا في الجسم وربما تزيده وهنا في الجسم، أما وهن النفس فلأن الإنسان إذا تعلقت نفسه بهذه الأمور ضعفت واعتمدت عليها ونسيت الاعتماد على الله - عز وجل - والانفعال النفسي له أثر كبير في إضعاف الإنسان فأحياناً يتوهم الصحيح أنه مريض فيمرض وأحياناً يتناسى الإنسان المرض وهو مريض فيصبح صحيحاً فانفعال النفس بالشيء له أثر بالغ، ولهذا تجد بعض الذين يصابون بالأمراض النفسية يكون أصل إصابتهم ضعف النفس من أول الأمر حتى يظن الإنسان أنه مريض بكذا أو بكذا فيزداد عليه الوهم حتى يصبح الوهم حقيقة.
فهذا الذي لبس الحلقة من الواهنة، لا تزيده إلا وهناً، لأنه سوف يعتقد أنها ما دامت عليه فهو سالم فإذا نزعها عاد عليه الوهن وهذا بلا شك ضعف في النفس.
٣ - أن الأسباب التي لا أثر لها بمقتضى الشرع أو العادة أو التجربة لا ينتفع بها الإنسان.
٤ - أن لبس الحلقة وشبهها لدفع البلاء أو رفعه من الشرك لقوله: «لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً» وانتفاء الفلاح دليل على الخيبة والخسران.
ولكن هل هذا شرك أكبر أو أصغر.
سبق لنا عند الترجمة أنه يختلف بحسب اعتقاد صاحبه.
٥ - أن الأعمال بالخواتيم لقوله: «لو مت وهي عليك» فعرف أنه لو أقلع عنها قبل الموت لم تضره، لأن الإنسان إذا تاب قبل أن يموت صار كمن لا ذنب له.
القول المفيد على كتاب التوحيد شرح العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
_
(١) رواه أحمد ٤/٤٤٥ واللفظ له، وابن ماجه كتاب الطب/ باب تعليق التمائم ٢/١١٦٧ وليس فيه: «فإنك لو مت... إلخ. وفي الزوائد: «إسناده حسن، لأن مبارك هذا هو ابن فضالة»، ورواه ابن حبان أيضاً برقم (١٤١٠) بلفظ: «إنك إن مت وهي عليك وكلت إليها».
ومن طريق أبي عامر الخزاز عن الحسن عن عمران بنحوه رواه ابن حبان برقم (١٤١١) والحاكم ٤/٢١٦، وصححه ووافقه الذهبي.
انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً. رواه أحمد بسند لا بأس به(١).
هذا الحديث مناسب للباب مناسبة تامة لأنه هذا الرجل لبس حلقة من صفر لدفع البلاء أو لرفعه.
والظاهر: أنه رفعه لقوله: «لا تزيدك إلا وهناً» والزيادة تكون مبنية على أصل.
ففي هذا الحديث دليل على عدة فوائد:
١ - أنه ينبغي لمن أراد إنكار المنكر أن يسأل أولاً عن الحال لأنه قد يظن ما ليس بمنكر منكراً، ودليله أن الرسول ﷺ قال: «ما هذه».
والاستفهام هنا للاستسلام فيما يظهر وليس للإنكار وقول الرجل (من الواهنة) من السببية أي: لبستها بسبب الواهنة وهي مرض يوهن الإنسان ويضعفه قد يكون في الجسم كله، وقد يكون في بعض الأعضاء.
٢ - وجوب إزالة المنكر لقوله: «انزعها» فأمره بنزعها لأن لبسها منكر وأيد ذلك بقوله: «إنها لا تزيدك إلا وهناً» أي: في النفس لا في الجسم وربما تزيده وهنا في الجسم، أما وهن النفس فلأن الإنسان إذا تعلقت نفسه بهذه الأمور ضعفت واعتمدت عليها ونسيت الاعتماد على الله - عز وجل - والانفعال النفسي له أثر كبير في إضعاف الإنسان فأحياناً يتوهم الصحيح أنه مريض فيمرض وأحياناً يتناسى الإنسان المرض وهو مريض فيصبح صحيحاً فانفعال النفس بالشيء له أثر بالغ، ولهذا تجد بعض الذين يصابون بالأمراض النفسية يكون أصل إصابتهم ضعف النفس من أول الأمر حتى يظن الإنسان أنه مريض بكذا أو بكذا فيزداد عليه الوهم حتى يصبح الوهم حقيقة.
