زاد الخـطــيــب الـــدعـــــوي📚
8.39K subscribers
5 photos
212 files
3.2K links
الـشـبـكـة الـدعـــويــة الـرائـــدة
المتخصصة بالخطـب والمحاضرات
🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•

للتواصل مع إدارة القناة
إضغط على الرابط التالي
@majd321
Download Telegram
🎤
*خطبة جمعة بعنوان:*
*من أسباب زلل الأقدام بعد الثبوت*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

الحمد لله الذي أنزل على عبدِه الكتابَ.. وجعَلَ فيه النجاةَ لمن اتقى ربه وأناب..
خلق خلقه من تراب.. أجرى السحاب.. وهزم الأحزاب..

-أحمده -سبحانه-، دلَّ عبادَه على طريق جنَّتِه، وجعلها مفتَّحة لهم الأبواب،

وأشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له.. يخلق ما يشاء ويختار.. ويتوب -سبحانه- على مَنْ تاب...

تَبَـسَّـمْ وَانْتَظِـرْ فَـرَجـًا قَـرِيبـًا
بِقَلْبٍ مِنْ هُمُـومِ الْعَيْشِ خَـالِ

وَهَـمّـًا قَـدْ بَــدَا يَـومــًا كَبِـيرًا
صَغِيرًا إِنْ لَجَـأَتَ لِذِي الْجَلَالِ

فَـرَبُّـكَ كَـمْ يُغَـيِّرُ فِـي ثَـوَانٍ
حَيَـاةَ الْعَبْـدِ مِـنْ حَـالٍ لِحَـالِ

فَـوَجِّـهْ نَحـوَ بَــابِ اللَّهِ كَـفًّـا
وَحَاشَا أَنْ تَعُودَ بِلَا نَوَالِ

-وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا وقائدنا وقدوتنا وقرة أعيننا.. محمدا عبد الله ورسوله.. وخِيرته مِنْ خَلْقِه.. النبي المصطفى الأواب..

إلى خَيرِ العِـبَـادِ كَتبْتُ شِعري
وكلُّ قصَائِدي جَاءتْ تُصَلِّي

على المختَارِ مَنْ بالنّورِ جَانَا
وأنقَذَنا منَ الجَهلِ المُضِلِّ

عليهِ اللَّهُ صَلَّى في عُلاهُ
وكمْ في الأُفْـقِ مِنْ مَلَكٍ يُصَلِّي

فَصَلَّوا دائِمـًا أَبدًا عَلـيه
لِتَحظَوا بِالجِنانِ وبالـتَّجَلِّي

-اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه، صلاةً وسلامًا دائمينِ إلى يوم البعث والنشور والجزاء والحساب.

-أَمَّااااا بَعْدُ:
عبادالله: فَأُوصِيكُمْ ونفسي المخطئةالمذنبةبتقوى الله:
((يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَموتُنَّ إِلّا وَأَنتُم مُسلِمونَ))[آل عمران].

-أيها الأحبةالكرام:
ستكون خطبتنااليوم بعنوان:
(((من أسباب زلل الأقدام بعدالثبوت))).

أحبتي: يقف المسلم أمام آيات كتاب الله.. متأملاً نداءات الحق سبحانه وتعالى.. التي تبني المجتمعات، وتصون العهود، وتزن المبادئ... ومن الآيات الجامعة في هذا الباب، قول الله تعالى في سورة النحل: ((وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)).
​تتضمن هذه الآية.. تحذيراً شديداً.. وعظة جليلة.. حول الخطورة البالغة.. لنقض العهود واتخاذ الأيمان وسيلة للغدر والخديعة:
​"دَخَلًا بَيْنَكُمْ": "الدَّخَل": وهو الخيانة والخديعة والإفساد.. والمكر...
أي: أنهم يستخدمون العقود، والمواثيق، والعهود التجارية والأسرية.. كوسيلة للتغرير والاستغلال بدلاً من التوثيق والاطمئنان.
حيث أن​ "العهد واليمين في الإسلام.. ليسا مجرد كلمات تُقال... بل هما وثيقة أمان يبتنى عليها صرح المجتمع.. ومتى ما اختُلت الأمانة.. واتُخذت الأيمان خديعة ومكرًا، تنزع الثقةبين الناس..

لأنه حين يستعمل الإنسان الأيمان والعهود.. كوسيلة للتمويه أو لتخدير الآخرين.. حتى يتمكن منهم.. ثم يَنْقُضُ عهده، فقد جعل يمين الله دَخَلاً وخيانة.. فينفرط عقد الثقة بين الناس.
فتكون النتيجة لذلك.. زلل الأقدام.. حيث مثل الحق سبحانه هَولَ العاقبة بقوله ((فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا))؛
-فتأملوا أحبتي.. إلى الصورة البيانيةفي هذه الآية.. فالآية: لم تقل "فتسقطوا"، بل استعارت "زلل القدم".. للدلالة على السقوط المفاجئ والسريع.. لمن كان يظن نفسه ثابتًا وآمنًا...
-​وهذا تشبيه بلاغي بديع.. حيث شُبّهت حالة السقوط من الاستقامة والإيمان.. إلى الانحراف والضلال.. بقدم كانت ثابتة تمشي على طريق مستقيم.. ثم زلت وسقطت.
-​والتنكير في «قَدَمٌ» يفيد العموم.. أي: أيّ قدم، ولو كانت راسخة في العبادة أو العهد.. يمكن أن تزلّ.. إن استهانت بالعهود، وأخفرت الأمانات.
وقد قال الله لنبيه محمدﷺ
وهو المؤيد بالوحي.. والمغفور له ما تقدم من ذنبه وماتأخر.. وقدكان يقيم الليل حتى تتورم قدماه..ومع هذا كله يقول له((وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا))..
وأن أخطر السقوط.. هو السقوط بعد الاستقامة...
فالخيانة والغدر.. لا يؤديان فقط إلى ضياع حقوق الناس.. بل إلى سقوط العبد في دينه.. بعد أن كان ثابتاً مستقيماً.. وكذلك يقع سقوط الأمم والمجتمعات.. في الفوضى وفقدان الثقة.

فربنا لم يقل: "فتسقط قدمٌ قبل أن تثبت".
بل قال: "بعد ثبوتها"..
أي أن الإنسان.. قد يكون مستقيمًا، وقد يكون محافظًا على الصلاة، وقد يكون قريبًا من القرآن.. وقد يكون معروفًا بالخير.. ثم تأتيه فتنة، أو شهوة، أو شبهة.. أو صحبة سيئة.. أو دنيا تغره، أو معصية يستهين بها، فإذا بالقدم التي كانت ثابتة.. تبدأ بالانحراف.
ولهذا كان أعظم ما ينبغي أن يسأل العبد ربه: أن يسأله:
" الثبات ".
فالثبات.. ليس مرحلة يصل إليها الإنسان.. ثم يستغني عن الدعاء.. بل الثبات نعمة.. تحتاج إلى سؤال دائم.
قال الله تعالى:
((رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ))
تأملوا الدعاء:
((لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا))
-يعني: يا رب، كما هديتنا فلا تتركنا بعد الهداية.. وكما عرّفتنا طريقك فلا تجعلنا ننحرف عنه.

-عباد الله:
كم من إنسان بدأ طريق الاستقامة، ثم تغير..!!
كان لا يترك صلاة الجماعة، ثم أصبح يتهاون بالصلاة...
كان القرآن أنيسه.. ثم أصبح لا يفتح المصحف إلا نادرًا...
كان إذا سمع الموعظة بكى قلبه.. ثم أصبح يسمع الكلام ولا يتحرك قلبه.
كان يخاف من المعصية، ثم أصبح يبحث عنها..
كان يفرح بالطاعة، ثم أصبحت الطاعة ثقيلة عليه..
وهنا يجب أن يسأل الإنسان نفسه:
ماذا حدث لقلبي؟
لأن الله تعالى يقول:
((فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ))..
-فالانحراف يبدأ أحيانًا.. بخطوة صغيرة.. نظرة..كلمة.
صحبةسيئة.. مقطع فيديو..
مجلس سوء.
-أو بمعصية يقول الإنسان عنها: بسيطة..ثم تتكرر.. ثم يألفها.
ثم يحبها.. ثم يدافع عنها..
ثم تصبح جزءًا من حياته.

وهنا تكمن الخطورة.

-عباد الله:
إن القلب يتغير.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء))..
ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاف من تقلب قلبه..فكان يدعوا كثيرا ويقول:
((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)).
فقالوا له: يا رسول الله، أتخاف علينا؟
فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.. يسأل الله الثبات، فكيف بنا نحن؟

نحن الذين تضعف قلوبنا أمام الشهوات.
ونحن الذين تجُرنا الدنيا..
ونحن الذين نتأثر بكلمة.. وبصديق.. وبمقطع وبمجلس.

فالثبات.. لا يكون بالكلام..
بعض الناس يقول:
أنا أعرف الحق.. أنا لن أتغير.
أنا قوي.. أنا مستحيل أقع.
وهذا الكلام وحده لا يكفي.
-لأن الله تعالى يقول:
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ))..
أي: جددوا إيمانكم، وثبتوا أنفسكم على الإيمان.
-وقال سبحانه:
((وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ))..
فالعبادة.. ليست موسمًا.
ليست في رمضان فقط...
وليست في وقت الشدة فقط.. وليست عندما يكون الإنسان مرتاحًا فقط.
بل:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.. حتى آخر نفس.
وحتى آخر لحظة...
ثم يقول:​((..وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)).

-" تَذُوقُوا السُّوءَ "
أي: فتجدوا المباشرة والحس بالعقاب والعذاب والشر..
-والمقصود بـ "السوء" هنا: الشدة، والبلية، والعقوبة.. (وسواء كانت عاجلة في الدنيا..كالخزي، المحن، وذهاب البركة.. والنكبات، أو في الآخرة).
-وكم تعاني الأمة اليوم.. من محن ونكبات ورزايا..ومظالم والسبب:
-​{بِمَا صَدَدْتُمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}:
أي: بسبب(إعراضكم بأنفسكم): لأن من ينقض العهود والأيمان.. يكون قد أعرض عن التزام دين الله وطاعته.
و​الصدّ المتعدِّي..هو (صرفكم لغيركم):
أي: أنه من ينقض العهود.. ويحلف الأيمان الكاذبة.. يصير قدوة سيئة لغيره.. فيصد الناس عن الدخول في الإسلام..أو عن الهداية.. (لأن غير المسلم.. إذا رأى المسلم ينقض عهده ويغدر.. تنفّر من دين الإسلام وصدّ عنه).
وأن الغدر ونقض العهود.. يؤدي إلى تجرّع مرارة العقوبة والسوء.. في الدنيا قبل الآخرة ..
-و​استخدام الفعل.."الذوق"
الذي هو أصل حسي..(متصل بطعم الطعام والشراب بالفم) استخدامه.. في الأمور المعنوية مثل:العذاب والسوء
..يُعدّ من أبلغ أساليب القرآن الكريم.. ويحمل دلالات عدة:
حيث أن الذوق: هو أشد الحواس إدراكاً لخصائص الشيء(المرارة.. أو الحلاوة). فلا يدرك المرء حقيقة طعم الشيء.. إلا إذا ذاقه.

-فالتعبير بـ "تَذُوقُوا" يدل على أن السوء والعقاب سينزل بكم مباشرة ويمسّكم مسّاً حقيقياً لا مفرّ منه..
وأنكم ستشعرون بالحسرة والندم والوجع من هذا السوء.. شعوراً يمتزج بأجسامكم وأرواحكم.. كما يمتزج الطعم باللسان والجوف.
-​إن نقض العهود.. واستغلال اسم الله في المكر.. يسيء لجوهر الدين.. ويصُدّ الآخرين عن دخول الإسلام.. أو الاستقامة عليه.. لأن الناس يربطون بين سوء سلوك الخائن.. وبين دينه..
حيث يظن المخدوع.. أن هذه التصرفات.. هي خلق أهل هذا الدين .. وفي هذا.. إثم مضاعف..كما قال الله(وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

​هذا هو الوعيد الآجِل في الآخرة.. وهو العذاب الأليم.. المعدّ.. لمن اتخذ الدين والعهود لعبة للخدعة، والانتفاع الدنيوي
-قصة:
روي أن أحد اليهود اليمنيين كان يريدالسفر من صنعاء إلى "ريده" المنطقة التي كان يسكنها أغلب اليهود.. وكان يوم جمعة.. فاستأجرسيارة.. وأخبر السائق أنه في عجلة من أمره..واتفقا على الإيجار خمسةألف ريال..في ذلك الوقت.. فوافق السائق وقال لليهودي.. الآن وقت صلاة جمعة سأصلي الجمعة وأنطلق.. فأخبره اليهودي أنه مستعجل.. وأصر السائق أنه سيصلي الجمعة... فقال اليهودي.. سأعطيك عشرة آلاف وننطلق الآن.. عندها وافق السائق وانطلقا.. وفي الطريق.. أراد السائق أن يقنع اليهودي للدخول في الإسلام
..فرد عليه اليهودي قائلا :
اسلم أنت أولا.. وبعد ذلك ادع غيرك.. أنت بعت الإسلام بخمسة ألف ريال.. وتركت صلاة الجمعة.. وانا اشتريت ديني بخمسة ألف زيادة على الإيجار..حتى ألحق "السبت"
فلاحول ولاقوةإلابالله.
...فرط في شعيرة من دينه.. فسقط من عين اليهودي..

