زاد الخـطــيــب الـــدعـــــوي📚
8.4K subscribers
5 photos
212 files
3.2K links
الـشـبـكـة الـدعـــويــة الـرائـــدة
المتخصصة بالخطـب والمحاضرات
🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•

للتواصل مع إدارة القناة
إضغط على الرابط التالي
@majd321
Download Telegram
ومن خصائصها: حل الغنائم، فقد كانت الأمم قبلنا على ضربين: منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم تكن لهم غنائم، ومنهم من أذن له في الجهاد فكانوا يغزون ويجاهدون ويأخذون أموال أعدائهم ولكن لا يتصرفون فيها بل يجمعونها، وعلامة قبول غزوهم أن تنزل نار من السماء فتأكلها، وعلامة عدم القبول ألا تنزل، وقد من الله على هذه الأمة ورحمها لشرف نبيها عنده فأحل لهم الغنائم؛ "فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيّباً".

وفي الحديث عن جابر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي" وذكر منها "وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي"(رواه البخاري).

وهكذا تتألق هذه الأمة المباركة، ويترادف عليها فضل الله وكرمُه، وتتقلب في إنعامه وإحسانه، فيا فوزنا ويا سعدنا أن كنا من أمة هذا النبي الكريم العظيم، ولكن مهلاً ... هل شكرنا الله حق شكره أن جعلنا من هذه الأمة؟ وهل كنا على مستوى هذا التكريم؟ هل أعطينا العالم صورةً حسنة عن هذه الأمة المحمدية؟ أليس من المأساة أن يقولَ بعضُ من أسلم من الغربيين: أحمد الله أنني عرفت الإسلام قبل أن أعرف المسلمين وإلا لما أسلمت، قرأ عن الإسلام فسرّه ما فيه فاعتنقه، فلما رأى المسلمين هاله البونُ الشاسع بين المقروء والمشاهَد، وظن أنه لو رأى المسلمين وحالَهم قبل أن يقرأ عن الإسلام لما فكر في اعتناقه، لا بد عباد الله أن نحقق في أرض الواقع هذه الخيرية ونحملَ هذا الإسلام فنبشرَ به العالمين ونحيي به موات الدنيا، فإن الأرض عطشى إلى مطر المسلمين، مشتاقة إلى وقع أقدامهم وهتاف تكبيرهم.

عبادَ اللهِ: وصلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله، كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)[الأحزاب: 56].
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد.
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين، أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين

اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل.
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها.
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر.
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

عِبَادَ الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
🎤
*خُطْبَةٌ جمعة بِعُنْوَانِ :*
*هَلْ لَكَ رَصِـيدٌ عِنْدَ اللَّهِ ..؟*
*للدكتور/ يُوسُفُ حُسَيْنُ الرُّخْمِيُّ*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌


الخطبـــة الأولـــى.
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ فَأَبْدَعَهُ، وَسَنَّ الدِّينَ وَشَرَعَهُ، وَنَوَّرَ النُّورَ وَشَعْشَعَهُ، وَقَدَّرَ الرِّزْقَ وَوَسَّعَهُ، وَأَجْرَى الْمَاءَ وَأَنْبَعَهُ. جَعَلَ السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا رَفَعَهُ، وَالْأَرْضَ بِسَاطًا وَضَعَهُ، وَسَيَّرَ الْقَمَرَ فَأَطْلَعَهُ. سُبْحَانَهُ مَا أَعْلَى مَكَانَهُ وَأَرْفَعَهُ، وَمَا أَعَزَّ سُلْطَانَهُ وَأَمْنَعَهُ!

فَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالْحَيَاةُ مَرِيرَةٌ
وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالْأَنَامُ غِضَابُ
وَلَيْتَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَامِرٌ
وَبَيْنِي وَبَيْنَ الْعَالَمِينَ خَرَابُ
إِذَا صَحَّ مِنْكَ الْوُدُّ يَا غَايَةَ الْمُنَى
فَكُلُّ الَّذِي فَوْقَ التُّرَابِ تُرَابُ

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَقُدْوَتَنَا وَعَظِيمَنَا وَشَفِيعَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمُ وَاقْتَفَى أَثَرَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ، فَأُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، فَإِنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى، وَتَمَسَّكُوا مِنْ دِينِكُمْ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى. وَأُوصِيكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ. عِيَاذًا بِاللَّهِ.

فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَمَرَّ بِنَا رَجُلٌ مِنْ أَغْنِيَاءِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: "مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟ مَا رَأْيُكُمْ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ، حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، وَإِنْ تَكَلَّمَ أَنْ يُسْمَعَ لَهُ. فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يُعَلِّقْ عَلَى الْأَمْرِ.

فَمَرَّ رَجُلٌ آخَرُ مِنْ فُقَرَاءِ النَّاسِ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ: "مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا؟" قَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ، حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ تَكَلَّمَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لَهُ.

فَعِنْدَئِذٍ عَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْحَادِثَتَيْنِ فَقَالَ، مُشِيرًا إِلَى الْأَخِيرِ مِنْهُمَا: "هَذَا خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ". وَفِي رِوَايَةٍ: "هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِنْ ذَلِكَ".

فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَجْعَلُ النَّبِيُّ ﷺ لَنَا مِيزَانًا يَخْتَلِفُ عَنْ مِيزَانِ النَّاسِ. هَذَا الْمِيزَانُ يَتَحَدَّدُ عَلَى أَسَاسِ مَا يَمْتَلِكُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رَصِيدٍ، لَيْسَ رَصِيدَ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالْمَتَاعِ، وَإِنَّمَا رَصِيدَ الْآخِرَةِ فِي دُنْيَا النَّاسِ.

الْغَنِيُّ وَصَاحِبُ الْجَاهِ وَصَاحِبُ الْمَكَانَةِ وَالْمَنْصِبِ يَظُنُّونَ أَنَّهُ هَكَذَا أَيْضًا فِي الْآخِرَةِ. يَظُنُّونَ أَنَّ الْآخِرَةَ كَحَالِ الدُّنْيَا: الْمَشَايِخُ فِيهَا هُمُ الْمَشَايِخُ فِي الدُّنْيَا، وَالرُّؤَسَاءُ فِيهَا هُمُ الرُّؤَسَاءُ فِي الدُّنْيَا، وَأَصْحَابُ الْمَكَانِ الْعَالِي وَالرَّفِيعِ هُمْ أَصْحَابُ الْمَكَانِ الْعَالِي فِي الدُّنْيَا. وَهَذَا وَهْمٌ مُهِمٌّ.

مِيزَانُ اللَّهِ يَخْتَلِفُ. هَذَا الشَّخْصُ الَّذِي لَا يُؤْبَهُ لَهُ، إِذَا دَخَلَ الْمَجَالِسَ لَا يُفْسَحُ لَهُ أَحَدٌ، وَإِذَا تَحَدَّثَ لَا يُنْصِتُ لَهُ أَحَدٌ، وَإِذَا مَشَى لَا يَحْرِصُ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ؛ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ. وَذَاكَ الرَّجُلُ الَّذِي يَمْشِي يَحْتَفُّ بِهِ الْمُرَافِقُونَ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَتَجِلُّ الْأَمْوَالُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُفْسِحُ لَهُ النَّاسُ فِي الْمَجَالِسِ، وَيَسْتَقْبِلُونَهُ فِي الْمُنَاسَبَاتِ؛ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَصْغَرَ مِنَ الذَّرِّ يَطَؤُهُ النَّاسُ بِأَقْدَامِهِمْ.
مِيزَانُ الْآخِرَةِ مُخْتَلِفٌ. هَذَا الرَّجُلُ لَا يَتَحَدَّدُ عَلَى مُسْتَوَى اللَّوْنِ وَلَا الْجَاهِ وَلَا الْمَالِ وَلَا الْمَنْصِبِ وَلَا الْمَكَانِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَإِنَّمَا يَتَحَدَّدُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ: مِقْدَارُ رَصِيدِكَ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَ الْحَسَنَاتِ.

النَّاسُ الْيَوْمَ يَتَفَقَّدُونَ أَرْصِدَتَهُمْ. إِذَا نَقَصَ النِّتُّ أَوْ رَصِيدُ الِاتِّصَالِ فِي جَوَّالِكَ أَصَابَكَ الْحُزْنُ وَالْهَمُّ، فَلَا تَطْمَئِنُّ نَفْسُكَ وَلَا يَهْدَأُ بَالُكَ حَتَّى تَمْلَأَ رَصِيدَكَ مِنَ النِّتِّ أَوْ مِنْ رَصِيدِ الِاتِّصَالِ. وَهَكَذَا الْإِنْسَانُ إِذَا نَقَصَ رَصِيدُهُ فِي الْبَنْكِ، أَوْ فِي الْخَزْنَةِ، أَوْ فِي التِّجَارَةِ، أَوْ فِي الْجَاهِ، يَقُولُ: أَنَا ذَهَبْتُ الْيَوْمَ إِلَى الْمُنَاسَبَةِ الْفُلَانِيَّةِ فَلَمْ يَسْتَقْبِلْنِي أَحَدٌ، وَلَمْ يُصَافِحْنِي أَحَدٌ، وَلَمْ يُفْسِحْ لِي أَحَدٌ. يَحْزَنُ النَّاسُ إِذَا نَقَصَ رَصِيدُهُمْ، رَصِيدُهُمْ مِنَ الدُّنْيَا. لَكِنْ مَنِ الَّذِي يَحْزَنُ وَيَبْتَئِسُ إِذَا نَقَصَ رَصِيدُهُ عِنْدَ اللَّهِ؟ إِذَا رُدَّ مِنْ بَابِ اللَّهِ؟ إِذَا كَانَ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى صَغِيرًا؟ مَنِ الَّذِي يَحْزَنُ عَلَى ذَلِكَ؟ مَنِ الَّذِي يَهْتَمُّ لِهَذَا؟ وَهُوَ الرَّصِيدُ الْحَقِيقِيُّ.

فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى ﷺ: "يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ". أَكْثَرُ إِنْسَانٍ فِي الدُّنْيَا غِنًى وَمَالًا وَمَنْصِبًا وَجَاهًا وَمَتَاعًا، وَلَكِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. يُؤْتَى بِهِ فَيُصْبَغُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ صَبْغَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، وَعِزَّتِكَ مَا رَأَيْتُ خَيْرًا قَطُّ، وَمَا مَرَّ بِي نَعِيمٌ قَطُّ. نَسِيَ السَّيَّارَاتِ الْفَارِهَةَ، وَنَسِيَ الْوَجَبَاتِ الْفَاخِرَةَ، وَنَسِيَ الْأَمْوَالَ وَالْمَتَاعَ وَالْجَاهَ. نَسِيَ هَذَا كُلَّهُ بِصَبْغَةٍ وَاحِدَةٍ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.

قَالَ ﷺ: "ثُمَّ يُؤْتَى بِأَشَدِّ أَهْلِ الدُّنْيَا فَاقَةً وَحَاجَةً، وَلَكِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ فِي الْجَنَّةِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّتْ بِكَ فَاقَةٌ قَطُّ؟" فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، وَعِزَّتِكَ مَا رَأَيْتُ بُؤْسًا قَطُّ، وَلَا مَرَّتْ بِي فَاقَةٌ قَطُّ. فَنَسِيَ الْجُوعَ، وَنَسِيَ الْبَرْدَ، وَنَسِيَ الْحَرَّ، وَنَسِيَ الْكَرَاتِينَ الَّتِي كَانَ يَنَامُ عَلَيْهَا، وَالْعَمَلَ الشَّاقَّ الَّذِي كَانَ يَقُومُ بِهِ، وَنَسِيَ الْإِهَانَةَ الَّتِي كَانَ يَتَعَرَّضُ لَهَا. نَسِيَ كُلَّ شَيْءٍ بِغَمْسَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْجَنَّةِ.

هَذَا هُوَ الرَّصِيدُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَيْهِ النَّاسُ. وَهُوَ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْرِصُ عَلَى أَنْ يَتَفَقَّدَهُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ. الْيَوْمَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ بَعْضَهُمْ: كَيْفَ الْوَضْعُ عِنْدَكَ؟ هَلْ هُنَاكَ مُرَتَّبَاتٌ الْيَوْمَ أَمْ لَا؟ هَلْ مَعَكَ صَرْفَةُ الْعِيدِ أَمْ لَا؟ هَلْ عِنْدَكَ حَاجَاتُ أَوْلَادِكَ أَمْ لَا؟ يَتَفَقَّدُونَ حَاجَاتِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةَ.

لَكِنِ انْظُرُوا إِلَى الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى ﷺ، أَيَّ شَيْءٍ كَانَ يَتَفَقَّدُ فِي أَصْحَابِهِ؟ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مُجْتَمِعًا مَعَ أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ: "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟" قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. الْأَوَّلُ دَائِمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "مَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "مَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ".

تَأَمَّلُوا مَعِي إِلَى الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَيْفَ كَانَ رَصِيدُهُ فِي الْآخِرَةِ؟ هُوَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، كَانَ غَنِيًّا وَلَكِنَّهُ لَمْ يَنْسَ الْآخِرَةَ، وَلَمْ يُعْرِضْ عَنْهَا. كَانَ الْمَالُ وَالتُّرَابُ فِي عَيْنَيْهِ سَوَاءً. كَانَ الْأَوَّلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
تَخَيَّلْ هَذَا، أَبُو بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيَسْأَلُ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ: تَبِعَ جَنَازَةً، وَأَطْعَمَ مِسْكِينًا، وَصَامَ، وَعَادَ مَرِيضًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِهَذَا السُّؤَالِ. هَذَا يَعْنِي أَنَّ هَذَا كَانَ دَيْدَنَهُ دَائِمًا، وَكَانَ هَذَا حِرْصَهُ دَائِمًا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ فِي رَجُلٍ إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، لِأَنَّهَا لَا تَجْتَمِعُ إِلَّا فِي إِنْسَانٍ حَرِيصٍ.

انْظُرُوا إِلَى الْمَعْنَى، كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْحَثُ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي أَصْحَابِهِ، وَيَلْفِتُ نَظَرَهُمْ إِلَى الرَّصِيدِ الْحَقِيقِيِّ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى ﷺ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ". زَوْجَيْنِ: يَعْنِي صِنْفَيْنِ مِنَ الْمَالِ، يَعْنِي نَاقَتَيْنِ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. "قِيلَ: ادْخُلْ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ. فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ".

وَهُنَا بَرَزَ السُّؤَالُ، وَالْمُتَوَقَّعُ أَنْ يَسْأَلَ هَذَا السُّؤَالَ هُوَ الْأَوَّلُ دَائِمًا: أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ هُوَ لَا يَطْمَئِنُّ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ بَابٍ. يَكْفِي أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ بَابٍ، الْمُهِمُّ أَنْ تَدْخُلَ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ، لَا فَرْقَ. لَكِنَّ صَاحِبَ الْحِرْصِ وَصَاحِبَ الِاجْتِهَادِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ يَا أَبَا بَكْرٍ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ".

رَصِيدُكَ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ سَبُ الْفَلَاحِ وَالنَّجَاحِ وَالْفَوْزِ وَالْكَرَامَةِ، لَيْسَ فِي الْآخِرَةِ فَحَسْبُ، بَلْ حَتَّى فِي الدُّنْيَا. صَاحِبُ الرَّصِيدِ حَتَّى فِي الدُّنْيَا يَنْتَفِعُ بِهِ.

انْظُرُوا مَعِي إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ يُونُسَ. خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأُمُورِ، فَعَاقَبَهُ اللَّهُ لِأَنَّهُ مِنْ أَوْلِيَائِهِ الصَّالِحِينَ، مِنْ أَنْبِيَائِهِ. حَتَّى أَصْغَرُ الصَّغَائِرِ فِي حَقِّهِ هِيَ كَبِيرَةٌ فِي مِثْلِ شَأْنِهِ. فَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْحُوتَ أَنْ يَلْتَقِمَهُ، فَعَاشَ فِي بَطْنِ حُوتٍ. تَخَيَّلْ أَنْ تَعِيشَ فِي بَطْنِ حُوتٍ فِي أَعْمَاقِ الْبِحَارِ. تَعْرِفُونَ الْبِحَارَ، الضَّغْطُ الْجَوِّيُّ فِيهَا مُرْتَفِعٌ جِدًّا، يَكْفِي أَنْ تَنْفَجِرَ طُبُولُ الْآذَانِ، وَتَنْفَجِرَ الشَّرَايِينُ فِي الْجِسْمِ. وَحَفِظَهُ اللَّهُ بِحِفْظِهِ، وَلَكِنَّهُ يَعِيشُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ فِي حَبْسٍ عَجِيبٍ، لَيْسَ حَبْسًا انْفِرَادِيًّا يَجِدُ فِيهِ مُتَنَفَّسًا، بَلْ فِي مَعِدَةِ مَخْلُوقٍ يَطُوفُ بِهِ الْبِحَارَ.

لَكِنْ تَأَمَّلُوا مَعِي فِي التَّعْلِيقِ الرَّبَّانِيِّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} [الصافات: 143]. كَانَ لَهُ رَصِيدٌ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ. كَانَ لَهُ رَصِيدٌ مِنَ الْخَيْرِ، رَصِيدٌ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الصافات: 144]. حَتَّى وَإِنْ كَانَ نَبِيًّا، كَانَ سَيَبْقَى فِي بَطْنِ الْحُوتِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لَكِنْ لَمَّا كَانَ لَهُ رَصِيدٌ مِنَ الْخَيْرِ عِنْدَ اللَّهِ نَجَّاهُ.

وَيَقُولُ رَبُّنَا فِي شَأْنِ زَكَرِيَّا، وَقَدْ حُرِمَ مِنَ الْوَلَدِ حَتَّى صَارَ شَيْخًا كَبِيرًا فِي السِّنِّ، وَامْرَأَتُهُ عَجُوزٌ. الْيَأْسُ يَتَسَرَّبُ إِلَى النُّفُوسِ: أَنَّ مِثْلَ هَذَا الرَّجُلِ وَهَذِهِ الْمَرْأَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْجِبَا بَعْدَ هَذَا السِّنِّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} [الأنبياء: 89]. قَالَ اللَّهُ: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء: 90].
مَعْنَى "أَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ": يَعْنِي كَانَتْ عَجُوزًا كَبِيرَةً فِي السِّنِّ، فَرَدَّهَا اللَّهُ شَابَّةً حَتَّى تَقْدِرَ عَلَى الْإِنْجَابِ مِنْ جَدِيدٍ.

طَيِّبٌ، لِمَاذَا يَا رَبِّ هَذَا؟ لِمَاذَا خَرَقْتَ الْقَوَانِينَ وَالسُّنَنَ مِنْ أَجْلِ هَذَا الْعَبْدِ؟! قَالَ: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]. كَانَ لَهُمْ رَصِيدٌ، فَمَا خَيَّبَهُمْ حِينَ احْتَاجُوهُ.

لَيْسَ فَقَطْ فِي حَيَاتِكَ، بَلْ حَتَّى بَعْدَ مَمَاتِكَ. كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَخَافُ عَلَى أَوْلَادِهِ، يَتْعَبُ وَيَشِيبُ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ مِنَ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ. يَقُولُ: أَنَا كَبِرْتُ فِي السِّنِّ، وَمَا بَنَيْتُ لِأَوْلَادِي بَيْتًا! وَمَا اشْتَرَيْتُ لَهُمْ سَيَّارَةً! وَمَا زَوَّجْتُهُمْ! وَمَا أَمَّنْتُ مُسْتَقْبَلَهُمْ! يَخَافُ النَّاسُ عَلَى ذُرِّيَّاتِهِمْ مِنْ بَعْدِهِمْ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ أَنْبَأَكَ عَنِ الْخَبَرِ: لِيَكُونَ لَكَ رَصِيدٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَيَكُونَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَعَهُمْ حَافِظًا.

يَقُولُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف: 82]. هَذَا هُوَ السَّبَبُ. أَرْسَلَ اللَّهُ مُوسَى نَبِيًّا، وَالْخَضِرَ وَلِيًّا، وَطَافَ الْأَرْضَ حَتَّى أَتَى إِلَى هَذِهِ الْقَرْيَةِ النَّائِيَةِ، فَأَقَامَ جِدَارًا لِرَجُلٍ مَاتَ مُنْذُ عَشَرَاتِ السِّنِينَ. لِمَاذَا يَا رَبِّ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ صَالِحًا. فَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَوَلِيَّهُ لِخِدْمَةِ هَذَا الرَّجُلِ الْمَيِّتِ، وَنَفْعِ هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ الْيَتِيمَيْنِ. لِمَاذَا؟ {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}. كُنْ صَالِحًا وَلَا تَخْشَ عَلَى أَوْلَادِكَ شَيْئًا.

وَعِنْدَ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً لِأَمْرٍ حَصَلَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهَا يَوْمًا فَقَالَ: "يَا حَفْصَةُ، إِنَّ جِبْرِيلَ جَاءَنِي آنِفًا قَبْلَ قَلِيلٍ". طَيِّبٌ، لِمَاذَا جَاءَ جِبْرِيلُ؟ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، لَا شَكَّ أَنَّهُ سَيَأْتِي بِوَحْيٍ يَتَعَلَّقُ بِشُؤُونِ النَّاسِ، بِدِينٍ، بِبُشْرَى. قَالَ: "جَاءَنِي جِبْرِيلُ آنِفًا فَقَالَ لِي: إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ لَكَ: ارْجِعْ حَفْصَةَ". اللَّهُ يَأْمُرُ، وَيُرْسِلُ جِبْرِيلَ فِي رِسَالَةٍ مِنْ أَجْلِ زَوْجَةٍ طُلِّقَتْ طَلْقَةً: ارْجِعْهَا إِلَى عِصْمَتِكَ يَا مُحَمَّدُ مَرَّةً أُخْرَى! لِمَاذَا هَذَا؟ قَالَ: "يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: ارْجِعْ حَفْصَةَ، فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ، وَهِيَ زَوْجَتُكَ فِي الْجَنَّةِ".

انْظُرُوا إِلَى رَصِيدِهَا مِنَ الْخَيْرِ، كَيْفَ نَفَعَهَا حَتَّى فِي الدُّنْيَا! فَرَجَعَتْ إِلَى عِصْمَةِ الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى ﷺ، بَلْ وَكَانَتْ مِنْ زَوْجَاتِهِ فِي الْجَنَّةِ. لِمَاذَا؟ إِنَّهَا كَانَتْ صَوَّامَةً قَوَّامَةً، كَانَ لَهَا رَصِيدٌ مِنَ الْخَيْرِ.
هَذَا فِي شَأْنِ الدُّنْيَا، فَكَيْفَ بِالْآخِرَةِ؟!
وَالْآخِرَةُ أَعْظَمُ وَأَبْقَى.

عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ إِذَا تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ عَنْهُ، يَسْمَعُهُمْ حِينَ يُصْرَخُونَ مِنْ دَفْنِهِ.
قَالَ: فَيَأْتِيهِ الْمَلَكَانِ، فَإِذَا جَاءَا أَقْبَلَتِ الصَّلَاةُ، أَقْبَلَ الْمُدَافِعُونَ الْحُرَّاسُ الْمُرَافِقُونَ.
قَالَ: أَقْبَلَتِ الصَّلَاةُ فَوَقَفَتْ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَأَقْبَلَ الصِّيَامُ فَوَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقْبَلَتِ الزَّكَاةُ فَوَقَفَتْ عَنْ يَسَارِهِ، وَأَقْبَلَ فِعْلُ الْخَيْرِ فَوَقَفَ عِنْدَ رِجْلَيْهِ.
فَإِذَا جَاءَ الْمَلَكَانِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، قَالَتِ الصَّلَاةُ: لَا تَأْتِيهِ مِنْ هُنَا، لَيْسَ لَكُمْ مِنْ هُنَا مَدْخَلٌ، هُوَ مِنْ هُنَا مَحْمِيٌّ، أَنَا الْحَارِسُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، لَيْسَ لَكُمْ مَدْخَلٌ مِنْ هُنَا.
فَيَأْتِيَانِهِ مِنَ الْيَمِينِ، فَيَقُومُ الصِّيَامُ: لَيْسَ لَكُمْ مِنْ هُنَا مَدْخَلٌ.
يَأْتِيَانِهِ مِنَ الشِّمَالِ، فَتَقُومُ الزَّكَاةُ: لَيْسَ لَكُمْ مِنْ هُنَا مَدْخَلٌ.
يَأْتِيَانِهِ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ، فَيَقُومُ فِعْلُ الْخَيْرِ فَيَقُولُ: لَيْسَ لَكُمْ مِنْ هُنَا مَدْخَلٌ.
فَإِذَا رَأَى الْمَلَكَانِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا مَكَانٌ يَصِلَانِ إِلَيْهِ، وَقَفَا بَعِيدًا عَنْهُ، فَقَالَا لَهُ: اجْلِسْ رَحِمَكَ اللهُ. فَيَجْلِسُ.
فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟»

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَيَنْظُرُ فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّ الشَّمْسَ كَأَنَّهَا تَغْرُبُ، لِأَنَّهُ حَرِيصٌ عَلَى الصَّلَاةِ، قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالصَّلَاةِ، فَيَقُولُ لَهُمَا: دَعَانِي يَرْحَمُكُمَا اللهُ حَتَّى أُصَلِّيَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، سَتَفُوتُنِي. أُصَلِّي الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَعُودُ فَأُجِيبُ عَلَى الْأَسْئِلَةِ».
فَيَقُولَانِ لَهُ: أَمَّا إِنَّكَ سَتَفْعَلُ، وَلَكِنْ أَخْبِرْنَا عَمَّا سَأَلْنَاكَ عَنْهُ.
فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، وَدِينِيَ الْإِسْلَامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ سَيِّدُ الْأَنَامِ.

قَالَ ﷺ: «فَيُمَدُّ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُنَوَّرُ لَهُ قَبْرُهُ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ.
فَصَاحِبُ الرَّصِيدِ سَعِيدٌ فِي الدُّنْيَا، سَعِيدٌ فِي الْقَبْرِ، سَعِيدٌ عِنْدَ لِقَاءِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى».

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ.



*الخطبة الثانية*

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الْأَنْبِيَاءِ وَسَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ مِنْ أَشْقَى خَلْقِ اللهِ عَبْدٌ قَدِ اجْتَهَدَ وَتَعِبَ وَصَلَّى وَصَامَ وَفَعَلَ الْخَيْرَاتِ، وَلَكِنَّهُ كَرِيمٌ بِحَسَنَاتِهِ عَلَى الْعِبَادِ، يُوَزِّعُهَا فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ. لَا يَأْتِي اللَّيْلُ إِلَّا وَلَمْ يَبْقَ مِنْ رَصِيدِ حَسَنَاتِهِ شَيْءٌ.
مِنْ هَذَا الْعَبْدُ الشَّقِيُّ الَّذِي يَشْقَى لِيَرْتَاحَ النَّاسُ؟! يَجْمَعُ لِيَنْتَفِعَ النَّاسُ؟!

فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
«أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟»
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، الْمُفْلِسُ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، الْمُتَخَفِّفُ مِنَ الدُّنْيَا مَا عِنْدَهُ شَيْءٌ.
قَالَ: «لَا، هَذَا لَيْسَ الْمُفْلِسُ.
الْمُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، ثُمَّ يَأْتِي وَقَدْ سَبَّ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا.
قَالَ ﷺ: فَيُؤْخَذُ لِهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَلِهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَلِهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، حَتَّى تَفْنَى، لَا يَبْقَى لَهُ شَيْءٌ. وَلَكِنْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ حُقُوقٌ، فَيَقُولُ أَصْحَابُ الْحَقِّ: يَا رَبِّ نُرِيدُ حَقَّنَا.
فَيَقُولُ اللهُ: مِنْ أَيْنَ؟ وَقَدْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ، لَمْ يَبْقَ مَعَهُ شَيْءٌ.

قَالُوا: يَا رَبِّ، النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُونَ شُطَّارًا فِي تَصْرِيفِ أَنْفُسِهِمْ، فِي النَّجَاةِ بِأَرْوَاحِهِمْ.
قَالُوا: يَا رَبَّنَا، خُذْ مِنْ سَيِّئَاتِنَا فَضَعْهَا عَلَيْهِ.
قَالَ ﷺ: فَيُؤْخَذُ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَتُوضَعُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ فَيُطْرَحُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَالْعِيَاذُ بِاللهِ».

هَذَا أَشْقَى النَّاسِ، أَتْعَسُ النَّاسِ: الَّذِي يَتْعَبُ، يَقُومُ اللَّيْلَ، يَصُومُ النَّهَارَ، يُصَلِّي، يَتَصَدَّقُ، يَفْعَلُ الْخَيْرَ، وَلَكِنَّهُ يَفْعَلُ هَذَا لِلنَّاسِ، يَمْنَحُهُ عَلَى طَبَقٍ مِنْ ذَهَبٍ لِلنَّاسِ. هَذَا هُوَ أَشْقَى النَّاسِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَصَاحِبُ الرَّصِيدِ هُوَ عَبْدٌ ادَّخَرَ عِنْدَ اللهِ مَكَانًا وَمَنْزِلَةً. إِنْ دَعَاهُ أَجَابَهُ، وَإِنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ، وَإِنِ اسْتَعَاذَهُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ شَرٍّ أَعَاذَهُ.
هَذَا هُوَ الْعَبْدُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يَكُونُ لَهُ مَاضٍ حَسَنٌ، رَصِيدٌ طَيِّبٌ، فَإِذَا سَأَلَ اللهَ نَظَرَ اللهُ إِلَى رَصِيدِهِ الطَّيِّبِ فَلَبَّى نِدَاءَهُ.

ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي "صِفَةِ الصَّفْوَةِ"، وَالذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ"، مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ:
كَانَتْ لِي فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ أُسْطُوَانَةٌ أُصَلِّي إِلَيْهَا فِي اللَّيْلِ.
قَالَ: وَقَدْ أَقْحَطَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَحْطًا شَدِيدًا، وَأَصَابَتْهُمْ شِدَّةٌ، فَخَرَجُوا يَسْتَسْقُونَ فَلَمْ يُسْقَوْا، لَمْ يُرْزَقُوا الْمَطَرَ.
قَالَ: فَجَعَلْتُ لَمَّا كَانَ اللَّيْلُ جَلَسْتُ إِلَى أُسْطُوَانَتِي تِلْكَ مَهْمُومًا حَزِينًا.
يَعْنِي: هَؤُلَاءِ النَّاسُ خَرَجُوا يَسْتَسْقُونَ فَلَمْ يُسْقَوْا، دَعَوْا فَلَمْ يَسْتَجِبِ اللهُ لَهُمْ. أَلَيْسَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ يَرْحَمُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِحَالِهِ فَيُجِيبُ دَعْوَتَهُ؟
قَالَ: فَجَعَلْتُ أُقَلِّبُ الْأَمْرَ وَأَنَا فِي حُزْنٍ عَظِيمٍ.
قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ إِذْ دَخَلَ عَبْدٌ أَسْوَدُ فِي الظَّلَامِ، فِي ظَلَامِ الْمَسْجِدِ.
عَبْدٌ أَسْوَدُ، تَعِبُهُ سَفَرٌ. فَصَلَّى إِلَى أُسْطُوَانَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ لَا يَرَانِي.
دَخَلَ بِكِسَاءَيْنِ: كِسَاءٍ قَدْ جَعَلَهُ إِزَارًا، وَكِسَاءٍ آخَرَ أَقْصَرَ مِنْهُ قَدْ جَعَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ مَدَّهُ أَمَامَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ.
قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَى مِنْ صَلَاتِهِ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ:
يَا رَبِّ، هَؤُلَاءِ أَهْلُ حَرَمِ نَبِيِّكَ خَرَجُوا يَسْتَسْقُونَ فَلَمْ تَسْقِهِمْ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِمَا لِي عِنْدَكَ إِلَّا سَقَيْتَهُمُ السَّاعَةَ، السَّاعَةَ، السَّاعَةَ، الْآنَ، الْآنَ، الْآنَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: فَقُلْتُ: رَجُلٌ مَجْنُونٌ! مَنْ ذَا الَّذِي يُقْسِمُ عَلَى اللهِ ثُمَّ يَطْلُبُهُ عَلَى وَجْهِ السُّرْعَةِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ؟
قَالَ: فَمَا إِنْ وَضَعَ يَدَيْهِ قَالَ: حَتَّى سَمِعْتُ صَوْتَ الرَّعْدِ، ثُمَّ مَا لَبِثَ الْمَطَرُ أَنْ نَزَلَ، حَتَّى مَا كَادَ الرَّجُلُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعُودَ إِلَى بَيْتِهِ.
قَالَ: ثُمَّ صَلَّى الرَّجُلُ، فَحَمِدَ اللهَ بِمَحَامِدَ عَلَّمَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِيَّاهَا، ثُمَّ انْصَرَفَ.

فَتَأَمَّلْ مَعِي إِلَى هَذَا الْعَبْدِ الْبَسِيطِ عِنْدَ النَّاسِ، الْقَلِيلِ قَدْرُهُ عِنْدَ النَّاسِ، كَيْفَ كَانَتْ لَهُ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ اللهِ! أَنْ يُقْسِمَ عَلَى اللهِ فَيَبَرَّهُ.

نَحْنُ فِي الْيَمَنِ نُعَانِي مِنْ هَذِهِ الْمُعَانَاةِ هَذِهِ السَّنَوَاتِ. أَلَيْسَ فِينَا عَبْدٌ لَهُ رَصِيدٌ عِنْدَ اللهِ يَدْعُو اللهَ فَيُجِيبُهُ، يُقْسِمُ عَلَى اللهِ فَيَبَرُّهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَسَمَهُ؟
أَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ يَدْعُو لِإِخْوَانِنَا فِي غَزَّةَ وَفِلَسْطِينَ، فَيُخْرِجُهُمُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِمَّا هُمْ فِيهِ، وَيَرْفَعُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَذِهِ الْمِحَنَ عَنِ الْأُمَّةِ؟

النَّاسُ الْيَوْمَ يَحْرِصُونَ عَلَى أَرْصِدَتِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَكِنَّهُمْ يَغْفُلُونَ عَنْ أَرْصِدَتِهِمْ عِنْدَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
فَلَا هُمْ نَالُوا حَظَّهُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَتَنَعَّمُوا بِهَا.

فَنَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُنِيلَنَا حَظَّنَا لِلْآخِرَةِ، وَأَنْ يَعْفُوَ عَنْ تَقْصِيرِنَا جَمِيعًا، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا:
﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ وَزِدْ وَأَنْعِمْ عَلَى نُورِ شَمْسِ الْعِرْفَانِ، وَمَهْبِطِ أَسْرَارِ الْقُرْآنِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَنْ صَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، اللَّهُمَّ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا،
اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ كُلِّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنَا إِلَى حُبِّكَ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِمَنْ حضر وسَمِعَ هَذِهِ الْخطبة وَلِوَالِدَيْهِ، وَافْتَحْ لَسماع الموعظة قَلْبَهُ وَأُذُنَيْهِ.
اغْفِرْ لِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَذَوِي أَرْحَامِنَا، مَنْ أَحَبَّنَا فِيكَ وَمَنْ أَحْبَبْنَاهُ فِيكَ، مَنْ أَوْصَانَا بِالدُّعَاءِ وَمَنِ اسْتَوْصَيْنَاهُ بِالدُّعَاءِ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ حَيًّا وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَيِّتًا، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي غَزَّةَ وَفِي فِلَسْطِينَ وَفِي سَائِرِ أَنْحَاءِ الْأَرْضِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
كُنِ اللَّهُمَّ مَعَهُمْ نَاصِرًا وَمُعِينًا وَمُؤَيِّدًا وَحَافِظًا.
انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُجَاهِدِينَ فِي الْجَبَهَاتِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَاكْلَأْهُمْ بِرِعَايَتِكَ، وَأَيِّدْهُمْ بِنَصْرِكَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
🎤
*خطبة جمعة بعنوان:*
*( ابـتســــم ربــــك الله)*
*للشيخ/ محمـد المقرمي*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبـــة الأولـــى:*
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،
لك الحمدُ ياالله كَمْ شَدَّنِي وَجْدٌ
لِحَمْدِكَ إِجْلَالًا، لَكَ الشُّكْرُ وَالْحَمْدُ.
لَكَ الْحَمْدُ، إِنَّ الْقُرْبَ مِنْكَ وَسِيلَةٌ،
وَأَمَّا الْبُعْدُ عَنْكَ يَا سَيِّدِي بُعْدُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَمِنْهُ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

أَنْ لَا إِلَهَ سِوَاكَ، مَا الْكَلِمَاتُ تِلْكَ الَّتِي سَتَطِيقُهَا الْكَلِمَاتُ؟
أَنْ لَا إِلَهَ سِوَاكَ، نَأَى بِحَمْلِهَا عِلْمُ الْكَلَامِ، وَضَاقَتِ اللَّهَجَاتُ.
أَنْ لَا إِلَهَ سِوَاكَ، عَاشُوا عِزَّهَا أَصْحَابُ سَيِّدِنَا الرَّسُولِ وَمَاتُوا.
أَنْ لَا إِلَهَ سِوَاكَ، زَادِي هَا هُنَا، وَهُنَاكَ ذُخْرِي، وَالْعِظَامُ رُفَاتُ.
أَنْ لَا إِلَهَ سِوَاكَ، تُغْنِي يَوْمَ لَا يُغْنِي الْمَلَامُ، وَتَنْفَعُ الْحَسَرَاتُ.
أَنْ لَا إِلَهَ سِوَاكَ، آخِرُ قَوْلِنَا، فَاجْعَلْهَا يَوْمَ تَحَشْرَجَ الزَّفَرَاتُ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَحَبِيبَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

وَبَعْدُ: أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى، وَاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ.

أَمَّا بَعْدُ:
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ _ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
فَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ"، وَكُلُّ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا مَعَانِيَ جَمِيلَةً.

وَقَدْ وَقَفْنَا فِي اللِّقَاءِ الْمَاضِي مَعَ كَلِمَةِ "الِابْتِسَامَةِ".
لَوْ تَأَمَّلْتَ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَوَجَدْتَ عِبَارَاتٍ عَدِيدَةً مِنْ أَحْرُفِهَا فَقَطْ، وَمِنْ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ:
الِابْتِسَامَةُ لَا تَأْتِي إِلَّا بِسُبُلِ السَّلَامِ.
الِابْتِسَامَةُ لَا تَأْتِي إِلَّا بِالسَّلَامَةِ.
الِابْتِسَامَةُ لَا تَأْتِي إِلَّا بِالسِّلْمِ.
وَلَكَ أَنْ تُحْصِيَ مَا شِئْتَ مِنَ الْإِحْصَاءِ.

فَكَيْفَ نُوَجِّهُ هَذِهِ الِابْتِسَامَةَ بِحَيْثُ تَظْهَرُ فِي حَيَاتِنَا هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ أَحْرُفِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ؟

أَقُولُ وَبِاللهِ الْمُسْتَعَانُ:
أَوَّلًا يَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الِابْتِسَامَةَ أَمْرٌ مِنْ أَوَامِرِ اللهِ.
قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: كَيْفَ تَكُونُ أَمْرًا مِنْ أَوَامِرِ اللهِ؟ مَا رَأَيْنَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ أَمْرًا يَقُولُ لَكَ: "ابْتَسِمْ"!

