زاد الخـطــيــب الـــدعـــــوي📚
8.38K subscribers
5 photos
212 files
3.2K links
الـشـبـكـة الـدعـــويــة الـرائـــدة
المتخصصة بالخطـب والمحاضرات
🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•

للتواصل مع إدارة القناة
إضغط على الرابط التالي
@majd321
Download Telegram
🎤
*خطبة جمعة بعنوان:*
*عــلامــات الـســـــعـادة*
*للشيخ/ إبراهيم الحقيل*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبة الأولى:*
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

عباد الله: أَيُّهَا النَّاسُ:
كُلُّ النَّاسِ يَنْشُدُونَ السَّعَادَةَ، وَيَبْحَثُونَ عَنْهَا. وَمَا سَعَى السَّاعُونَ لِلْجَاهِ وَالرِّفْعَةِ إِلَّا لِنَيْلِ السَّعَادَةِ، وَلَا تَعِبَ أَهْلُ الْمَالِ فِي جَمْعِهِ إِلَّا لِأَجْلِ السَّعَادَةِ. وَالسَّعَادَةُ مَطْلَبُ كُلِّ إِنْسَانٍ. وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَنْ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ وَطُرُقِهَا وَوَسَائِلِهَا، لَكِنْ قَلَّ مِنْهُمْ مَنْ تَكَلَّمَ عَنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ، وَهِيَ الْأَمَارَاتُ الَّتِي مَتَى وُجِدَتْ فِي الْإِنْسَانِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَعِيدٌ، وَمِنَ الْقَلَائِلِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا عَنْ ذَلِكَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْزَجَانِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إِذْ قَالَ: "مِنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ عَلَى الْعَبْدِ: تَيْسِيرُ الطَّاعَةِ عَلَيْهِ، وَمُوَافَقَةُ السُّنَّةِ فِي أَفْعَالِهِ، وَصُحْبَتُهُ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ، وَحُسْنُ أَخْلَاقِهِ مَعَ الْإِخْوَانِ، وَبَذْلُ مَعْرُوفِهِ لِلْخَلْقِ، وَاهْتِمَامُهُ لِلْمُسْلِمينَ، وَمُرَاعَاتُهُ لِأَوْقَاتِهِ".

وَهَذِهِ سَبْعٌ مِنَ الْعَلَامَاتِ، مِنَ الْأَهَمِّيَّةِ بِمَكَانٍ تَذَاكُرُهَا وَمَعْرِفَتُهَا؛ لِيَنْظُرَ الْعَبْدُ مِقْدَارَ مَا حَصَّلَ مِنَ السَّعَادَةِ.

فَمِنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ: تَيْسِيرُ الطَّاعَةِ عَلَيْهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ -تَعَالَى- أَهَمُّ مَصْدَرٍ لِلسَّعَادَةِ، بَلْ لَا سَعَادَةَ لِلْعَبْدِ إِلَّا بِهَا (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)[طه: 123]. وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ -تَعَالَى- بِعَبْدِهِ خَيْرًا، فَتَحَ لَهُ أَبْوَابَ الطَّاعَاتِ، وَدَلَّهُ عَلَيْهَا، وَيَسَّرَهَا لَهُ، وَحَجَزَهُ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ. وَالْعَبْدُ يَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ -تَعَالَى- الْعَوْنَ عَلَى الْعِبَادَةِ لِتَتَيَسَّرَ لَهُ، وَهُوَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاتِهِ يُعْلِنُ اسْتِعَانَتَهُ بِاللَّهِ -تَعَالَى- عَلَى عِبَادَتِهِ فَيَقُولُ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)[الْفَاتِحَةِ: 5]. وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: "يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ"(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ).

فَمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ -تَعَالَى- لِلْإِيمَانِ، وَأَعَانَهُ عَلَى الطَّاعَةِ؛ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّعَادَةِ؛ لِشَدِيدِ صِلَتِهِ بِاللَّهِ -تَعَالَى-، قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: "لَوْ عَلِمَ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ وَالسُّرُورِ لَجَالَدُونَا بِالسُّيُوفِ أَيَّامَ الْحَيَاةِ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ وَقِلَّةِ التَّعَبِ".
وَمِنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ: مُوَافَقَةُ السُّنَّةِ فِي أَفْعَالِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اتِّبَاعَ سُنَّةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَبَبٌ لِرَاحَةِ الْقَلْبِ، وَسَعَادَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- شَرَحَ صَدْرَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)[الشَّرْحِ: 1]، وَلِأَتْبَاعِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ شَرْحِ صُدُورِهِمْ بِقَدْرِ اتِّبَاعِهِمْ لِسُنَّتِهِ. وَلِذَا قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ"(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ). وَمَا أَشَدَّ شَقَاءَ عَبْدٍ يَجْتَهِدُ وَيَعْمَلُ، وَعَمَلُهُ مَرْدُودٌ، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ"(رَوَاهُ الشَّيْخَانِ). وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي سُنَّةٍ، خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ".

وَمِنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ: صُحْبَتُهُ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَفْتَحُونَ لَهُ أَبْوَابَ السَّعَادَةِ، وَيَحْجِزُونَهُ عَنْ أَبْوَابِ الشَّقَاءِ، وَيَدُلُّونَهُ عَلَى الْخَيْرِ، وَيَمْنَعُونَهُ مِنَ الشَّرِّ، وَيُذَكِّرُونَهُ إِذَا نَسِيَ، وَيُنَبِّهُونَهُ إِذَا غَفَلَ، وَيُعَلِّمُونَهُ مَا جَهِلَ، وَيُحِبُّونَ لَهُ مَا يُحِبُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ -تَعَالَى- بِصُحْبَتِهِمْ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)[الْكَهْفِ: 28]، وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ"(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ). وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "لَوْلَا ثَلَاثٌ مَا أَحْبَبْتُ أَنْ أَعِيشَ يَوْمًا وَاحِدًا: الظَّمَأُ لِلَّهِ بِالْهَوَاجِرِ، وَالسُّجُودُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَمُجَالَسَةُ قَوْمٍ يَنْتَقُونَ مِنْ خِيَارِ الْكَلَامِ كَمَا يُنْتَقَى أَطَائِبُ التَّمْرِ".

وَمِنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ: حُسْنُ أَخْلَاقِهِ مَعَ الْإِخْوَانِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ ثَقِيلٌ فِي الْمِيزَانِ، وَبِهِ يَكْسِبُ الْعَبْدُ قُلُوبَ النَّاسِ (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[الْقَلَمِ: 4]، وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ"(رَوَاهُ أَحْمَدُ). وَصَاحِبُ الْخُلُقِ الْحَسَنِ يُحِبُّهُ النَّاسُ، وَيَسْعَدُ بِهِمْ كَمَا يَسْعَدُونَ بِهِ. وَسُوءُ الْخُلُقِ سَبَبٌ لِنُفْرَةِ النَّاسِ وَعَدَائِهِمْ، وَمُعَادَاةُ النَّاسِ تَجْلِبُ التَّعَاسَةَ وَالشَّقَاءَ لِصَاحِبِهَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ هَدَفًا لِضَرَرِهِمْ وَأَذَاهُمْ وَعَدَاوَتِهِمْ.

وَمِنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ: بَذْلُ مَعْرُوفِهِ لِلْخَلْقِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ. وَفِي الْإِحْسَانِ لِلنَّاسِ لَذَّةٌ عَظِيمَةٌ. وَالْمَعْرُوفُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ تَجْمَعُ بَذْلَ الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانَ لِلنَّاسِ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالْفِعْلِ، قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ)[النِّسَاءِ: 114]، وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ"(رَوَاهُ الشَّيْخَانِ). وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ). وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَجْلِبُ السَّعَادَةَ.

وَمِنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ: اهْتِمَامُهُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ رَابِطَةَ الْإِيمَانِ هِيَ أَقْوَى رَابِطَةٍ، وَتَعْلُو كُلَّ رَابِطَةٍ، وَهِيَ أَقْوَى مِنْ رَابِطَةِ النَّسَبِ وَاللُّغَةِ وَالْبَلَدِ؛ وَاللَّهُ -تَعَالَى- جَعَلَ الْوِلَايَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)[التَّوْبَةِ: 71]، وَجَعَلَ وِلَايَتَهُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ الَّذِينَ يُوَالِي بَعْضُهُمْ
بَعْضًا فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)[الْمَائِدَةِ: 56] وَحَصَرَ الْأُخُوَّةَ فِي الْإِيمَانِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)[الْحُجُرَاتِ: 10]. فَالَّذِي يَهْتَمُّ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَفْرَحُ لِفَرَحِهِمْ، وَيَتَأَلَّمُ لِأَلَمِهِمْ، وَلَوْ كَانُوا فِي أَقَاصِي الْأَرْضِ؛ يَجِدُ السَّعَادَةَ بِانْتِمَائِهِ لَهُمْ، وَاهْتِمَامِهِ لِأَجْلِهِمْ، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى"(رَوَاهُ الشَّيْخَانِ).

نَسْأَلُ اللَّهَ -تَعَالَى- أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ السُّعَدَاءِ، وَأَنْ يُجَنِّبَنَا أَسْبَابَ الشَّقَاءِ، وَأَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْحَقِّ إِلَى أَنْ نَلْقَاهُ. إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.


*الخطبة الثانية:*
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)[الْبَقَرَةِ: 281].

أَيُّهَا النَّاسُ: مِنْ أَعْظَمِ دَلَائِلِ السَّعَادَةِ كَثْرَةُ ذِكْرِ اللَّهِ -تَعَالَى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)[الرَّعْدِ: 28].

وَمِنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ: مُرَاعَاةُ الْعَبْدِ أَوْقَاتَهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَقْتَ هُوَ عُمْرُ الْإِنْسَانِ، وَهُوَ مُسْتَوْدَعُ عَمَلِهِ؛ فَإِنْ عَمَّرَهُ بِالطَّاعَاتِ سَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ ضَيَّعَهُ فِيمَا لَا يَنْفَعُهُ؛ زَالَتْ عَنْهُ السَّعَادَةُ، وَأَحَاطَتْ بِهِ الْحَسْرَةُ عَلَى مَا ضَيَّعَ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ نَدَمِي عَلَى يَوْمٍ غَرَبَتْ شَمْسُهُ؛ نَقَصَ فِيهِ عُمْرِي، وَلَمْ يَزِدْ فِيهِ عَمَلِي".

وَالْمَرْءُ يُسْأَلُ عَنْ أَوْقَاتِهِ؛ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَالْإِنْسَانُ يُعْرَفُ بِمُنْجَزَاتِهِ، وَلَا إِنْجَازَ إِلَّا بِعَمَلٍ؛ فَإِمَّا عَمِلَ لِلدُّنْيَا فَاشْتُهِرَ ذِكْرُهُ، وَعُرِفَ مَقَامُهُ، وَحَصَلَ مُرَادُهُ، وَهَذَا يَسْعَدُ فِي دُنْيَاهُ بِمَا حَقَّقَ فِيهَا مِنْ نَجَاحَاتٍ. وَإِمَّا عَمِلَ لِآخِرَتِهِ وَلَمْ يُهْمِلْ نَصِيبَهُ مِنَ الدُّنْيَا؛ فَهَذَا الَّذِي يَسْعَدُ فِي الدُّنْيَا بِمَا حَفِظَ مِنْ أَوْقَاتِهِ، وَقَضَاهَا فِي أَعْمَالٍ تَنْفَعُهُ. وَيَسْعَدُ فِي أُخْرَاهُ بِمَا يَجِدُ مِنْ أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ مُدَّخَرَةٍ لَهُ. وَأَمَّا الْبَطَّالُونَ وَالْكُسَالَى، الْمُضَيِّعُونَ لِلْأَوْقَاتِ؛ فَإِنَّ أَوْقَاتَهُمْ مَيِّتَةٌ، وَعَزَائِمَهُمْ خَائِرَةٌ، وَهِمَمَهُمْ مُنْحَطَّةٌ، وَيَعِيشُونَ حَالَةً مِنَ الْمَلَلِ وَالسَّأَمِ لَا يَجِدُونَ مَعَهَا طَعْمًا لِلْحَيَاةِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- "إِنِّي لَأَمْقَتُ الرَّجُلَ أَنْ أَرَاهُ فَارِغًا، لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ الدُّنْيَا وَلَا عَمَلِ الْآخِرَةِ".

وَمَا كَثُرَتِ الْأَمْرَاضُ النَّفْسِيَّةُ مِنَ الْقَلَقِ وَالْخَوْفِ وَالِاكْتِئَابِ وَغَيْرِهَا إِلَّا بِسَبَبِ فَرَاغِ النُّفُوسِ أَوْ فَرَاغِ الْقُلُوبِ. فَرَاغِ النُّفُوسِ مِنْ أَعْمَالٍ نَافِعَةٍ، أَوْ فَرَاغِ الْقُلُوبِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ -تَعَالَى- وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ -سُبْحَانَهُ-. وَمَنْ عَمَّرَ وَقْتَهُ فَلَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ فَرَاغٌ، وَشَغَلَ نَفْسَهُ بِمَا يَنْفَعُهُ، وَمَلَأَ قَلْبَهُ بِالْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ؛ حَطَّتِ السَّعَادَةُ فِي رِكَابِهِ، وَمُلِئَتْ نَفْسُهُ بِالسَّكِينَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَوَجَدَ طَعْمَ الْإِيمَانِ وَحَلَاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ؛ وَذَلِكَ الَّذِي لَا يَشْقَى فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[النَّحْلِ: 97].

عباد الله : صلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين
اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين

اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
🎤
*خطبة جمعة بعنوان:*
*كيف نتعامل مع الابتلاء ؟*
*للشـيخ / حـسـان العـماري*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبة الأولى:*
الحمد لله الذي جعل بعد الشدة فرجاً، وبعد الضر والضيق سعة ومخرجاً، ولم يخل محنة من منحة، ولا نقمة من نعمة، ولا نكبة ورزية من موهبة وعطية.
خلق فقدَّر ودبّر فيسر، فكل عبد إلى ما قَدَّره عليه وقضاه صائر.
أحمده -سبحانه- على خفيّ لطفه، وسعت عفوه، وجزيل بره المتظاهر.
أكرم مسؤول، وأعظم مأمول، عالم الغيوب، ومفرّج الكروب، ومجيب دعوة المضطر المكروب.

سهرت أعينٌ ونامت عيون *** في شئون تكون أو لا تكونُ
فاطرح الهم ما استطعت *** فحملانك الهموم جنونُ
إن ربا كفاك ما كان بالأمس *** سيكفيك في غدٍ ما يكونُ

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ كثير الخير دائم السلطان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صاحب الآيات والبرهان، اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيراً. أما بعد:

عباد الله: لقد جبلت الدنيا على كدر؛ فكم من مصائب وكوارث وأزمات؛ يتعرض لها الإنسان في حياته، سواء كان ذلك في نفسه، أو في أهله وماله وأولاده، أو في جسده، أو في دينه، ومجتمعه وأمته، وقد يبتلى المرء في طعامه وشرابه وحريته، وهذا الابتلاء جعله الله سنة في خلقه لم يستثن منه أحدا، حتى أنبياءه ورسله، وهم أقرب الخلق وأحبهم إليه؛ روى الإمام أحمد في مسنده وابن حبانَ في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أنّه قال: قلت: يا رسول الله أيُّ الناسِ أشدّ بلاء؟ فقال: "أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثلُ فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسَب دينه، فإن كان في دينِه صلبًا اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقَّة ابتُلِي على قدرِ دينِه، فما يبرَح البلاءُ بالعبدِ حتّى يتركَه يمشِي على الأرض وما عليه خَطيئة"[السلسلة الصحيحة (143)].

