سلسلة: أمانة التلاوة (3)
حين يصبح المعنى أسيراً للأداء
نكمل حديثنا في سلسلة ( أمانة التلاوة)، وهذه المرة مع باب من أدق أبواب القراءة وأشدها اتصالاً بفهم كلام الله: الوقف والابتداء، وحسن اختيار مواضع الاستهلال والختام، والانتقال بين الآيات والسور.
فالقرآن ليس ألفاظاً تؤدى فحسب، بل معانٍ وسياقات، وقد يصح الحرف ويفسد المعنى بوقف قبيح، أو ابتداء أقبح، أو وصل يوهم ما ليس من مراد الكلام. ولهذا كان الوقف والابتداء علماً، لا مساحة مفتوحة لاجتهاد القارئ ونغمته.
ومن دقائق الأداء براعة الاستهلال وحسن المقطع؛ فليس كل موضع يصح الابتداء به يليق أن تستهل به مجلساً، ولا كل رأس آية هو أحسن ما تختم به.
فقد يستعيذ القارئ ويبسمل، ثم يبدأ بقوله تعالى: ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله)، مستهلاً بمشهد شديد من مشاهد القيامة، مع أن من السياق نفسه قوله تعالى: ( وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب…)، وهو أليق بمقام الاستهلال.
وكذلك قوله تعالى: ( فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً)؛ رأس آية والوقف عليه صحيح، لكن هل هو أحسن ما تختم به مجلساً ثم تقول: ( صدق الله العظيم)؟ أم تمتد إلى قوله تعالى: ( إن للمتقين مفازاً)؟ نحن هنا لا نتحدث عن التحريم والجواز، وإنما عن فقه الأداء وحسن المطلع والمقطع.
ثم تأتي الوقفات المصطنعة داخل الآيات لخدمة النغمة؛ فيبحث القارئ عن كلمة تصلح للمد العارض للسكون أو لصناعة قفلة، فيقف لا لأن المعنى اقتضى الوقف، وإنما لأنها أتاحت مساحة للحليات والعُرَب واستعراض الصوت. والأصل أن تكون النغمة في خدمة المعنى، لا أن يُجر المعنى خلف النغمة.
وهناك باب آخر مستقل، وهو الجانب اللغوي والنحوي في الابتداء.
فيقرأ مثلاً: ( وبشر المخبتين)، ويقف عند رأس الآية، ثم يبدأ: ( المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم…). هنا ليست القضية نغماً أصلاً؛ فـ( المخبتين) مفعول به منصوب بالفعل ( بشر)، فكيف قطعتها عن العامل الذي نصبها ثم جعلتها بداية كلام جديد؟ ولو كانت مبتدأً لكان مقتضى العربية: ( المخبتون).
فالوقف والابتداء متصلان بالنحو والإعراب وفهم المعنى، ومن لا يدرك موقع الكلمة مما قبلها وما بعدها قد يحسن صوتها ويفسد تركيبها.
ومن العجيب أيضاً اتخاذ جزء من الآية ختاماً نهائياً للتلاوة؛ لا وقفة لأخذ النفَس ولا فاصلاً ثم يستكمل، وإنما يقول بعدها: ( صدق الله العظيم) وينتهي!
فيقرأ: ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة)، ثم يختم، مع أن الآية مستمرة. بل واشتهر عند بعضهم أن يكمل إلى: ( وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله)، ثم ينهي التلاوة، وقد بقي من الآية نفسها: ( وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله…).
بل انتقلت هذه الآفة عند البعض إلى الصلاة؛ فيقرأ الإمام من سورة النجم: ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم)، ثم يركع، وقد بقي من الآية: ( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى).
وليس المقصود أن الوقف داخل الآية ممنوع بإطلاق؛ فالعبرة ليست برقم الآية وحده، وإنما بتمام المعنى وحسن الوقف والابتداء.
ومن غرائب الاختيار أيضاً أن يبدأ قارئ سورة الشورى بعد الاستعاذة والبسملة مباشرة: ( كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم)، متجاوزاً: ( حم. عسق)، وكأن الحروف المقطعة لا مكان لها في البناء الذي اختاره لتلاوته!
ثم يأتي وصل المواضع المتباعدة؛ فينتهي مثلاً من هود عند: ( إن ربك فعال لما يريد)، ثم بسكتة لطيفة يبدأ من النازعات: ( إن في ذلك لعبرة لمن يخشى)، حتى يكاد غير الحافظ يظنهما سياقاً واحداً.
ومثله التنقل العجيب بين قصار السور بلا ترتيب مفهوم: من النازعات إلى الضحى، ثم قريش، ثم الإخلاص والفلق والناس، ثم الفاتحة وربما أول البقرة!
ولا نقول إن مجرد القراءة من مواضع متفرقة ممنوع بإطلاق، وإنما نسأل: من أين جاء هذا التكلف؟ ولماذا أصبح البحث عن الغريب فناً في ذاته؟
والمشكلة أن الأمر يبدأ باجتهاد من قارئ، فيقلده آخر، ويزايد عليه ثالث، حتى تتحول الغرابة بكثرة التكرار إلى شيء يظنه العامة أصلاً من أصول الأداء.
وهنا يجب أن يستقيم الميزان. فالنغم خادم وليس مخدوماً، والقرآن مخدوم وليس خادماً.
يُتبع إن شاء الله… وفي المنشور القادم: البسملة والتكبير بين السور، وسرقة النفَس وما دخل هذه الأبواب من تجاوزات في الأداء.
وصلوا على من أنزل عليه القرآن
وسلموا تسليما
حين يصبح المعنى أسيراً للأداء
نكمل حديثنا في سلسلة ( أمانة التلاوة)، وهذه المرة مع باب من أدق أبواب القراءة وأشدها اتصالاً بفهم كلام الله: الوقف والابتداء، وحسن اختيار مواضع الاستهلال والختام، والانتقال بين الآيات والسور.
فالقرآن ليس ألفاظاً تؤدى فحسب، بل معانٍ وسياقات، وقد يصح الحرف ويفسد المعنى بوقف قبيح، أو ابتداء أقبح، أو وصل يوهم ما ليس من مراد الكلام. ولهذا كان الوقف والابتداء علماً، لا مساحة مفتوحة لاجتهاد القارئ ونغمته.
ومن دقائق الأداء براعة الاستهلال وحسن المقطع؛ فليس كل موضع يصح الابتداء به يليق أن تستهل به مجلساً، ولا كل رأس آية هو أحسن ما تختم به.
فقد يستعيذ القارئ ويبسمل، ثم يبدأ بقوله تعالى: ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله)، مستهلاً بمشهد شديد من مشاهد القيامة، مع أن من السياق نفسه قوله تعالى: ( وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب…)، وهو أليق بمقام الاستهلال.