@-ومن الدلالات الإيمانية والروحيةفي هذه الآية:
-​يُظهر النص الإلهي أن الوفاء بالعهد.. ليس مجرد خُلُق إنساني.. بل هو قضية إيمانية..ترتبط بركائز العقيدة والتقوى.
-​ومنها: الحلف بالله،ثم خيانة العهد.. تعظيمٌ للمصالح الشخصية.. على حُرمة اسم الله تعالى.. مما يورث القلب قسوة ونفاقًا.. وتحصل الانتكاسة بعد الاستقامة.. والتعبير بـ (زلل القدم بعد ثبوتها).. يُحذّر المؤمن.. من الغرور بعبادته أو استقامته... فالغدر ونقض العهود.. من أعظم أسباب سلب التوفيق والانتكاس الروحي.

@-​ومن الدلالات التربوية والسلوكيةفي الآية أيضا:
-​أنها تربي المسلم على الصدق والشفافية: حيث ترفض الآية.. كل أشكال الفهلوة.. أو الخداع المستتر بالشرع أو القوانين، وتغرس في المسلم.. التزام الكلمة والوضوح...
-​وكذلك.. تشعر المسلم بالمسؤولية المتعدية: (المسؤولية عن القدوة): وذلك..لأن السلوك الفردي الشائن للمسلم.. لا يقتصر أثره عليه، بل.. يسيء لصورة الدين بأكملها.. ويكون سببًا في تنفير الآخرين من الحق.

-​ومن الدلالات في الآية..أنها تكسب المسلم.. الوقاية من الشحّ والمادية: إذ أن العهد يُنْقَض غالبًا.. لشهوة عاجلة.. أو مكسب مادي زائل..
وتذكير الآية بالعذاب والعاقبة.. يُربّي النفس على زهد المكاسب المحرمة.

@-إسقاط الآية على واقعنا المعاصر:
​تصادق هذه الآية صورًا واقعية متعددة نعيشها اليوم
.. في التعاملات الفردية والمجتمعية:
ففي ​العقود والمعاملات التجارية:
نجد ​كتابة عقود ببنود مضللة.. أو البحث عن ثغرات قانونية.. للتملص من الالتزامات بعد أخذ الأموال أو الخدَمات.
-​التراجع عن التعهّدات التجارية.. أو المماطلة في تسديد الديون.. بحجج واهية.. بعد حلف الأيمان.

-​وفي العلاقات الاجتماعية والأسرية:
نجد ​إعطاء الوعود والأيمان في عقد الزواج.. أو الميثاق الأسري، ثم الغدر والنكوص عن الحقوق والواجبات عند أدنى خلاف.
-​وفي المجال السياسي والدولي:
نجد ​إبرام المعاهدات والدبلوماسيات.. بِنِيّة بيضاء ظاهريًا.. ومبيتة للخديعة، واستغلال الشعارات الأخلاقية.. للتغطية على المصالح الضيقة.
-​كذلك..التنفير عن الدين: (تزليق أقدام الآخرين):
​عندما يرى غير المسلمين.. مسلمين.. يُعرفون بالصلاة والحلف بالله.. ثم يمارسون الغدر والتزوير... يحدث لديهم صدمة إيمانية تضعف يقينهم وتزهّدهم في استقامتهم.. فتزل أقدامهم بسبَب أولئك الغادرين.

-​أيها المسلمون:
إن الوفاء بالعهود والمواثيق.. والصدق في اليمين المعقودة
..ليس خياراً ثانوياً في حياة المسلم.. بل هو أصل من أصول الدين.. وعنوان للاستقامة...
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ))..

👈بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وبقوله القويم.. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبةالثانية👇

الحمد لله وحده..والصلاة والسلام على من لانبي بعده.

أمااااا بعد:

أيها الأحبةالكرام:
​-سأُجْمِلُ لكم أبرز الأسباب المؤدية لزلل الأقدام.. والوقاية من ذلك..وعلاجه..

@فمن أسباب الزلل:
-​نقض العهود والمواثيق.. -الحلف كذباً أو استخدام الأيمان للخديعة والغدر بعد تأكيدها.
-​استصغار المعاصي والتفريط في النوافل والواجبات..واتباع الهوى.

-​الافتتان بالدنيا.. والانقياد خلف الفتن والشبهات دون علم أو تحصين شرعي.

-​الكبر والاعترار بالنفس.. والاتكال على الطاعة.. والركون إلى النفس وتزكيتها.
@-​وسائل الوقاية من الزلل:
​-أداء الأمانات.. الالتزام بالصدق والوفاء بالعهود مع الله ومع الناس.
-​كثرة الدعاء بالثبات (مثل: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك")..(يامصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك)..
وكذلك دعاء(اللهم إنا نسألك الثبات على الأمر والعزيمة على الرشد).. وقول الله:((رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ))..
-​الاستقامة.. وملازمة الطاعات.. والمداومة على الفرائض والنوافل لتقوية الإيمان.
-​صحبة الصالحين.. والاعتصام بالبيئة الصالحة التي تعين على الحق وتذكر به.
-​العلم الشرعي.. والتفقه في الدين.. لبناء حصانة ضد الشبهات والشهوات.

@-​وسائل العلاج بعد وقوع الزلل:
-​المبادرة بالتوبة النصوح.. والإقلاع الفوري عن الذنب.. والندم والعزم على عدم العودة.
-مراجعة كل عهد أو يمين أو اتفاق قائم: هل أديناه بأمانة أم اتخذناه دَخَلًا وخديعة؟
​
-​إعادة الحقوق إلى أهلها.. والتحلل من المظالم..والوفاء بالعهود التي نُقضت..قبل فوات الأوان...
-​إتباع السيئة بالحسنة.. والإكثار من الأعمال الصالحة والمكفرات..قال تعالى:(( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)).

-​تجديد العهد مع الله.. والإكثار من الاستغفار.. والإنابة والتضرع بطلب الثبات.

👈@-هذا ما تيسر ذكره ...
وصلوا وسلموا رحمكم الله على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة؛ نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله،ﷺ
فقد أمرنا الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) [الأحزاب: 56]،

ﺍﻟﻠﻬﻢ ﺻﻞِّ ﻭﺳﻠﻢ ﻭﺑﺎﺭﻙ ﻋﻠﻰ ﻧﺒﻴﻨﺎ ﻣﺤﻤﺪ، صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، ﻭﺍﺭﺽَ ﺍﻟﻠﻬﻢ ﻋﻦ ﺧﻠﻔﺎﺋﻪ ﺍﻟﺮﺍﺷﺪﻳﻦ، أبي بكر و عمر و عثمان و علي ، ﻭﻋﻦ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺃﺟﻤﻌﻴﻦ، ﻭﻋﻦ ﺍﻟﺘﺎﺑﻌﻴﻦ، ﻭﻣﻦ ﺗﺒﻌﻬﻢ ﺑﺈﺣﺴﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﺪﻳﻦ، ﻭﻋﻨﺎ ﻣﻌﻬﻢ ﺑﻤﻨﻚ ﻭﺭﺣﻤﺘﻚ ﻳﺎ ﺃﺭﺣﻢ الراحمين ..
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، واخْذُلْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ. ..
اللهم اجعل لإخواننا في غزة وفلسطين من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجا ومن كل عسر يسرا ومن كل بلاء عافية ..
اللهم اجعل لأهل فلسطين النصرة والعزة والغلبة والقوة والهيبة ،والتمكين..
اللهم انصر أهل فلسطين وثبت أقدامهم وسدد رميتهم واربط على قلوبهم وأمدهم بجنود من عندك،
اللهم أنزل عليهم من الصبر والنصر والثبات واليقين أضعاف ما نزل بهم من البلاء ،
اللهم مكن لدينك وكتابك وعبادك الصالحين ،

اللهم عليك باليهود الغاصبين،
اللهم لا ترفع لهم راية ولا تحقق لهم غاية واجعلهم لمن خلفهم من المجرمين والمنافقين والمطبعين عبرة وآية ، ، ،
اللهم دمر أمريكا واساطيلها يارب العالمين...
اللهم إنصر من نصر غزةَ وفلسطين ،واهلك من خذل غزة وفلسطين يارب العالمين..
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَحوالنا وردنا إلى دينك رداً جميلاً...
اللهم احفظ بلادنا اليمن وسائر بلدان المسلمين يارب العالمين
اللهم إحفظ أمنه واستقراره وعقيدته
إجعله بلاد سخاء رخاء وسائر بلدان المسلمين
اللهم مكن لدينك وكتابك وعبادك الصالحين ،

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْمَعْ عَلَى الْحَقِّ كَلِمَتَهُمْ...

اللهم أصلح أولادنا واجعلهم قرة أعين لنا في الدنيا والآخرة ..

ربنا اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وارحمهما كما ربونا صغاراً ...
اللهم إغفر للمسلمين والمسلمات ،المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك قريب مجيب الدعوات وقاضي الحاجات يارب العالمين...
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا وَوَالِدِينَا عَذَابَ الْقَبْرِ وَالنَّارِ...

عباد الله:

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ؛

فاذكروا اللهَ يذكُرْكم، واشكُروه على نعمِه يزِدْكم، ولذِكْرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون....