وقال - تعالى -: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ)[العنكبوت: 1-3].

وذكر - سبحانه وتعالى - الابتلاء وقرنه بخلق الإنسان، ومازال نطفة ليدرك أن حقيقة الابتلاء، وكيف يتعامل معه ويستفيد منه؟ وكيف يستثمره ليواصل مسيرة الحياة، قال - تعالى -: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) [الإنسان: 2-3].

وجعل - سبحانه وتعالى - الابتلاء في الدنيا بما فيها سنة ماضية في الأمم والأفراد والشعوب، وجعل الآخرة للجزاء، قال - تعالى -: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)[الكهف: 7].

عباد الله: هذا الابتلاء وهذا الامتحان عاشه محمد - صلى الله عليه وسلم -، وهو سيد ولد آدم، وأحب خلق الله إليه؛ صابراً ومحتسباً، واثقاً من ربه؛ أنه لن يضيعه ولن يتركه، فكان له النصر والتمكين والرفعة في الدنيا والآخرة.

وابتلي موسى - عليه السلام - وهو الذي قال الله فيه: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) [طه: 13].

وقال - تعالى -: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)[طه: 39].

وعندما وقف موسى - عليه السلام - أمام فرعون يدعوه إلى هدى الله، بعد أن مارس الفساد والظلم والاضطهاد على قومه، فذبح أبناءهم واستحيى نساءهم، قال له فرعون : (وما رب العالمين) الذي تدعو إليه: (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) [الشعراء: 24].

وعندما جاء موسى - عليه السلام - بالبينات على صدقه، قال فرعون لمن حوله: (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) [الشعراء: 34].

ولأن فرعون رجل ديمقراطي أراد أن ينتصر على موسى أمام الجماهير وجمع السحرة والناس في يوم مهيب: (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً) [طه: 59].

وعندما وجد السحرة أن ما جاء به موسى ليس بسحر، بل هي معجزة عظيمة آمنوا واتبعوا موسى - عليه السلام -، فبدأ التهديد والإرهاب والحصار والتقطيع؛ لعلهم أن يعودوا كما كانوا، فقالوا لفرعون بلسان الواثق بربه: (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) [طه: 72].

وانتصر موسى - عليه السلام - وقومه وأغرق الله فرعون وجنده.

وابتُلي نبي الله يوسف - عليه السلام - بالطعن في أمانته؛ حينما قال إخوته: (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ)[يوسف: 77].
وأُلقِيَ في غيابة الجب كما تلقى الأحجار، وبيع في سوق النخاسة كما يباع العبيد، وشري بثمن بخس دراهم معدودة، وكان من اشتراه فيه من الزاهدين، وخدم في البيوت كما يخدم العبيد، واتهم في عرضه تهمة يتنزه عنها العقلاء فكيف بالأنبياء؟ وألقي بسببها في السجن كما يلقى المجرمون، فلبث فيه بضع سنين.

وغيرهم من الأنبياء والصالحين، والناس في كل زمان ومكان يتعرضون لهذا الابتلاء في حياتهم وأهليهم، ووظائفهم وأولادهم، بل يتعرضون للابتلاء في مجتمعهم وأمتهم، وقد يبتلون في عبادتهم وطاعتهم ودينهم.

وقد يبتلى العالم في علمه، والتاجر في تجارته، وَأَصْحَابُ الْولَايَاتِ فِي ابْتِلَاءٍ عَظِيمٍ بِإِقَامَةِ شَرْعِ اللهِ - تعالى - فِي وِلَايَاتِهِمْ، وَالْحُكْمِ بِالْعَدْلِ فِي رَعَايَاهُمْ، كَمَا أَنَّ رَعَايَاهُمْ مُبْتَلُونَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِمَنْ أَقَامَ حُكْمَ الشَّرِيعَةِ فِيهِمْ، وَبُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّ دَاوُدَ - عليه السلام - لَمَّا حَكَمَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ عَلِمَ أَنَّهُ قَدِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ: (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ)[ص: 24-25].

وَقد يُبْتَلَى الناس ببَعْضِهمْ البِعْضٍ، فِي تَفَاوُتِ أَرْزَاقِهِمْ، وَرِفْعَةِ دَرَجَاتِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْضَى وَيَقْنَعُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْخَطُ وَيَطْمَعُ؛ ومنهم من يشكر النعمة، ومنهم من يجحد ويتكبر ويتنكر لها، وينسى أن المنعم هو الله؛ حتى ظهرت الخصومات بين الناس، وسفكت لأجل ذلك الدماء، وحل التقاطع والهجران، قال - تعالى -: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ)[الأنعام: 165].

أيها المؤمنون -عباد الله-: إن هذا الابتلاء الذي يتعرض له المسلم في حياته، بما فيه من مشقةٍ وشدةٍ، وعسر ومعاناة؛ إلا أن فيه منحا إلهية، وجوائز ربانية، جعلها الله لعباده المؤمنين، وللمجتمع والأمة المسلمة؛ فمن ذلك: تكفير الذنوب والخطايا، ورفع الدرجات، وتطهير النفوس وتزكيتها، وربطها بخالقها، والتمكين والنصر، والتمييز والتمحيص، بين العباد، ومعرفة أهل الصدق، والصبر والإيمان، وكشف وفضح أهل الخيانة والكذب والنفاق، قال - تعالى -: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنكُمْ وَلصَّبِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَرَكُمْ)[محمد: 31].

وقال - تعالى -: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 155].

والمسلم يحتاج إلى أن يحسن التعامل مع الابتلاء، وكيف يستثمره ويستفيد منه؛ فيقوي إيمانه بالله عندما يدرك أن قدر الله لا مناص منه، فيربي نفسه على التسليم والرضا بما قدر الله، قال - تعالى -: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)[الحديد: 22].

فلا يكمل إيمان عبد، ولا يستقيم حتى يؤمن بالقدر خيره وشرّه، ويعرف أن من صفته تعالى أن يُقَّدر ويلطف، ويبتلي ويخفف، ومن ظن انفكاك لطفه عن قدره، فذلك لقصور نظره: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ)[يوسف: 100].

وعن الوليد بن عبادة قال: دخلت على أبي وهو مريضٌ أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي؟ فقال: اجلسوني؛ فلمّا أجلسوه، قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم باللَّه -تبارك وتعالى-، حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قلت: يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أنّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني إني سمعت رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أوّل ما خلق اللَّه القلم، قال: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة... يا بني إن مِتّ ولست على ذلك دخلت النّار" [صحيح- رواه أحمد في " المسند " (5 / 317)، ورواه أبو داود (4700) وابن أبي عاصم في " السنّة " (1 / 48) (رقم: 103)].

قال ابن تيمية - رحمه الله - في مجموع الفتاوى (18/ 213): "هذا الحديث .. دلت عليه النصوص، وهو قول جمهور السلف.."..

ومن ذلك: أن ينظر المسلم إلى الجزاء والثواب، والأجر الذي يناله من هذا الابتلاء جراء صبره وثقته بما عند الله، قال النبي - عليه الصلاة والسلام -: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ إِلَّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا"[رواه مسلم -4663- (12/443)].

وعنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "إِنَّ اللَّهَ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ"[رواه البخاري -5221 - (17/391)] ويريد بحبيبتيه عينيه.
عن أبي موسى - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا مات ولد العبد قال الله - تعالى- لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله - تعالى -: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد"[صحيح الجامع رقم (807)، السلسلة الصحيحة رقم(1408)].

يا له من أجرٍ عظيم، وثواب جزيل لا يناله إلا الصابرون.

اللهم أصلح لنا ديننا ودنيانا وآخرتنا، ووفقنا إلى ما تحب وترضى، وارزقنا الصبر واليقين.

قلت قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه


الخطبة الثانية:
الحمد لله حمدا يليق بجلال الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على طريقته ونهجه، أما بعد:

عبادَ اللهِ: إن مما يخفى على كثير من الناس أن النعم ابتلاء، فيظنونها تكريماً من الله لهم، لا اختباراً لشكرهم، فيسيئون استخدامها، ويغترون بها، ولا يبالون إن كان ذلك يسخط الرب أم لا، فيفسدون ولا يصلحون، وعلى الله يستعلون، وبالله ونعمه يجحدون، وبآلائه يكذبون، هذا قارون: (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) [القصص 76-78].

والله - عز وجل - ذكر لنا أنه يبتلي عباده بالخير كما يبتليهم بالشر، فيقول - سبحانه وتعالى -: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء 35].

ومن هنا يستثمر العبد هذا الابتلاء بالتوبة والرجوع إلى الله، وترك الذنوب والمعاصي، والإقبال على الطاعات والعبادات، قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)[البقرة: 153].

عبادَ اللهِ: وعلى المسلم أن يبذل الأسباب الشرعية والمادية ليدفع عنه البلاء، فإذا ابتلي في جسده بحث عن العلاج، وإذا ابتلي في رزقه مشى في مناكب الأرض يبحث عن العمل، وإذا ابتلي بتسلط ظالم دفعه بكل الوسائل الممكنة، ولا يستسلم لذلك بحجة أنه ابتلاء، قال تعالى: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) [الشورى: 41].

وإذا كان الابتلاء للمجتمع والأمة بشكل عام، سواء كان بالاختلاف والتفرق، أو الأزمات الاقتصادية، أو بتسلط العدو، أو بالأمراض والأوبئة، أو بالكوارث، وغيرها؛ سارع الجميع إلى التعاون والتراحم والتآلف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقديم النفع، وسعى الجميع إلى رأب الصدع، وإصلاح الوضع، وقول كلمة الحق، وبذل كل واحد من الأسباب ما يستطيع، ونأى كل واحد بنفسه عن أن يكون سبباً في إثارة النعرات، وإزهاق الأرواح، وسفك الدماء، وترويع الآمين، فيلقى الله وهو عليه غضبان.

وعلى الجميع التضرع إلى الله والدعاء بأن يرفع البلاء، ويلطف فيه، ويكتب الأجر والثواب، قال -تعالى-: (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[الأنعام43].

اللهم إنا نسألك الصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء.

عباد الله : صلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين
اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين
اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الْأَعْرَافِ: 23]
(رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]

عِبَادَ الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
🎤
*خطبة جمعة بعنوان:*
*حكم سوء الظن بالمسلم*
*للشيخ / إبراهـيم الحقـيل*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبة الأولى:*
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أيها المسلمون: علاقة المسلم بأخيه المسلم أُسِّسَتْ في شريعة الله تعالى على الأخوة و المودة، والتراحم والتعاطف، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات:10].

فكل ما يحقق الأخوة، ويزيد في المحبة بين المسلمين فإن الإسلام قد جاء به، وحضت عليه الشريعة، ورُتب عليه من المثوبة بحسبه.

وكل ما يعكر صفو الأخوة بين المسلمين، ويؤدي إلى الاختلاف والفرقة، والتقاطع والتدابر، نهى عنه الإسلام، وسدّ الطرق المفضية إليه، وله في الشريعة من العقوبة الدنيوية والأخروية ما يناسبه؛ وذلك من أجل أن يكون المسلمون عباد الله إخواناً، ويتعاملون بالحسنى فيما بينهم، فلا يجدُ الشيطان مدخلاً على قلوبهم لإفسادها، وملئها بالعداوة والشحناء، والدغل والضغينة.

ومن أعظم ما يكون سبباً في فساد القلوب، وتغير النفوس، وانقطاع الأواصر، وقطيعة الرحم، وانفصام عرى الأخوة، وزوال المحبة والمودة سوءُ الظن بأخيك المسلم، بلا سبب يوجبه، ولا بينة تدل عليه. وهو البداية التي يبدؤها الشيطانُ مع العبد، فإن استسلم له عمل بموجب ظنونه التي وسوسها الشيطان في صدره، وقاده ذلك إلى كبائر الذنوب، وعظائم الأمور، من التجسس إلى الغيبة والنميمة، والكذب والبهتان والزور، وإشاعة الفاحشة في الأبرياء؛ وكل ذنب منها أعظم من صاحبه، وهي ظلمات بعضها فوق بعض.

وقد أمر الله تعالى باجتناب كثير الظن؛ احترازاً من الوقوع في الإثم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) [الحجرات:12].

قال الزرقاني -رحمه الله تعالى-: "الظن تهمةٌ تقع في القلب بلا دليل". وقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إياكم والظنَّ! فإن الظن أكذب الحديث".

وإنما كان الظن أكذب الحديث لأن الشيطان هو الذي يقذفه في قلب العبد، والشيطان ساعٍ أبداً في إغواء بني آدم ولو بالكذب، ولما صدق الشيطان مرة قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي هريرة -رضي الله عنه-: "أما إنه قد صدقك وهو كذوب". فالصفة الملازمة له هي الكذب، فكان ما يقذفه في قلب المسلم على أخيه المسلم من وساوس وخطرات وظنون من أكذب الحديث.

وخطورة الظن تكمن في أن صاحبه يعتقد أنه مستندٌ في ظنه هذا إلى أصل يتكئ عليه، وليس كذلك على وجه الحقيقة، فيكون الاغترارُ به أكثر من الاغترار بالكذب المحض الذي يظهر عواره لكل أحد، ولا مستند لصاحبه.

ونقل الحافظ ابن حجر عن القرطبي -رحمهما الله تعالى- قوله: "المراد بالظن هنا التهمة التي لا سبب لها؛ كمن يتهم رجلاً بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها؛ ولذلك عُطف على (وَلا تَجَسَّسُوا) وذلك أن الشخص الذي يقعُ له خاطرُ التهمة فيريد أن يتحقق، فيتجسس ويبحث ويستمع فنهي عن ذلك، وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: (اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) [الحجرات:12]، فدل سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة؛ لتقدم النهي عن الخوض فيه بالظن، فإن قال الظانُّ: أبحث لأتحقق؛ قيل له: (وَلا تَجَسَّسُوا)، فإن قال: تحققت من غير تجسس؛ قيل له: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً).
وإذا اعتبرت الظنون، واستمع إلى مُصدِّريها؛ فشت الشائعات، وانتشرت الغيبةُ والنميمة، وأُخذ البُرَآءُ بمجرد الظنون والأوهام؛ فيتولد عن ذلك الأحقاد والضغائن، والانتقام والثارات، وحينئذ لا يأمن الناس على أنفسهم! فإن سلموا من الوقوع في الظن السيئ بإخوانهم، واتهام الأبرياء بمجرد الظنون، لم يأمنوا من أن يُلصق بهم ما ليس فيهم.