وكذلك قوله تعالى: ( فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً)؛ رأس آية والوقف عليه صحيح، لكن هل هو أحسن ما تختم به مجلساً ثم تقول: ( صدق الله العظيم)؟ أم تمتد إلى قوله تعالى: ( إن للمتقين مفازاً)؟ نحن هنا لا نتحدث عن التحريم والجواز، وإنما عن فقه الأداء وحسن المطلع والمقطع.
ثم تأتي الوقفات المصطنعة داخل الآيات لخدمة النغمة؛ فيبحث القارئ عن كلمة تصلح للمد العارض للسكون أو لصناعة قفلة، فيقف لا لأن المعنى اقتضى الوقف، وإنما لأنها أتاحت مساحة للحليات والعُرَب واستعراض الصوت. والأصل أن تكون النغمة في خدمة المعنى، لا أن يُجر المعنى خلف النغمة.
وهناك باب آخر مستقل، وهو الجانب اللغوي والنحوي في الابتداء.
فيقرأ مثلاً: ( وبشر المخبتين)، ويقف عند رأس الآية، ثم يبدأ: ( المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم…). هنا ليست القضية نغماً أصلاً؛ فـ( المخبتين) مفعول به منصوب بالفعل ( بشر)، فكيف قطعتها عن العامل الذي نصبها ثم جعلتها بداية كلام جديد؟ ولو كانت مبتدأً لكان مقتضى العربية: ( المخبتون).
فالوقف والابتداء متصلان بالنحو والإعراب وفهم المعنى، ومن لا يدرك موقع الكلمة مما قبلها وما بعدها قد يحسن صوتها ويفسد تركيبها.
ومن العجيب أيضاً اتخاذ جزء من الآية ختاماً نهائياً للتلاوة؛ لا وقفة لأخذ النفَس ولا فاصلاً ثم يستكمل، وإنما يقول بعدها: ( صدق الله العظيم) وينتهي!
فيقرأ: ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة)، ثم يختم، مع أن الآية مستمرة. بل واشتهر عند بعضهم أن يكمل إلى: ( وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله)، ثم ينهي التلاوة، وقد بقي من الآية نفسها: ( وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله…).
بل انتقلت هذه الآفة عند البعض إلى الصلاة؛ فيقرأ الإمام من سورة النجم: ( هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم)، ثم يركع، وقد بقي من الآية: ( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى).
وليس المقصود أن الوقف داخل الآية ممنوع بإطلاق؛ فالعبرة ليست برقم الآية وحده، وإنما بتمام المعنى وحسن الوقف والابتداء.
ومن غرائب الاختيار أيضاً أن يبدأ قارئ سورة الشورى بعد الاستعاذة والبسملة مباشرة: ( كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم)، متجاوزاً: ( حم. عسق)، وكأن الحروف المقطعة لا مكان لها في البناء الذي اختاره لتلاوته!
ثم يأتي وصل المواضع المتباعدة؛ فينتهي مثلاً من هود عند: ( إن ربك فعال لما يريد)، ثم بسكتة لطيفة يبدأ من النازعات: ( إن في ذلك لعبرة لمن يخشى)، حتى يكاد غير الحافظ يظنهما سياقاً واحداً.
ومثله التنقل العجيب بين قصار السور بلا ترتيب مفهوم: من النازعات إلى الضحى، ثم قريش، ثم الإخلاص والفلق والناس، ثم الفاتحة وربما أول البقرة!
ولا نقول إن مجرد القراءة من مواضع متفرقة ممنوع بإطلاق، وإنما نسأل: من أين جاء هذا التكلف؟ ولماذا أصبح البحث عن الغريب فناً في ذاته؟
والمشكلة أن الأمر يبدأ باجتهاد من قارئ، فيقلده آخر، ويزايد عليه ثالث، حتى تتحول الغرابة بكثرة التكرار إلى شيء يظنه العامة أصلاً من أصول الأداء.
وهنا يجب أن يستقيم الميزان. فالنغم خادم وليس مخدوماً، والقرآن مخدوم وليس خادماً.
يُتبع إن شاء الله… وفي المنشور القادم: البسملة والتكبير بين السور، وسرقة النفَس وما دخل هذه الأبواب من تجاوزات في الأداء.
وصلوا على من أنزل عليه القرآن
وسلموا تسليما
❤3👍1
سلسلة: أمانة التلاوة (4)
حين تتحول الرواية إلى اجتهاد شخصي
نكمل حديثنا في سلسلة ( أمانة التلاوة)، وهذه المرة مع ظواهر تبدو متفرقة، لكنها تلتقي عند أصل واحد: أن القرآن يؤخذ بالتلقي والرواية، لا بمجرد السماع والتقليد، وأن لكل وجه في الأداء أصله وطريقه وضبطه.
ونبدأ بـالتكبير بين السور.
والتكبير باب معروف عند أهل القراءات، اشتهر وروده مع آخر سورة الضحى إلى آخر الختمة، على تفصيل معروف في ابتدائه وانتهائه وصيغه ووجوه وصله وقطعه. فهو أداء منقول له مواضعه وطرقه، وليس مؤثراً صوتياً يضعه القارئ بين أي موضعين متى شاء.
لكننا نسمع اليوم من يجعل التكبير والتهليل فاصلاً عند الانتقال بين مواضع متباعدة، ثم تتعدد الصيغ والتكرارات بحسب النغمة والنفَس:
( لا إله إلا الله… لا إله إلا الله… لا إله إلا الله… والله أكبر ولله الحمد… ولله الحمد… ولله الحمد…)
وقد يقف ويعيد ويصل، حتى يلتبس الأمر على السامع غير المتخصص: أين انتهى القرآن؟ وأين بدأ الذكر؟ وهل هذا كله من التلاوة أم مما أضافه القارئ إليها؟... وقد يبلغ الأمر ببعضهم أن يكرر قوله: ( ولله الحمد) مرات متتابعة في نفَس واحد، لا لوجه منقول ولا لعدد مأثور، وإنما بقدر ما يتسع له نفَسه، فتسمعها خمساً أو سبعاً وربما عشراً! وكأن عدد مرات التكرار أصبح تابعاً لسعة الرئتين لا لطريق القراءة! والسؤال يظل كما هو: أين تلقيت هذا الوجه؟ ومن أقرأك إياه؟... فالقراءة لا تثبت بالاستحسان، ولا بكثرة التقليد، ولا بتصفيق الجمهور. فما كان منقولاً أديناه كما نُقل، وما لم يُنقل فلا يصنعه جمال الصوت رواية.
ثم نأتي إلى ما يعرف بين القراء بـسرقة النفَس.
فالوقف يكون مع التنفس، أما السكت فهو قطع الصوت زمناً يسيراً من غير تنفس. ومع ذلك، قد يقف القارئ على ساكن أو مشدد، فيختلس نفَساً سريعاً لا يكاد يُلحظ ثم يستكمل، فيتوهم السامع أن الجميع جرى في نفَس واحد.