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
مَنظُومَةُ الحُقُوقِ وَالوَاجِبَات ..✍️
رسالة المنبر ٣٠-٩-٢٠٢٦م
د. محمد سعيد بكر
👌المحاور👌
✅ من أعظم التشريعات التي حققت مصالح العباد في ديننا العظيم؛ تلك التشريعات المتعلقة بالحقوق والواجبات .. فلكلٍّ حقوق، وعليه واجبات، ولو أدى كلٌّ واجبه، وأخذ حقه، لانتهت مشكلاتنا .. ولكن هيهات هيهات، فثمة خلل عريض وتجاوز كبير يحصل في هاتين المسألتين.
✅ إن أعظم ما ينبغي على العبد معرفته في هذا الباب وقبل كل شيء؛ هو معرفة ما عليه من واجبات في حق خالقه ورازقه، وما له عند ربه من كرامات وبركات، إذا أدى ما عليه من واجبات، وقد كشف النبي صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه الكرام هذا الباب، فقد روى معاذ بن جبل رضي الله عنه قال كنتُ رَدِيفَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على حمارٍ، فقال لي: يا مُعاذُ، أتدري ما حَقُّ اللهِ على العِبادِ، وما حَقُّ العِبادِ على اللهِ؟ قُلتُ: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: حَقُّ اللهِ على العِبادِ أن يَعبُدوه ولا يُشرِكوا به شَيئًا، وحَقُّ العِبادِ على اللهِ ألَّا يُعَذِّبَ مَن لا يُشرِكُ به شيئاً" (أخرجه البخاري).
✅ فواجبنا الذي يلزمنا حتى وفاتنا في حق ربنا سبحانه؛ العبادة الصحيحة والتوحيد الصادق .. وحقنا إن تحققنا من هذا الواجب العظيم؛ هو أن يتفضل ربنا علينا بالتكريم الإلهي الموعود، وذلك بنجاتنا من الجحيم ودخولنا جنات النعيم.
✅ وقد يقع شيء من النقص والخلل أثناء أدائنا لهذا الواجب، فيأتي التأديب الإلهي بصورة ضنك نستشعره، أو تعطيل وبلاء نستثقله، والفهيم يستدرك على نفسه ولا يطيل التقصير في حق ربه، ف"التائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ لهُ" أخرجه ابن ماجة وهو حسن.
✅ ومن جملة الحقوق والواجبات التي ينبغي أن نعتني بها؛ حق الراعي والرعية، فواجبات الراعي المسؤول كثيرة ولعل أهمها: حراسة دين الرعية وأرواحها وأموالها ونسلها وعقولها .. فإن أدى ما عليه وجبت له على رعيته حقوق أكيدة، لعل من أهمها؛ طاعته، وإعانته، ونصيحته، واحترامه، وحمايته. 
✅ ومن الحقوق والواجبات كذلك؛ حقوق الزوجية وواجباتها، فمن واجبات الزوج؛ التحقق من متطلبات القوامة حيث الإنفاق، والإكرام، والرعاية المتعددة الجوانب .. ومن حقوقه؛ الطاعة، والاحترام، والإحصان، والملاطفة .. وبعض هذه الحقوق والواجبات مشتركة بين الرجل وزوجته. 
✅ ومن الحقوق والواجبات كذلك؛ حق العالِم والمتعلم، فمن واجبات العالِم؛ إكرام طلابه، ومتابعة تربيتهم وتعليمهم وتحصيلهم، ونصيحتهم، وتعزيزهم .. ومن حقوقه على طلابه؛ أن يحترموه، ويتابعوه، ويكرموه، ويدافعوا عنه، وينسبوا الفضل في تحصيلهم بعد الله تعالى له. 
✅ ومن الحقوق والواجبات كذلك؛ حق الوالد والولد، فمن واجبات الوالد؛ إكرام أولاده، وتعليمهم، وتربيتهم، والعدل بينهم .. ومن حقوقه؛ أن يحترموه، ويَبروه، ويعينوه، ويدعوا له، ويسعدوه. 
✅ ومن الحقوق والواجبات كذلك؛ حق الأخ على إخوانه وحق الجار على جيرانه، وحق الصاحب على أصحابه .. وهذه جمعها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "حَقُّ المسلِمِ على المسلِمِ ستٌ: إذا لقيتَهُ فَسلِّمْ علَيهِ، وإذا دَعاكَ فأجِبْهُ، وإذا استنصَحَكَ فانصَحْ لهُ، وإذا عَطسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْهُ، وإذا مَرِضَ فَعُدْهُ، وإذا ماتَ فاتَّبِعْهُ" أخرجه البخاري .. وهذه حقوق متبادلة، فواجبك أن تنصح لأخيك وجارك وصاحبك، وحقك أن ينصحك، وواجبك أن تعوده، وحقك أن يعودك، وهكذا في سائر هذه الحقوق. 
✅ إن أزمتنا اليوم لا تكمن في غياب منظومة الحقوق والواجبات، بل هي موجودة، معلومة، مفصلة، ومؤصلة .. إنما الأزمة في سوء مُدارستها وضعف ممارستها .. فأزمتنا ليست أزمة منهج ودستور، بقدر ما هي أزمة إدراك وحراك، أو أزمة فهم وتطبيق. 
👈 فعلى مستوى الفهم، تكمن أزمتنا في تصور البعض بأن له حقوق وليس عليه واجبات .. كذاك الحاكم، والعالِم، والزوج، والصاحب، والجار، الذين يطلبون من الآخرين الاحترام والإكرام .. ويرون فضلهم على الآخرين .. ولا يريدون أن يدركوا بأن عليهم واجبات لازمة، فإن أدوا واجباتهم، استحقوا حقوقهم. 
👈 وعلى مستوى التطبيق، تكمن أزمتنا فيمن يفهم منظومة الحقوق والواجبات، لكنه يستثقل تفعيلها وتطبيقها في حياته، فيُهمل رعيته، ويُضيع أسرته، ويخون جاره، ويبيع صحبته. 
✅ إن ثمة مَن يرى في المسؤولية تشريف ولا يراها تكليف، فيطلب الاحترام (من رعيته وأهله وطلابه) ويُهمل الإكرام (لهم)، وهذا من الظلم السائد في زماننا. 
✅ لقد سمى رب العزة نفسه الشكور .. وهو الذي يشكر لعباده كل طاعة .. مع أنه المنعم المتفضل عليهم .. فكيف يستسيغ المسلم إهمال شكره لرعيته أو زوجه أو طلابه إن هم قاموا بما عليهم من واجبات .. وإن قيل له: لماذا لا تشكر رعيتك، أو زوجتك، أو طلابك، أو خادمك .. أجاب بأنهم يقومون بواجبهم، ولا شكر على واجب .. ولو خرجت هذه العبارة منهم بعد شكره لهم فلا حرج ولا بأس، أما أن يمتنع المرء عن شكر وإكرام من يقوم بواجبه نحوه، فهذا من التكبر والعناد. 
✅ إن ثمة سؤال يطرأ في هذا الباب وهو: ماذا لو قمت بواجبي كاملاً تجاه الحاكم، أو العالِم، أو الزوج، أو الوالد، أو الصاحب والجار .. وقَصَّر هؤلاء أو أحدهم بأداء حقوقي، فلم يقوموا بواجباتهم نحوي .. هل أتوقف وأمتنع عن القيام بواجبي نحوهم من باب المعاملة بالمثل .. والجواب فيه تفصيل على النحو الآتي:
1️⃣ تقصير الآخرين في واجباتهم نحونا لا يبيح لنا التقصير في واجباتنا نحوهم، قال صلى الله عليه وسلم: "أدِّ الأمانةَ إلى منِ ائتمنكَ ، ولا تخنْ من خانكَ" أخرجه أبو داود وهو صحيح. 
2️⃣ ولا يمنع من ذلك الاستمرار في المطالبة بحقوقنا التي قصَّر فيها الآخرون، لأن ترك المطالبة بها يجعلهم ينسونها، ويتمادون في إهمالها، ولأن هذا التَّركُ والتجاوز منهم ظلم، وجب علينا نصيحتهم، وتذكيرهم بواجباتهم نحونا، فالرعية تقوم بواجبها نحو الراعي، ثم تنصحه، وتذكره، إن غفل أو نسي، أو ضل وظلم. 
3️⃣ ثم الأخذ على يد الظالم المستبد، وإيقافه عند حده، وعدم تركه يتمادى في أخذ حقوقه وما يزيد عليها، وترك واجباته وإهمالها، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ النَّاسَ إذا رأَوُا الظَّالمَ، فلم يأخُذوا على يدَيْه؛ أوشك أن يعُمَّهم اللهُ بعقابٍ" أخرجه الترمذي وهو صحيح. 
✅ إن من تمام النبل أن نسأل عما علينا من واجبات، ثم ننسى السؤال عما لنا من حقوق .. ومن غير المروءة سؤالنا عما لنا، وغفلتنا عما علينا. 
✅ وإن أعظم الوفاء بالحقوق؛ وفاء الأحياء للأموات، بالدعاء لهم، وذكر محاسنهم، والصدقة عنهم، وامتثال هديهم لاسيما إن كانوا من ذوي الفضل الذين قاموا بواجباتهم أتم قيام، كالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين .. ومهما فعلت الأمة لتوفيهم حقهم فلن تستطيع إلى ذلك سبيلاً، فصلاة ربي على الأنبياء، وسلامه على الصديقين والشهداء. 
✅ إن معظم قضايا الشقاق والنزاع بين الزوجة وزوجها، وبين الجار وجيرانه، وبين الأخ وإخوانه سببها اختلاط مسألة الحقوق والواجبات، وفي الغالب تكمن المشكلة في تقصير كلا الطرفين في حق الآخر، وإن كانت نسبة التقصير تختلف من طرف لآخر، فكلٌّ يزعم أنه قام بواجباته كلها، ولم يحصل على شيء من حقوقه، وفي ذلك ما فيه من المبالغة. 
✅ إن مِن الوالدين مَن يتعسف في استخدام حقوقه، فيجعل مِن سيف الأبوة ووصية الله بالأبوين ما به يتجاوز حقوقه، وإن كان يقوم بواجباته تجاه أبنائه .. وهذا مسلك لا يجوز، ومن ذلك ما نجده من بعض الآباء الأغنياء الموسرين مِن (تسلُّطٍ) على كسب أولاده وبناته، حتى المتزوجين منهم، وهذا لا يجوز .. كما أن هنالك عقوقاً ظاهراً من بعض الأبناء الذين لم يقصر آباؤهم في تعليمهم ورعايتهم بل وتزويجهم، ثم هم يجحدون آباءهم، لاسيما عند الكِبَر أو العوز. 
✅ لقد صرنا في زمان العقوق والتمرد والأثرة (الأنانية) والجحود، وطلب الحق ونسيان الواجب، وهو زمان عجيب أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بحسن إدارته حين قال: "ستَكونُ أثَرةٌ وأُمورٌ تُنكِرونَها، قالوا: يا رَسولَ اللهِ، فما تَأمُرُنا؟ قال: تُؤَدُّونَ الحَقَّ الذي عليكم، وتَسألونَ اللهَ الذي لَكُم" أخرجه البخاري. 
✅ إن أصحاب الحسِّ المُرهَف  والإيمان اليقظ، والورع الكريم، لا يبيحون لأنفسهم أكل حقوق الآخرين، بل إنهم لا يستسيغون مبيت ليلة واحدة ولأحدٍ عندهم حق معلوم .. وهم في الوقت ذاته يتألمون بسبب الظلم الواقع عليهم من القريب والبعيد .. كيف لا وهم يؤدون ما عليهم ولا يأخذون ما لهم .. ولكن لا بأس فعند الله لا تضيع الحقوق. 
✅ إن من الفِصام الذي يعيشه بعض المسلمين اليوم؛ تشديده في طلب حقه الشخصي .. (وهذا مما لا يُلام عليه)، وتجاوزه عن حق وطنه وأمته .. وغفلته عن حق أسراه ومسراه، وإهماله لدماء إخوانه المسفوكة في غزة وغيرها من الثغور، فهو حق ضائع لا يعني ذاك المتشدد في  طلب حقه الشخصي في شيء!!. 
✅ ومن الفصام الذي تنادي به النسويات وأدعياء حقوق المرأة، ما يسمى بالمساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة .. ومعلوم أنه لا يجوز طلب المساواة في الحقوق دون الواجبات .. وبما أنه لا تشابه بين واجبات الرجل والمرأة؟! .. حيث إن الرجل لا يستطيع أن يؤدي واجبات المرأة، ولا أن يقوم مقامها .. والعكس كذلك بالنسبة للمرأة، فهي لن تستطيع أن تؤدي واجبات الرجل، ولا أن تقوم مقامه، فلماذا يطالبون بالمساواة في الحقوق فحسب .. والعدل يقتضي نفي المساواة، وتقدير ما يجب على الرجل والمرأة من واجبات على ضوء ما لديهما من إمكانات واستعدادات، وما يحق لهما من حقوق على ضوء ما يبذلون من جهود .. وكل ذلك مُبيَّن مُفصَّل في كتاب ربنا وسُنة نبينا صلى الله عليه وسلم. 
✅ ومثل ذلك مطالبة بعض علماء السلاطين بوجوب بذل الطاعة للسلطان، وإن ظلم واستبد وخان الأمانة، مستدلين بحديث: "تسمعُ وتُطيعُ الأميرَ، وإن ضرب ظهرَك، وأخذ مالَك، فاسمع وأطِعْ" وذلك بعد نزعه من سياقه، وإهمال عموم النصوص الواردة بواجبات الأمير قبل حقوقه. 
✅ ومن جميل ما قيل في القيام بالحقوق وجحودها بين الوالد والولد ما قيل (وإن لم يثبت بالسند الصحيح) أن رجلاً شكى ابنه للنبي صلى الله عليه وسلم بأبيات شعر قال فيها:
غَذوَتُكَ مولوداً وَعُلتُكَ يافِعاً
تُعَلُّ بِما أُحنيَ عَلَيكَ وَتَنهلُ
إِذا لَيلَةٌ نابَتكَ بِالشَكو لَم
أَبِت لِشَكواكَ إِلّا ساهِراً أَتَمَلمَلُ
كَأَني أَنا المَطروقُ دونَكَ بِالَذي
طُرِقَت بِهِ دوني فَعَينايَ تَهمُلُ
تَخافُ الرَدى نَفسي عَلَيكَ وَإِنَني
لَأَعلَمُ أَنَ المَوتَ حَتمٌ مُؤَجَّلُ
فَلَمّا بَلَغَت السِّنَ وَالغايَةَ الَّتي
إِليها مَدى ما كُنتُ فيكَ أُؤَمِلُ
جَعَلتَ جَزائي غِلظَةً وَفَظاظَةً
كَأَنَكَ أَنتَ المُنعِمُ المُتَفَضِلُ
فَلَيتَكَ إِذ لَم تَرعَ حَقَّ أُبوَتي
فَعَلتَ كَما الجارُ المُجاورُ يَفعَلُ
👈 فما أعظمها من قصيدة، وإن لم تثبت علاقتها بقصة الرجلٌ الذي جاء إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ فقالَ: "إنَّ أبي اجتاحَ مالي، فقال صلى الله عليه وسلم: أنتَ ومالُكَ لأبيكَ" أخرجه ابن ماجه وهو صحيح. 
✅ ومن جميل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "العارف لا يرى له على أحد حقًّا، ولا يشهد على غيره فضلًا، ولذلك لا يُعاتب، ولا يُطالب، ولا يضارب"، وهذا يعني أنه يستشعر فضل الآخرين عليه، ولا يذكر أن له فضلاً على أحد .. وهذا من أدبه وذوقه. 
🤲 ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولأصحاب الحقوق علينا 🤲 
🎤
*خطـبـة جمـعـة بعنوان:*
*قــرعٌ لأبـوابِ السـماء1️⃣*
*للشيخ/ بلال بن محمد الصوملي*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبة الأولى*
الحمدُ لله ربِّ العالمين، الحمدُ لله الذي أمرنا بالدعاء ووعدنا بالإجابة،
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

ونشهد أن محمداً عبده ورسوله، إمامُ الداعين، وسيدُ المـتضرعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله؛ فإنها خيرُ زادٍ ليوم المعاد *﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾* [المائدة: 35].