فهذا الذي لبس الحلقة من الواهنة، لا تزيده إلا وهناً، لأنه سوف يعتقد أنها ما دامت عليه فهو سالم فإذا نزعها عاد عليه الوهن وهذا بلا شك ضعف في النفس.
٣ - أن الأسباب التي لا أثر لها بمقتضى الشرع أو العادة أو التجربة لا ينتفع بها الإنسان.
٤ - أن لبس الحلقة وشبهها لدفع البلاء أو رفعه من الشرك لقوله: «لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً» وانتفاء الفلاح دليل على الخيبة والخسران.
ولكن هل هذا شرك أكبر أو أصغر.
سبق لنا عند الترجمة أنه يختلف بحسب اعتقاد صاحبه.
٥ - أن الأعمال بالخواتيم لقوله: «لو مت وهي عليك» فعرف أنه لو أقلع عنها قبل الموت لم تضره، لأن الإنسان إذا تاب قبل أن يموت صار كمن لا ذنب له.
القول المفيد على كتاب التوحيد شرح العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
_
(١) رواه أحمد ٤/٤٤٥ واللفظ له، وابن ماجه كتاب الطب/ باب تعليق التمائم ٢/١١٦٧ وليس فيه: «فإنك لو مت... إلخ. وفي الزوائد: «إسناده حسن، لأن مبارك هذا هو ابن فضالة»، ورواه ابن حبان أيضاً برقم (١٤١٠) بلفظ: «إنك إن مت وهي عليك وكلت إليها».
ومن طريق أبي عامر الخزاز عن الحسن عن عمران بنحوه رواه ابن حبان برقم (١٤١١) والحاكم ٤/٢١٦، وصححه ووافقه الذهبي.
بسكرة السلفية
Photo
بَابٌ
في وُجُوبِ الصَّلواتِ الخَمْسِ
الصَّلاةُ هي آكدُ أركانِ الإسلامِ بعدَ الشَّهادتَينِ، وقد شُرِعَتْ على أكملِ وجوهِ العبادةِ وأحسنِها.
وقد تضمَّنَتْ هذه الصلاةُ كثيرًا من أنواعِ العِبادةِ:
من ذِكرٍ للَّه، وتلاوةٍ لكتابه، وقيامٍ بين يدي الله، وركوعٍ، وسجودٍ، ودعاءٍ، وتسبيحٍ، وتكبيرٍ.
وهي رأسُ العباداتِ البدنيَّةِ، ولم تخلُ منها شريعةُ رسولٍ من رُسُلِ اللَّهِ عليهم الصَّلاة والسَّلام.
وقد فرضها اللَّهُ على نبيِّه محمدٍ ﷺ خاتمِ الرُّسلِ ليلةَ المعراجِ في السماءِ (١)، بخلافِ سائرِ الشَّرائعِ؛ فدلَّ ذلك على عِظَمِها وتأكُّدِ وجوبِها ومكانتِها عندَ اللَّهِ. وقد جاءَ في فضلِها ووجوبِها على الأعيانِ أحاديثُ كثيرةٌ، وفرضيَّتُها معلومةٌ من دينِ الإسلامِ بالضرورةِ؛ فمن جحدها، فقد ارتدَّ عن دينِ الإسلامِ، يستتابُ، فإن تابَ وإلَّا قُتِلَ بإجماعِ المسلمينَ.
والصَّلاةُ في اللغةِ: الدعاءُ، قال الله تعالى: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة/ ١٠٣] أي: ادعُ لهم...