وأظهر من ذلك استغلال مواضع السكت المعروفة، نحو: ( من راق)، و( مرقدنا هذا)، و( كلا بل ران)، لاختلاس النفَس، مع أن السكت إذا صاحبه تنفس لم يعد سكتاً بالمعنى الاصطلاحي أصلاً.
وقد يظهر الأمر أكثر عند من يقرأ بخلف عن حمزة، حيث تكثر مواضع السكت على الهمز في طرق معلومة، فيتحول الأداء المروي عند البعض إلى محطات خفية للتنفس وإيهام الناس بطول النفَس!
وطول النفَس ملكة جميلة، لكنه ليس حكماً من أحكام التجويد. فإذا انتهى نفَسك فقف وقفاً صحيحاً، ثم ابتدئ ابتداءً صحيحاً؛ فالصدق في الأداء أولى من صناعة نفَس لم يقع أصلاً.
ومع ذلك، نفرق بين سرقة النفَس العارضة وبين اتخاذها منهجاً في الأداء، فقد يُعذر القارئ إن خانه نفَسه مرة فاختلس نفَساً لإنقاذ الموقف، أو لكبر سن ونحوه، وإن كان الأولى أن يعرف قدر نفَسه ويحسن الوقف والابتداء. أما أن تصبح سرقة النفَس وسيلة معتادة لإتمام النغم، أو لاستعراض طول نفَس غير حقيقي، فهنا موضع الاعتراض.
ثم نصل إلى باب أدق وأخطر: القراءات والروايات والطرق.
وجمع القراءات علم معروف، له أصوله وطرقه وضوابطه، وليس هو المقصود هنا. وإنما نتحدث عن الخلط العشوائي: آية بحفص، وأخرى بورش، ثم حمزة أو ابن كثير أو الكسائي، بلا منهج معلوم في الجمع.
والأعجب ما نسمعه أحياناً من الخلط داخل الآية الواحدة. فيبدأ القارئ بحفص، ثم تعجبه كلمة بوجه من ورش فيأتي بها، ثم يعود إلى حفص، وربما جمع بين أوجه من روايات وطرق مختلفة حتى يخرج بتركيب لا تدري معه: لمن هذه القراءة؟ ومن أي رواية؟ ومن أي طريق؟
وهنا الفارق بين جمع القراءات وخلط القراءات؛ فالأول علم وتلق ورواية، والثاني قد ينتهي إلى تلفيق ينتج عنه وجه لم يقرأ به أحد أصلاً. وأصل كثير من هذه الظواهر هو السماع بلا تلق. فيسمع أحدهم شيخاً يقرأ كلمة على وجه معين، فيحفظ صوتها ويقلدها، دون أن يعرف لمن هذا الوجه، ولا روايته، ولا طريقه، ولا ما يجوز معه وما يمتنع، وحجته الوحيدة: ( سمعت الشيخ فلاناً يقرأها هكذا)، وهذا هو الفارق بين السماع والتلقي؛ فالسماع يخبرك كيف نطق الشيخ، أما التلقي فيعلمك ممن أخذ، وبأي طريق قرأ، وكيف يؤدى هذا الوجه.
والأخطر أن تُسمع أحياناً أوجه لا تستطيع أن تنسبها إلى قراءة من القراءات العشر ولا إلى طريق معتبر؛ وهنا لم نعد أمام تنويع في الأداء، وإنما أمام سؤال يمس أصل أمانة الرواية: من أين جاءت هذه القراءة؟، فالقراءات ليست حليات صوتية ينتقي منها القارئ ما يوافق نغمته، وإنما قراءة ورواية وطريق ووجه، وراءها تلق وإسناد وأداء منضبط. ولهذا فالسؤال الذي ينبغي أن يسبق كل وجه غريب ليس: هل أعجب الناس؟، بل: ممن تلقيته؟ وعلى من قرأته؟ وما طريقه؟
فالقرآن لا يحتاج منا أن نزيد في وجوه أدائه، وإنما يحتاج أن نؤدي ما وصل إلينا كما وصل إلينا.
في هذا الباب لا يصنع الاستحسان رواية، ولا يصنع التقليد طريقاً، ولا تصنع الشهرة وجهاً من وجوه القراءة.
الرواية أمانة… والأمانة تؤدى ولا تُبتدع.
يُتبع بإذن الله
حين تتحول الرواية إلى اجتهاد شخصي
نكمل حديثنا في سلسلة ( أمانة التلاوة)، وهذه المرة مع ظواهر تبدو متفرقة، لكنها تلتقي عند أصل واحد: أن القرآن يؤخذ بالتلقي والرواية، لا بمجرد السماع والتقليد، وأن لكل وجه في الأداء أصله وطريقه وضبطه.
ونبدأ بـالتكبير بين السور.
والتكبير باب معروف عند أهل القراءات، اشتهر وروده مع آخر سورة الضحى إلى آخر الختمة، على تفصيل معروف في ابتدائه وانتهائه وصيغه ووجوه وصله وقطعه. فهو أداء منقول له مواضعه وطرقه، وليس مؤثراً صوتياً يضعه القارئ بين أي موضعين متى شاء.
لكننا نسمع اليوم من يجعل التكبير والتهليل فاصلاً عند الانتقال بين مواضع متباعدة، ثم تتعدد الصيغ والتكرارات بحسب النغمة والنفَس:
( لا إله إلا الله… لا إله إلا الله… لا إله إلا الله… والله أكبر ولله الحمد… ولله الحمد… ولله الحمد…)
وقد يقف ويعيد ويصل، حتى يلتبس الأمر على السامع غير المتخصص: أين انتهى القرآن؟ وأين بدأ الذكر؟ وهل هذا كله من التلاوة أم مما أضافه القارئ إليها؟... وقد يبلغ الأمر ببعضهم أن يكرر قوله: ( ولله الحمد) مرات متتابعة في نفَس واحد، لا لوجه منقول ولا لعدد مأثور، وإنما بقدر ما يتسع له نفَسه، فتسمعها خمساً أو سبعاً وربما عشراً! وكأن عدد مرات التكرار أصبح تابعاً لسعة الرئتين لا لطريق القراءة! والسؤال يظل كما هو: أين تلقيت هذا الوجه؟ ومن أقرأك إياه؟... فالقراءة لا تثبت بالاستحسان، ولا بكثرة التقليد، ولا بتصفيق الجمهور. فما كان منقولاً أديناه كما نُقل، وما لم يُنقل فلا يصنعه جمال الصوت رواية.
ثم نأتي إلى ما يعرف بين القراء بـسرقة النفَس.