اسْمَعْ كَيْ تَعْلَمَ أَنَّ الِابْتِسَامَةَ أَمْرٌ مِنْ أَوَامِرِ اللهِ.
يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
إِذَنْ أَمَرَنَا اللهُ أَنْ نَتَّبِعَ مُحَمَّدًا ﷺ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ نَتَّبِعَهُ ﷺ فِي عَقِيدَتِهِ، وَفِي صِفَاتِهِ، وَفِي أَفْعَالِهِ، وَفِي أَقْوَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَكَانَتِ الِابْتِسَامَةُ لَا تُفَارِقُ وَجْهَ مُحَمَّدٍ ﷺ.

إِذَنْ أَنْ تَتَّبِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي هَذِهِ الِابْتِسَامَةِ، وَبِهَذِهِ النِّيَّةِ: لَا لِيُقَالَ إِنَّكَ مُبْتَسِمٌ، وَلَا لِيُقَالَ مَا يُقَالُ مِنْ أَقْوَالِ النَّاسِ.
وَلَكِنْ تَبْتَسِمُ بِدَافِعِ هَذِهِ النِّيَّةِ، وَهِيَ أَنَّكَ بِابْتِسَامَتِكَ هَذِهِ تُطِيعُ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَتُنَفِّذُ أَمْرًا مِنْ أَوَامِرِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَيْ تَجِدَ لِهَذِهِ الِابْتِسَامَةِ آثَارَهَا فِي نَفْسِكَ.

وَكَمَا قُلْتُ سَابِقًا: لَا نُقَرِّبْ أَوَامِرَ اللهِ، وَلَا أَوَامِرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
فَلَا نَقُولُ: إِنَّ اللهَ أَمَرَ بِكَذَا، فَلْنُقَرِّبْ.
بَلْ أَوَامِرُ اللهِ وَرَسُولِهِ تُنَفَّذُ بِتَسْلِيمٍ كَامِلٍ.
هَكَذَا وَأَنْتَ جَالِسٌ وَحْدَكَ، خُذْ خَمْسَ دَقَائِقَ، وَقُلْ: سَأُطِيعُ اللهَ فِي هَذِهِ الْخَمْسِ الدَّقَائِقِ، وَسَأَبْتَسِمُ اتِّبَاعًا لِأَمْرِ اللهِ، وَأَنْتَ وَحْدَكَ فِي الْغُرْفَةِ.
وَانْظُرْ مَاذَا سَتُحِسُّ فِي نَفْسِكَ، وَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعِيَانِ.
عِنْدَمَا تُنَفِّذُهَا عَلَى هَذَا النَّحْوِ سَتَجِدُ أَثَرَهَا فِي نَفْسِكَ، وَأَنْتَ الَّذِي سَتُخْبِرُ بِالْأَثَرِ.
هَذَا هُوَ دَافِعُ الِابْتِسَامِ الَّذِي يُؤْتِي أُكُلَ هَذِهِ الِابْتِسَامَةِ.

ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ: الْوَاحِدُ مِنَّا مُنْذُ أَنْ يَصْحُوَ إِلَى أَنْ يَنَامَ تَتَوَافَدُ عَلَى قَلْبِهِ الْخَوَاطِرُ الْكَثِيرَةُ.
ابْتِدَاءً مِنَ الْعَدُوِّ الَّذِي هُوَ الشَّيْطَانُ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَيْسَ غَائِبًا لِنَغْفَلَ عَنْهُ، بَلِ الشَّيْطَانُ عَدُوٌّ مُلَازِمٌ إِلَى آخِرِ لَحْظَةٍ مِنْ حَيَاتِنَا.
وَبِالتَّالِي لِلشَّيْطَانِ الْعَدِيدُ مِنَ الْخَوَاطِرِ، فَيَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُمَيِّزَ هَذِهِ الْخَوَاطِرَ، وَتُقَابِلَهَا بِابْتِسَامَةٍ وَاسْتِعَاذَةٍ بِاللهِ، وَسَتَرَى نَتِيجَةَ ذَلِكَ.

*أَوَّلًا: مِنْ خَوَاطِرِ الشَّيْطَانِ: خَاطِرُ الْمَعْصِيَةِ.*
يَأْتِي لِلْإِنْسَانِ خَاطِرٌ أَنْ يَعْمَلَ مَعْصِيَةً لَا تُرْضِي اللهَ.
فَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ تَذَكَّرْ أَنَّ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَدْعُوكَ إِلَى مَعْصِيَةِ اللهِ، فَاسْتَعِذْ بِاللهِ وَابْتَسِمْ.
تَصَوَّرْ أَنَّكَ تَسْتَعِيذُ بِاللهِ وَتَبْتَسِمُ، وَاللهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشَّيْطَانِ. وَاللهِ لَا تَعْلَمُ مَا أَثَرَ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ مَصْحُوبَةً بِهَذِهِ الِابْتِسَامَةِ عَلَى الشَّيْطَانِ.

*ثَانِيًا: خَاطِرُ الْأَذِيَّةِ.*
أَحْيَانًا تَأْتِي لِلْإِنْسَانِ خَوَاطِرُ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّ فُلَانٍ، أَوْ أَنْ يُؤْذِيَ فُلَانًا بِأَيِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الْأَذِيَّةِ.
فَقِفْ مَعَ نَفْسِكَ قَلِيلًا، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ خَاطِرَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ أَيْضًا، فَقَابِلْهَا بِهَذِهِ الِابْتِسَامَةِ الْمَصْحُوبَةِ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاللهِ جَلَّ وَعَلَا.

*ثَالِثًا: خَوَاطِرُ التَّخْوِيفِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ.*
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ خَطِيرَةٌ يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهَا.
مِثَالٌ: يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾
فَيَقُومُ الشَّيْطَانُ بِتَضْخِيمِ أَمْرِ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَحْصُلَ الْخَوْفُ فِي قَلْبِكَ مِنْهُمْ.
فَفِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ يَنْبَغِي أَنْ تَتَذَكَّرَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَدْعُوكَ إِلَى الْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ اللهِ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ لَكَ: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

فَوَحِّدِ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَابْتَسِمْ، وَقُلْ: إِنَّمَا الْخَوْفُ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَا أَخْشَى أَحَدًا سِوَى اللهِ.
وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَوْ تَعَامَلْنَا مَعَ أَنْفُسِنَا فِي هَذِهِ الْمَعَانِي عَلَى هَذَا النَّحْوِ لَصِرْنَا نَفْسًا غَيْرَ النَّفْسِ، وَلَأَفَاضَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى هَذِهِ النَّفْسِ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ.

وَتَأْتِي لَحَظَاتٌ يَتَوَقَّعُ الْإِنْسَانُ فِيهَا أُمُورًا سَيِّئَةً، قَدْ تَكُونُ وَسْوَسَةً مِنَ الشَّيْطَانِ أَوْ مِنَ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ.
فَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ التَّوَقُّعَ لِلْأَمْرِ السَّيِّئِ وَنِسْبَتَهُ لِغَيْرِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِيهِ خَللٌ فِي الِاعْتِقَادِ.

النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِينَا قَاعِدَةً فِي حَدِيثٍ عَظِيمٍ فَيَقُولُ: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ»

هَذِهِ قَوَاعِدُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ رَاسِخَةً فِي نَفْسِكَ رُسُوخَ الْجِبَالِ.
ثُمَّ قَالَ ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ. رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».
فَكَلَامُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ.
وَعَلَى أَسَاسِ هَذَا الْقَبُولِ لِهَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُ لَكَ الْقُرْآنُ: اجْعَلْ هَذَا مِنْ ثَوَابِتِ اعْتِقَادِكَ:
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
لَاحِظُوا: "مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا".
فَإِذَا نَسَبْتَ الْمُصِيبَةَ إِلَى اللهِ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ كَتَبَهَا، جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَذِهِ الْمُصِيبَةَ لَكَ وَلَيْسَتْ عَلَيْكَ.

*ابْتَسِمْ، رَبُّكَ اللهُ.*

قُلْتُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.



*الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ*

إلـــــــــــــــــــــهـــي
كَلِمَاتُ شِعْرِي فِي عُلَاكَ صَلَاةٌ،
أَنْتَ الَّذِي سَجَدَتْ لَهُ الْكَلِمَاتُ.
يَا مَنْ يَشُقُّ الصَّخْرَ عَنْ رَيْحَانَةٍ،
فَإِذَا الْجَمَادُ حَدَائِقٌ وَنَبَاتُ.
أَنَّى نَظَرْتُ، تَرَاكَ عَيْنُ بَصِيرَتِي،
نُورًا لَهُ آفَاقُنَا مِشْكَاةُ.
أَنَا لَهْفَةٌ حَرَّى إِلَيْكَ، فَخَافِقِي
مُتَوَقِّدٌ، وَمَشَاعِرِي جَمَرَاتُ.
أَنَا سَجْدَةٌ لَكَ مُنْذُ مِيلَادِي، وَفِي
قَبْرِي سَتَسْجُدُ أَعْظُمِي النَّخِرَاتُ.

وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِنَا وَحَبِيبِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

وَبَعْدُ: أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى.

أَمَّا بَعْدُ:
نَأْتِي الْآنَ إِلَى الْأَفْعَالِ، لِأَنَّنَا فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى تَكَلَّمْنَا عَنِ الْخَوَاطِرِ وَمَسَائِلِ النَّفْسِ.
فَدَعُونَا الْآنَ نُفَعِّلُ الِابْتِسَامَةَ فِي أَفْعَالِنَا.

يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَنْ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا».
فَالدِّينُ لَا يَأْمُرُنَا أَنْ نَتَخَلَّصَ مِنْ بَعْضِنَا، بَلْ يَأْمُرُنَا أَنْ نَتَحَابَّ وَنَتَكَاسَبَ.

فَكَيْفَ نُحِبُّ الْآخَرِينَ؟ هَلْ نَذْهَبُ لِنَشْتَرِيَ دَوَاءً مِنَ الصَّيْدَلِيَّةِ لِنُحِبَّهُمْ؟! لَا، هَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَلْبِيَّةٌ.
وَالنَّبِيُّ ﷺ يَدُلُّنَا عَلَى عَمَلٍ عَمَلِيٍّ إِذَا فَعَلْنَاهُ حَصَلَتِ الْمَحَبَّةُ، فَقَالَ: «أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».