أَيُّهَا المسلمون:
موضوع خطبتنا *قرعٌ لأبوابِ السماء، الدعاء.*

_ فكُلُّ بَلَاءٍ أَمَامَهُ بَابُ دُعَاءٍ، مَعَ سِرِّ الدعاء، وَأَعْظَمِ الأَسْرَارِ فِي تَغْيِيرِ الحَالِ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَفِي دَارِ القَرَارِ، الدعاء.

_ فإِنَّ أَعْظَمَ مَا يَنْقُصُنِي أَنَا وَأَنْتَ هُوَ صِدْقُ اليَقِينِ، وَصِدْقُ الالْتِجَاءِ إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ.

_ تَعَلَّقْنَا بِالمَادِّيَّاتِ وَتَجَاهَلْنَا الغَيْبِيَّاتِ، نسينا الله..

أَيُّهَا المُسْلِمُ الكَرِيمُ:
أدعُ الله وأنت موقن بالإجابة، فأنت تَسأل من كريم..

إِنَّ اليَقِينَ يَجْعَلُ الصَّلَاةَ خَاشِعَةً،

إِنَّ اليَقِينَ يَجْعَلُ الصَّدَقَةَ مَقْبُولَةً،

إِنَّ اليَقِينَ يَجْعَلُ الدعاء بعد *﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾*

الدعاءُ أَعْظَمَ سِلَاحٍ لِهَذِهِ الأُمَّةِ هُوَ يَقِينُهَا فِي مُوَاجَهَةِ أَعْدَائِهَا مِنْ يَهُودٍ وَنَصَارَى وَمَنْ وَالَاهُمْ،

اليَقِينُ بِالدِّينِ وَاليَقِينُ بِرَبِّ العَالَمِينَ.

عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: *«ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ»* [التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ]

_ كُفَّارُ قُرَيْشٍ المُشْرِكُونَ كَانُوا وَهُمْ عَلَى البَحْرِ تَجْرِي بِهِمُ السُّفُنُ، هَاجَتْ بِهِمُ الأَمْوَاجُ، فَإِذَا أَيْقَنُوا بِالهَلَاكِ، يُخْبِرُنَا اللَّهُ عَنْ حَالِهِمْ:
*﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾* [يونس: 22]

*﴿ادَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾*
،رَمَوْا أَصْنَامَهُمْ.

فَلَمَّا *﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾* أَنْجَاهُمْ.

_ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُخْبِرُنَا عَنْ هَذَا الأَمْرِ وَأَنَّهُ يُحِبُّ الدعاء

فَقَالَ: *﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾* [البقرة: 186]

_ أَيًّا كَانَتْ حَالَتُكَ: أَعْزَبُ تُرِيدُ الزَّوَاجَ،
مريض تريدُ الشفاءَ،
مظلوم تريدُ الفرجَ،
طَالِبٌ تُرِيدُ النَّجَاحَ،
أَبٌ يُرِيدُ نَفَقَةَ الأَبْنَاءِ،
مديون يُرِيدُ سدادَ الدَّينِ،
مُسْلِمٌ تَقِيٌّ نَقِيٌّ يُرِيدُ صَلَاحَ أُمَّةَ المُسْلِمِينَ ..
أَبٌ قَدْ أَخَذَهُ الخَوْفُ عَلَى أَبْنَائِهِ،
أَبٌ قَدْ أَبْكَاهُ عُقُوقُ أَبْنَائِهِ،
زَوْجَةٌ قَدْ ظَلَمَهَا زَوْجُهَا،
زَوْجٌ قَدِ اعْتَدَتْ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ وَأَرْدَتْهُ نَكَدَ الحَيَاةِ وَأَعَانَتِ الأَيَّامُ عَلَيْهِ وَلَمْ تُعِنْهُ عَلَى أَيَّامِ حَيَاتِهِ.
إلجأ إلى الله وحده، وسيفرجها الله.

_ أَيًّا كَانَتْ حَالَتُكَ: فَوَاللَّهِ لَيْسَ لَكَ وَلَيْسَ لِي وَلَيْسَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَّا العَوْدَةُ إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ وَالدُّعَاءُ.

_ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا يَدْعُو قَوْمَهُ،
كَانَ يَأْتِيهِمْ فِي الفَيَافِي وَفِي القِفَارِ، فِي اللَّيْلِ وَفِي النَّهَارِ، فِي الإِعْلَانِ وَفِي الإِسْرَارِ.
كَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالدُّعَاءِ وَالتَّوْبَةِ وَالتَّوْحِيدِ وَالاسْتِغْفَارِ.
فمَاذَا كَانَ مِنْهُمْ؟ كَذَّبُوهُ، وَاسْتَهْزَأوا مِنْهُ وَسَخِرُوا مِنْهُ.

_ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا، بعدها قَالَ: *﴿رَّبِّ إِنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾* [القمر: 10]
مَغْلُوبٌ، كَمْ فِي قُلُوبِنَا مِنْ غلبٍ؟

*﴿رَّبِّ إِنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ، فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ۝ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾* [القمر: 11-12]

تحول الكون كله إلى استنفار لدعوةِ نوحٍ عليه السلام،
تَحَرَّكَتِ السَّمَاءُ، وانْشَقَّتِ الأَرْضُ، إِنَّهُ نَبِيٌّ مُوقِنٌ بِاللَّهِ.

_ أيها المسلمون:
أَيْنَ الدُّعَاءُ؟ ،
وَقَدِ امْتَلَأَتِ القُلُوبُ بِالمصائبِ والنكبات،
وَامْتَلَأَتِ الحَيَاةُ بِالظُّلُمَاتِ،
وَامْتَلَأَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ اللَّهِ بِالذُّنُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ.

_ فَأَيْنَ دُعَاءُ الرَّاغِبِينَ الرَّاهِبِينَ؟ أَيْنَ دُعَاءُ المُحِبِّينَ؟

نَبِيُّنَا محمد ﷺ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، خرج ﷺ وأصحابه للقافلة،
لكن لما علم أن قريشاً أتت بخيلائها وتحشيداتها وجبروتها..، لجأ ولجؤوا إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء..

فأمدهم الله بألفٍ من الملائكة،
وأكرمهم الله سبحانه وتعالى بغنائم وأسرى،
ومكنهم الله سبحانه وتعالى من رقاب 70 من مجرمي قريش،
وأسروا 70،
بل وجعلها الله نصرًا وفُرْقَاناً إلى يوم القيامة،
وأمدهم بألفٍ من الملائكة..

_ استعدوا بالاستعداد للقتال ثم استغاثوا الله سبحانه، فما ضيعهم..

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ *﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾* [الأنفال: 9]
مُردفين: مُتبِعا بعضهم بعضا.

كَانَ يَكْفِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ أَيُّ وَاحِدٍ مِنَ المَلَائِكَةِ فِي إِهْلَاكِ قُرَيْشٍ وَمَنْ مَعَهَا..

وَلَكِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ لَنَا الرَّقْمَ ،ألف، لِنَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَادِرٌ عَلَى تلبيةِ استغاثتهم...

وَجَاءَ بِألفٍ من المَلَائِكَةِ، لِيُعْلِمَنَا أَنَّ النَّصْرَ وَالتَّمْكِينَ يَكُونُ لِأُمَّةِ المُسْلِمِينَ عِنْدَ التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ.

_ كَيْفَ اسْتَغَاثُوا بِرَبِّهِمْ؟
*﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾* بِالجَمَاعَةِ.

وَلَكِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، وأَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ، وَأَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلِيًّا، وابْنَ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهم..

هَؤُلَاءِ الأَرْبَعَةُ يَذْكُرُونَ مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي يَوْمِ بدر.

قَالوا: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُنَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِلَّا وَكُلُّنَا نَائِمٌ في موقعه، إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بعدما رتب جيشه،
وَاقِفًا عِنْدَ العَرِيشِ بِجِوَارِ شَجَرَةٍ يُصَلِّي وَيَدْعُو اللَّهَ وَيَبْكِي.

دعاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَعِدَ إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى.

رَسُولُ اللَّهِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَهُوَ يُعَانِي مِنْ قُرَيْشٍ وإذلالها للمسلمين..

خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَهُمْ يَضَعُونَ سَلَى الجَزُورِ عَلَيْهِ،

خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَخْرَجُوهُ مِنْ أَحَبِّ بِلَادِ اللَّهِ إِلَيْهِ.

وَمَعَ هَذَا، تِلْكَ اللَّيْلَةَ نَامَ أَصْحَابُهُ في مواقعهم، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي وَيَبْكِي وَيَدْعُ اللَّهَ.

قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ: كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى نَرَى بَيَاضَ إِبْطَيْهِ.

قَالَ ﷺ في استغاثته بالله: *«اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي»*

هُوَ رَسُولُ اللَّهِ، هُوَ صاحب الحَق والدين، هُوَ نبيَّ الله،
وَمَعَ هَذَا يُنَاجِي اللَّهَ.

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ السِّرَاجُ المُنِيرُ، يرى القَوْمَ، يرى عدو الله أَبُو جَهْلٍ وَمَنْ مَعَهُ..
وَمَعَ هَذَا يَقُولُ: *«اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةَ لَا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ بَعْدَهَا، اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي..»*

حَمِيَ الوَطِيسُ،
المُبَارَزَةُ حَصَلَتْ:
عَلِيٌّ وَحَمْزَةُ وَعُبَيْدَةُ بْنُ الحَارِثِ، يُبَارِزُونَ،
وَيَقْتُلُونَ صَنَادِيدَ الكُفْرِ،
تَدُورُ رَحَى المَعْرَكَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ جَالِسٌ فِي عريشه يخطط لجنده، ويدعو الله يَقُولُ:
*«يَا رَبِّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي»* وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ.
حَتَّى قَالَ لَهُ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَفَاكَ مُنَاجَاةً لِرَبِّكَ، إِنَّ اللَّهَ مُنْجِزٌ لَكَ مَا وَعَدَكَ.
فَغَفَا ﷺ غَفْوَةً ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ:
*﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾* [القمر: 45]

اسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ، يَقُولُ ﷺ: *«هَذَا جِبْرِيلُ عَلَى أَثَرِ النَّقْعِ عَلَى خَيْلِهِ»*
اسْتُجِيبَ الدُّعَاءُ.

أمده اللهُ بألفٍ من المَلَائِكَة كمددٍ من السماء، فَأَخَذَ ﷺ رَمْلًا بِيَدِهِ وَقَالَ: *«شَاهَتِ الوُجُوهُ»*

فَلَمْ يَبْقَ وَجْهُ كَافِرٍ إِلَّا أَصَابَهُ مِنْ تِلْكَ الرَّمْيَةِ.
*﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾* [الأنفال: 17]
الدُّعَاءُ... الدُّعَاءُ يَا أُمَّةَ الإِسْلَامِ، كَمْ فِي السُّرُرِ من المرضى؟
كَمْ فِي العِنَايَاتِ المُرَكَّزَةِ؟
كم من المظلومين؟

لَوْ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ،
وَرَفَعُوا قُلُوبَهُمْ،
وَرَفَعُوا ضَرَاعَتَهُمْ،
وَأَعْلَنُوا يَقِينَهُمْ،
وَأَعْلَنُوا اضْـطِرَارَهُمْ،
وَأَعْلَنُوا التِّجَاءَهُمْ إِلَى اللَّهِ،
لَشُفِيَ المَرِيضُ،
وَلَقُضِيَتِ الحَاجَاتُ،
وَلَغُفِرَتِ الزَّلَّاتُ وَالمَعَاصِي وَالسَّيِّئَاتُ.

أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، دعى ربه فشفاه الله،
قال تعالى: *﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾* [الأنبياء: 83]

وَقَالَ: *﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾* [ص: 41]

استجاب الله دعاءه، فَنَادَاهُ اللَّهُ: *﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾* [ص: 42]،

شفاه الله، وأعاد الله إليه ماله وأولاده.

أَيُّهَا المُسْلِمُ:
اسْتَجَابَ الله الدُّعَاءَ لِإِبْرَاهِيمَ عِنْدَمَا أُلْقِيَ فِي النَّارِ،
دعى اللهَ فَحَوَّلَ النَّارَ إِلَى بَرْدًا وَسَلَامًا على إبراهيم،
لأنه أَحْسَنَ الدُّعَاءَ،
فأحسِنِ الدعاءَ أيها المسلم.

وَلِهَذَا نبي اللَّهِ زكريا عليه السلام شيخ عجوز مع زوجته،
ليس لهما أولاد : *﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾* [مريم: 3]
أَخْفَاهُ حتى عَنْ زَوْجَتِهِ العجوز، وَهِيَ الَّتِي بِجِوَارِهِ،

*﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾* [مريم: 4]

فمَعَ الدُّعَاءِ الفَرَجَ العاجل.:
*﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾* [مريم: 5]

الأَسْبَابُ تَكَادُ تَكُونُ مَعْدُومَةً، عَجُوزٌ هُوَ وزوجته، قَدْ كَبِرَا فِي السِّنِّ.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ يَحْكِي لَنَا مَا حَدَثَ مِنْهُ من دعاءٍ وصلاةٍ:

*﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾* [آل عمران: 39]

اللَّهُمَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، واصلح شأننا وأولادنا وأزواجنا وشبابنا، واحفظ بلادنا اليمن وسائر بلدان المسلمين.

أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

*الخطبة الثانية*
الحمدُ لله ربِّ العالمين،
والصلاةُ والسلامُ على خَيْرِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ،
مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

*🤲يَـارَبِّ أَنْتَ الْـمُـسْتَـعَــانُ وَإِنَّنَا ••• أَبَــدًا لِـفَـضْـلِـكَ عَــالَـةٌ فُـقَـرَاءُ*

*🤲نَـرْجُـوكَ فِي كُــلِّ الأُمُـورِ وَمَا لَنَا ••• فِي غَـيْـرِ مَـنِّكَ يَـا كَـرِيـمُ رَجَــاءُ*

*🤲لَـوْلَاكَ مَـا كُـنَّـا وَمَـا كَـانَتْ لَـنَـا ••• دُنْــيَــا وَلَا عُــمِــرَتْ بِـنَـا أَرْجَـاءُ*

*🤲أَبْدَعْتَ هَـٰذَا الْكَوْنَ مِنْ عَدَمٍ وَفِي ••• يَـدِكَ الـتَّـصَـرُّفُ فِيهِ كَيْفَ تَـشَاءُ*

*🤲مَا كَانَ أَوْ سَـيَـكُونُ أَوْ هُـوَ كَـائِـنٌ ••• يَـفْـنَى وَلَيْسَ لِـمَـا سِـوَاكَ بَـقَـاءُ.*

*أَيُّهَا الأَحِبَّةُ:*
قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: هَذِهِ الكَرَامَاتُ لِلأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ؟!
كَذَلِكَ لكُلُّ مَنْ مَشَى عَلَى دَرْبِهِمْ،

وَكُلُّ مَنِ اسْتَقَامَ عَلَى مَا جَاءُوا بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالدِّينِ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى،
فَإِنَّهُ يُسْتَجَابُ لَهُ.

*﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾* [الأنبياء 87، 88]
فهي لجميع المؤمنين.

_ الدُّعَاءُ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عليه الصلاةُ والسلمُ.

المُسْلِمُونَ يُقْتَلُونَ فِي كُلِّ مَكَانٍ،

غزة تُباد،
دُوَلُ الكُفْرِ عَتَتْ وَبَغَتْ وَطَغَتْ، وَأُمَّةُ الإِسْلَامِ ظَالِمَةٌ لِنَفْسِهَا،

مَظْلُومَةٌ مِنْ أَعْدَائِهَا،
تتقاتل فيما بينها،
_ وَاللَّهُ هُوَ حافظها، ونَاصِرُ المَظْلُومِينَ، أَيْنَ الدُّعَاءُ؟!

_ أيها المسلم،
أيها المريض،
أيها المظلوم،
أيها المضطر،
أيها المكروب...،
لَا تَسْتَهِنْ بِالدُّعَاءِ.
الدعاءُ الدعاءُ..
الموضوع طويل، ولنا لقاء قادم عن الدعاءِ إن شاء الله.
هذا وصلوا وسلموا على رسولِنا محمدٍ ﷺ،
فقد أمرنا الله بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه،
ثم ثلث بكم أيها المؤمنون من جنه وإنسه، فقال سبحانه:
*﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾*

🤲اللهم صل وسلم وبارك على النبي وآله وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعلينا معهم برحمتك وفضلك يا رب العالمين.

🤲اللَّهُمَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ: إِنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ، لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ.

🤲اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى.

🤲اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا اليَمَنِ وسائر بلدان المسلمين،

🤲اللَّهُمَّ احْفَظْ يَمَنَ الإِيمَانِ وَالحِكْمَةِ وَالسَّلَامَةِ وَالإِسْلَامِ.

🤲اللَّهُمَّ وَحِّدْ صَفَّهَا عَلَى كِتَابِكَ وَعَلَى هَدْيِ رَسُولِكَ محمد ﷺ.

🤲اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِنَا سُوءًا أَوْ بِبِلَادِنَا سُوءًا اللَّهُمَّ دَمِّرْ كَيَانَهُ، اللَّهُمَّ زَلْزِلْ أَرْكَانَهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ.

🤲اللَّهُمَّ رُدَّ المُسْلِمِينَ إِلَى دِينِكَ رَدًّا جَمِيلًا.

🤲اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَاسْتُرْ لَنَا عُيُوبَنَا، اللَّهُمَّ اقْضِ دُيُونَنَا.

🤲اللَّهُمَّ ارْحَمْ مَوْتَانَا، اللَّهُمَّ فُكَّ أَسْرَانَا.

🤲اللَّهُمَّ اشْفِ مَرْضَانَا، اللَّهُمَّ اشْفِ مَرْضَانَا. اللَّهُمَّ عَافِ مُبْتَلَانَا.

🤲اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.

🤲اللَّهُمَّ حَسِّنْ خَاتِمَتَنَا.

🤲اللَّهُمَّ أَصْلِحِ الرَّاعِيَ وَالرَّعِيَّةَ وَالأُمَّةَ المُحَمَّدِيَّةَ.

🤲اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً،

🤲اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا تَحَرِّي أَوْقَاتِ الإِجَابَةِ.

🤲اللَّهُمَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ عَلَيْكَ بِالصَّهَايِنَةِ المُعْتَدِينَ الظَّالِمِينَ، اللَّهُمَّ دَمِّرْ كَيَانَهُمْ وَزَلْزِلْ أَرْكَانَهُمْ.

🤲اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَمْرِيكَا وَمَنْ وَالَاهَا عَلَى ضَرْبِ الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ.

🤲اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالمُنَافِقِينَ والمطبعين مع الصههاينة، وَمَنْ وَالَاهُمْ.

🤲اللَّهُمَّ انْصُرِ المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِكَ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ،

🤲اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَهُمْ، وَصَوِّبْ رَأْيَهُمْ، وَاجْمَعْ كَلِمَتَهُمْ، وَوَحِّدْ صَفَّهُمْ،

🤲اللَّهُمَّ ادْفَعْ عَنْهُمْ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

🤲اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحسنِ عبادتك.

🤲اللَّهُمَّ أَحْيِنَا مُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

🤲اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك قريب مجيب الدعوات، وقاضي الحاجات، يارب العالمين.

🤲اللهم اغفر لنا ولوالدينا وأمواتنا وجميع موتى المسلمين.

🤲اللهم اسقنا الغيث.

عباد الله، *﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾* [النحل: 90].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، *﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾*

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
تابع سلسلة القصص القرآنية المالية.
(تحليل، تفسير، دروس مستفادة)
(3) قصة صاحب الجنتين:
جمع وترتيب أ. مطيع عبدالله الظفاري

الحمد الله وكفى، وصلاةً وسلاماً على النبيّ المصطفى، وعلى رسوله المجتَبى، وعلى آلهِ الكرام أعلام الهُدى، وعلى زوجاته أهل الطُهر والنَقى، وعلى أصحابه الهُداة أهل العلم والتُقى، وسلّمِ عليهم جميعاً تسليماً كثيراً في الآخرة والأولى،

أما بعد:
تواصلاً مع قصص القرآن المالية، اليوم معنا قصة ثالثة وهي قصة صاحب الجنتين، قصة جنتي سورة الكهف.
وقصة صاحب الجنتين هذه؛ هي ثاني أربع قصص في سورة الكهف، وقد قصّت علينا قصة رجلين:
الأول صاحب الجنتين وكان ذا مال وبنين، والصاحب الآخر كان أقل منه مالاً وولداً. فاغترّ الأول بما عنده من المال، رغم نصيحة صاحبه، حتى أذهب اللهُ بماله، فقعد حينها حسيراً كسيراً نادماً على ما فاته، ولم تغادر السورة القصة إلا وعقّبت عليها ببيانٍ من أحلى ما يكون كما سنرى.
ولما خُصصت سورة الكهف لعلاج الفتن، وكانت فتنة الحياة الدنيا وما فيها من مال وبنين من أعظم هذه الفتن، فقد عالجت السورة هذه القضية علاجاً حاسماً، يقتلع جذورها ويجفف منابعها، من خلال هذه القصة كما سنعرف.
فهذه القصة فيها صراع بين الإيمان والكفر، بين التسليم لله تعالى، المقدِّر الرزاق الوهاب، وبين المعترض المعاند.