فالوقف يكون مع التنفس، أما السكت فهو قطع الصوت زمناً يسيراً من غير تنفس. ومع ذلك، قد يقف القارئ على ساكن أو مشدد، فيختلس نفَساً سريعاً لا يكاد يُلحظ ثم يستكمل، فيتوهم السامع أن الجميع جرى في نفَس واحد.
وأظهر من ذلك استغلال مواضع السكت المعروفة، نحو: ( من راق)، و( مرقدنا هذا)، و( كلا بل ران)، لاختلاس النفَس، مع أن السكت إذا صاحبه تنفس لم يعد سكتاً بالمعنى الاصطلاحي أصلاً.
وقد يظهر الأمر أكثر عند من يقرأ بخلف عن حمزة، حيث تكثر مواضع السكت على الهمز في طرق معلومة، فيتحول الأداء المروي عند البعض إلى محطات خفية للتنفس وإيهام الناس بطول النفَس!
وطول النفَس ملكة جميلة، لكنه ليس حكماً من أحكام التجويد. فإذا انتهى نفَسك فقف وقفاً صحيحاً، ثم ابتدئ ابتداءً صحيحاً؛ فالصدق في الأداء أولى من صناعة نفَس لم يقع أصلاً.
ومع ذلك، نفرق بين سرقة النفَس العارضة وبين اتخاذها منهجاً في الأداء، فقد يُعذر القارئ إن خانه نفَسه مرة فاختلس نفَساً لإنقاذ الموقف، أو لكبر سن ونحوه، وإن كان الأولى أن يعرف قدر نفَسه ويحسن الوقف والابتداء. أما أن تصبح سرقة النفَس وسيلة معتادة لإتمام النغم، أو لاستعراض طول نفَس غير حقيقي، فهنا موضع الاعتراض.
ثم نصل إلى باب أدق وأخطر: القراءات والروايات والطرق.
وجمع القراءات علم معروف، له أصوله وطرقه وضوابطه، وليس هو المقصود هنا. وإنما نتحدث عن الخلط العشوائي: آية بحفص، وأخرى بورش، ثم حمزة أو ابن كثير أو الكسائي، بلا منهج معلوم في الجمع.
والأعجب ما نسمعه أحياناً من الخلط داخل الآية الواحدة. فيبدأ القارئ بحفص، ثم تعجبه كلمة بوجه من ورش فيأتي بها، ثم يعود إلى حفص، وربما جمع بين أوجه من روايات وطرق مختلفة حتى يخرج بتركيب لا تدري معه: لمن هذه القراءة؟ ومن أي رواية؟ ومن أي طريق؟
وهنا الفارق بين جمع القراءات وخلط القراءات؛ فالأول علم وتلق ورواية، والثاني قد ينتهي إلى تلفيق ينتج عنه وجه لم يقرأ به أحد أصلاً. وأصل كثير من هذه الظواهر هو السماع بلا تلق. فيسمع أحدهم شيخاً يقرأ كلمة على وجه معين، فيحفظ صوتها ويقلدها، دون أن يعرف لمن هذا الوجه، ولا روايته، ولا طريقه، ولا ما يجوز معه وما يمتنع، وحجته الوحيدة: ( سمعت الشيخ فلاناً يقرأها هكذا)، وهذا هو الفارق بين السماع والتلقي؛ فالسماع يخبرك كيف نطق الشيخ، أما التلقي فيعلمك ممن أخذ، وبأي طريق قرأ، وكيف يؤدى هذا الوجه.
والأخطر أن تُسمع أحياناً أوجه لا تستطيع أن تنسبها إلى قراءة من القراءات العشر ولا إلى طريق معتبر؛ وهنا لم نعد أمام تنويع في الأداء، وإنما أمام سؤال يمس أصل أمانة الرواية: من أين جاءت هذه القراءة؟، فالقراءات ليست حليات صوتية ينتقي منها القارئ ما يوافق نغمته، وإنما قراءة ورواية وطريق ووجه، وراءها تلق وإسناد وأداء منضبط. ولهذا فالسؤال الذي ينبغي أن يسبق كل وجه غريب ليس: هل أعجب الناس؟، بل: ممن تلقيته؟ وعلى من قرأته؟ وما طريقه؟
فالقرآن لا يحتاج منا أن نزيد في وجوه أدائه، وإنما يحتاج أن نؤدي ما وصل إلينا كما وصل إلينا.
في هذا الباب لا يصنع الاستحسان رواية، ولا يصنع التقليد طريقاً، ولا تصنع الشهرة وجهاً من وجوه القراءة.
الرواية أمانة… والأمانة تؤدى ولا تُبتدع.
يُتبع بإذن الله
❤2👍1
سلسلة: أمانة التلاوة (5)
(حين يصبح القرآن آخر ما نلتفت إليه )
نكمل حديثنا في سلسلة ( أمانة التلاوة)، وهذه المرة لا نتحدث عن حكم تجويدي، ولا رواية، ولا طريق، وإنما عن بعض السلوكيات التي أصبحت تحيط بمجالس القرآن، وخصوصاً في العزاءات، حتى صار بعضها يفرض سؤالاً:
هل ما زلنا أمام مجلس عزاء وتلاوة، أم أننا أصبحنا نصنع مشهداً له جمهوره وتسويقه وإخراجه؟
من أكثر الظواهر التي تستوقفني توثيق العزاءات بالصورة والفيديو. قد نفهم أن تسجل تلاوة لقارئ، لكن الأمر تجاوز ذلك؛ كاميرات متعددة، وتصوير سينمائي، وتصوير جوي بالدرون ( الطائرات المسيّرة)، ثم مونتاج وإخراج ومقاطع دعائية!
وهنا لا أتحدث عن حكم التصوير، وإنما عن فلسفة المشهد: لماذا نوثق الحزن بكل هذا؟ وما الذي يعود على الميت أو أهله أو المعزين من تصوير سرادق العزاء من السماء؟ وهل يحتاج العزاء فعلاً إلى مصور ومخرج ومونتير ومتخصص تصوير جوي؟ ثم ألا تفتح هذه المظاهر باباً لنفقات جديدة تتحول مع الوقت إلى عرف يثقل أهل الميت؟
والأغرب أن الكاميرا لم تعد توثق التلاوة فحسب، بل أصبحت أحياناً جزءاً من صناعة صورة القارئ نفسه.
فتبدأ التغطية قبل أن يقرأ حرفاً: سيارة فارهة، وربما خلفها عدة سيارات، وأشخاص يحيطون به، ثم لقطة النزول والمشي والاستقبال والمصافحات!