ومعناها في الشَّرعِ: أقوالٌ وأفعالٌ مخصوصةٌ مُفتتَحةٌ بالتكبيرِ مُختتَمةٌ بالتسليمِ، سُمِّيَتْ بذلك لاشتمالِها على الدعاءِ، فالمصلِّي لا ينفكُّ عن دعاءِ عبادةٍ أو ثناءٍ أو طلبٍ، فلذلك سُمِّيَتْ صلاةً.
وقد فُرِضَتْ ليلةَ الإسراءِ قبلَ الهجرةِ خمسُ صلواتٍ في اليومِ والليلةِ بدخولِ أوقاتِها على كلِّ مسلمٍ مُكلَّفٍ.
قال تعالى: ﴿ ... إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء/ ١٠٣].
أي: مفروضًا في الأوقاتِ التي بيَّنها رسولُ اللَّهِ ﷺ بقولِه وبفعلِه.
وقال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ... ﴾ [البينة/ ٥].
وقال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ [البقرة/ ٤٣]؛ في مواضعَ كثيرةٍ من كتابِه الكريمِ.
وقال تعالى: ﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ... ﴾ [إبراهيم/ ١٤].
الصورة 2 - الجزء السفلي - صفحة ٩٥:
وقال سبحانه: ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) ﴾ [الروم/ ١٧، ١٨]، فمن أتى عليه وقتُها وهو بالغٌ عاقلٌ؛ وجبتْ عليه؛ إلَّا حائضًا ونفساءَ؛ فلا تجبُ عليهما، ولا يقضيانِها إذا طهرتا إجماعًا، ومن كان زائلَ العقلِ بنومٍ أو إغماءٍ ونحوه؛ وجب عليه القضاءُ حين يصحو.
قال تعالى: ﴿ ... وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ [طه/ ١٤].
وقال ﷺ: «من نامَ عن صلاةٍ أو نسيها؛ فليصلِّها إذا ذكرها» (١).
ويلزمُ وليُّ الصغيرِ أن يأمرَه بالصلاةِ إذا بلغَ سبعَ سنينَ وإن كانت لا تجبُ عليه، ولكن؛ ليهتمَّ بها ويتمرَّنَ عليها؛ إذا صلَّى؛ لعمومِ قوله تعالى: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ... ﴾ [الأنعام/ ١٦٠]، وقوله ﷺ لمَّا رُفِعَتْ إليه امرأةٌ صبيًّا، فقالت: ألهذا حجٌّ؟ قال: «نعم، ولكِ أجرٌ» (٢)، فيُعلِّمُه وليُّه الصَّلاةَ والطَّهارةَ لها.
ويجبُ على الوليِّ أن يضربَ الصغيرَ إذا تهاونَ بالصلاةِ وقد بلغَ عشرَ سنينَ؛ لقوله ﷺ: «مروا أولادكم بالصلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سنينَ، واضربوهم عليها لعشرٍ، وفرِّقوا بينهم في المضاجعِ»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم (٣).
ولا يجوزُ تأخيرُ الصَّلاةِ عن وقتِها، قال الله تعالى: ﴿ ... إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء/ ١٠٣].
أي: مفروضةٌ في أوقاتٍ معيَّنةٍ، لا يجوزُ تأخيرُها عنها، إلَّا لمن يريدُ جمعَها مع ما بعدها جمعَ تأخيرٍ، إذا كانت مما يُجمَعُ، وكان ممَّن يباحُ لهم الجمعُ.
وأما تأخيرُ صلاةِ الليلِ إلى النهارِ، أو صلاةِ النهارِ إلى الليلِ، أو الفجرِ إلى ما بعدَ طلوعِ الشمسِ، فلا يجوزُ بحالٍ من الأحوالِ، لا لجنابةٍ، ولا نجاسةٍ، ولا غيرِ ذلك، بل يصلِّيها في وقتِها على حسبِ حالِه.