قصة حوار بين من يعتقد أنّ العطاء والمنع من الله تعالى، وبين من يعتقد أنّ ما يأتي إليه من رزق وولد إنما هو بالجهد والعلم والعمل، وليس بالتوكل على الله والرجاء منه، والاعتماد عليه.
قصة صراع بين من يؤمن بالله وباليوم الآخر وبوجود الحساب، وبين من يعتقد بأنّ الدنيا للأقوى، وليس هناك آخرة ولا حساب، ولا عقاب.
فإنّ المحور الأساسي لهذه القصة هو العقيدة، فقد بيّنت وفضحت حقيقة هذا الإنسان حين يمتلك شيئاً من الدنيا، من جاهٍ أو مالٍ أو سلطان.
فيقول اللهُ تعالى في مطلع هذه القصة: ﴿وَاضرِب لَهُم مَثَلًا رَجُلَينِ جَعَلنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَينِ مِن أَعنابٍ وَحَفَفناهُما بِنَخلٍ وَجَعَلنا بَينَهُما زَرعًا﴾ [الكهف: ٣٢].
إنّ هذه القصة تقدّم لنا وجهتي نظر مختلفتين لمظاهر الحياة، وما فيها من رزق يتفاوت بين الناس.
فهي قصة بين وجهتين، بين وجهة الغنى، وبين وجهة الفقر، لحكمة ربانية عظيمة يعلمها اللهُ تعالى.
فهذه القصة تتكلم بواقعية عن وجهة نظر إنسان مؤمن فقير، لكنّه مؤمن بالله وباليوم الآخر حق الايمان، ومتوكل علي الله، راضٍ بما رزقه الله وأعطاه من هذه الدنيا الفانية، لأنه يعلم علم اليقين أنً كل هذه الدنيا لا تساوي شيئاً أمام نعيم الآخرة، وأمام ما أعدّه اللهُ للمؤمنين في الجنّة.
وبين وجهة نظر أخرى لإنسان كافر، انسان غني أعطاه اللهُ أموالاً وأملاكاً وأنهاراً أُفتتن بها، ونسي اللهَ والدارَ الآخرة، ونسي حقّ الله في هذه الأموال والأملاك.
فقد اشتملت هذه القصة على عدة مشاهد:
المشهد الأول: وفيه ذكر شخصيات هذه القصة، وبيان حالهما وما يملكونه من الدنيا.
والمشهد الثاني: مشهد محتوى أحداث هذه القصة، وما دار بينهما من حوار.
والمشهد الثالث: بيّنت القصة فيه نتيجة هذا الحوار، ونهايته المأساوية.
والمشهد الأخير: مشهد العبرة والعظة من هذه القصة.
وإليكم الآن تفاصيل هذه المشاهد باختصار:
1- مشهد شخصيات هذه القصة:
يقول اللهُ تعالى في مطلع هذه القصة في سورة الكهف:
﴿وَاضرِب لَهُم مَثَلًا رَجُلَينِ جَعَلنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَينِ مِن أَعنابٍ وَحَفَفناهُما بِنَخلٍ وَجَعَلنا بَينَهُما زَرعًا۝ كِلتَا الجَنَّتَينِ آتَت أُكُلَها وَلَم تَظلِم مِنهُ شَيئًا وَفَجَّرنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ [الكهف: ٣٢-٣٣].
فشخصيات هذه القصة رجلين، أحدهما: رجل غني كافر، أعطاه اللهُ ورزقه جنتَين عظيمتين جميلتين، فيهما من الزروع والثمار والأعناب، وتُحاط هاتين الجنتين بنخيل من كل الجوانب، وقد جعل اللهُ له بين هاتين الجنتين زرعاً، وفجّر بينهما نهراً للسُقيا، فيالها من جنتين عظيمتَين، وياله من نعيم عظيم.
والآخر: شخصية رجل فقير، لا يملك من الدنيا مثلما يملكه الأول، ولكنه رجل مؤمن بالله، وناصح وأمين.
يقول الإمام السعدي رحمه الله في تفسيره للآيات السابقة:
[يقول اللهُ تعالى لنبيه محمد ﷺ: واضرِبْ للناس مَثَلَ هذَين الرجلين: الشاكر لنعمة الله، والكافر لها، وما صدر من كلٍّ منهما من الأقوال والأفعال، وما حصل بسبب ذلك من العقاب العاجل والآجل والثواب؛ ليعتبروا بحالهما، ويتَّعظوا بما حصل عليهما، وليس معرفة أعيان الرجلين وفي أيِّ زمان أو مكانٍ هما فيه فائدة أو نتيجة؛ فالنتيجة تحصُلُ من قصتهما فقط، والتعرُّض لما سوى ذلك من التكلُّف.
فأحدُ هذين الرجلين الكافر لنعمة الله الجليلة جعل اللهُ له جنتين؛ أي: بستانَيْنِ حسنَيْنِ ﴿من أعناب وحفَفْناهما بنخل﴾؛ أي: في هاتين الجنتين من كل الثمرات، وخصوصًا أشرف الأشجار العنب والنخل؛ فالعنب وسطها، والنخل قد حَفَّ بذلك ودار به، فحصل فيه من حسن المنظر وبهائه وبروز الشجر والنخل للشمس والرياح التي تكمُلُ بها الثمار وتنضج وتتجوهر، ومع ذلك جعل بين تلك الأشجار زَرْعًا…].ا. هـ.
ولبيان كمال هذا النعيم على هذا الرجل؛ أنّ زروع وعنب ونخيل هاتين الحديقتين قد أثمرت كلها، فثمارهما كاملة غير ناقصة، فلم ينقص من ثمارها شيء: ﴿كِلتَا الجَنَّتَينِ آتَت أُكُلَها وَلَم تَظلِم مِنهُ شَيئًا [فقد أثمرت كلّ حديقة ثمارها من تمر وعنب وزرع، ولم تنقص منه شيئًا، بل أعطته وافيًا كاملًا] وَفَجَّرنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾. أي وأجرينا بينهما نهرًا لسقيهما بيسر، وبدون تعب، كمالاً في النعيم. (مختصر التفسير).
والمتأمل في سياق الحديث عن الجنتين يرى تفصيلاً في ذكر محاسنهما، فلم تكونا مجرد بستانين عاديين، بل جمع اللهُ لهما من الصفات ما أطال السياق في ذكرهما لبيان شدة حسنهما.
فمنها: التثنية فلم تكن جنّة واحدة بل كانت جنتَين، مما يدل على كمال​​ القدرة والتمكن والنعيم، فلو أصيبت مثلاً إحداهما بقيت الأخرى.
ومنها: التخصيص والتعميم في مزروعاتها: فخصّ العنب والنخل لأنها من أطيب الفواكه، ويُكتنز ثمرها لفترة طويلة. ثم عمم بذكر الزرع لأنّ منافعه أيضاً تدوم طوال السنة.
ومنها: حسن التنظيم؛ فقد جعل النخلَ مُحتفّاً بالزرع، والزرع محتفاً بالعنب، وفي هذا كمال وجمال.
ومنها: كثرة الماء وطِيبه؛ فالنهر متفجر خلالهما لا ينقطع كل أيام السنة، ولا كلفة أيضاً فيه من أي وجه، وهو ماء نهر لا آبار فهو غني ومتجدد.
وآخرها: تمام الثمر؛ وهذا واضح في قوله تعالى: (كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً) أي لم تنقص منه، وهذا فيه مقابلة لظلمه حين أشرك بربّه بعد تمام هذه النعمة كلها. ولينظر المتدبر بين وفاء هذه الأرض لصاحبها وفاءً تاماً، وبين نقصه مع ربّه بعد ذلك.
2- ثم جاء المشهد الثاني: (مشهد الحوار بين شخصيات هذه القصة) فيقول اللهُ تعالى فيه:
﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنا أَكثَرُ مِنكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: ٣٤].
﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ}: قيل الثمر هنا هو ثمار الشجر، أي ثمار الجنتين. وقيل ثمر الشجر وغيره من صنوف المال من ذهب وفضة وجواهر وأنعام وغيرها.
أما كلمة (وكان): فلها دلالات مهمة، فهي إما أن تدل​​ على أنه كان غنياً كابراً عن كابر، يعني بالوارثة.
أو أنّ فيه إشارة إلى أن هذا الثمر سيزول قريباً، فعبّر عنه بالفعل الماضي (كان). وكلا الدلالتين في غاية العمق.
(فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنا أَكثَرُ مِنكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا).
قال الغني الكافر لصاحبه الفقير محاوراً ومتفاخراً بما يملكه (أنا)، وكلمة: (أنا) دليل على الغرور والكبر والتفاخر، إنها الأنانية والتكبر على الآخرين. (أَنا أَكثَرُ مِنكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا).
فقد بدأ حواره بالتعالي على غيره بما أعطاه اللهُ، ونسَب هذه النعم لنفسه لا إلى ربّه (أنا أكثر منك مالاً)، فإنه لم يثبت هذه النعمة لمالكها الحقيقي، وواهبها المعطي سبحانه.
فصاحب الجنتين افتخر على صاحبه بشيئين: بكثرة المال، وبقوة العشيرة والقبيلة. فقال له: (أَنا أَكثَرُ مِنكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا). فقد افتخر عليه بالغنى والحسب، وقد قال ذلك افتخاراً منه، وليس تحدثًا بنعمة الله عليه، بدليل العقوبة التي نزلت عليه.
فأول كلمة قالها هذا المتعالي في حواره هذا كانت كلمة (أنا)، وثاني كلمة قالها كانت كلمة (أكثرُ)، وثالث الكلمات كانت (أعزّ)؛ وهذه الثلاث الكلمات هي التي يحرّك الشيطانُ بها الإنسانَ في الطريق الخطأ. فقد كانت أول كلمة قالها إبليس يوم أُمِر بالسجود فرفض أن قال: (أنا خيرٌ منه)، فليُتأمل إلى هذا.
-ثم قال اللهُ عن هذا الرجل فاضحاً غروره: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَن تَبيدَ هذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ٣٥].
(وهو ظالم لنفسه): فقد يكون الانسان ظالم لنفسه وهو لا يدري، وظلمه لنفسه هنا هو بالكفر بالله، وبالعُجب، ونكرانه لقيام الساعة، وتكذيبه بالآخرة.
فقد ظنّ هذا الغنيّ المغرور أنّ هذه النعم لن تزول منه، ولن تذهب. بل وصل به غرورُه أنه أنكر الساعة، وأنكر البعث، عناداً وتكبراً واستبعاداً، بل ادّعى علماً آخر وهو أنه إذا مات ورجع إلى الله (على سبيل الفرض والتقدير، لا على سبيل الاعتقاد واليقين)، ادّعى أنّه سوف يجد أفضل من هذه الجنات التي معاه، كما قال اللهُ عنه: ﴿وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِن رُدِدتُ إِلى رَبّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنها مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦].
فقد ابتدأ هذا الرجل الكافر حواره بالفخر على المؤمن بزيادة المال والنَفَر (أنا أكثر منك مالاً وأعزّ نفراً)​​.
ثم تلا ذلك دخوله جنته واطمئنانه بها (ودخل جنتَه وهو ظالم لنفسه قال ما أظنّ أن تبيد هذه أبداً). فهذه العبارة في غاية العجب، وذلك أنها تشير –كما ذكر الزمخشري– إلى استيلائها على كيانه وحياته وقلبه، فكأنها صارت جنته، ولا جنة له غيرها في الدنيا، فهو يشعر هنا بالفخر والانتماء، فقد استولت على قلبه وكيانه، وَذَلِكَ اغْتِرَارٌ مِنْهُ، لِمَا رَأَى فِيهَا مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ الْمُطَّرِدَةِ فِي جَوَانِبِهَا وَأَرْجَائِهَا، فظَنَّ أَنَّهَا لَا تَفْنَى وَلَا تَفْرَغُ وَلَا تَهْلَكُ وَلَا تُتْلَفُ وَذَلِكَ لِقِلَّةِ عَقْلِهِ، وَضَعْفِ يَقِينِهِ بِاللَّهِ، وَإِعْجَابِهِ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، وَكُفْرِهِ بِالْآخِرَةِ.
ثم ختم حواره بمقولته الكفرية: (وما أظن​​ّ الساعة قائمة ولئن رددتُ إلى ربي لأجدنّ خيراً منها منقلبَا)​​.
فمن خلال قصة صاحب الجنتين نرى أنّ هناك ثلاث خطوات متعاقبة يصل الإنسان بها إلى كفران النعم، وجحوده بالآخرة، ومن ثَمّ الكفر بالله. فهي ثلاث خطوات تبدأ بالمفاخرة والتكاثر، وتمرّ بالاطمئنان بالدنيا والركون إليها، وتنتهي بالكفر بالله والعياذ بالله.
فيأيها القارئ الكريم:
لقد كان تفكير صاحب الجنتين تفكير جزئي ومحدود، زمانياً ومكانياً. فتفكيره لم يتعدّ مكانياً، فتفكيره متقوقع في جنتيه التي يملكها، فلم يتعدى تفكيره أسوار حديقته هذه، فهو لا يفكر إلا بذاته ونفسه، ولا ينظر إلا ما حوله، فهو يظنّ أنّ جنتَيه هاتين هما العالَم كله، وهما الدنيا بأسرها، وأنهما لاتنتهيان ولا تبيدان، فهما دنياه الوحيدة التي يتخيلها في عقله، فكان هذا تفكيره المحدود مكانياً.
كذلك تفكير هذا المغرور لم يتعد زمانياً، فهو لايرى ولايفكر إلا بوقته الحاضر المشَاهَد، ناسياً ماضيه الذي جاء وخُلِق منه، فهو قد نسي أو تناسى ممّ خُلِق، وكيف خُلِق، ولماذا خُلِق؟ منكراً أيضاً مستقبله القادم الذي هو ملاقيه، فهو لايبالي بمصيره الحتمي الذي لا مهرب منه، وما فيه من حساب وعقاب يوم القيامة.
لذلك قال له صاحبُه الفقير صاحب التفكير الايجابي، صاحب التفكير الشامل والكلي للحياتين، الدنيا والآخرة. قال له مصحِحاً المفهوم الخاطئ، ومعدّلاً تفكيره القاصر الذي في عقله، ومذكّراً له بأصله، وبماضيه الذي نسيه والذي جاء منه: (أَكَفَرتَ بِالَّذي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا)!. فإنّ القادر على الابتداء قادر على الإعادة، والشك في البعث كفر بالله تعالى. والاستفهام في قوله {أَكَفَرْتَ}: للإستنكار والاستبعاد، لأنّ خلْق الله له من تراب ثم من نطفة، ثم تسويته إياه رجلاً؛ يقتضى منه الإيمان بهذا الخالق العظيم، وإخلاص العبادة له، وشكره على نعمائه التي أعطاه إياه.
وقد جاء ردّ وحوار هذا الرجل الفقير مادياً، جاء ردُّه منطلِقاً من رفعة في التفكير، ودقة في البصيرة، وعمق في الزمان، وايماناً بخالق الأكوان. فقد جاء ردّه من منطَلق الغِيرةٍ على دينه، وحبّاً بربّه، ومن شعوره بالمسؤولية تجاه خالقه، آمراً وناهياً ومستنكِراً لما قاله هذا المغرور المعتوه. (أَكَفَرتَ بِالَّذي خَلَقَكَ…)!!.
وقد جاء ردّه أيضاً هادئاً وجميلاً، مذكّراً صاحبه بأصل خِلقته، وأنه ضعيف مخلوق من نطفة ومن ماء مهين، وأنه مخلوق من تراب، مثلما جنته مخلوقة من تراب: {أَكَفَرتَ بِالَّذي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا﴾.