وَمِنْ مَعَانِي "إِفْشَاءِ السَّلَامِ" أَنْ نَلْقَى بَعْضَنَا بِوَجْهٍ طَلْقٍ، أَيْ بِابْتِسَامَةٍ.
فَابْتَسِمْ مِنْ صِدْقٍ وَأَنْتَ تُطِيعُ اللهَ، ثُمَّ قُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ.
وَاللهِ لَا تَعْلَمُ مَاذَا يَصْنَعُ هَذَا السَّلَامُ الْمَصْحُوبُ بِالِابْتِسَامَةِ فِي قَلْبِ أَخِيكَ.

فَلْيَكُنْ هَذَا سُلُوكَنَا: وَجْهٌ طَلْقٌ، وَابْتِسَامَةٌ جَمِيلَةٌ، نَفْعَلُهَا طَاعَةً لِلهِ وَرَسُولِهِ.

وَمَسْأَلَةٌ أُخْرَى: أَحْيَانًا يَسْعَى الْإِنْسَانُ لِفَائِدَةٍ فَلَا تَتَحَقَّقُ، فَيَتَذَمَّرُ وَيَقُولُ: لَوْ فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا.
وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لَنَا: «وَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا لَكَانَ كَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ».

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ _ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

وَأَخِيرًا: لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا ضَامِنًا أَنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْمَسْجِدِ حَيًّا.
فَعِنْدَمَا تَذْكُرُ الْمَوْتَ، ابْتَسِمْ.
نَعَمْ، ابْتَسِمْ، لِأَنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَسَيَنْقُلُكَ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَى لِقَاءِ اللهِ، فَلْتَكُنِ ابْتِسَامَتُكَ انْشِرَاحًا بِلِقَاءِ اللهِ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ أَوْلِيَاءَ لِلهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
فَمَنْ وَصَلَ إِلَى هَذَا الشُّعُورِ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَوْتِ فَتِلْكَ بِشَارَةُ الْوِلَايَةِ.

أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُحَقِّقَنِي وَإِيَّاكُمْ بِذَلِكَ.

*وَخِتَامًا أَقُولُ: عِشْ لَحْظَتَكَ مُبْتَسِمًا تَنْفِيذًا لِأَمْرِ اللهِ، وَابْتَسِمْ لِأَنَّ رَبَّكَ اللهُ.*

صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا:
﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ وَزِدْ وَأَنْعِمْ عَلَى نُورِ شَمْسِ الْعِرْفَانِ، وَمَهْبِطِ أَسْرَارِ الْقُرْآنِ، سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ.
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَنْ صَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، اللَّهُمَّ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا،
اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ كُلِّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنَا إِلَى حُبِّكَ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِمَنْ حضر وسَمِعَ هَذِهِ الْخطبة وَلِوَالِدَيْهِ، وَافْتَحْ لَسماع الموعظة قَلْبَهُ وَأُذُنَيْهِ.
اغْفِرْ لِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَذَوِي أَرْحَامِنَا، مَنْ أَحَبَّنَا فِيكَ وَمَنْ أَحْبَبْنَاهُ فِيكَ، مَنْ أَوْصَانَا بِالدُّعَاءِ وَمَنِ اسْتَوْصَيْنَاهُ بِالدُّعَاءِ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ حَيًّا وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَيِّتًا، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.

اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي غَزَّةَ وَفِي فِلَسْطِينَ وَفِي سَائِرِ أَنْحَاءِ الْأَرْضِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
كُنِ اللَّهُمَّ مَعَهُمْ نَاصِرًا وَمُعِينًا وَمُؤَيِّدًا وَحَافِظًا.
انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُجَاهِدِينَ فِي الْجَبَهَاتِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْهُمْ بِحِفْظِكَ، وَاكْلَأْهُمْ بِرِعَايَتِكَ، وَأَيِّدْهُمْ بِنَصْرِكَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
*لا تهمش نفسك*
*إعداد/ حسن الكنزلي*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*محاور الخطبة:*
□ الإنسان مكرَّم وليس هامشيًا
□ أخطر التهميش أن تهمّش نفسك
□ حين يُهمَل العقل يُهمَّش الإنسان
□ لا تدفن الموهبة التي أودعها الله فيك
□ العجز يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في الواقع
□ لا تنتظر الفرصة؛ كن مستعدًا لها واسْعَ إليها
□ لا تجعل وظيفتك أو ظروفك سجنًا لقدراتك
□ العلاقات النافعة تفتح أبوابًا يغلقها الانعزال
□ لا تستبدل تهميش نفسك بالانشغال المفرط بالدنيا
□ التغيير يبدأ من الداخل
□ استردّ نفسك قبل أن تطالب العالم بإنصافك

*الخطبة الأولى:*
الحمد لله الذي خلق الإنسان فسوّاه، وقدّره فهداه، وكرّمه بالعقل والإرادة، وفتح له أبواب العمل والهداية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، دلَّ الأمة على طريق القوة والعمل، وحذّرها من العجز والكسل، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
واتقوا الله عباد الله، واعلموا أن تقوى الله ليست أن يعيش الإنسان ضعيفًا مستسلمًا؛ وإنما أن يعرف ربه، ويعرف قدر نفسه، ويستعمل ما وهبه الله فيما يرضيه؛ قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18].
وبعد؛

□ فقبل أن تسأل: لماذا لم يعطني الناس فرصتي؟ اسأل نفسك: ماذا فعلت بالفرصة التي أعطاني الله إياها؟
لقد بدأ الله قصة الإنسان بالتكريم؛ فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].
فأنت لست زائدًا في هذه الحياة، ولست مخلوقًا بلا رسالة؛ أعطاك الله عقلًا تفكر به، وإرادة تختار بها، وقدرة تسعى بها، وعمرًا تستثمره، وصحة تنتفع بها، وفرصًا تأتيك كل يوم. قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]؛ فمن عرف قدر النعمة لم يدفنها، ومن عرف رسالته؛ لم يرضَ أن يعيش عالة على غيره.
والتواضع أن تعرف فضلك من غير كِبر، أما احتقار النفس فليس تواضعًا؛ والرضا بالقدر أن ترضى بما وقع، أما أن تجعل القدر حجة لترك ما تستطيع؛ فليس من التوكل في شيء.

□ أيها الإخوة! قد يظلمك إنسان، وقد يحرمك مجتمع من فرصة، وقد تضيق بك الظروف؛ وهذا مؤلم؛ ولكن الأخطر أن تتحول مظلمة الآخرين إلى سجن تسكنه أنت بإرادتك؛ قد يغلق الناس بابًا في وجهك؛ فلا تغلق أنت جميع الأبواب في وجه نفسك.
ومن تهميش الإنسان لنفسه: أن يحتقر ذاته، ويستسلم، ويخاف من كل تجربة، ويتردد حتى تضيع الفرص، ويسوّف حتى يمضي العمر، ويدفن موهبته، وينتظر من الآخرين أن يصنعوا له حياته؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]؛ فلا تجعل ظروفك تعريفًا لنفسك، ولا تجعل فشلك في تجربة حكمًا مؤبدًا على حياتك.
وقِف مع نفسك وقفة صدق، واسألها: هل منعني الآخرون فعلًا؟ أم أنني منعت نفسي بالخوف؟ هل أُغلقت الأبواب كلها؟ أم أنني طرقت بابًا واحدًا ثم جلست أبكي عنده؟

□ عباد الله! من أعظم صور تهميش النفس أن يملك الإنسان عقلًا ثم يعطله؛ قال سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: 22].
ليس المطلوب أن تعرف كل شيء؛ ولكن ألا تتوقف عن التعلم. لا تجعل عمرك يتقدم وعقلك واقفًا مكانه؛ تعلّم، اقرأ، اسأل، فكّر، راجع أفكارك، ميّز بين الحق والباطل، ولا تجعل كل ما تسمعه حقيقة، ولا كل ما يفعله الناس صوابًا. وقد أمر الله بتدبر كتابه فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].
والهاتف نعمة؛ إذا ملكته، ونقمة؛ إذا ملكك؛ وسيلة؛ إذا استخدمته، وسارق للعمر؛ إذا استسلمت له؛ فكم ساعة ذهبت في المقاطع والأخبار والجدالات، ثم سألت نفسك: ماذا تعلمت؟! ماذا أنجزت؟! ماذا قدمت؟!
والعقل الذي لا يغذيه العلم؛ يضعف، والعقل الذي لا يهتدي بالوحي؛ يضل.

□ أيها المسلمون! ما من إنسان إلا وقد أودع الله فيه شيئًا يمكن أن ينفع به نفسه وأهله ومجتمعه؛ لكن الموهبة لا تكفي؛ تحتاج إلى علم، وتدريب، وممارسة، وصبر، وتراكم. لا تقل: لست مثل فلان؛ فقد أعطاك الله ما لم يعطه غيرك، وأعطى غيرك ما لم يعطك.
ولا تجعل المقارنة تقتل همتك؛ لا تسأل دائمًا: هل أنا أفضل من غيري؟ بل اسأل: هل أنا اليوم أفضل مما كنت بالأمس؟ قال سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105].
والفكرة لا تصبح مشروعًا؛ حتى تعمل عليها، والقدرة لا تصبح مهارة؛ حتى تدربها، والمهارة لا تصبح إنجازًا حتى تصبر عليها، والإنجاز لا تكتمل قيمته؛ حتى يتحول إلى نفع للناس.
□ أيها الإخوة! أحيانًا يكون أكبر عائق أمام الإنسان هو الصوت الذي يحدثه في داخله: «لا أستطيع، لن أنجح، لا فائدة، الظروف مستحيلة».
نعم، هناك عوائق حقيقية، وهناك ظلم وفقر ومرض وأزمات، وليس من الحكمة إنكار الواقع؛ لكن الحكمة أن ترى العائق ولا تجعله هوية، وأن تعرف حدود قدرتك دون أن تستسلم لما تستطيع تغييره؛ قال ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» [صحيح مسلم، رقم 2664]. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز.
قوِّ إيمانك، وقوِّ إرادتك، وقوِّ علمك، وقوِّ شخصيتك، وقوِّ مهارتك، وقوِّ قدرتك على العمل.
والقوة ليست أن تتحدى الله، وإنما أن تستعين بالله؛ وليست أن تعتمد على نفسك وحدها؛ وإنما أن تبذل وسعك وقلبك معلق بربك.