من أجل ذلك نُهي رأس القوم من أمير أو وزير أو مدير أو شيخ قبيلة، عن الاستماع إلى نقلة الكلام، والمتفكهين بالأعراض، الذي ليس لهم من البضاعة إلا القيل والقال، والظنون والأوهام؛ لئلا يصيبوا بريئاً بشر، وحتى لا تربح سوق الكلام والشائعات؛ فإن كثرة الطلب تزيد في العرض؛ فإذا ما استمع لأهل الظنون كثر العارضون لبضاعتهم الرديئة في أعراض الناس، وحصل للشيطان ما يريد من التحريش بين العباد، روى أبو أمامة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم". رواه أحمد وأبو داود بإسناد حسن.

وروى أبو داود وصححه ابن حبان من حديث معاوية -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم" قال: يقول أبو الدرداء: "كلمة سمعها معاوية من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفعه الله بها".

وذلك أن معاوية -رضي الله عنه- صار رأساً للناس في وقته بتوليه الخلافة، فكان لا يأخذ بالريبة، ولا يتبع عوراتهم عملاً بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-.

إن الشريعة الغراء جاءت بحسم مادة الشر بين الناس، وإغلاق الأبواب الموصلة إلى العداوة والبغضاء، وإخراس الألسن التي تلوك الأعراض؛ فلا يقبل قذفٌ إلا بشهود عدول، يرون الزنا صراحة بلا لبس ولا غموض، وإلا كان الحد في ظهورهم ثمانين جلدة. ولما وقع من وقع في الإفك وخاض في عرض الصديقة الطاهرة من خاض فيه؛ حدَّهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم من صالحي المؤمنين، وعاتبهم الله تعالى فقال:(لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) [النور:12].

وجاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قد داخلته الريبة في امرأته، وأحاطت به ظنون السوء فيها؛ لأنها ولدت غلاماً أسود على غير لونه ولونها، فأزال النبي -صلى الله عليه وسلم- ما في قلبه من ظن وريبة بسؤاله عن لون إبله، فقال: ألوانها حمر. قال: "هل فيها من أورق؟" قال: نعم، قال: "فأنى ذلك؟" قال: لعله نَزَعهَ عرق، قال: "فلعل ابنك هذا نَزَعَه عرق" رواه الشيخان.

إن الواجب على المسلم أن لا يظن بإخوانه إلا خيراً، فإن وقع في قلبه شيءٌ من الظن حرم عليه العمل بموجب ظنه هذا، فلا يتجسس ولا يتكلم في عرض أخيه، فإذا لم يعمل بموجب ظنه، وأمسك عن العمل والكلام فإن ما وقع في قلبه معفي عنه؛ لعجزه عن دفعه، فالقلوب لا يملكها إلا الله تعالى، قال سفيان الثوري -رحمه الله تعالى-: "الظنُّ ظنَّان: ظنٌّ فيه إثم، وظنٌ ليس فيه إثم؛ فأما الظن الذي فيه إثم فالذي يتكلم به، وأما الظن الذي ليس فيه إثم فالذي لا يتكلم به".

وقال ابن الأثير -رحمه الله تعالى- تعليقاً على الحديث: "إياكم والظنَّ!": "إياكم وسوء الظن! وتحقيقه، دون مبادئ الظنون التي لا تُملك، وخواطر القلوب التي لا تُدفع، معناه: لا تبحثوا عن عيوب الناس، ولا تتبعوا عوراتهم".

والواجب على المسلم أن يُدافع ما يقع في قلبه من ظنون على إخوانه، ويغالبها، ويخرجها من قلبه؛ حتى يكون قلبه سليماً على إخوانه المسلمين، فأسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءاً إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل، وليس له مخرج من المخارج، فعند ذلك لا يمكنك أن تعتقد إلا ما علمته وشاهدته، وما لم تشاهده بعينك، ولم تسمعه بأذنك، ثم وقع في قلبك فإنما الشيطان يلقيه إليك، فينبغي أن تكذبه؛ فإنه أفسق الفساق، وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات:6].

وإن كان ظنك بأخيك ناشئاً عن كلام نقل إليك فالواجب عدم تصديق الناقل بلا بينة، وناقل الكلام بين الناس نمام أو مغتاب، فهو فاسق لا يُقبل قوله، ويجب نصحه.

وإن وقع الظنُ بسبب عمل أو كلمة محتملة قالها أخوك المسلم فلا تحملها على السوء ابتداءً وأنت تجد لها في الخير مخرجاً؛ لأن الأصل سلامةُ المسلم، فلا يُعدَل عن الأصل إلا بيقين أو غلبة ظن، وهو ما لا تفيده كلمة محتملة.

قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لا يحل لامرئ مسلم سمع من أخيه كلمة أن يظن بها سوءاً وهو يجد لها في شيء من الخير مصدراً".
وقال سعيد بن المسيب -رحمه الله تعالى-: "كتب إليَّ بعض إخواني من أصحاب رسول -صلى الله عليه وسلم-: أن ضعْ أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظننَّ بكلمةٍ خرجت من امرئ مسلم شراً وأنت تجد لها في الخير محملاً" رواه البيهقي.

أسأل الله تعالى أن يحفظنا والمسلمين من وساوس الشيطان، ومن القيل والقال، وأن يجعل قلوبنا سليمة على إخواننا المسلمين، إنه سميع مجيب.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.


*الخطبة الثانية:*
الحمد لله على فضله، وإحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه،وسلَّم تسليماً كثيرًا، أما بعد:

الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- وأطيعوه، واحذروا المعاصي فإنها سبب فساد القلوب والأعمال، ومن فسد قلبه وعمله فهو حريٌّ بالهلاك والعذاب، (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء:88-89].

أيها المسلمون: كما نُهي المسلم عن الظن الباطل بأخيه المسلم، فهو منهيٌ كذلك عن الأعمال والأقوال التي تجعله محل التهمة، وتورد ظنون السوء فيه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، ولما ذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- مع زوجه صفية ليقلبها إلى البيت من معتكفه، ورآه رجلان فأسرعا قال -عليه الصلاة والسلام-: "على رسلكما، إنها صفية بنت حيي. فقالا: سبحان الله يا رسول الله!، وكَبُرَ عليهما، فقال -عليه الصلاة والسلام-: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءاً -أو قال- شيئاً" رواه الشيخان.

قال ابن دقيق العيد -رحمه الله تعالى-: "وهذا متأكَّد في حق العلماء، ومن يُقتدى بهم، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلاً يوجب سوء الظن بهم، وإن كان لهم فيه مخلص؛ لأن ذلك سببٌ إلى إبطال الانتفاع بعملهم، وقد قالوا: إنه ينبغي للحاكم أن يبين وجه الحكم للمحكوم عليه إذا خفي عليه، وهو من باب نفي التهمة بالنسبة إلى الجور في الحكم".

ومرَّ عمر -رضي الله عنه- برجل يكلم امرأة على ظهر الطريق فعلاه بالدّرة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنها امرأتي، فقال -رضي الله عنه-: "هلا حيث لا يراك أحد من الناس".

وأُمر المسلم إذا سافر في رمضان وأفطر أن لا يجاهر بفطره أمام الناس لئلا يُظن به سوءاً، وإذا صلَّى وحضر الناس وهم يصلون فإنه يصلي معهم مرة أخرى؛ لئلا يُظن به السوء أيضاً، فعن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه أنه صلى مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو غلامٌ شاب، فلما صلى إذا رجلان لم يصليا في ناحية المسجد، فدعا بهما؛ فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟! قالا: قد صلينا في رحالنا. فقال: لا تفعلوا، إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يصل فليصل معه، فإنها له نافلة" رواه أبو داود والترمذي.