وبعضُ الجُهَّالِ قد يكونُ في حالةِ علاجٍ في المستشفى على سريرٍ لا يستطيعُ النزولَ منه، أو لا يستطيعُ تغييرَ ثيابِه التي عليها نجاسةٌ، أو ليس عنده ترابٌ يتيمَّمُ به، أو لا يجدُ مَن يُناولُه إياه؛ فيؤخِّرُ الصلاةَ عن وقتِها، ويقولُ: أُصلِّيها فيما بعدُ إذا زالَ العُذرُ.
وهذا خطأٌ عظيمٌ، وتضييعٌ للصلاةِ، أوقعه فيه الجهلُ وعدمُ السؤالِ، فالواجبُ على مثلِ هذا أن يصلِّيَ على حسبِ حالِه في الوقتِ، وتجزئُه صلاتُه في هذه الحالةِ، ولو صلَّى بدونِ تيمُّمٍ أو بثيابٍ نجسةٍ، قال الله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ... ﴾ [التغابن/ ١٦]، حتى ولو صلَّى إلى غيرِ القبلةِ إذا كان لا يستطيعُ استقبالَ القبلةِ، فصلاتُه صحيحةٌ.
في وُجُوبِ الصَّلواتِ الخَمْسِ
الصَّلاةُ هي آكدُ أركانِ الإسلامِ بعدَ الشَّهادتَينِ، وقد شُرِعَتْ على أكملِ وجوهِ العبادةِ وأحسنِها.
وقد تضمَّنَتْ هذه الصلاةُ كثيرًا من أنواعِ العِبادةِ:
من ذِكرٍ للَّه، وتلاوةٍ لكتابه، وقيامٍ بين يدي الله، وركوعٍ، وسجودٍ، ودعاءٍ، وتسبيحٍ، وتكبيرٍ.
وهي رأسُ العباداتِ البدنيَّةِ، ولم تخلُ منها شريعةُ رسولٍ من رُسُلِ اللَّهِ عليهم الصَّلاة والسَّلام.
وقد فرضها اللَّهُ على نبيِّه محمدٍ ﷺ خاتمِ الرُّسلِ ليلةَ المعراجِ في السماءِ (١)، بخلافِ سائرِ الشَّرائعِ؛ فدلَّ ذلك على عِظَمِها وتأكُّدِ وجوبِها ومكانتِها عندَ اللَّهِ. وقد جاءَ في فضلِها ووجوبِها على الأعيانِ أحاديثُ كثيرةٌ، وفرضيَّتُها معلومةٌ من دينِ الإسلامِ بالضرورةِ؛ فمن جحدها، فقد ارتدَّ عن دينِ الإسلامِ، يستتابُ، فإن تابَ وإلَّا قُتِلَ بإجماعِ المسلمينَ.
والصَّلاةُ في اللغةِ: الدعاءُ، قال الله تعالى: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة/ ١٠٣] أي: ادعُ لهم...
ومعناها في الشَّرعِ: أقوالٌ وأفعالٌ مخصوصةٌ مُفتتَحةٌ بالتكبيرِ مُختتَمةٌ بالتسليمِ، سُمِّيَتْ بذلك لاشتمالِها على الدعاءِ، فالمصلِّي لا ينفكُّ عن دعاءِ عبادةٍ أو ثناءٍ أو طلبٍ، فلذلك سُمِّيَتْ صلاةً.
وقد فُرِضَتْ ليلةَ الإسراءِ قبلَ الهجرةِ خمسُ صلواتٍ في اليومِ والليلةِ بدخولِ أوقاتِها على كلِّ مسلمٍ مُكلَّفٍ.
قال تعالى: ﴿ ... إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء/ ١٠٣].
أي: مفروضًا في الأوقاتِ التي بيَّنها رسولُ اللَّهِ ﷺ بقولِه وبفعلِه.
وقال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ... ﴾ [البينة/ ٥].
وقال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ [البقرة/ ٤٣]؛ في مواضعَ كثيرةٍ من كتابِه الكريمِ.
وقال تعالى: ﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ... ﴾ [إبراهيم/ ١٤].
