فوائد عبدالله بن صالح الفوزان
4.16K subscribers
281 photos
14 videos
10 files
141 links
قناة -غير رسمية- تُعنى بعلم الشيخ عبدالله بن صالح الفوزان حفظه الله
Download Telegram
عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

في هذا الحديث الموجز البليغ تحذير من الظلم، وبيان لشؤمه وسوء عاقبته يوم القيامة، حيث يفقد الظالم النور الذي يستضيء به المؤمن يوم القيامة، فيكون في ظلام دامس لا يرى طريقه بقدر ما حصل منه من ظلم، إذ لا نور يوم القيامة إلا من أعطاه الله نورًا، قال تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ} [الحديد: ١٢]، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: ٤٠].

[ منحةُ العلاّم (201/10) ]
عَنْ أَبي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ قَال: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

الحديث دليل على فضل التسبيح بهذه الصيغة (سبحان الله وبحمده) مائة مرة في اليوم، وجزاء من أتى بذلك أن الله تعالى يمحو خطاياه مهما بلغت من الكثرة ولو كان مثل زيد البحر، وهذا ثواب عظيم وعطاء جزيل من رب كريم، وهو دليل بَيِّنٌ على سعة فضل الله تعالى وكرمه.

وظاهر إطلاق الحديث أن هذا الأجر يحصل لمن قال ذلك في كل يوم، سواء أقالها متوالية أو متفرقة في مجالس، أو بعضها أول النهار وبعضها آخره، لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية.

[ منحةُ العلاّم (401/10) ]
للذكر بعد الصلاة شأن عظيم، حثَّ عليه النبي صلّى الله عليه وسلّم ورغَّب فيه قولاً وفعلاً، وقد دل على ذلك مجمل قوله تعالى: {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: ٤٠]، قال ابن عباس رضي الله عنه: (أمره أن يسبح في أدبار الصلوات كلها)، وقال تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ} [النساء: ١٠٣]، وهذا الذكر جاء بيانه بالسنة، وقال النووي: (أجمع العلماء على استحباب الذكر بعد الصلاة، وجاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة في أنواع منه متعددة)، وذكر ابن رجب أن ما بعد الصلاة من المواضع التي يتأكد فيها الذكر.

[ منحةُ العلاّم (183/3) ]
✍️ شرح [ اللهم لا مانع لما أعطيت ولما معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجَد منك الجَد ]

👈 الأذكار بعد الصلاة المكتوبة مع شرحها للشيخ عبد الله الفوزان .
[ سعد بن أبي وقّاص ]

هو سعد بن مالك بن أُهَيْب القرشي الزهري المكي، أبوه مالك مشهور بكنيته، أحد السابقين الأولين، شهد بدراً وما بعدها، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وآخرهم موتاً، وأحد الستة من أهل الشورى الذين اختارهم عمر رضي الله عنه، وكان جيد الرمي، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، قال رضي الله عنه: (ما جمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبويه لأحد قبلي، لقد رأيته يقول لي: «يا سعدُ ارمِ فداك أبي وأمي، وإني لأول المسلمين رمى المشركين بسهم … »).

ومناقبه كثيرة، وكان مجاب الدعوة، وقصته في ذلك مع أهل الكوفة مشهورة، وهي في الصحيحين.

وهو قائد القادسية، والذي بنى الكوفة، وسماها باسمها، وافتتح مدائن فارس، وطرد الأعاجم، مات سنة خمس وخمسين على الراجح، بالعقيق في قصره، وحمل إلى المدينة، ودفن في البقيع رضي الله عنه وأرضاه.

[ منحةُ العلاّم (185/3) ]
قد عظم الله حق الوالدين، فأمر بعبادته وتوحيده وجعل برهما مقرونًا بذلك، كما قرن شكرهما بشكره، فقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا} [الإسراء: ٢٣]، وقال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ} [لقمان: ١٤].

ولا عجب في هذا، فإن للوالدين من الفضل والمعروف ما ليس لأحد غيرهما من الخلق كائنًا من كان، فهما السبب المحسوس المباشر في وجود الولد، وقد عانيا من المشقات على ولدهما الشيء الكثير، من حمل ووضع وإرضاع من قبل الأم، ومن تربية وإنفاق وعناية في حال الطفولة من قبلهما، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: {وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} [الأحقاف: ١٥] فسوى بينهما في الوصاية، وخص الأم بما انفردت به.