ومن كان مجاهراً بالمعاصي، مظهراً لفسقه، معلناً منكراته، فليس له حرمة، والأصل فيه التهمة؛ لقلة دينه وحيائه، إلَّا أن يتوب من ذنبه، ويقلع عن غيه.

أيها الإخوة: في زمن الفتن تكثر الأقاويل، وتسري الإشاعات في الناس، وتروج سوق أهل الريب والظنون الفاسدة، ويُظن بأهل الخير والصلاح ما ليس فيهم؛ فتُلاك أعراضهم، ويقع الناس في غيبتهم! وإن كان في بعضهم ما يلصق به فليس من النصيحة التشهيرُ والتعييرُ، وتناقل العثرات، وتسليط الضوء على الزلات.

قال أبو حامد الغزالي -رحمه الله تعالى-: " ومهما خطر لك خاطر بسوء على مسلم فينبغي أن تزيد في مراعاته، وتدعو له بالخير؛ فإن ذلك يغيظ الشيطان، ويدفعه عنك بالدعاء والمراعاة؛ ومهما عرفت هفوة مسلم بحجة، فانصحه في السر، ولا يخدعنك الشيطان فيدعوك إلى اغتيابه، وإذا وعظته فلا تعظه وأنت مسرور بإطلاعك على نفسه؛ لينظر إليك بعين التعظيم، وتنظر إليه بعين الاستحقار، وتترفع عليه بإبداء الوعظ؛ وليكن قصدك تخليصه من الإثم وأنت حزينٌ كما تحزن على نفسك إذا دخل عليك نقصانٌ في دينك، وينبغي أن يكون تركه لذلك من غير نصحك أحبَّ إليك من تركه بالنصيحة، فإذا أنت فعلت ذلك كنت قد جمعت بين أجر الوعظ، وأجر الغم بمصيبته، وأجر الإعانة على دينه".
ألا فاتقوا الله –أيها المسلمون- وظنوا بإخوانكم خيراً، وإياكم ووساوسَ الشيطان وخطَراتِه وخُطُواتِهِ! (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [النور:21].

وصلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)[الأحزاب: 56].
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد.
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين

اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل.
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها.
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر.
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
🎤
*خـطبـة جمـعـة بعـنــوان :*
*الــغـــفـــلة.عن.الـــمــــــوت.tt*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبــة.الأولــى.tt*
الحمد لله العليم الحكيم؛ خلق عباده فقسم أرزاقهم، وضرب آجالهم، فلا يتقدم الموت على أحد قبل أجله، ولا يتأخر عنه ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون:11].

نحمده على ما أعطانا، ونشكره على ما أولانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ لا يقضي على المؤمن بقضاء إلا كان خيرا له، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فعليه السخط، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه؛ والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:
أيّها المسلمون، إنكم في دارٍ ليست للبقاء وإن تراخى العمر وامتدَّ المدى. أيّامُها مراحل، وساعاتها قلائل، والمرءُ لا شكَّ عنها راحِل. شبابُها هرَم، وراحتُها سَقَم، ولذّاتُها نَدَم. الدنيا قنطرةٌ لمن عَبَر وعبرةٌ لمن استبصَر واعتبر، ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ ( آل عمران:185).

فاستبقوا الخيرات، وبادِروا قبل أن تتمنّوا المهلةَ وهيهاتَ هيهات، ولا تغترّوا بحياةٍ تقود إلى الممَات، لا يُرى في حُشودِها إلاّ الشتات، ولا يُسمَع في ربوعِها إلا "فلان مرِض" و"فلان مات".

أيّها المسلمون:
الدنيا قد آذنت بالفِراق، فراق ليس يشبهُه فراق، قد انقَطع الرجاءُ عنِ التلاق، ﴿ وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ﴾ (القيامة:29، 30).

فطوبى لمن فرَّ من مَواطِن الرِّيَب ومواقِع المقتِ والغضَب، مستمسِكًا بدينه، عاقدًا عليه بكِلتا يدَيه، قد اتَّخذه من الشّرور ملاذًا ومن الفِتنِ مَعاذًا. ويا خسارَ من اقتَحَم حِمى المعاصي والآثام، وأَرتعَ في الموبقاتِ العِظام، وأحكَم عَقدَ الإصرارِ على الذنوبِ والأوزار. هلك المصِرّ الذي لا يُقلِع، وندِم المستمرُّ الذي لا يَرجِع، وخابَ المسترسِلُ الذي لا ينزِع، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ ﴾ (الحجرات:11).

وما أقبحَ التفريطَ في زمن الصِّبا فكيـف به والشيبُ نازل؟!

ترحّل عن الدنيا بزادٍ من التُّقى فعُمرك أيّـام تُعَدّ قلائـل

عباد الله:
اعلموا يا رعاكم الله أن الموت مهلك العباد، وموحش البلاد، وميتم الأولاد، ومُذل الجبابرة الشداد، لا يعرف الصغير ولا يميز بين الوضيع والوزير، سيوفه على العباد مصلته، ورماحه على صدورهم مشرعة، وسهامه لا تطيش عن الأفئدة

فكم شيّعنا من الأقران، كم دفنّا من الإخوان , كم أضجعنا من الجيران، كم فقدنَا من الخِلاّن. فيا مَن يُقصدُ بالموت ويُنحَى، يا من أسمعته المواعظُ إرشادًا ونُصحًا، هلاّ انتهيتَ وارعَوَيت، وندمتَ وبكَيت، وفتحتَ للخير عينَيك، وقُمتَ للهُدى مَشيًا على قدمَيك، لتحصُل على غايةِ المراد، وتسعَد كلَّ الإسعاد، فإن عصيتَ وأبيت وأعرضتَ وتولّيت حتى فاجأك الأجل وقيل: "ميْت" فستعلم يومَ الحساب مَن عصَيت، وستبكي دمًا على قُبح ما جَنيتَ، ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾.

واعلمو أن الموت هو مفارقة الروح الجسد، وإنه انتقال من حال إلى حال ومن دار إلى دار، ولقد سمى الله الموت في كتابه مصيبه كما قال جل في علاه: ﴿ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ﴾ (المائدة: 106)

نعم الموت مصيبة لكن المصيبة الأعظم هي الغفلة عن الموت عدم تذكر الموت عدم الاستعداد للموت، لقد أوعظنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بموعظة من أبلغ مواعظه تلين القلوب وتدعو إلى المحاسبة وتذكرنا بالآخرة فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((أكثروا من ذكر هاذم الذات ))

نعم أيها الغالي يوم غفلنا عن الموت وسكرته والقبر وظلمته والسؤال وشدته ويوم القيامة وكرباته والصراط وحدته، يوم غفلنا عن هذه الأشياء قست القلوب وظهر الفساد في البر والبحر، فاعلمو عباد الله إن من كان للموت ذاكراً كان للموت مستعـداً، قال أبو علي الدقاق (من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاث أكرم بتعجيل التوبة ونشاط في العبادة وقناعة في القلب، ومن نسي الموت عوقب بثلاث تسويف في التوبة وكسل في العبادة وعدم القناعة في القلب )، وذكر الموت يقلل كل كثير ويكثر كل قليل، ويزهد في الدنيا، ويعين على العمل الصالح والإكثار من ذكر الله هو سبيل المؤمنين وعباد الله المتقين.