الصورة 2 - الجزء السفلي - صفحة ٩٥:
وقال سبحانه: ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) ﴾ [الروم/ ١٧، ١٨]، فمن أتى عليه وقتُها وهو بالغٌ عاقلٌ؛ وجبتْ عليه؛ إلَّا حائضًا ونفساءَ؛ فلا تجبُ عليهما، ولا يقضيانِها إذا طهرتا إجماعًا، ومن كان زائلَ العقلِ بنومٍ أو إغماءٍ ونحوه؛ وجب عليه القضاءُ حين يصحو.
قال تعالى: ﴿ ... وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ [طه/ ١٤].
وقال ﷺ: «من نامَ عن صلاةٍ أو نسيها؛ فليصلِّها إذا ذكرها» (١).
ويلزمُ وليُّ الصغيرِ أن يأمرَه بالصلاةِ إذا بلغَ سبعَ سنينَ وإن كانت لا تجبُ عليه، ولكن؛ ليهتمَّ بها ويتمرَّنَ عليها؛ إذا صلَّى؛ لعمومِ قوله تعالى: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ... ﴾ [الأنعام/ ١٦٠]، وقوله ﷺ لمَّا رُفِعَتْ إليه امرأةٌ صبيًّا، فقالت: ألهذا حجٌّ؟ قال: «نعم، ولكِ أجرٌ» (٢)، فيُعلِّمُه وليُّه الصَّلاةَ والطَّهارةَ لها.
ويجبُ على الوليِّ أن يضربَ الصغيرَ إذا تهاونَ بالصلاةِ وقد بلغَ عشرَ سنينَ؛ لقوله ﷺ: «مروا أولادكم بالصلاةِ وهم أبناءُ سبعِ سنينَ، واضربوهم عليها لعشرٍ، وفرِّقوا بينهم في المضاجعِ»، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم (٣).
ولا يجوزُ تأخيرُ الصَّلاةِ عن وقتِها، قال الله تعالى: ﴿ ... إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء/ ١٠٣].
أي: مفروضةٌ في أوقاتٍ معيَّنةٍ، لا يجوزُ تأخيرُها عنها، إلَّا لمن يريدُ جمعَها مع ما بعدها جمعَ تأخيرٍ، إذا كانت مما يُجمَعُ، وكان ممَّن يباحُ لهم الجمعُ.
وأما تأخيرُ صلاةِ الليلِ إلى النهارِ، أو صلاةِ النهارِ إلى الليلِ، أو الفجرِ إلى ما بعدَ طلوعِ الشمسِ، فلا يجوزُ بحالٍ من الأحوالِ، لا لجنابةٍ، ولا نجاسةٍ، ولا غيرِ ذلك، بل يصلِّيها في وقتِها على حسبِ حالِه.
وبعضُ الجُهَّالِ قد يكونُ في حالةِ علاجٍ في المستشفى على سريرٍ لا يستطيعُ النزولَ منه، أو لا يستطيعُ تغييرَ ثيابِه التي عليها نجاسةٌ، أو ليس عنده ترابٌ يتيمَّمُ به، أو لا يجدُ مَن يُناولُه إياه؛ فيؤخِّرُ الصلاةَ عن وقتِها، ويقولُ: أُصلِّيها فيما بعدُ إذا زالَ العُذرُ.
وهذا خطأٌ عظيمٌ، وتضييعٌ للصلاةِ، أوقعه فيه الجهلُ وعدمُ السؤالِ، فالواجبُ على مثلِ هذا أن يصلِّيَ على حسبِ حالِه في الوقتِ، وتجزئُه صلاتُه في هذه الحالةِ، ولو صلَّى بدونِ تيمُّمٍ أو بثيابٍ نجسةٍ، قال الله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ... ﴾ [التغابن/ ١٦]، حتى ولو صلَّى إلى غيرِ القبلةِ إذا كان لا يستطيعُ استقبالَ القبلةِ، فصلاتُه صحيحةٌ.
بسكرة السلفية
Photo
ومن تركَ الصلاةَ تهاونًا أو كسلًا من غيرِ جحدٍ لوجوبِها، كفرَ على الصحيحِ من قولي العلماءِ، بل هو الصوابُ الذي تدلُّ عليه الأدلَّةُ كحديثِ: «بينَ الرجلِ وبينَ الشركِ والكفرِ تركُ الصَّلاةِ»، رواه مسلم (١) وغيره من الأدلَّةِ.
وينبغي الإشاعةُ عن تاركِها بتركِها ليفتضحَ حتى يصلِّيَ، ولا ينبغي السلامُ عليه، ولا إجابةُ دعوتِه، حتى يتوبَ ويقيمَ الصلاةَ؛ لأنَّ الصلاةَ عمودُ الدينِ وهي الفارقةُ بين المسلمِ والكافرِ، فمهما عملَ العبدُ من الأعمالِ، فإنه لا ينفعُه ما دامَ مضيِّعًا للصَّلاةِ. نسألُ اللَّهَ العافيةَ.
الملخص الفقهي للعلامة صالح الفوزان حفظه الله
___
(١) كما في حديث الإسراء المتواتر، ومن آحاده حديث أنس المتفق عليه: البخاري (٧٥١٧) [١٣/ ٥٨٣] التوحيد ٣٧؛ ومسلم (٤٠٩) [٣٨٤] الإيمان ٧٤.
(١) متفق عليه. البخاري (٥٩٧) [٩٣/ ٢] كتاب مواقيت الصلاة باب ٣٧ من نسي صلاة...؛ ومسلم (١٥٦٦) [١٩٨/ ٣]. واللفظ له.
(٢) أخرجه مسلم من حديث ابن عباس (٢٤٠) [١٠٣/ ٥].
(٣) أخرجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أحمد (٦٧٥٣) [٢٤٨/ ٢]؛ وأبو داود (٤٩٥) [٢٣٩/ ١]؛ والحاكم (٩٥١) [٣٧٨/ ١] (٤٠٧) [٢٥٩/ ٢]؛ وكذا ابن خزيمة (١٠٠٢) [١٠٢/ ٢] الصلاة ٤٠٢.
وأخرجه الترمذي بنحوه من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه، عن جده (٤٠٧)
(١) أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله (٢٤٣) [٢٥٩/ ٢].
وينبغي الإشاعةُ عن تاركِها بتركِها ليفتضحَ حتى يصلِّيَ، ولا ينبغي السلامُ عليه، ولا إجابةُ دعوتِه، حتى يتوبَ ويقيمَ الصلاةَ؛ لأنَّ الصلاةَ عمودُ الدينِ وهي الفارقةُ بين المسلمِ والكافرِ، فمهما عملَ العبدُ من الأعمالِ، فإنه لا ينفعُه ما دامَ مضيِّعًا للصَّلاةِ. نسألُ اللَّهَ العافيةَ.
الملخص الفقهي للعلامة صالح الفوزان حفظه الله
___
(١) كما في حديث الإسراء المتواتر، ومن آحاده حديث أنس المتفق عليه: البخاري (٧٥١٧) [١٣/ ٥٨٣] التوحيد ٣٧؛ ومسلم (٤٠٩) [٣٨٤] الإيمان ٧٤.
(١) متفق عليه. البخاري (٥٩٧) [٩٣/ ٢] كتاب مواقيت الصلاة باب ٣٧ من نسي صلاة...؛ ومسلم (١٥٦٦) [١٩٨/ ٣]. واللفظ له.
(٢) أخرجه مسلم من حديث ابن عباس (٢٤٠) [١٠٣/ ٥].
(٣) أخرجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أحمد (٦٧٥٣) [٢٤٨/ ٢]؛ وأبو داود (٤٩٥) [٢٣٩/ ١]؛ والحاكم (٩٥١) [٣٧٨/ ١] (٤٠٧) [٢٥٩/ ٢]؛ وكذا ابن خزيمة (١٠٠٢) [١٠٢/ ٢] الصلاة ٤٠٢.
وأخرجه الترمذي بنحوه من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه، عن جده (٤٠٧)
(١) أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله (٢٤٣) [٢٥٩/ ٢].
بسكرة السلفية
Photo
وله عن عقبة بن عامر مرفوعاً: «مَن تعلَّق تميمةً فلا أتمَّ الله له، ومن تعلَّق ودعةً فلا ودَع الله له» (١).
قوله: «فلا أتمَّ الله له» الجملة خبرية بمعنى الدعاء، ويحتمل أن تكون خبرية محضة، وهي دعاء مقبول على كل تقدير لصدوره من النبي ﷺ، وكلا الاحتمالين دال على أن التميمة محرمة سواء نفي الرسول ﷺ، أن يتم الله بأن لا يتم الله له، أو دعا له، ﷺ، أن لا يتم الله له، فإن كان الرسول ﷺ، أراد به الخبر، فإننا نخبر بما أخبر به النبي ﷺ، وإلَّا فإننا ندعو بما دعا به الرسول ﷺ.
ومثل ذلك قوله ﷺ: «ومن تعلَّق ودعةً فلا ودَع الله له».
قوله: «ودعة» واحدة الودع، وهي أحجار تؤخذ من البحر يعلِّقونها لدفع العين، ويزعمون أنَّ الإنسان إذا علَّق هذه الودعة لم تصبه العين، أو لا يصيبه الجن.
قوله: «لا ودَع الله له» أي: لا تركه الله في دعة وسكون، وضد الدعة والسكون القلق والألم.
وقيل: لا ترك الله له خيراً حتى يعامل بنقيض قصده.
القول المفيد على كتاب التوحيد شرح العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
____
(١) رواه أحمد في المسند ٤/١٥٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/٣٢٥، والحاكم ٤/٢١٦، وصححه ووافقه الذهبي، وفيه: خالد بن عبيد المعافري لم يوثقه غير ابن حبان كما في التعجيل ص (١١٤)، وقال المنذري في الترغيب ٤/٣٠٦: «إسناده جيد»، وقال الهيثمي في المجمع ٥/١٠٣: «رجاله ثقات»، وقال الحافظ في التعجيل ص (١١٤): «ورجاله موثوقون».
قوله: «فلا أتمَّ الله له» الجملة خبرية بمعنى الدعاء، ويحتمل أن تكون خبرية محضة، وهي دعاء مقبول على كل تقدير لصدوره من النبي ﷺ، وكلا الاحتمالين دال على أن التميمة محرمة سواء نفي الرسول ﷺ، أن يتم الله بأن لا يتم الله له، أو دعا له، ﷺ، أن لا يتم الله له، فإن كان الرسول ﷺ، أراد به الخبر، فإننا نخبر بما أخبر به النبي ﷺ، وإلَّا فإننا ندعو بما دعا به الرسول ﷺ.
ومثل ذلك قوله ﷺ: «ومن تعلَّق ودعةً فلا ودَع الله له».
قوله: «ودعة» واحدة الودع، وهي أحجار تؤخذ من البحر يعلِّقونها لدفع العين، ويزعمون أنَّ الإنسان إذا علَّق هذه الودعة لم تصبه العين، أو لا يصيبه الجن.
قوله: «لا ودَع الله له» أي: لا تركه الله في دعة وسكون، وضد الدعة والسكون القلق والألم.
وقيل: لا ترك الله له خيراً حتى يعامل بنقيض قصده.
القول المفيد على كتاب التوحيد شرح العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله
____
(١) رواه أحمد في المسند ٤/١٥٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/٣٢٥، والحاكم ٤/٢١٦، وصححه ووافقه الذهبي، وفيه: خالد بن عبيد المعافري لم يوثقه غير ابن حبان كما في التعجيل ص (١١٤)، وقال المنذري في الترغيب ٤/٣٠٦: «إسناده جيد»، وقال الهيثمي في المجمع ٥/١٠٣: «رجاله ثقات»، وقال الحافظ في التعجيل ص (١١٤): «ورجاله موثوقون».