وليس السؤال: هل يجوز للقارئ أن يركب سيارة غالية؟ فهذا شأنه. وإنما: لماذا أصبح من المهم أن نُري الناس السيارة؟ ولماذا صار وصول القارئ نفسه مادة للتصوير والإخراج؟
وحين تتكرر هذه المشاهد، يصبح من المشروع أن نتساءل عن بعدها التسويقي: هل نوثق مجلس قرآن، أم نصنع صورة لقارئ مرتفع القيمة، كثير الطلب، تحيط به مظاهر الثراء والوجاهة؟
ثم يأتي الجمهور ليضيف جانباً آخر؛ ألقاب لا تنتهي: قارئ مصر الأول، عملاق التلاوة، سلطان النغم، أمير التلاوة، أسد القراءة… حتى تتجاوز المسألة أحياناً المحبة والتقدير إلى المبالغة في الأشخاص.
نعم، لأهل القرآن حق في التوقير، ولكن توقير أهل القرآن شيء، وصناعة النجومية وتقديس الأشخاص شيء آخر. والقارئ مهما علا شأنه بشر يصيب ويخطئ، ويرتفع قدره بالقرآن، لا أن يصبح القرآن سلماً لرفع شخصه فوق النقد والمراجعة.
والمفارقة أن كل هذا التعظيم للقارئ قد يجتمع أحياناً مع ضعف تعظيم القرآن نفسه!
فالقرآن يتلى، وفي المجلس صخب وحديث وصيحات وردود أفعال أقرب أحياناً إلى أجواء الحفلات، وربما جلس بعض الحاضرين يتبادلون السجائر والدخان بينما كتاب الله يتلى أمامهم!
فكيف نعظم القارئ، ثم لا نعطي كلام الله الذي يقرأه القدر نفسه من الإنصات والسكينة والوقار؟
ومن المشاهد التي تستوقفني أيضاً أن نذهب إلى العزاء، حيث ميت الغد يعزي ميت اليوم، ثم نصنع داخل المجلس طبقات اجتماعية: مقاعد مميزة للوجهاء وكبار الزوار في المقدمة، وأخرى لسائر الناس!
حتى في حضرة الموت نصر على تذكير الناس بالفوارق بينهم، مع أن مجلس العزاء من أولى المواضع التي ينبغي أن تتضاءل فيها هذه الفوارق؛ فالجميع أمام الحقيقة نفسها.
والمؤلم أنه وسط كل هذا المشهد قد يصبح القرآن نفسه آخر ما يُلتفت إليه؛ نهتم بالقارئ وسيارته واستقباله، والكاميرات والتصوير، والحاضرين ومقاعدهم، ثم يتلى القرآن فلا يكاد يُنصت إليه، فضلاً عن أن يُتدبر أو يُعمل بما فيه!
وكأننا اعتنينا بكل ما حول القرآن… ثم غاب عنا القرآن!
ونقولها لله وبكل شفافية: لقد خرج الأمر في بعض صوره عن المألوف بكثير، وأصبح في حاجة إلى ضابط يحفظ لمجلس القرآن وقاره، ولحامله قدره، وقبل ذلك كله يحفظ هيبة هذا الكتاب:
( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد).
ويبقى السؤال الأهم:
ماذا يعود من كل هذه البهرجة على الميت نفسه؟
هذا سيكون موضوعنا في المنشور القادم بإذن الله: ما الذي ينفع الميت من هذه المجالس؟ وأين ينبغي أن تكون أولوياتنا حين نجتمع من أجله؟
يُتبع بإذن الله…
(حين يصبح القرآن آخر ما نلتفت إليه )
نكمل حديثنا في سلسلة ( أمانة التلاوة)، وهذه المرة لا نتحدث عن حكم تجويدي، ولا رواية، ولا طريق، وإنما عن بعض السلوكيات التي أصبحت تحيط بمجالس القرآن، وخصوصاً في العزاءات، حتى صار بعضها يفرض سؤالاً:
هل ما زلنا أمام مجلس عزاء وتلاوة، أم أننا أصبحنا نصنع مشهداً له جمهوره وتسويقه وإخراجه؟
من أكثر الظواهر التي تستوقفني توثيق العزاءات بالصورة والفيديو. قد نفهم أن تسجل تلاوة لقارئ، لكن الأمر تجاوز ذلك؛ كاميرات متعددة، وتصوير سينمائي، وتصوير جوي بالدرون ( الطائرات المسيّرة)، ثم مونتاج وإخراج ومقاطع دعائية!
وهنا لا أتحدث عن حكم التصوير، وإنما عن فلسفة المشهد: لماذا نوثق الحزن بكل هذا؟ وما الذي يعود على الميت أو أهله أو المعزين من تصوير سرادق العزاء من السماء؟ وهل يحتاج العزاء فعلاً إلى مصور ومخرج ومونتير ومتخصص تصوير جوي؟ ثم ألا تفتح هذه المظاهر باباً لنفقات جديدة تتحول مع الوقت إلى عرف يثقل أهل الميت؟
والأغرب أن الكاميرا لم تعد توثق التلاوة فحسب، بل أصبحت أحياناً جزءاً من صناعة صورة القارئ نفسه.
فتبدأ التغطية قبل أن يقرأ حرفاً: سيارة فارهة، وربما خلفها عدة سيارات، وأشخاص يحيطون به، ثم لقطة النزول والمشي والاستقبال والمصافحات!
وليس السؤال: هل يجوز للقارئ أن يركب سيارة غالية؟ فهذا شأنه. وإنما: لماذا أصبح من المهم أن نُري الناس السيارة؟ ولماذا صار وصول القارئ نفسه مادة للتصوير والإخراج؟
وحين تتكرر هذه المشاهد، يصبح من المشروع أن نتساءل عن بعدها التسويقي: هل نوثق مجلس قرآن، أم نصنع صورة لقارئ مرتفع القيمة، كثير الطلب، تحيط به مظاهر الثراء والوجاهة؟
ثم يأتي الجمهور ليضيف جانباً آخر؛ ألقاب لا تنتهي: قارئ مصر الأول، عملاق التلاوة، سلطان النغم، أمير التلاوة، أسد القراءة… حتى تتجاوز المسألة أحياناً المحبة والتقدير إلى المبالغة في الأشخاص.
نعم، لأهل القرآن حق في التوقير، ولكن توقير أهل القرآن شيء، وصناعة النجومية وتقديس الأشخاص شيء آخر. والقارئ مهما علا شأنه بشر يصيب ويخطئ، ويرتفع قدره بالقرآن، لا أن يصبح القرآن سلماً لرفع شخصه فوق النقد والمراجعة.
والمفارقة أن كل هذا التعظيم للقارئ قد يجتمع أحياناً مع ضعف تعظيم القرآن نفسه!
فالقرآن يتلى، وفي المجلس صخب وحديث وصيحات وردود أفعال أقرب أحياناً إلى أجواء الحفلات، وربما جلس بعض الحاضرين يتبادلون السجائر والدخان بينما كتاب الله يتلى أمامهم!