كان الحسن بن يسار كثيراً ما يقول: "يا ابن آدم! نطفة بالأمس، وجيفة غداً، والبلى فيما بين ذلك يمسح جبينك كأن الأمر يعني بع غيرك،إن الصحيح من لم تمرضه القلوب، وإن الطاهر من لم تنجسه الخطايا، وإن أكثركم ذكراً للآخرة أنساكم للدنيا، وإن أنسى النّاس للآخرة أكثرهم ذكراً للدنيا، وإنّ أهل العبادة من أمسك نفسه عن الشر، وإن البصير من أبصر الحرام فلم يقربه، وإنّ العاقل من يذكر يوم القيامة ولم ينس الحساب".
إذاً يا رعاك الله مما يرقق القلوب التفكر في الموت وفي أحواله وفي القبر وظلماته، فبالله عليك أخي هل تفكرت يوماً وأنت تخرج في الصباح أنك لن ترجع إلى بيتك مرة ثانية، هل تفكرت أن هذا اليوم هو آخر يوماً لك في الحياة، هل إذا أتاك ملك الموت في هذا اليوم أنت راض عن نفسك، هل أنت راضٍ عن عملك الذي ستقابل به ربك؟ هل تخيلت حالك قبيل الموت كيف تكون؟ هل تخيلت أنفاسك الأخيرة على أي حال ستنقضي وهل ستكون ممن يحبون القدوم على ربهم أم ستكون كالعبد الآبق يطلب الرجعة؟ فيا أخي أنت الآن في مهلة فاغتنم فرصة العمل قبل انقضاء الأجل، فوالله لا ينفعك أن تقول: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ فلا تغفل أيها الغالي عن الموت فإنه ليس له مكان معين، ولا زمن معين، ولا سبب معين، ولا عمر معين يأتيكم بغته وأنتم لا تشعرون ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (الجمعة: 8).

عباد الله:
إن الناس عند الموت على حالين إما محبٌ للقاء الله فيحب الله لقائه، وإما كارهٌ للقاء الله فيكره الله لقائه، قالت عائشة يا رسول الله كلنا يكره الموت قال: (( لا يا عائشة ليس ذاك لكن هو العبد الصالح - العبد المستقيم – عند سكرات الموت تأتيه ملائكة الرحمن تبشره بروح وريحان ورب راضي غير غضبان فيفرح بلقاء الله فيفرح الله بلقائه، أما العبد العاصي – العبد الغافل – فتأتيه ملائكة الرحمن تبشره بسخط وعذاب من الله فيكره لقاءِ الله فيكره الله لقائه )). فاستعدوا للموت عباد الله قبل أن يفاجئكم، قال أبو الدرداء رضي الله عنه وهو يحتضر( ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه؟ ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا؟ ثم بكى فقالت له امرأته: أتبكي وقد صاحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ومالي لا أبكي ولا أدري علام أهجم من ذنوبي )، وبكى أبو هريرة رضي الله عنه في مرضه فقيل له ما يبكيك فقال:( أما إني لا أبكي على دنياكم هذه ولكني أبكي على بعد سفري وقلة زادي وإني أصبحت في صعودٍ مهبط على جنة أو نار ولا أدري أيهما يأخذ بي ).

فتخيل يا عبد الله نفسك وأنت على فراش الموت تعاني مرارة الموت، وتخيل ممشاك إلى القبر، وتخيل مبيتك فيه وحيداً فريداً في حفرة ضيقة مظلمة مغلقة محكمة، تخيل أول ليلة تبيتها وأول نزلة تنزلها وأول سؤال تسمعه في القبرمن ربك ما دينك ماذا تقول في الرجل الذي بعث فيكم، تخيل ذلك وتخيل حالك كيف سيكون حينها، عن أنس رضي الله عنه قال:( ألا أحدثكم بيومين وليلتين لم تسمع الخلائق بمثلهن أول يوم يجيئك البشير من الله تعالى إما برضاه وإما بسخطه، ويوم تعرض فيه على ربك آخذ كتابك إما بيمينك أو بشمالك، وليلة تستأنف فيها المبيت في القبور وليلة تمخض صبيحتها يوم القيامة).

فاعلم أخي أن الموت هو الخطب الأفظع والأمر الأشنع والكأس التي طعمها أكره وأبشع وأنه الحادث الأهدم للذات والأقطع للراحات والأجلب للكربات والمفرق للجماعات، فإن أمراً يا رعاك الله يفرق أعضائك ويقطع أوصالك ويهدم أركانك لهو الأمر العظيم والخطب الجسيم.

فيا أيها الناس:
قد آن للنائم أن يستيقظ من نومه، وحان للغافل أن ينتبه من غفلته قبل هجوم الموت بمرارة كأسه وقبل سكون حركاته وخمود أنفاسه وقبل رحلته إلى قبره وخلوده بين أرماسه. فمثل لنفسك يا مغرور فمثل يا رعاك الله وقد حلت بك السكرات ونزل بك الأنين والغمرات والناس من حولك مجتمعون تسمع كلامهم وتريد أن تكلمهم فلا تستطيع، فخيل لنفسك يا ابن آدم إذا أخذت من فراشك إلى لوح مغتسلك فغسلك المغسل وأنت جثة هامدة لا حركة ولا نفس وألبست الأكفان وأوحش منك الأهل والجيران وبكت عليك الأصحاب والأخوان وصلو عليك صلاة لا ركوع ولا سجود لها وحملوك إلى القبر وأنزلوك فيه وأدخلوك في ذلك اللحد الضيق المظلم ثم هلو عليك التراب وانصرفوا عنك وتركوك وحيداً، لا صديق ولا قريب الكل سينصرف عنك حينها ولا يبقى معك إلا ما قدمت من عمل، فتخيل ذلك وتخيل جلوسك لسؤال وما جوابك لهذا السؤال.

عباد الله:
إن الموت ساعة لا بد منها طال العمر أو قصر وإنه لو كان الموت هو نهايتنا ولو أننا من بعده تركنا لـكان الموت أهون علينا بل إن هناك أمور وأهوال وشدائد من بعد الموت هناك بعث ونشور وحشر وجزاء وحساب في محكمة قاضيها هو الله وجنوده الزبانية وساحتها القيامة، وأن هناك صراط وجنة ونار، فاستعد أخي لهذه الأهوال.

عباد الله:
إذا كان هذا الأمر قد أصاب الأنبياء والمرسلين والأولياء المتقين فمالنا عن ذكره مشغولين وعن الاستعداد له متخلفين، فلمثل هذا اليوم أخي فلتعد الزاد، ولمثل هذا اليوم فلتهجر العناد والفساد، ولمثل هذا اليوم فلتتقي رب العباد. فيا عبد الله ألا دموع تذرفها، ألا زفرات تنفثها، ألا توجعات من بين الضلوع تخرجها، حقا يا عباد الله قست القلوب وران عليها غطاء الذنوب نودع الأموات وها نحن قبل الممات أموات.
عباد الله:
إنه كأس الموت وهو حُكم الحي الذي لا يموت تبارك وتعالى، فهل تذكرت يوماً أخي أنك ستتجرع يوماً هذا الكأس حتى النهاية، فيا كثير السيئات غداً ترى عملك، ويا هاتك الحرمات إلى متى تديم زللك، ويا آكلاً لحوم الناس بالغيبة والنميمة ويا مفرط لصلوات ويا هاجراً للقرآن وعاكفاً على الأغاني والأفلام الخليعة والملهيات إلى متى سيبقى هذا هو حالك وإلى متى ستبقى تعصي رب الأرض والسماوات، أأمنت الموت وسكرته أم أنك أيقنت أنك ستعيش إلى الغد، أما تعلم أن الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل، أما تعلم أن الموت يسعى في تبديد شملك، أما تخاف أن تؤخذ على قبيح فعلك، وا عجباً لك من راحل تركت الزاد في غير رَحَلِك، أين فطنتك ويقضتك وتدبير عقلك؟ أما بارزت بالقبيح فأين الحزن؟ أما علمت أن الحق يعلم السر والعلن؟ ستعرف خبرك يوم ترحل عن الوطن، وستنتبه من رُقادك ويزول هذا الوسن، قال يزيد بن تميم (من لم يردعه الموت والقرآن ثم تناطحت عنده الجبال لم يرتدع ).