[ منحةُ العلاّم (101/10) ]
ترك المسلم ما لا يعنيه من حسن الإسلام وعلو الهمة؛ فإن فيه سلامة العِرْضِ، وراحة القلب، وحفظ الوقت الذي هو حياة الإنسان ورأس ماله؛ لأن ما يعنيه شيء يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه، وفيه أيضًا حفظ اللسان من لغو الكلام.

[ منحةُ العلاّم (181/10) ]
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: (من عَدَّ كلامه من عمله قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه). قال ابن رجب: (وهو كما قال، فإن كثيرًا من الناس لا يعد كلامه من عمله، فيجازف فيه ولا يتحرى).

وقال بعض الحكماء: (من اشتغل بما لا يعنيه فاته ما يعنيه، ومن لم يستغن بما يكفيه فليس في الدنيا شيء يغنيه).

[ منحةُ العلاّم (181/10) ]
(وأعوذ بك من فتنة الدنيا)

المراد بها: الإنهماك في شهواتها وملذاتها بحيث يكون همه جمعها والحرص عليها، حتى تلهيه عن القيام بالواجبات التي خلق لها، وتصده عن ذكر الله تعالى وما فيه سعادته وفلاحه.

[ منحةُ العلاّم (187/3) ]
عَنْ أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيئًا، وَلَوْ أَن تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ".

الحديث دليل على استحباب طلاقة الوجه وبشاشته عند اللقاء وأن هذا من المعروف الذي ينبغي للمسلم أن يحرص عليه؛ لما فيه من إيناس الأخ المسلم وإدخال السرور عليه ودفع الإيحاش عنه، وبهذا يحصل التآلف والتقارب بين المسلمين، ومع هذه الفائدة العظيمة فإنه لا يكلف الإنسان شيئًا، فهو فعل هين عظيم الأجر، كثير الفائدة، وهو فضل وإنعام من الله تعالى يتفضل به على من يشاء من خلقه.

[ منحةُ العلاّم (120/10) ]
قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً، فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرانَكَ" أخرجه مسلم.

قوله: (إذا طبخت مرقة) جمعها مَرَقٌ، والمرق هو الماء الذي طبخ فيه اللحم ونحوه، قال ابن منظور: (المرق: الذي يؤتدم به، واحدته مرقة)..

قوله: (فأكثر ماءها) لأنه إذا كَثُر الماء كثر الائتدام به، وهو إساغة الخبز وتليينه، أو شربه لطعمه وفائدته، والأمر بإكثار الماء فيه إشارة إلى تيسير الأمر على البخيل؛ لأن هذه الزيادة المأمور بها إنما هي فيما ليس له ثمن وهو الماء فيهون الأمر، بخلاف ما لو كان الأمر بإكثار اللحم - مثلًا - فإن هذا لا يسهل على كل أحد .

قوله: (وتعاهد جيرانك) قال في "القاموس": (تعهده وتعاهده واعتهده: تَفقده وأحدث العهد به). والمعنى: أعطهم منها شيئًا، والأمر للندب، للإجماع على أن الإهداء ليس بواجب..

في الحديث حث على مكارم الأخلاق وإرشاد لمحاسنها لما يترتب على ذلك من المحبة والأُلفة، فالجار مأمور بالإهداء إلى جاره ولو كان ذلك شيئًا يسيرًا، ولا سيما إذا كان جاره يتأذى بقتار قدره، أو تصل إليه رائحة طعامه، وقد يكون ممن لا يقدر على التوصل لمثل ذلك، فتتعلق نفسه ونفس أطفاله بهذا الطعام، وإهداء شيء يسير منه له أعظم الأثر في إدخال السرور على جاره وعلى عياله، وهذه ظاهرة اجتماعية كانت موجودة بصورة جلية إلى زمن قريب، أما الآن فهي أقل بكثير مما مضى.

يقاس على ما في الحديث كل ما ينبغي إهداؤه، ولا سيما ما قد يظهر له رائحة كبعض الفواكه والأطعمة.

[ منحةُ العلاّم (122/10) ]
للهدية أثر كبير في بث الإخاء ونشر المودة وتوثيق الصداقة والمحبة ولا سيما بين الجيران؛ لأن الجيران قد يقع بينهم شيء من الأذى والوحشة بسبب الصبيان أو حالات الجوار، والإهداء من أسباب الألفة والتقارب وإزالة الوحشة.

ولهذا رغّب فيها الإسلام، وقد قالت عائشة -رضي الله عنها- يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيِّهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابًا". فندب الإهداء إلى الأقرب، وذلك لأن الأقرب يرى ما يدخل في بيت جاره من هدية وغيرها، فيتشوف لها بخلاف الأبعد؛ ولأن الأقرب أسرع إجابة لما قد يقع لجاره من المهمات، ولا سيما في أوقات الغفلة.

ولو أهدى إلى الأبعد وترك الأقرب جاز؛ لأن الهدية في الأصل ليست بواجبة، فلا يكون الترتيب فيها واجبًا.

[ منحةُ العلاّم (123/10) ]
أفراد المجتمع المسلم أعضاء من جسد واحد، وأن المسلم يشاطر أخاه فرحه وحزنه، فَيُسَرُّ لما يحظى به من فرح وسرور وما يتمتع به من صحة وسعادة، ويتألم لما فيه من ضيق وأذى وما يصيبه من مرض أو فاقة.

[ منحةُ العلاّم (127/10) ]
[احذر] من تعيير الناس وعيبهم بذنوبهم وما يظهر عليهم من الانحراف؛ لأنه إن كان تائبًا منه لم يجز تعييره بذنبه السابق؛ لأن من تاب تاب الله عليه، وإن كان لم يتب وجب نصحه وتوجيهه بالكلام الطيب لا بالتعيير؛ لأن التعيير يوجب العداوة والبغضاء، ولا يؤدي المقصود.

ثم إن التعيير فيه معنى العُجْبِ بالنفس، فإن الإنسان لا يعيب أحدًا بعينه إلَّا لما يجد في نفسه من العجب بسلامته من ذلك العيب، وقد يرى أن سلامته قد جاءته من قوته وإرادته لا من الله تعالى الذي عصمه من هذا الذنب.

ومن مظاهر التعيير إظهار السوء وإشاعته في قالب النصح، فهذا ليس غرضه النصح، وإنَّما غرضه التعيير والأذى بإظهار العيوب والمساوئ للناس، ولو كان غرضه النصح لما أشاع ذلك ولا أظهره؛ لأن النصيحة هي ما كانت سرًّا بين الآمر والمأمور، والناصح ليس غرضه إشاعة عيب من أراد نصحه، وإنَّما غرضه الإصلاح وإزالة المفسدة.

قال الفضيل: (المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير) فعلامة النصح: الستر، وعلامة التعيير: الإعلان، يقول الحافظ ابن رجب: (كان السلف يكرهون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على هذا الوجه، ويحبون أن يكون سرًّا بين الآمر والمأمور، فإن هذا من علامات النصح).

[ منحةُ العلاّم (301/10) ]
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَال: قَال رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيرٍ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ". أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

هذا حديث عظيم من جوامع الكلم، يدل على أن من أرشد غيره إلى خير أو دلّه على هدى كان له من الأجر مثل ما للفاعل..

وهذا يشمل الدعوة بالقول؛ كالتعليم والموعظة والإفتاء، والدعوة بالفعل وهي القدوة الحسنة؛ لأن الذي يُقتدى به إذا فعل شيئًا أو ترك شيئًا تبعه الناس، فكأنه بهذا الصنيع دعا الناس إلى فعله أو تركه..

[ منحةُ العلاّم (131/10) ]
{كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: ١١٠]

قد فهم سلف هذه الأمة من هذه الآية أن الخيرية قد حصلت للأمة لكونهم أنفع الناس للناس، وذلك بدلالة الناس على الخير، وتحذيرهم من ضده.

وهذا فيه فوائد عظيمة،

ومنها: أن هذا المرشد إلى الخير ينال من الأجر مثل أجر من أرشده،

ومنها: أن الإرشاد إلى الخير تحقيق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو مشاركة عظيمة في إصلاح المجتمعات،

ومنها: التعاون على البر والتقوى، ونشر آداب الإسلام وأحكامه بين أفراد المجتمع، وهذا يحقق للمجتمع حياة السعادة والرشاد.

[ منحةُ العلاّم (130/10) ]
قرر المحققون من أهل العلم في أبواب المفاضلة بين الأعمال تفضيل الأعمال المتعدية على الأعمال القاصرة، مثل خدمة الفقراء، وتعليم العلم، والاشتغال بالتأليف والعناية بمصالح الناس وقضاء حوائجهم، ومساعدتهم بالمال والجاه والشفاعة، وذلك لما يحصل بالأعمال المتعدية من عموم النفع، ولما يحصل بها من استمرار الأجر، فإن صاحب النفع لا ينقطع عمله، ما دام نفعه الذي نُسب إليه، وهذه وظيفة الأنبياء والمرسلين، ومن اقتدى بهم من الدعاة المخلصين…

لكن ينبغي أن يعلم أن التنويه بأهمية العمل المتعدي لا يعني إغفال العمل القاصر، أو التقليل من شأنه؛ لأن هذا الفهم أدَّى إلى خللٍ عند بعض طلاب العلم، فأهمل التعبد الخاص والعناية بخاصة أهله وأولاده بحجة الانشغال بالدعوة وتعليم العلم، والتوسط هو الحق، وهو المسلك الرشيد، تأمل قوله تعالى عن أهل الجنة: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} وهذا شامل لإحسانهم بعبادة ربهم، وإحسانهم إلى عباد الله، {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} فسمى الله العبادة إحسانًا، وبدأ بالإحسان إلى النفس ونوَّه به في آيتين، ثم نوَّه بالاحسان إلى الغير في آية واحدة. والله تعالى أعلم.

[ منحةُ العلاّم (130/10) ]
"وَمَن أَتَى إِلَيكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا، فَادْعُوا لَهُ"

الحديث دليل على مشروعية مكافأة المحسن على معروفه عند القدرة على ذلك، سواء أكان هذا المعروف هدية ومعونة على أمر، أو قضاء حاجة أو غير ذلك؛ لأن المكافأة على المعروف من المروءة التي يحبها الله ورسوله بدلالة هذا الحديث، وهذه المكافأة لها فائدتان:

الأولى: تشجيع ذوي المعروف والإحسان على أفعال الخير والمداومة عليها.

الثانية: أن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، فهو إذا أحسن إليه ولم يكافئه يبقى في قلبه شيء من التعلُّق به والرقة له، فشرع قطع ذلك بالمكافأة.

أما الإعراض عمن أسدى إليك معروفًا وكأنه ما فعل شيئًا، فهذا ليس من مكارم الأخلاق ولا يهمل المكافأة على المعروف إلا اللئام من الناس.
قال ابن حبان: (الواجب على المرء أن يشكر النعمة، ويحمد المعروف على حسب وسعه وطاقته، إن قدر فبالضِّعْفِ، وإلا فبالمثل، وإلا فبالمعرفة بوقوع النعمة عنده، مع بذل الجزاء له بالشكر، وقوله: جزاك الله خيرًا..)

فإن لم يجد ما يكافئ به صاحب المعروف فإنه يدعو له ويجتهد ويبالغ في الدعاء حتى يرى أنه قد كافأه؛ لأنه لما رأى في نفسه تقصيرًا في المجازاة لعدم القدرة عليها أحال ذلك إلى الله تعالى ونِعْم المجازي هو، وهذا يفيد أن الدعاء يسمى مكافأة في حق من لا يقدر على المجازاة، فيدعو له بما يناسب المعروف أو بما يناسب المقام، ومن أبلغ الدعاء أن يقول له: جزاك الله خيرًا، وقد تقدم في هذا حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من صُنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء".

[ منحةُ العلاّم (132/10) ]
وأما حقيقة الزهد فقد تنوعت عبارة السلف والعلماء الذين جاءوا من بعدهم في تفسير الزهد على أقوال كثيرة جدًّا، ومحصلها: أن الزهد انصراف عن الرغبة في الشيء إلى ما هو خير منه، وهو الزهد فيما يُشغل عن الآخرة، من الزهد في الدنيا وشؤونها والرغبة في الآخرة والإعداد لها، ويدخل في ذلك الزهد في الحرام والمكروهات وبعض المباحات التي قد تشغل عن الآخرة والقيام بالأعمال الصالحة.

ولا يمنع ذلك العمل للدنيا يَتَقَوَّى به على طاعة الله، ويستغني عما في أيدي الناس بالبيع والشراء والزراعة والصناعة ونحو ذلك، لكن بشرط ألا تشغله هذه الأمور عن الإعداد للآخرة بل يكون قلبه زاهدًا فيها راغبًا فيما عند الله.

[ منحةُ العلاّم (137/10) ]
يقول ابن الجَلاء: (الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال؛ لتصغر في عينيك، فيسهل عليك الإعراض عنها).

وقال بعض السلف: (الزهد: عزوف القلب عن الدنيا بلا تكلف).

وسئل الإمام أحمد عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهدًا؟ فقال: (نعم على شريطة ألا يفرح إذا زادت، ولا يحزن إذا نقصت).

وقال إبراهيم بن أدهم: (الزهد ثلاثة أصناف: زهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة، فأما الزهد الفرض: فالزهد في الحرام، والزهد الفضل: الزهد في الحلال، والزهد السلامة: الزهد في الشبهات).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الزهد: ترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة).

وقال ابن القيم: (هذا من أحسن ما قيل في الزهد).

[ منحةُ العلاّم (138/10) ]