فكيف نعظم القارئ، ثم لا نعطي كلام الله الذي يقرأه القدر نفسه من الإنصات والسكينة والوقار؟
ومن المشاهد التي تستوقفني أيضاً أن نذهب إلى العزاء، حيث ميت الغد يعزي ميت اليوم، ثم نصنع داخل المجلس طبقات اجتماعية: مقاعد مميزة للوجهاء وكبار الزوار في المقدمة، وأخرى لسائر الناس!
حتى في حضرة الموت نصر على تذكير الناس بالفوارق بينهم، مع أن مجلس العزاء من أولى المواضع التي ينبغي أن تتضاءل فيها هذه الفوارق؛ فالجميع أمام الحقيقة نفسها.
والمؤلم أنه وسط كل هذا المشهد قد يصبح القرآن نفسه آخر ما يُلتفت إليه؛ نهتم بالقارئ وسيارته واستقباله، والكاميرات والتصوير، والحاضرين ومقاعدهم، ثم يتلى القرآن فلا يكاد يُنصت إليه، فضلاً عن أن يُتدبر أو يُعمل بما فيه!
وكأننا اعتنينا بكل ما حول القرآن… ثم غاب عنا القرآن!
ونقولها لله وبكل شفافية: لقد خرج الأمر في بعض صوره عن المألوف بكثير، وأصبح في حاجة إلى ضابط يحفظ لمجلس القرآن وقاره، ولحامله قدره، وقبل ذلك كله يحفظ هيبة هذا الكتاب:
( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد).
ويبقى السؤال الأهم:
ماذا يعود من كل هذه البهرجة على الميت نفسه؟
هذا سيكون موضوعنا في المنشور القادم بإذن الله: ما الذي ينفع الميت من هذه المجالس؟ وأين ينبغي أن تكون أولوياتنا حين نجتمع من أجله؟
يُتبع بإذن الله…
❤4👍3🤯2
الاحباب الكرام فى تامبا /فلوريدا ولقاء القرآن غدا باذنه تعالى وبارك الله فيكم ويتقبل منا ومنكم صالح الأعمال ،، آمين
This Friday, join us for a special Quran Night with world-renowned reciter Sheikh Muhammad Jebril, for an evening of Quran and special duaa.
Friday 11th of Sept. at 7:30PM
ICT Masjid Al-Qassam 5910 E 130th Ave, Tampa
Free event, registration required https://ictjebril.eventbrite.com
This Friday, join us for a special Quran Night with world-renowned reciter Sheikh Muhammad Jebril, for an evening of Quran and special duaa.
Friday 11th of Sept. at 7:30PM
ICT Masjid Al-Qassam 5910 E 130th Ave, Tampa
Free event, registration required https://ictjebril.eventbrite.com
❤3👍1
سلسلة: أمانة التلاوة (6 والأخير)
ويبقى القرآن هو الأصل
نصل إلى ختام سلسلة ( أمانة التلاوة)، ويبقى السؤال الذي أنهينا به المنشور السابق:
ماذا يعود من كل هذا على الميت نفسه؟
فالعزاء في النهاية لم يُقم من أجل القارئ، ولا المصور، ولا حجم السرادق وأسماء الحاضرين، وإنما من أجل إنسان رحل عن الدنيا. فوسط كل ما أنفقناه وجهزناه وصورناه ونشرناه… أين الميت من كل هذا؟
وكما أكدنا منذ البداية، لسنا بصدد إصدار حكم شرعي في إقامة هذه المجالس أو استقدام القراء أو أخذ الأجرة؛ فهذا يرجع فيه إلى دار الإفتاء ولجان الفتوى بالأزهر الشريف. لكن الصورة التي وصلت إليها بعض هذه المجالس تحتاج في رأيي إلى مزيد من البيان: ما الذي يرجى أن ينفع الميت منها؟ وأين ينتهي المقصود وتبدأ المباهاة والإسراف؟
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:
( إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
ولا نحصر بهذا الحديث كل صور انتفاع الميت، وإنما نستحضره لنسأل عن الأولويات: وسط كل هذه الأموال أين الصدقة؟ ووسط كل هذا الانشغال أين الدعاء؟ وماذا يبقى للميت بعد أن ينفض المجلس؟
فالكاميرات ستُطفأ، والسرادق سيُفك، والمقاطع سينساها الناس… ويبقى الميت مع ما قدم وما أُهدي إليه من نفع.
ولم نذكر في المنشور السابق كل الممارسات التي نشاهدها، ولا نريد أن نقف عند كل واحدة منها؛ فقد رأينا من يُخرج سلاحاً أبيض مهدداً القارئ لأنه أراد إنهاء التلاوة! ومن يتمايل ويرقص مع النغم، ومن يسحب الميكروفون إذا شعر أن القارئ سيختم، ومن يتعمد إعلان أجر القارئ بجوار الميكروفون حتى يسمع الناس كم دفع!
وكلها مشاهد تضع أمامنا سؤالاً واحداً:
كيف وصل مجلس قرآن وموت واتعاظ إلى هذه الصورة؟
ثم إن إصلاح المشهد لا يتعلق بالجمهور وحده، فهناك قبل ذلك أدب حامل القرآن.
فحامل القرآن ليس مجرد صوت جميل؛ ولهذا تحدث أهل العلم عن إخلاصه وتواضعه وسكينته ووقاره وصيانة نفسه، كما تحدثوا عن تجويده وإتقانه.
ومن هنا أوصي كل من يتصدر للقراءة بدراسة كتاب الإمام النووي ( التبيان في آداب حملة القرآن)، ومن أبلغ ما نقله فيه عن الفضيل بن عياض:
( حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو؛ تعظيماً لحق القرآن).
حامل راية الإسلام!
وربما تتلخص القضية كلها هنا: لقد بالغنا أحياناً في صناعة القارئ، وقل اهتمامنا بصناعة حامل القرآن.
صنعنا للصوت جمهوراً، وللقارئ ألقاباً، وللمجلس مشهداً، وللمقاطع انتشاراً… حتى أصبح الخوف أن يكون آخر ما ننشغل به هو القرآن نفسه.
ولهذا نختم السلسلة برسالة بسيطة:
إلى القارئ: صوتك نعمة، ومحبة الناس نعمة، ولكن لا تجعل القرآن طريقاً إلى نفسك؛ اجعل نفسك طريقاً إلى القرآن.
وإلى الجمهور: أحبوا القارئ وأكرموه، ولكن لا تحولوا مجلس القرآن إلى حفل للنغم والنجومية؛ أنصتوا للكلام قبل أن تنبهروا بالصوت.
وإلى أهل المجالس: ليس شرف العزاء في حجم السرادق، ولا اسم القارئ، ولا قيمة أجره، ولا عدد الكاميرات والحاضرين؛ فإذا اجتمعنا من أجل ميت، فلنسأل: ماذا قدمنا له مما ينفعه؟
لم نكتب سلسلة ( أمانة التلاوة) لمحاكمة أحد، ولا لتتبع الزلات، وإنما لأن بعض الظواهر خرجت عن المألوف، وأصبحت تحتاج إلى علم يضبط الأداء، وأدب يضبط حامله، ووعي يضبط الجمهور، وهيبة تحفظ لمجلس القرآن حرمته.
وعندها يستقيم المشهد:
القارئ يخدم القرآن، والجمهور ينصت للقرآن، والمجلس يوقر القرآن… ويبقى القرآن هو الأصل، وكل ما عداه في خدمته.
( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد).
تمت سلسلة ( أمانة التلاوة).
والله من وراء القصد.
ويبقى القرآن هو الأصل
نصل إلى ختام سلسلة ( أمانة التلاوة)، ويبقى السؤال الذي أنهينا به المنشور السابق:
ماذا يعود من كل هذا على الميت نفسه؟
فالعزاء في النهاية لم يُقم من أجل القارئ، ولا المصور، ولا حجم السرادق وأسماء الحاضرين، وإنما من أجل إنسان رحل عن الدنيا. فوسط كل ما أنفقناه وجهزناه وصورناه ونشرناه… أين الميت من كل هذا؟
وكما أكدنا منذ البداية، لسنا بصدد إصدار حكم شرعي في إقامة هذه المجالس أو استقدام القراء أو أخذ الأجرة؛ فهذا يرجع فيه إلى دار الإفتاء ولجان الفتوى بالأزهر الشريف. لكن الصورة التي وصلت إليها بعض هذه المجالس تحتاج في رأيي إلى مزيد من البيان: ما الذي يرجى أن ينفع الميت منها؟ وأين ينتهي المقصود وتبدأ المباهاة والإسراف؟
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:
( إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).
ولا نحصر بهذا الحديث كل صور انتفاع الميت، وإنما نستحضره لنسأل عن الأولويات: وسط كل هذه الأموال أين الصدقة؟ ووسط كل هذا الانشغال أين الدعاء؟ وماذا يبقى للميت بعد أن ينفض المجلس؟
فالكاميرات ستُطفأ، والسرادق سيُفك، والمقاطع سينساها الناس… ويبقى الميت مع ما قدم وما أُهدي إليه من نفع.
ولم نذكر في المنشور السابق كل الممارسات التي نشاهدها، ولا نريد أن نقف عند كل واحدة منها؛ فقد رأينا من يُخرج سلاحاً أبيض مهدداً القارئ لأنه أراد إنهاء التلاوة! ومن يتمايل ويرقص مع النغم، ومن يسحب الميكروفون إذا شعر أن القارئ سيختم، ومن يتعمد إعلان أجر القارئ بجوار الميكروفون حتى يسمع الناس كم دفع!
وكلها مشاهد تضع أمامنا سؤالاً واحداً:
كيف وصل مجلس قرآن وموت واتعاظ إلى هذه الصورة؟
ثم إن إصلاح المشهد لا يتعلق بالجمهور وحده، فهناك قبل ذلك أدب حامل القرآن.
فحامل القرآن ليس مجرد صوت جميل؛ ولهذا تحدث أهل العلم عن إخلاصه وتواضعه وسكينته ووقاره وصيانة نفسه، كما تحدثوا عن تجويده وإتقانه.
ومن هنا أوصي كل من يتصدر للقراءة بدراسة كتاب الإمام النووي ( التبيان في آداب حملة القرآن)، ومن أبلغ ما نقله فيه عن الفضيل بن عياض:
( حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلهو مع من يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو؛ تعظيماً لحق القرآن).
حامل راية الإسلام!
وربما تتلخص القضية كلها هنا: لقد بالغنا أحياناً في صناعة القارئ، وقل اهتمامنا بصناعة حامل القرآن.
صنعنا للصوت جمهوراً، وللقارئ ألقاباً، وللمجلس مشهداً، وللمقاطع انتشاراً… حتى أصبح الخوف أن يكون آخر ما ننشغل به هو القرآن نفسه.
ولهذا نختم السلسلة برسالة بسيطة:
إلى القارئ: صوتك نعمة، ومحبة الناس نعمة، ولكن لا تجعل القرآن طريقاً إلى نفسك؛ اجعل نفسك طريقاً إلى القرآن.
وإلى الجمهور: أحبوا القارئ وأكرموه، ولكن لا تحولوا مجلس القرآن إلى حفل للنغم والنجومية؛ أنصتوا للكلام قبل أن تنبهروا بالصوت.
وإلى أهل المجالس: ليس شرف العزاء في حجم السرادق، ولا اسم القارئ، ولا قيمة أجره، ولا عدد الكاميرات والحاضرين؛ فإذا اجتمعنا من أجل ميت، فلنسأل: ماذا قدمنا له مما ينفعه؟
لم نكتب سلسلة ( أمانة التلاوة) لمحاكمة أحد، ولا لتتبع الزلات، وإنما لأن بعض الظواهر خرجت عن المألوف، وأصبحت تحتاج إلى علم يضبط الأداء، وأدب يضبط حامله، ووعي يضبط الجمهور، وهيبة تحفظ لمجلس القرآن حرمته.
وعندها يستقيم المشهد:
القارئ يخدم القرآن، والجمهور ينصت للقرآن، والمجلس يوقر القرآن… ويبقى القرآن هو الأصل، وكل ما عداه في خدمته.
( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد).
تمت سلسلة ( أمانة التلاوة).
والله من وراء القصد.
❤1
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾
❤4
التعدد بين الشرع والمجتمع (1)
هذه بداية سلسلة قصيرة من ثلاثة منشورات فقط، نحاول فيها مناقشة قضية التعدد بعيداً عن الصراخ والإجابات الجاهزة: هل التعدد فعلاً سبب في خراب البيوت؟ وهل ساهم تحويله إلى «محرّم اجتماعي» في زيادة بعض المشكلات التي نعاني منها، كالطلاق وتأخر الزواج؟ وكيف وصلنا إلى زمن قد تُستنكَر فيه «الحليلة» الثانية، بينما يُتسامح مع «الخليلة» والعلاقات المحرمة؟
ونبدأ بالسؤال الأول:
هل التعدد فعلاً سبب في خراب البيوت… أم أن محاربة التعدد قد تكون أحياناً سبباً في خرابها؟
التعدد لم يحرمه الشرع، ولم يجعله خيانة، بل أباحه بنص صريح:
{فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة}
ومع ذلك، وصلنا اجتماعياً إلى مرحلة أصبحت فيها مجرد رغبة الرجل المتزوج في الزواج بأخرى تُعامل أحياناً كأنها خيانة لزوجته، أو إعلان بانتهاء حبه لها.
مع أن الأمر ليس بالضرورة كذلك.
الحياة الزوجية بطبيعتها تتغير مع السنوات. تخف الجِدّة واللهفة الأولى، ويدخل الروتين والعمل والأولاد والمسؤوليات، وتتحول مساحة كبيرة من العلاقة إلى ألفة وعِشرة. وقد يحب الرجل زوجته ويتمسك ببيته وأولاده، ثم يميل بعد سنوات إلى امرأة أخرى ويرغب في الزواج منها.
وهنا السؤال: لماذا نفترض أن الحب الثاني لا بد أن يهدم الأول؟
ولماذا أصبح الرجل اجتماعياً أمام خيارين فقط: إما أن يمتنع عن الزواج بأخرى مهما كانت رغبته وقدرته، وإما أن يطلق أم أولاده أولاً ثم يتزوج؟
بل إن إغلاق الباب المشروع لا يلغي الرغبة البشرية؛ وفي بعض الحالات قد يدفع إلى علاقة محرمة في الخفاء، أو إلى طلاق البيت الأول لمجرد أن يصبح الزواج الجديد مقبولاً اجتماعياً.
وهنا المفارقة:
نهدم بيتاً قائماً حتى نسمح للرجل ببناء بيت جديد، بينما نستكثر عليه أن يُبقي الأول ويبني إلى جواره بيتاً آخر بالحلال!
والتعدد نفسه قد يصنع - في بعض الحالات - مساحة من الغياب والشوق تكسر شيئاً من الاعتياد؛ يغيب الزوج أياماً ثم يعود إلى زوجته وقد اشتاق إليها واشتاقت إليه، بدلاً من الحضور اليومي الذي قد يستهلك مع السنوات جانباً من اللهفة.
طبعاً هذا ليس قانوناً عاماً، والتعدد قد يفشل كما يفشل الزواج بواحدة، وقد يتحول إلى ظلم إذا دخله رجل عاجزاً عن النفقة أو العدل أو تحمل المسؤولية.
ولهذا جاء القيد في الآية نفسها:
{فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة}
إذن القضية ليست أن نقول لكل رجل: عدِّد.
ولكن أن نسأل:
لماذا تحول شيء أباحه الله، بشروطه ومسؤولياته، إلى «محرّم اجتماعي»؟
وهل نحن متأكدون أن الزوجة الثانية هي دائماً التي تهدم البيت الأول…
أم أننا أحياناً نهدم البيت الأول بأيدينا حتى لا تدخله زوجة ثانية؟
يتبع…
في المنشور القادم نناقش الجانب الآخر من القضية: تأخر الزواج، والمطلقات والأرامل، وهل ساهمت محاربة التعدد في تضييق فرص الزواج على النساء أنفسهن؟ ولماذا قد ترفض امرأة أن تكون هناك زوجة ثانية في حياة زوجها، ثم تقبل هي لاحقاً أن تصبح زوجة ثانية لرجل آخر؟
هذه بداية سلسلة قصيرة من ثلاثة منشورات فقط، نحاول فيها مناقشة قضية التعدد بعيداً عن الصراخ والإجابات الجاهزة: هل التعدد فعلاً سبب في خراب البيوت؟ وهل ساهم تحويله إلى «محرّم اجتماعي» في زيادة بعض المشكلات التي نعاني منها، كالطلاق وتأخر الزواج؟ وكيف وصلنا إلى زمن قد تُستنكَر فيه «الحليلة» الثانية، بينما يُتسامح مع «الخليلة» والعلاقات المحرمة؟
ونبدأ بالسؤال الأول:
هل التعدد فعلاً سبب في خراب البيوت… أم أن محاربة التعدد قد تكون أحياناً سبباً في خرابها؟
التعدد لم يحرمه الشرع، ولم يجعله خيانة، بل أباحه بنص صريح:
{فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة}
ومع ذلك، وصلنا اجتماعياً إلى مرحلة أصبحت فيها مجرد رغبة الرجل المتزوج في الزواج بأخرى تُعامل أحياناً كأنها خيانة لزوجته، أو إعلان بانتهاء حبه لها.
مع أن الأمر ليس بالضرورة كذلك.
الحياة الزوجية بطبيعتها تتغير مع السنوات. تخف الجِدّة واللهفة الأولى، ويدخل الروتين والعمل والأولاد والمسؤوليات، وتتحول مساحة كبيرة من العلاقة إلى ألفة وعِشرة. وقد يحب الرجل زوجته ويتمسك ببيته وأولاده، ثم يميل بعد سنوات إلى امرأة أخرى ويرغب في الزواج منها.
وهنا السؤال: لماذا نفترض أن الحب الثاني لا بد أن يهدم الأول؟
ولماذا أصبح الرجل اجتماعياً أمام خيارين فقط: إما أن يمتنع عن الزواج بأخرى مهما كانت رغبته وقدرته، وإما أن يطلق أم أولاده أولاً ثم يتزوج؟
بل إن إغلاق الباب المشروع لا يلغي الرغبة البشرية؛ وفي بعض الحالات قد يدفع إلى علاقة محرمة في الخفاء، أو إلى طلاق البيت الأول لمجرد أن يصبح الزواج الجديد مقبولاً اجتماعياً.
وهنا المفارقة:
نهدم بيتاً قائماً حتى نسمح للرجل ببناء بيت جديد، بينما نستكثر عليه أن يُبقي الأول ويبني إلى جواره بيتاً آخر بالحلال!
والتعدد نفسه قد يصنع - في بعض الحالات - مساحة من الغياب والشوق تكسر شيئاً من الاعتياد؛ يغيب الزوج أياماً ثم يعود إلى زوجته وقد اشتاق إليها واشتاقت إليه، بدلاً من الحضور اليومي الذي قد يستهلك مع السنوات جانباً من اللهفة.
طبعاً هذا ليس قانوناً عاماً، والتعدد قد يفشل كما يفشل الزواج بواحدة، وقد يتحول إلى ظلم إذا دخله رجل عاجزاً عن النفقة أو العدل أو تحمل المسؤولية.
ولهذا جاء القيد في الآية نفسها:
{فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة}
إذن القضية ليست أن نقول لكل رجل: عدِّد.
ولكن أن نسأل:
لماذا تحول شيء أباحه الله، بشروطه ومسؤولياته، إلى «محرّم اجتماعي»؟
وهل نحن متأكدون أن الزوجة الثانية هي دائماً التي تهدم البيت الأول…
أم أننا أحياناً نهدم البيت الأول بأيدينا حتى لا تدخله زوجة ثانية؟
يتبع…
في المنشور القادم نناقش الجانب الآخر من القضية: تأخر الزواج، والمطلقات والأرامل، وهل ساهمت محاربة التعدد في تضييق فرص الزواج على النساء أنفسهن؟ ولماذا قد ترفض امرأة أن تكون هناك زوجة ثانية في حياة زوجها، ثم تقبل هي لاحقاً أن تصبح زوجة ثانية لرجل آخر؟
❤3