□ لا تجعل حياتك غرفة انتظار؛ فهناك من يقول: إذا جاءتني الفرصة؛ بدأت، وإذا تحسنت الظروف؛ تعلمت، وإذا توفر المال؛ عملت، وإذا ساعدني الناس؛ تقدمت... ولكن متى ستبدأ؟ قال سبحانه: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39]. وقال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15].

امشوا؛ فالرزق له أبواب، والسعي له طرق، والفرص قد تكون مخفية داخل عمل صغير، أو مهارة جديدة، أو علاقة طيبة، أو فكرة لم تجربها بعد.
تعلم من أجل العمل، وطوّر مهارتك، وابحث عن الفرص، وبادر، ولا تحتقر البداية الصغيرة.
قد لا تستطيع أن تغير حياتك كلها اليوم؛ لكنك تستطيع أن تغير شيئًا واحدًا فيها اليوم.
ابدأ بكتاب، بمهارة، بعمل، بفكرة، بعادة صالحة، بخطوة طال انتظارها.
وتذكر دائمًا: التوكل ليس أن تجلس وتنتظر ما سيأتي؛ وإنما أن يأخذ قلبك بالأمل في الله، وتأخذ جوارحك بالأسباب؛ فلا تُهمِّش نفسك؛ فقد كرّمك الله؛ فلا تحتقرها. وقد أعطاك عقلًا؛ فلا تعطّله. وقد منحك قدرة؛ فلا تدفنها. وقد أعطاك عمرًا؛ فلا تضيّعه.
قم بدورك في الحياة، واسعَ بما تستطيع، واترك النتائج لربك؛ فليس المطلوب منك أن تكون أعظم الناس؛ وإنما أن تكون أمينًا فيما وهبك الله.

قالَ مَن بيَّنَ أنَّ للإنسانِ نصيبًا من ثمراتِ سعيِه، وأنَّ عملَه محفوظٌ عندَ ربِّه، ظاهرٌ له يومَ القيامة، ثم يُوفَّى جزاءَه بتمامِ العدلِ والفضل، سبحانهُ العدلُ الكريم، الذي لا يضيعُ عنده عملُ عامل -قال-:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ(39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ(40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَىٰ(41)﴾ [النجم].
نسألُ اللهَ أن يرزقَنا سعيًا صالحًا، وعملًا نافعًا، وهمَّةً عالية، وأن يباركَ في جهودِنا وأوقاتِنا وأعمالِنا، وأن يجعلَ سعينا في طاعتِه ونفعِ عبادِه، وأن لا يجعلَنا من أهلِ التمنّي بلا عمل، وأن يكتبَ لنا الجزاءَ الأوفى، والقبولَ والرضوانَ يومَ نلقاه.
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين؛ فاستغفروه، إنَّه هو الغفورُ الرحيم.


الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي جعل العمل بابًا من أبواب الكرامة، وفتح لعباده أبوابًا من الخير لا يحصيها إلا هو، وجعل الأيام ميدانًا للسعي والبناء، نحمده على ما أعطى، ونشكره على ما أولى، ونستعينه على أن نحسن استعمال نعمه فيما يرضيه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد؛

□ فقد يكون عملك الذي بين يديك هو بداية الطريق لا نهايته، وقد تكون مهنتك الحالية مرحلةً تتعلم فيها: لا سقفًا يحبس طموحك.
لا تقل: أنا عامل بسيط؛ إذن لا أحتاج إلى التعلم. ولا تقل: كبرتُ على اكتساب مهارة جديدة. ولا تجعل ضيق رزقك سببًا لجمودك؛ فكم من إنسان بدأ بقليل، ثم فتح الله له من أبواب الخير ما لم يكن يحتسب! قال سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10].
اجعل من عملك مدرسة: تعلم منه، طوّر نفسك فيه، راقب أهل الخبرة، أتقن مهنتك، واكتسب مهارة فوق مهارتك؛ فإن الخبرة التي تجمعها اليوم قد تكون رأس مالك غدًا.
ولا تحتقر ساعة فراغ؛ فرب ساعة تتعلم فيها مهارة نافعة، أو تقرأ فيها كتابًا، أو تتدرب فيها على صنعة، تفتح لك بعد سنوات بابًا لم تكن تراه.
والرضا بما قسم الله لك لا يعني أن تتوقف عن تحسين حالك؛ ترضى عن ربك، وتسعى في أرضه.

□ أيها الإخوة! ليس الإنسان جزيرةً معزولة؛ بل يحتاج إلى أخيه، ويتعلم من غيره، ويقوى بإخوانه؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
كم من فرصة جاءت من معرفة صالحة! وكم من خطأ تجنبته لأنك سألت صاحب خبرة! وكم من باب علم فتحه لك معلم! وكم من همّ خفّ عنك لأن لك أخًا صادقًا يسمعك وينصحك!
فاصحب الصالحين، واجلس إلى أهل العلم والخبرة، واسأل من سبقك، وتعلم من تجارب الناس، وكن أنت أيضًا نافعًا لمن حولك؛ قال ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [صحيح مسلم، رقم 2586].
لكن ليس كل اجتماع نافعًا؛ فهناك علاقات تستنزف العمر، وتطفئ الهمة، وتجر إلى الغفلة، وتجعلك نسخةً من أناس لا يريدون لك أن تتقدم.
فاختر من تصاحب؛ فإن الصاحب إما أن يرفعك إلى الخير، أو يسحبك بعيدًا عنه.

□ عباد الله! انتبهوا إلى لون آخر من تهميش النفس: أن يهرب الإنسان من فراغه إلى العمل، ومن خوفه إلى المال، حتى يصبح المال غايته، والعمل هويته، والدنيا كل عالمه؛ قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 77].
فلا تجعل طلب الرزق يأخذ منك دينك، ولا تجعل العمل يأخذ منك أبناءك، ولا تجعل التجارة تأخذ منك صحتك، ولا تجعل الطموح يأخذ منك قلبك؛ فقد قال ﷺ: «إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه» [صحيح البخاري، رقم 1968].
والنجاح ليس أن تجمع المال وتخسر نفسك، ولا أن تبني تجارتك وتهدم بيتك، ولا أن تصعد في الدنيا وتسقط في علاقتك بالله.
النجاح أن تكبر قدراتك دون أن تصغر روحك، وأن تتقدم في دنياك دون أن تتأخر عن آخرتك.

□ أيها المسلمون! لا تنتظر أن تتغير الحياة حتى تتغير أنت؛ فالله سبحانه يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
التغيير ليس أمنية تقولها؛ وإنما قرار تعيشه؛ فحوّل الشكوى إلى مسؤولية، والعجز إلى سعي، والجهل إلى تعلم، والخوف إلى مبادرة، والتبعية إلى وعي، وإهدار الوقت إلى استثمار، ودفن المواهب إلى تنمية.
لا تقل: متى يصلح المجتمع؟ قل: ماذا أصلح في نفسي اليوم؟
لا تنتظر أن يبدأ الآخرون؛ كن أنت البداية.ظوإذا أصلحت نفسك، وأتقنت عملك، ونفعت أهلك، وعلمت غيرك، وأعنت محتاجًا، وشاركت في إصلاح مجتمعك؛ فقد أصبحت جزءًا من التغيير الذي تنتظره.

□ وقبل أن تلوم الناس؛ اجلس مع نفسك جلسة صدق، واسأل:
ما القدرة التي أهملتها؟
ما العلم الذي تركته؟
ما المهارة التي كان ينبغي أن أتعلمها؟
ما الفكرة التي قتلتها بالخوف؟
كم من وقت أضعته؟
ما العادة التي تهمشني؟
وما الخطوة التي أستطيع أن أبدأ بها اليوم؟
لا تنتظر الكمال؛ فالكمال لا يأتي قبل العمل.
ولا تحتقر البداية الصغيرة؛ فالأعمال الكبيرة كثيرًا ما بدأت بخطوة لا يراها الناس.
ولا تجعل الماضي حكمًا على المستقبل؛ فقد يفتح الله لك غدًا بابًا لم يخطر لك على بال؛ قال ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» [صحيح مسلم، رقم 2664].
فاسترد نفسك من التسويف، واسترد وقتك من الضياع، واسترد عقلك من التبعية، واسترد قدرتك من الخوف.

ليس المطلوب أن تكون أعظم الناس؛ ولكن المطلوب أن تكون أمينًا على ما أعطاك الله.
أن تكون إنسانًا نافعًا، متعلمًا، عاملًا، مبادرًا، مؤثرًا، عابدًا لله.
فقد كرّمك الله؛ فلا تُهن نفسك، وأعطاك عقلًا؛ فلا تعطّله، ومنحك قدرة فلا تدفنها، وأعطاك عمرًا؛ فلا تضيّعه؛ تحرر من العجز، وخذ بالأسباب، وابدأ اليوم بما تستطيع.

وأكثروا من الصلاة والسلام على من علّم الأمة معنى القوة والسعي والعمل، محمدٍ رسول الله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم أصلح نفوسنا، وأيقظ هممنا، وبارك في أعمارنا وأوقاتنا وأعمالنا، وارزقنا علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وهمّةً عالية، وإرادةً قوية، وبصيرةً تهدينا إلى الخير، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، وانفع بنا أهلنا ومجتمعنا وأمتنا، ولا تجعلنا عالةً على غيرنا، ولا ممن ضيّعوا ما أنعمت به عليهم، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ووفقنا لأن نبدأ بإصلاح أنفسنا، وأن نسعى في إصلاح ما حولنا، وأن نلقاك وأنت راضٍ عنا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
*الصراط المستقيم*
*هداية في الدنيا ونجاة في الآخرة*
*للشيخ/ ماهر بن حمد المعيقلي*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*عناصر الخطبة*
1/الهداية إلى الصراط أعظم مطالب المؤمن 2/التوحيد والاتباع أساس الاستقامة 3/العلم والعمل زاد السائرين 4/الثبات في الدنيا نجاة على صراط الآخرة 5/الاعتصام بالله والدعاء أسباب للهداية 6/الجماعة والتوبة من لوازم الاستقامة

*الخطبة الأولى:*
الحمدُ للَّهِ الذي أنزلَ على عبدِه الكتابَ، وهدى المؤمنينَ إلى سبيلِ الْهُدَى والرشادِ، وأقامَ لعبادِه الصراطَ المستقيمَ، مَنِ استمسكَ به اهتدى، ومَنْ أعرضَ عنه غوى.

وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، له الخلقُ والأمرُ، وإليه المرجعُ والمآبُ، وأشهدُ أن سيدَنا ونبينا محمدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه اللَّهُ رحمةً للعالمينَ، وهدايةً للناسِ أجمعينَ، صلى اللَّهُ وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آلِه وأصحابِه، ومَنْ تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.

أما بعدُ، فيا معاشرَ المؤمنينَ: أوصيكم ونفسي بتقوى اللَّهِ، فمن اتقى ربَّه نجا، ومن اتبعَ هواه غوى؛ (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)[البَقَرَةِ: 281].

أُمَّةَ الإسلامِ: إنَّ اللَّهَ -جلَّ جلالُه- بعَث نبيَّه الكريمَ داعيًا إلى صراطِه المستقيمِ، وهاديًا إلى سبيلِه، ومبيِّنًا لمعالمِه، ومُحذِّرًا من السُّبُلِ التي تصرفُ عنه.

ولعظيمِ شأنِ الِاستقامةِ على هذا الصراطِ، أمرَنا -سبحانه- أن نسألَه الهدايةَ إليه في كل صلاةٍ، بل في كل ركعةٍ، فنقولُ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)[الفَاتِحَةِ: 6]؛ أي: دُلَّنا وأَرشدْنا، ووفقْنا وثبتْنا على صراطِك المستقيمِ؛ فمن ضلَّ عن الطريقِ يسألُ اللَّهَ -تعالى- الرجوعَ إليه، ومَنْ سلَك الطريقَ يسألُه الثباتَ عليه. وهو طريقُ الأنبياءِ والمرسلينَ، والصدِّيقينَ والشهداءِ والصالحينَ، والصراطُ المستقيمُ هو دينُ الإسلامِ، والقرآنُ دليلُه، والنبيُّ -صلى اللَّهُ عليه وسلم- المبينُ له، فمَنْ سلَك سبيلَه، ولَزِمَ سُنَّتَه، واتبعَ هديَه، وسارَ على طريقتِه، فهو على صراطٍ مستقيمٍ.

إخوةَ الإيمانِ: لا يستقيمُ العبدُ على هذا الصراطِ إلَّا بعلمٍ نافعٍ يهديهِ، وعملٍ صالحٍ يُزكِّيهِ، والصراطُ يقومُ على قاعدتينِ عظيمتينِ: توحيدُ اللَّهِ وإفرادُه بالعبادةِ؛ (وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)[يس: 61]، واتباعُ النبيِّ -صلى اللَّهُ عليه وسلم-؛ (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[الشُّورَى: 52].

فمن صرَف شيئًا من العباداتِ لغيرِ اللَّهِ، أو عبَد اللَّهَ بغيرِ ما جاءَ عن رسولِه -صلى اللَّهُ عليه وسلم-، فقد حادَ وضلَّ عن الصراطِ المستقيمِ.

وفي مسندِ الإمامِ أحمدَ، قال ابنُ مسعودٍ -رضي اللَّهُ عنه-: "خطَّ لنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّهُ عليه وسلم- خطًّا، وقال: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ، ثم خطَّ خطوطًا عن يمينِه وعن شمالِه، وقال: هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ -صلى اللَّهُ عليه وسلم-: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[الأَنْعَامِ: 153]".

إخوةَ الإيمانِ: وكما شرَع اللَّهُ لعبادِه في هذه الدنيا صراطًا مستقيمًا لا عوجَ فيه، فإنَّه يَنصِبُ يومَ القيامةِ صراطًا على ظهرِ جهنمَ، يمرُّ الناسُ عليه؛ ففي صحيحِ مسلمٍ من حديثِ أبي هريرةَ -رضي اللَّهُ عنه- في حديثِ الشفاعةِ يومَ القيامةِ، وفيه يقولُ النبيُّ -صلى اللَّهُ عليه وسلم-: "وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنْبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ". قال: قلتُ: بأبي أنت وأمي، أيُّ شيءٍ كمرِّ البرقِ؟ قال: "أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ في طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا". قال: "وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ، مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوسٌ في النَّارِ". ثم قال أبو هريرةَ -رضي اللَّهُ عنه-: "والذي نفسُ أبي هريرةَ بيدِه، إن قعرَ جهنمَ لسبعونَ خريفًا". قال اللَّهُ -تعالى-: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا)[مَرْيَمَ: 71-72].
قال ابنُ القيمِ -رحمه اللَّهُ-: "إنَّ مشيَ الناسِ على الصراطِ في السرعةِ والبطءِ بحسبِ سرعةِ سيرِهم وبطئِهم على صراطِ اللَّهِ المستقيمِ في الدنيا، وأبطأهم هنا أبطأهم هناك، وأشدُّهم ثباتًا على الصراطِ المستقيمِ هنا أثبتُهم هناك، ومَنْ خطفتْه كلاليبُ الشهواتِ والشبهاتِ والبدعِ المضلةِ هنا، خطفتْه الكلاليبُ التي كأنها شوكُ السعدانِ هناك".

إخوةَ الإيمانِ: إنَّ ممَّا يعينُ العبدَ على تحصيلِ الهدايةِ، والتوفيقِ للثباتِ عليها، العملَ بسُنَّةِ النبي -صلى اللَّهُ عليه وسلم-؛ وذلك أن اللَّهَ -تعالى- قال لنبيِّه: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)[هُودٍ: 112]. فإذا كان هذا في حقِّ النبيِّ -صلى اللَّهُ عليه وسلم-، دلَّ ذلك على أن الِاستقامةَ ليست على هوى المرءِ ورغبتِه، وإنَّما ميزانُها الِالتزامُ بالكتابِ والسُّنَّةِ، فمن تمسكَ بهما وفقَه اللَّهُ -تعالى- للهدايةِ.

أعوذُ باللَّهِ من الشيطانِ الرجيمِ: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ)[الشُّورَى: 52-53].

بارَك اللَّهُ لي ولكم في القرآنِ والسُّنَّةِ، ونفعَني وإيَّاكم بما فيهما من الآياتِ والحكمةِ، أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللَّهَ لي ولكم، فاستغفِروه؛ إنه كان غفَّارًا.


*الخطبة الثانية:*
الحمدُ للَّهِ حمدًا يليقُ بجلالِ وجهِه وعظيمِ سلطانِه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن سيدَنا ونبينا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلواتُ ربي وسلامُه عليه، وعلى آلِه وأصحابِه، ومَنْ سارَ على نهجِه إلى يومِ الدينِ.

أما بعدُ، فيا معاشرَ المؤمنينَ: إن الهدايةَ إلى الصراطِ المستقيمِ لا يحصلُها العبدُ إلَّا بتوفيقِ الكريمِ الرحيمِ، فهو الذي يكرمُ من شاءَ بهدايتِه، ويمنُّ عليه بنورِ توحيدِه وعبادتِه؛ (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[الحَجِّ: 54].

فمن شاءَ اللَّهُ أن يهديَه هداه، كما قال -جل في علاه-: (مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[الأَنْعَامِ: 39].

فلذا -معاشرَ المؤمنينَ- من أعظمِ أسبابِ تحصيلِ الهدايةِ وتحقيقِها: الِالتجاءُ والِاعتصامُ بمالكِها؛ (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[آلِ عِمْرَانِ: 101].


فدعاءُ اللَّهِ بالهدايةِ للصراطِ المستقيمِ من أجمعِ الأدعيةِ، وأنفعِها، وأعظمِها، وأجلِّها.

ففي الحديثِ القدسيِّ أن النبيَّ -صلى اللَّهُ عليه وسلم- قال: "قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ"، وفي الحديثِ: "فَإِذَا قَالَ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)[الفَاتِحَةِ: 6-7]، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ"(رواه مسلم).

إخوةَ الإيمانِ: إنَّ مَنْ تأمَّلَ قولَه -تعالى-: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)[الفَاتِحَةِ: 6] يجدُ أن الهدايةَ للطريقِ المستقيمِ ليست منزلةً يبلغُها العبدُ ثم يستغني عنها، بل هو محتاجٌ إلى أن يَثبُتَ على ما هُديَ إليه.

فلذا كان النبيُّ -صلى اللَّهُ عليه وسلم- يكثرُ من سؤالِ اللَّهِ الهدايةَ، وهو أهدى الخلقِ وأكملُ الناسِ.

ففي صحيحِ مسلمٍ: سُئلتْ عائشةُ -رضي اللَّهُ عنها وأرضاها-: بأي شيءٍ كان نبيُّ اللَّهِ -صلى اللَّهُ عليه وسلم- يفتتحُ صلاتَه إذا قامَ من الليلِ؟ قالتْ: "كان إذا قامَ من الليلِ افتَتَح صلاتَه: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ".

ومن لطائفِ قولِه -تعالى-: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)[الفَاتِحَةِ: 6] أنَّها جاءتْ بصيغةِ الجمعِ؛ لِمَا في ذلك من التربيةِ على معنى الجماعةِ؛ فالمؤمنُ يسألُ اللَّهَ الهدايةَ لنفسِه ولإخوانِه، فدينُ اللَّهِ يجمعُ، والأهواءُ والبدعُ تفرقُ.

فمن مقتضى لزومِ الصراطِ المستقيمِ: لزومُ جماعةِ المسلمينَ، والبعدُ عن أسبابِ التفرقِ والفتنةِ؛ فاللَّهُ -جل جلالُه- بعد أن أمَر باتباعِ صراطِه قال: (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)[الأَنْعَامِ: 153].