ثمّ تابع حواره الهادئ والهادف والرزين، تابع نصحه بثبات المؤمن الواثق بوعد الله وبلقاءه، الواثق بعطاء الله وفضله، غير مغتَرّ أو منخدع بمظهر هذا النعيم الزائل، وبأنه ثابت على دينه، غير مشرك بربه، فقال له: ﴿لكِنّا هُوَ اللَّهُ رَبّي وَلا أُشرِكُ بِرَبّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٣٨].
(لكنّا): لكنّ بنون فقط بدون ألف كما في رسم المصحف، دليل على التواضع. فـ(أنا) بألف قصيرة، ليس فيها غرور أو تعالي على الغير.
﴿لكِنّا هُوَ اللَّهُ رَبّي وَلا أُشرِكُ بِرَبّي أَحَدًا﴾ أي: لكن أنا لا أقول بقولك هذا، وإنما أقول: هو الله ربي المتفضل بنعمه علينا، ولا أشرك به أحدًا في العبادة.
فقد قال مخبرًا عن نفسه على وجه الشُّكر لربِّه، والتمسك بدينِهِ عند ورود المجادلات والشُّبه: ﴿لكنَّاْ هو الله ربِّي ولا أشرِكُ بربِّي أحدًا﴾: فأقرَّ بربوبيَّة ربِّه وانفراده بها، والتزام طاعته وعبادته، وأنَّه لا يشرك به أحدٌ من المخلوقين. تفسير السعدي.
وبعد ردّه الهاديء، واستنكاره لقول هذا المغرور، وبعد اعلانه وتمسكه بعقيدته الايمانية الصحيحة؛ وعدم الإشراك بربّه تعالى؛ يأتي الآن دوره في النصح والإرشاد لهذا الرجل، فيقول له ناصحاً:
﴿وَلَولا إِذ دَخَلتَ جَنَّتَكَ قُلتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنا أَقَلَّ مِنكَ مالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩].
فيقول له ناصحاً: المفروض حين دخولك جنتك؛ أن تشكر اللهَ الذي أعطاك إياها، وأن تُنسب القوة والمشيئة لمن يملكها، وهو الله تعالى، وأن تقول: (ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلّا بِاللَّهِ). فإنّ هذه الجنّة وهذا النعيم الذي معاك؛ ليس بمشيئتك، ولا بعلمك، ولا بقوتك ولا بجهدك وتعبك، فالمال مالُ الله، والقوة قوة الله، والمشيئة مشيئة الله (قُلتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلّا بِاللَّهِ). فلا يقوى أحد على ما في يده من مُلك أونعمة إلا بالله، ولا يكون إلا ما أراده الله. فهلاّ قلتَ عند دخولك جنتك والنظر إلى ما رزقك الله منها (ما شاء الله)، اعترافًا بأنها وكلّ خير فيها إنما حصل بمشيئة الله وفضله، وأنّ أمرها بيده سبحانه، إن شاء تركها عامرة، وإن شاء جعلها خاوية.
وقلتَ {لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} إقرارًا بأنّ ما قويت به على عمارتها وتدبير أمرها إنما هو بمعونة الله وتأييده.
ثمّ تابع حواره الهادئ بكل ثقة واعتزاز: {إِن تَرَنِ أَنا أَقَلَّ مِنكَ مالًا وَوَلَدًا﴾ فإن كنتَ تراني كما يظهر ويبدو لك في خيالك القاصر أنني أقل منك مالاً، وأقلّ منك عدداً في الولد، وأنك أغنى مني مالاً، وأكثر مني ولداً عدداً ومتعة؛ فإنّ اللهَ قادرٌ إذا شاء أن يؤتيني ويعطيني خيراً من جنتك التي معك وأكثر! ﴿فَعَسى رَبّي أَن يُؤتِيَنِ خَيرًا مِن جَنَّتِكَ}.
ثم نصحه وحذّره من غضب الله وبطشه إذا استمر على كفره هذا وعناده، فإنّ عاقبة الكفر والبغي والاغترار بالنعمة، ونسيان المنعِم، عاقبته وخيمة. فإنّ اللهَ تعالى قادرٌ على إهلاك هذه النعمة، وتدميرها بأي طريقة، وحذّره أن تصيب جنتيه إحدى عقوبتين:
{وَيُرسِلَ عَلَيها حُسبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصبِحَ صَعيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠].
فإنّ اللهَ قادرٌ أن يرسل على جنتك عذاباً من السماء، فتصبح جنتك وقتها (صعيداً) أي أرضاً لا نبات فيها، (زلقاً): أي أرض زلِقة تنزلق فيها الأقدام لملوستها وصفاءها وخلوها من أي نبات. هذا العذاب الأول الموقع حدوثه. والعقوبة الثانية:
﴿أَو يُصبِحَ ماؤُها غَورًا فَلَن تَستَطيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ [الكهف: ٤١]. (غوراً) أي غائراً في الأرضِ، بعيداً عن متناول اليد، وعن قدرة المضخات من أن تطلبه. فمِن أين لك ماء بعد ذلك تسقي بها جنتك؟ فإنها سوف تموت وتنتهي بسبب العطش والجفاف. ﴿قُل أَرَأَيتُم إِن أَصبَحَ ماؤُكُم غَورًا فَمَن يَأتيكُم بِماءٍ مَعينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. وفي كلا العقوبتين حصول الهلاك للزرع والثمر.
بعدها وقع ما كان يُخشى منه، وحدَث ما كان قد حذّر منه المؤمن، فنزلت العقوبة المتوقع نزولها، لأنّ عاقبة من كفَر بأنعم الله، وكفَر بالمنعِم عاقبته واضحة، فمصيرها الهلاك والزوال. وهذا هو المشهد الثالث للقصة:
3/- مشهد نزول العقوبة، ونتيجة الكفر بالله:
﴿وَأُحيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ عَلى ما أَنفَقَ فيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُروشِها وَيَقولُ يا لَيتَني لَم أُشرِك بِرَبّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٢].
(وأحيط بثمره): فالإحاطة تستلزم تلف جميع الأشجار والزروع والثمار.
فقد أهلك اللهُ هذه الجنّة بجائحة من السماء، فأصبحت خاوية وفارغة من الأشجار والثمار، وصار هذا المغرور الذي قال: (ما أظنّ أن تبيدَ هذه أبداً)؛ أصبح الآن يقلّب كفيه حسرة وندامة على ما ضاع منه، وما خسره من جهد ومال أنفقه على هاتين الجنتين، فخسر عندها الدنيا والآخرة. فما كان منه بعد هول ما حدث إلا أن أخذ يقلّب كفيه؛ دليل على الإفلاس والعجز والاستسلام. {وَيَقولُ يا لَيتَني لَم أُشرِك بِرَبّي أَحَدًا﴾. ندم الرجل ولكن بعد فوات الأوان، وهل يُرجع الندمُ ما ضاع من الإنسان؟ كلا.
[فقد تَحَقَّق ما توقعه المؤمن، فأحاط الهلاك بثمار حديقة الكافر، فأصبح الكافر يقلّب كفيه من شدة الحسرة والندم على ما بذل في عمارتها وإصلاحها من أموال، والحديقة ساقطة على دعائمها التي تُمَدَّد عليها أغصان العنب، ويقول: يا ليتني آمنت بربي وحده، ولم أشرك معه أحدًا في العبادة]. مختصر التفسير.
أيها القارئ الكريم:
لقد ندم صاحب الجنتين، كما ندم أصحاب الجنّة، وأدرك خطأه كما أدرك أصحابُ الجنّة خطأهم، ولكن كان ذلك بعد فوات الأوان.
فقد قال هنا: (يا لَيتَني لَم أُشرِك بِرَبّي أَحَدًا)، وكأنه تذكّر موعظة ونصيحة صاحبه المؤمن، وعلم أنّه إنما أُتيَ من قِبل شِركه، فتمنى أنه لو لم يكن قد أشرك بالله من قبل، حتى لا يصيبه ما أصابه.
وقد قيل: ويحتمل أن يكون ذلك منه توبةً من الشرك وندَمًا عليه، فيكون ذلك تجديدًا للإيمان، لأنّ ندمه على شركه فيما مضى يشعر بأنه آمن في الحال فكأنه قال: آمنتُ بالله تعالى الآن، وليتَ كان ذلك أولًا.
لكن لا يخفى أنّ مجرد الندم على الكفر لا يكون إيمانًا، وإن كان الندم على المعصية قد يكون توبة إذا عزم على أن لا يعود، بخلاف الكفر فلابد من اتباعه بإيمان وإسلام.
وعلى فرض صحة هذا القول؛ فلم يتحقق هنا من هذا الكافر ندم عليه من حيث هو كفر؛ بل بسبب هلاك جنتيه. والآية فيما بعد ظاهرة أيضًا في أنه لم يتب عما كفر به وهو إنكار البعث. فإنما لم تُقبل توبتُه عند ذلك؛ لأنها كانت عند مشاهدة البأس والعذاب، والإيمان بالله وقتها غير مقبول، إذ غاية ما في الباب أنه إيمان بعد مشاهدة إهلاك ماله، فتكون جملة {يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ} كانت عن اضطرار وجزع عما دهاه وأصابه، ولم تكن عن ندم وتوبة. كقوله تعالى: {فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}. وهكذا حال أكثر الناس، فيذكرون اللهَ تعالى عند الشدائد والمحن، وينسونه عند السراء والعافية.
-ثم قال الله تعالى: {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا} أي: لما نزل العذاب بجنتيه، ذهب عنه ما كان يفتخر به من قوله لصاحبه: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا} فلم يدفعوا عنه من العذاب شيئًا، إذ كان أشدّ إليهم حاجة. وما كان منتصرًا بنفسه، ولا كان أحد قادراً على نصرته. وكيف سيكون له أنصار وأعوان على قضاءٍ وقدَرٍ نزل عليه من السماء؟ ولو اجتمع أهل السموات والأرض على منعه.
وفي نهاية الأمر هل نفعه غرورُه؟ وهل نصرَه كفرُه وعناده؟ وهل قام أحدٌ بنصره أو وقف معه؟ كلا، فلم يستطع نصر نفسه، ولم يستطع أحدٌ أن ينصره. ﴿وَلَم تَكُن لَهُ فِئَةٌ يَنصُرونَهُ مِن دونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنتَصِرًا﴾. أي: ولم تكن لهذا الكافر جماعة يمنعونه مما حلّ به من عقاب، وهو الذي كان يفتخر بجماعته، وما كان هو ممتَنعًا من إهلاك الله لحديقته. (مختصر التفسير).
فلم ينصره أحد، كما لم ينصر قارونَ قبله أحد ﴿فَخَسَفنا بِهِ وَبِدارِهِ الأَرضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرونَهُ مِن دونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنتَصِرينَ﴾ [القصص: ٨١].
4/- ثمّ ختم اللهُ هذه القصة بمشهدها الأخير وهو مشهد العبرة والعظة. فقال اللهُ تعالى: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هُوَ خَيرٌ ثَوابًا وَخَيرٌ عُقبًا﴾ [الكهف: ٤٤].
يقول الامام السعدي رحمه الله:
[أي في تلك الحال التي أجرى اللهُ فيها العقوبة على من طغى وآثر الحياة الدُّنيا، والكرامةَ لمن آمن وعمل صالحًا وشكَر اللهَ ودعاه، لذلك تبيَّن واتضح أنّ الولاية الحقّ لله وحده؛ فمن كان مؤمنًا به تقيًّا كان له وليًّا، فأكرمه بأنواع الكرامات، ودَفَعَ عنه الشرور والمَثُلات، فثوابُهُ الدنيويُّ والأخرويُّ خيرُ ثواب يُرجى ويؤمَّل.
وفيها: أنَّ ولاية الله وعدمها إنما تتَّضح نتيجتها إذا انجلى الغبار وحقَّ الجزاء، ووجد العاملونَ أجرهم؛ فـ ﴿هنالِكَ الوَلاية لله الحقِّ هو خيرٌ ثوابًا وخيرٌ عُقْبًا﴾؛ أي: عاقبةً ومآلًا]. تفسير السعدي.
فهذه القصة تبين وتوضح لنا أنّ المال مال الله، وأنّ المُلك ملك الله، فالأمر كله بيد الله، فهو الحقّ الغالب، وهو خير ثواباً لمن أطاعه وعبدَه وآمن به، وهو خير عقبى لمن اعتمد عليه، وأنفق مما أعطاه اللهُ إليه، فإنّ له العاقبة الحسنة والأجر الجزيل من الله. ﴿تِلكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجعَلُها لِلَّذينَ لا يُريدونَ عُلُوًّا فِي الأَرضِ وَلا فَسادًا وَالعاقِبَةُ لِلمُتَّقينَ﴾ [القصص: ٨٣].
أيها المسلم الكريم:
إنّ اللهَ ضرب لنا هذه الأمثلة، وقصّ علينا مثل هذه القصص؛ ليبيّن لنا عاقبة من كفر بالله، ومن غرّته الدنيا ومتاعها عن الآخرة، ولنعرفَ مصير مَن أعماه جشعه وطمعه عن معرفة الحقّ والصواب.
فهذه هي نهايته، هذه هي نهاية من لم يستجب لنصيحة الناصحين.
فأصحابُ الجنّة لم يستجيبوا لنصيحة أخيهم العاقل، وهذا الرجل المغرور (صاحب الجنتين) لم يستجب لنصيحة صاحبه، كما لم يستجب ويسمع قارون لنصيحة أهل زمانه، أهل العلم والايمان. فكانت نهاية كل هؤلاء نهاية واحدة، والعاقبة كانت عاقبة واحدة كما قرأتم.
وإنّ كثيراً من المسلمين اليوم، ممن أعطاهم اللهُ نعمة المال، ما زال تفكيرهم مثل تفكير صاحب الجنتين، تفكير التعالي والتفاخر على عباد الله الآخرين. فالبعض ما زال يظنّ أنّه بمجرد امتلاكه أرضاً أو عقاراً، أو داراً، أو مركباً، أو مالاً كثيراً؛ أنه أعلى وأفضل من غيره، فينسى حينها نعم الله عليه، فلا يؤدّي حقها، ولا يراعي اللهَ فيها، بل قد يعصي الله ويُؤذي عباد الله بها، وماعلموا أو سمعوا أنهم إذا لم يتقوا اللهَ فيها؛ أنها سوف تُؤخذ منهم كما أُخِذت ممن كان قبلهم، رويداً رويداً وهم لا يشعرون. ﴿... سَنَستَدرِجُهُم مِن حَيثُ لا يَعلَمونَ۝ وَأُملي لَهُم إِنَّ كَيدي مَتينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٢-١٨٣].
﴿… أَوَلَم يَعلَم أَنَّ اللَّهَ قَد أَهلَكَ مِن قَبلِهِ مِنَ القُرونِ مَن هُوَ أَشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وَأَكثَرُ جَمعًا وَلا يُسأَلُ عَن ذُنوبِهِمُ المُجرِمونَ﴾ [القصص: ٧٨].
فهذه سنن الله جارية في هذا الكون لا تتبدل، ونواميس لا تتغير، فهي سُننٌ لاتحابي ولاتجامل أحد كائناً من كان. ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذينَ خَلَوا مِن قَبلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبديلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]. ﴿… فَهَل يَنظُرونَ إِلّا سُنَّتَ الأَوَّلينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبديلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحويلًا﴾ [فاطر: ٤٣].

وختاماً إليكم بعض الدروس المستفادة، والفوائد المرجوة من قصة صاحب الجنتين:
١- يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: [ففي هذه القصة العظيمة اعتبار بحال الذي أنعم الله عليه نعماً دنيوية فألهته عن آخرته وأبغته، وعصى اللهَ فيها، وأنّ مآلها الانقطاع والاضمحلال، وأنه وإن تمتع بها قليلاً فإنه سيُحرمها طويلاً، وأنّ العبد ينبغي له إذا أعجبه شيء من ماله أو ولده أن يضيف النعمة إلى موليها ومحصيها، وأن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله؛ ليكون شاكراً متسبباً لبقاء نعمته عليه، لقوله: {وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ}.
-وفيها الإرشاد إلى التخلي عن لذات الدنيا وشهواتها بما عند الله من الخير، لقوله: {إِنْ تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ} [الكهف:٣٩ - ٤٠].
-وفيها أنّ المال والولد لا ينفعان إن لم يعينا على طاعة الله، كما قال تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [سبأ:٣٧].
-وفيه أنّ الدعاء يتلف مال من كان ماله سبب في طغيانه وكفره وخسرانه. خصوصاً إنْ فَضّل نفسه بسببه على المؤمنين وافتخر عليهم]. كما دعا موسى على فرعون وملائه بقوله: ﴿وَقالَ موسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيتَ فِرعَونَ وَمَلَأَهُ زينَةً وَأَموالًا فِي الحَياةِ الدُّنيا رَبَّنا لِيُضِلّوا عَن سَبيلِكَ رَبَّنَا اطمِس عَلى أَموالِهِم وَاشدُد عَلى قُلوبِهِم فَلا يُؤمِنوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الأَليمَ۝ قالَ قَد أُجيبَت دَعوَتُكُما فَاستَقيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبيلَ الَّذينَ لا يَعلَمونَ﴾ [يونس: ٨٨-٨٩].
٢- النصح والارشاد هو دور الدعاة والمصلحين:
فإنّكم تلحظون معي أنّ اللهَ تعالى سمّى هذا الرجل صاحبًا، ومعنى ذلك أنه ملازم له يريد إصلاحه والأخذ بيده، وهذا شأن الدعاة الناصحين، يجب ألا يتخلوا عن العصاة والمذنبين والمنحرفين، عليهم أن يكونوا معهم وبجانبهم، يأخذون بأيديهم إلى طريق الصواب.
ثم في قوله: {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ}: فيبدو أنّ هذه المحاورة التي كانت بين الرجلين، كانت محاوَرةً القصد منها الوصول إلى الحقيقة. -وإن كان الرجل الكافر ما زال معتزًا بماله ونفَره وحشَمه وخدمه- وهذه هي مهمة الدعاة والمصلحين، وهي إيصال الغير إلى الحقيقة، وإرجاعه إلى جادة الصواب. لذلك كان يقول الإمام الشافعي رحمه الله: (ما قابلتُ أو جادلتُ أحداً؛ إلا وتمنيتُ ودعوتُ اللهَ أن يجري الحقّ على لسانه).
وقد رأينا معاً دور الدعاة والناصحين في كل القصص السابقة. فقصة قارون لم تخلو من دور الناصحين ﴿… إِذ قالَ لَهُ قَومُهُ لا تَفرَح إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحينَ * وَابتَغِ فيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصيبَكَ مِنَ الدُّنيا وَأَحسِن كَما أَحسَنَ اللَّهُ إِلَيكَ وَلا تَبغِ الفَسادَ فِي الأَرضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُفسِدينَ﴾ [القصص: ٧٧]. ﴿وَقالَ الَّذينَ أوتُوا العِلمَ وَيلَكُم ثَوابُ اللَّهِ خَيرٌ لِمَن آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وَلا يُلَقّاها إِلَّا الصّابِرونَ﴾ [القصص: ٨٠]
-وكذلك رأينا دور النصح في قصة أصحاب الجنّة ﴿قالَ أَوسَطُهُم أَلَم أَقُل لَكُم لَولا تُسَبِّحونَ﴾ [القلم: ٢٨].
وهنا لم تكن النصيحة غائبة، ولم يكن دور الناصحين غائباً كذلك، فالمؤمن الفقير قد حاور وناصح صاحبَه المغرور حتى النهاية.
٣- المفاخرة إنما تكون بطاعة الله وبعبادته دون سواه. {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا}.
فقد أقرّ الصاحب المؤمن بربوبيته لربّه، وانفراده فيها، والتزم طاعته وعبادته، وأنه لا يشرك به أحداً من المخلوقين. ثم أخبر صاحبَه أنّ نعمة الله عليه بالإيمان والإسلام -ولو مع قلة المال والولد- أنها هي النعمة الحقيقية، وأنّ ما عداها معرّضة للزوال والفناء. فإنّ ما عند الله خير وأبقى، وما يُرجى من خيره وإحسانه أفضل من جميع ما في الدنيا التي يتنافس عليها المتنافسون. فإنّ من جعل أفضليته على الآخرين وخيريَته وعزته مرتبطة بأحوال الدنيا ومتاعها؛ فلابد أن ينتهي به الحال إلى الاطمئنان بهذه الدنيا وحدها، والتخلي عما سواها​​.
٤- من أنفق عمره في تحصيل الدنيا وأعرض عن الدِّين، حُرم الدِين والدنيا معًا.
فالله تعالى يَقُولُ: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} أي: بِأَمْوَالِهِ، أَوْ بِثِمَارِهِ، فقد أصابها العذاب، وأحاط بها واستهلكها كلها، فلم يبق منها شيء. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ وَقَعَ بِهَذَا الْكَافِرِ مَا كَانَ يَحْذَرُ، مِمَّا خَوَّفه بِهِ الْمُؤْمِنُ مِنْ إِرْسَالِ الْحُسْبَانِ عَلَى جَنَّتِهِ، الَّتِي اغْتَرَّ بِهَا وَأَلْهَتْهُ عَنِ اللَّهِ.
فإنّ كلّ النعم ما عدا الإسلام والإيمان معرّضةٌ للزوال، فالاسلام والايمان هما النعمتان الحقيقيتان الباقيتان، وأنّ كلّ ما سواهما قليلًا كان أو كثيراً؛ فكلّه إلى زوال، ولا يُفيد صاحبه يوم القيامة.
يقول سيد قطب في الظلال: [هذه القصة مثَل للقيم الزائلة، والقيم الباقية، فصاحب الجنتين نموذج للرجل الذي تذهله الثروة وتبطره النعمة، فينسى القوة الكبرى التي تسيطر على أقدار الناس والحياة، ويحسب أنّ هذه النعمة خالدة لا تفنى، وأنه لن تخذله هذه القوة ولا هذا الجاه. وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه الذاكر لربّه، فهو يرى النعمة دليلاً على المنعِم، موجبة لحمده وشكره، لا لجحوده وكفره].
٥- إنّ كثرة المال ليس دليلًا على الإكرام، كما أنّ قِلَته ليس دليلًا على الإهانة.
فنحن رأينا في هذه القصة أنّ النعيم الدنيوي قد منحه اللهُ لهذا المتكبر ومَنّ عليه به، وأما صاحبه المؤمن فلم يكن يملك من هذا المتاع إلا الشيء القليل، وهذا نوع من الابتلاء لكلا الرجلين من الله، أيشكر الغني؟ ويصبر الفقير، أم لا؟
وقد ذمّ اللهُ قصيري النظر الذين يظنون أنّ سبب ومنبع الغنى ناتج عن إكرام، وأنّ الفقر ناتج عن إهانة، كلا.. كما قال الله تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلاّ} [الفجر: 15، 16]. كلا، ليس كما يظنّ هذا الانسان هذا الظنّ، فإنّ اللهَ ينكر عَلَى هذا الْإِنْسَانِ فِي اعْتِقَادِهِ أنه إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ لِيَخْتَبِرَهُ فِي ذَلِكَ، فَيَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ إِكْرَامٌ لَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ ابْتِلَاءٌ وَامْتِحَانٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ} [الْمُؤْمِنُونَ: 55، 56]. وَكَذَلِكَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ إِذَا ابْتَلَاهُ اللهُ وَامْتَحَنَهُ وضَيَّق عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ، يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ إِهَانَةٌ لَهُ. فقَالَ اللَّهُ: {كَلا} أَيْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ، لَا فِي هَذَا وَلَا فِي هَذَا، فَإِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الْمَالَ مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَيُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَإِنَّمَا الْمَدَارُ فِي ذَلِكَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِي كُلٍّ مِنَ الْحَالَيْنِ، إِذَا كَانَ غَنِيًّا بِأَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ فَقِيرًا بِأَنْ يَصْبِرَ. ﴿… قالَ هذا مِن فَضلِ رَبّي لِيَبلُوَني أَأَشكُرُ أَم أَكفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّما يَشكُرُ لِنَفسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبّي غَنِيٌّ كَريمٌ}.[النمل: ٤٠].
٦- المال وسيلة وليس غاية، وصاحب المنهج الصحيح والعقل السليم، لايتأثر بفقر ولا بغنى.
فالإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لايتأثر صاحبُه بفقر أو غنىً يصيبه، لأنّ الغنى والفقر مما يَمتحن اللهُ به عباده، ولا يجوز للعبد المؤمن أن يعترض على نوع الامتحان الذي يمتحنه الله به، فقد يمتحن اللهُ الكافر بالغنى وسعة المال، ويمتحن المؤمن بقلة المال، كما في هذه القصة. وقد لاحظنا هنا الفرق بين موقف من ألهته الدنيا عند المصيبة وبين أهل الإيمان كذلك.
فأهل الدنيا: {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا}.
وأما أهل الإيمان فحالهم كما في حديث صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ".
وقصة صهيب راوي هذا الحديث كلنا يعرفها، فعندما منعه كفار قريش من الهجرة واللحاق برسول الله، دلهم صهيب على مكان ماله مقابل أن يتركوه ودينه، فوافقوا على ذلك، فترك صهيب الرومي كل ماله لقريش مقابل نجاته بدينه، ولحاقه بمحمدٍ رسولِه. فأنزل اللهُ فيه وفي أمثاله قولَه تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشري نَفسَهُ ابتِغاءَ مَرضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءوفٌ بِالعِبادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].