عباد الله:
إن الموت حق لا ريب فيه ويقين لا شك فيه، فمن يجادل في الموت وسكرته،ومن يخاصم في القبر وضمته، ومن يقدر على تأخير موته وتأجيل ساعته، ﴿ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ فلماذا تتكبر أيها الإنسان وسوف تأكلك الديدان، ولماذا تطغى وفي التراب ستلقى، فيا عبد الله لا تغفل عن الموت وأعد الزاد لحين خروج الروح ومفارقتها جسدك لعل الله يرحمك ويختم لك بالصالحات أعمالك.

الموت يردع عن المعاصي، ويُلين القلب القاسي، فما الذي جرى للناس؟ ألم يقل طبيب القلوب - صلى الله عليه وسلم -: "أكثروا من ذكر هاذم اللذات"؟ ألم يرو عنه - صلى الله عليه وسلم -: "كفى بالموت واعظا"؟! فمن لم يعظه الموت فمَن؟ ومن لم تعظه مشاهد الاحتضار فمن؟ ومن لم تعظه سكرات الموت فمن؟ ومتى العمل؟ يا غفلاً عن الموت؟ أعند نزول الموت؟ أمبعد الموت؟ أمفي القبر؟ هيهات هيهات! لا إله إلا الله! كيف لا نرى حالنا؟ والموت أمامنا والقبر منامنا، والقيامة موقفنا، وجسر جهنم طريقنا، ولا ندري ما يفعل بنا. فيا كثير السيئات! إن للموت سكرات! يا هاتك الحرمات! إن للقبر ظلمات! يا صاحب الشهوات! إن للنار زفرات! اسأل نفسك ماذا أعددت لكل هذا؟ حسرات، عبرات، سكرات، قبور موحشات، عظام نخرات، يا أسير الغفلات!.

ولو انا إذا مِتْنَا تُرِكْنَا
لكان الموتُ غايةَ كُلِّ حيِّ
ولكنَّا إذا متنا بُعثنا
ونُسأل بعده عن كل شيء

معاشر المسلمين:
إذا كان الموت مصير كل حي ونهاية كل شيء ألا يتعظ العاقل وينزجر الغافل من الغفلة عن المصير، والسؤال عن الكبير والصغير؟ ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (الجمعة:8).

اليوم تُعزِّي وغدا يعزى فيك، واليوم تبكي وغدا يبكى عليك.

وإذا حَمَلْتَ إلى القبور جنازةً
فاعلَمْ بأنَّكَ بعدها محمولُ

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 185].

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم


*الخطبــــة.الثانيــــة.tt*
الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أمّا بعد: عباد الله:
قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ما من بيت إلا وملك الموت يقف على بابه في كل يوم خمس مرات، فإذا وجد إنساناً قد نفد رزقه وانقطع أجله ألقى عليه غم الموت؛ فغشيته كرباته وغمراته، فإذا جزع أهله من مصابه وحزنوا على فراقه قال لهم ملك الموت: ويلكم، مِمَّ الفزع وفيم الجزع؟ فما أذهبت لواحد منكم رزقاً ولا قربت له أجلاً، ولا أتيته حتى أمرت، ولا قبضت روحه حتى استأمرت، وإن لي فيكم عودة ثم عودة حتى لا أبقى فيكم أحداً ".

ويروى عنه - صلى الله عليه وسلم -: " فوالذي نفسي بيده لو يرون مكانه ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على أنفسهم، حتى إذا حمل الميت على سريره أو على نعشه رفرف روحه فوق نعشه وينادي: يا أهلي ويا ولدي! لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي؛ جمعت المال من حله ومن غير حله ثم خلفته لغيري؛ فالهناة له والتبعة عليّ. فاحذروا مثل ما حل بي ".

فيا عبد الله:
تذكر هذه اللحظة الحاسمة فإنها لحظة فضيحة وكرامة يفضح فيها العصاة إذا أنخضلوا، ويكرم فيها المؤمن بالثبات.
فالتقوا الله عباد الله وأبكوا على أنفسكم قبل أن يبكى عليكم، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، واحملوا أنفسكم على الطاعات قبل أن تحملوا على الرقاب، واستعدوا للموت قبل أن ننادي بأعلى الصوت رباه ارجعون فلا يستجاب لنا. والاستعداد للموت ليس بالأماني الباطلة والألفاظ المعسولة بل هو بهجر المنكرات، والثواب إلى رب الأرض والسموات، وإزالة الشحناء والبغضاء والعداوة من القلوب وبر الوالدين وصلة الرحم.

ولكن يا عبد الله متى يستعد للموت من تظلله سحائب الهوان ويسير في أودية الغفلة؟! متى يستعد للموت من لا يبالي بأمر الله في حلال أو حرام؟! متى يستعد للموت من هجر القرآن، والمساجد، ومن أكل أموال النّاس بالباطل وأكل الربا وارتكب الزنا والواط والمحرمات؟! كيف ومتى سيستعد للموت من لوث لسانه بالغيبة والنميمة وامتلأ بالحقد والحسد وضيع أوقات عمره في تتبع عورات المسلمين والوقوع في أعراضهم؟! فلن نستعد إخوة الإيمان ولنتعظ بما نراه في المقابر ونعتبر، فحامل الجنازة اليوم محمول غدًا، ومن يرجع من المقبرة إلى بيته سيُرجع عنه غدًا، ويُترك وحيدًا فريدًا مرتهنًا بعمله، فإن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.

فيا من قطَعْتَ صلتك بالمساجد، ماذا تقول إذا بلغت الروح الحلقوم؟ ويا مَن أنشأت أولادك على الفساد، وجلبت لهم ما يسيء إلى القيم والاعتقاد، ويا مَن أدمنت الخمور، ويا من تسعى في أذية الناس، ويا من وقعت في الزنا وهتك الحرمات، ويا مَن ظلَمْتَ العباد وسعيت بالفساد، ما هو حالك عند الموت، وماهي خاتمتك، وهل ستوفق للنطق بالشهادتين عند الموت أم سيُحال بينك وبينها كما فعل بغيرك؟! ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ﴾ [سبأ: 54]

فيا أيّها المذنب وكلنا كذلك عد إلى ربّك وجدد التوبة قبل فوات الأوان ولات ساعة مندم، فالحذر الحذر يا عبدالله والبدار البدار والتوبة التوبة وعلينا جميعاً الاستعداد لذلك اليوم وتلك النهاية كما كان هو دأب السلف الصالح. فلموت قادم إلينا لا محاله منه ولا مفر، فلنصلح البقية الباقية من أعمارنا في عبادة الله عز وجل، فوالله ما خلقنا إلا لعبادة سبحنه.

فاتقوا الله عباد الله، وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه، وارض اللهم عن البررة الأتقياء، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحم حوزة الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.

اللهم اجعل خير أعمارنا أخرها وخير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم أطل أعمارنا وأصلح أعمالنا، اللهم امنن علينا بتوبة نصوح قبل الموت وشهادة عند الموت ورحمة بعد الموت يا رب العالمين. اللهم اختم لنا بخاتمة السعادة، واجعلنا ممن كتبت لهم الحسنى وزيادة، يا كريم يا رحيم.

عباد الله:
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فذكروا الله الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM