Forwarded from المُشوِّق إلى القُرآن | عمرو الشرقاوي
كرم العرب في كلامهم كما هو في إطعامهم!
قال الطاهر ابن عاشور:
«ولأهل البلاغة عناية بالالتفات؛ لأن فيه تجديد أسلوب التعبير عن المعنى بعينه تحاشيًا من تكرر الأسلوب الواحد عدة مرار، فيحصل بتجديد الأسلوب تجديد نشاط السامع كي لا يمل من إعادة أسلوب بعينه.
قال السكاكي في «المفتاح» بعد أن ذكر أن العرب يستكثرون من الالتفات: «أفتراهم يحسنون قرى الأشباح، فيخالفون بين لون ولون، وطعم وطعم، ولا يحسنون قرى الأرواح، فيخالفون بين أسلوب وأسلوب».
فهذه فائدة مطردة في الالتفات.
ثم إن البلغاء لا يقتصرون عليها غالبا بل يراعون للالتفات لطائف ومناسبات ولم يزل أهل النقد والأدب يستخرجون ذلك من مغاصه».
[التحرير والتنوير: (1/ 179)].
وتمام كلام السكاكي: «واعلم أن هذا النوع: أعني نقل الكلام عن الحكاية على الغيبة = لا يختص المسند إليه، ولا هذا القدر، بل الحكاية والخطاب والغيبة ثلاثتها ينقل كل واحد منها على الآخر، ويسمى هذا النقل التفاتًا عند علماء علم المعاني.
والعرب يستكثرون منه، ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب على أسلوب أدخل في القبول عند السامع، وأحسن تطرية لنشاطه، وأملأ باستدرار إصغائه.
وهم أحرياء بذلك!
أليس قرى الأضياف سجيتهم، ونحر العشار للضيف دأبهم وهجيراهم، لا مزَّقت أيدي الأدوار لهم أديمًا، ولا أباحت لهم حريمًا!
أفتراهم يحسنون قرى الأشباح، فيخالفون فيه بين لون ولون، وطعم وطعم، ولا يحسنون قرى الأرواح، فلا يخالفون فيه بين أسلوب وأسلوب، وإيراد وإيراد؟!
فإن الكلام المفيد عند الإنسان لكن بالمعنى لا بالصورة أشهى غذاء لروحه وأطيب قرى لها.
قال ربيعة بن مقروم:
بانت سعاد فأمسى القلب معمودًا .. وأخلفتك ابنة الحر المواعيدا
فالتفت كما ترى حيث لم يقل (وأخلفتني) ثم قال:
ما لم ألاق امرأً جزلًا مواهبه .. سهل الفناء رحيب الباع محمودا
وقد سمعت بقوم يحمدون فلم .. أسمع بمثلك لا حلمًا ولا جودًا».
[مفتاح العلوم: (199)].
قال الطاهر ابن عاشور:
«ولأهل البلاغة عناية بالالتفات؛ لأن فيه تجديد أسلوب التعبير عن المعنى بعينه تحاشيًا من تكرر الأسلوب الواحد عدة مرار، فيحصل بتجديد الأسلوب تجديد نشاط السامع كي لا يمل من إعادة أسلوب بعينه.
قال السكاكي في «المفتاح» بعد أن ذكر أن العرب يستكثرون من الالتفات: «أفتراهم يحسنون قرى الأشباح، فيخالفون بين لون ولون، وطعم وطعم، ولا يحسنون قرى الأرواح، فيخالفون بين أسلوب وأسلوب».
فهذه فائدة مطردة في الالتفات.
ثم إن البلغاء لا يقتصرون عليها غالبا بل يراعون للالتفات لطائف ومناسبات ولم يزل أهل النقد والأدب يستخرجون ذلك من مغاصه».
[التحرير والتنوير: (1/ 179)].
وتمام كلام السكاكي: «واعلم أن هذا النوع: أعني نقل الكلام عن الحكاية على الغيبة = لا يختص المسند إليه، ولا هذا القدر، بل الحكاية والخطاب والغيبة ثلاثتها ينقل كل واحد منها على الآخر، ويسمى هذا النقل التفاتًا عند علماء علم المعاني.
والعرب يستكثرون منه، ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب على أسلوب أدخل في القبول عند السامع، وأحسن تطرية لنشاطه، وأملأ باستدرار إصغائه.
وهم أحرياء بذلك!
أليس قرى الأضياف سجيتهم، ونحر العشار للضيف دأبهم وهجيراهم، لا مزَّقت أيدي الأدوار لهم أديمًا، ولا أباحت لهم حريمًا!
أفتراهم يحسنون قرى الأشباح، فيخالفون فيه بين لون ولون، وطعم وطعم، ولا يحسنون قرى الأرواح، فلا يخالفون فيه بين أسلوب وأسلوب، وإيراد وإيراد؟!
فإن الكلام المفيد عند الإنسان لكن بالمعنى لا بالصورة أشهى غذاء لروحه وأطيب قرى لها.
قال ربيعة بن مقروم:
بانت سعاد فأمسى القلب معمودًا .. وأخلفتك ابنة الحر المواعيدا
فالتفت كما ترى حيث لم يقل (وأخلفتني) ثم قال:
ما لم ألاق امرأً جزلًا مواهبه .. سهل الفناء رحيب الباع محمودا
وقد سمعت بقوم يحمدون فلم .. أسمع بمثلك لا حلمًا ولا جودًا».
[مفتاح العلوم: (199)].
❤12👍1
إذا خرج أحدهم يومًا متفاخرًا بأن الأصمعي هو أول من اخترع الراب بقصيدته "صوت صفير البلبل"، فإن السخرية التي سيسمعها بما يليق وبما لا يليق ستسوّد مجلدات .. لكن عندما يخبرك آخر بأن فلان الفلاني من القرن الرابع أو الخامس الهجري هو الذي اخترع "علم النفس" أو أن العرب كان لهم اهتمام أصيل بـ"الصحة النفسية" أو أن حتّى أن فلان الفلاني اليوناني من القرن الخامس عشر قبل الميلاد أول من درس "الاكتئاب" وكتب فيه - هكذا -، أو فلان العالِم من القرن السابع الهجري هو مخترع "علم الاقتصاد"، أو مؤسس علم الإدارة، أو كل هذه الأوصاف ،سيصبح كلامه فجأة جديرًا بالاحترام والنظر و"التهليل" و"المديح" ..
رغم أن المقارنة التاريخية هي نفسها، ورغم أن الرؤية المعرفية التي انطلق منها القولان هي نفسها (أي صحة إطلاق مقولة لا نفهمها إلا إذا وُجِدنا في العصر الحديث على مقولة أخرى تشترك معها شكليًا في عصر أقدم)، ورغم أن القدرة على إطلاق التعميم أيسر وأقرب للنظر في القول الأول محل السخرية منها في القول الثاني ..
لكن الفرق الأساسي، أن كلمة "الأصمعي اخترع الراب" لا رنّة لها، ولا أحد يهتم بشرعنة هذا "الاختراع" ونسبته إلى ثقافة قديمة واعتبار هذه المعاصرة امتدادًا لها (ولو تطويرًا وتعديلًا)، أما الأمثلة الأخرى، فإن شرعنتها تعني الكثير عند طوائف عددًا .. إما على طريقة "بضاعتنا ردت إلينا، فلا حاجة لنا ببضاعة الآخرين" أو على طريقة: "تلك بضاعة الآخرين نعم، لكن موادها الخام كانت عندنا فلا تشّككوا فيها.."
رغم أن المقارنة التاريخية هي نفسها، ورغم أن الرؤية المعرفية التي انطلق منها القولان هي نفسها (أي صحة إطلاق مقولة لا نفهمها إلا إذا وُجِدنا في العصر الحديث على مقولة أخرى تشترك معها شكليًا في عصر أقدم)، ورغم أن القدرة على إطلاق التعميم أيسر وأقرب للنظر في القول الأول محل السخرية منها في القول الثاني ..
لكن الفرق الأساسي، أن كلمة "الأصمعي اخترع الراب" لا رنّة لها، ولا أحد يهتم بشرعنة هذا "الاختراع" ونسبته إلى ثقافة قديمة واعتبار هذه المعاصرة امتدادًا لها (ولو تطويرًا وتعديلًا)، أما الأمثلة الأخرى، فإن شرعنتها تعني الكثير عند طوائف عددًا .. إما على طريقة "بضاعتنا ردت إلينا، فلا حاجة لنا ببضاعة الآخرين" أو على طريقة: "تلك بضاعة الآخرين نعم، لكن موادها الخام كانت عندنا فلا تشّككوا فيها.."
👍37❤13🔥4⚡1
Forwarded from قَيْد الأَوابِد
• حَدِّثْ نَفْسَكَ بِالظَّفَرِ لِتُشَيِّعْكَ¹ نَفْسُكَ عَلَى مَا تُرِيدُ.
أبو عبيد القاسم بن سلَّام
١- تُشَيِّعك: تُطيعُك وتُقَوِّيكَ.
أبو عبيد القاسم بن سلَّام
١- تُشَيِّعك: تُطيعُك وتُقَوِّيكَ.
❤30⚡4
والناسُ أَشْبَاهٌ ولَكِنْ فَرَّقَتْ
ما بَيْنَهُمْ في الرُّتْبَةِ الآراءُ
— البارودي
ما بَيْنَهُمْ في الرُّتْبَةِ الآراءُ
— البارودي
❤32
الغازي محمد
Photo
أخيرًا، كتاب يمكن ترشيحه كمدخل في الاقتصاد .. أخيييييرًا ..
يمكن أن نلخّص مشاكل كتب المداخل للاقتصاد في ثلاث مشاكل رئيسية، الأولى أنها نيوكلاسيكية، والثانية أنها نيوكلاسيكية، والثالثة أنها نيوكلاسيكية :D
غالب كتب المداخل (أنا أقول هنا غالب لأني لم اقرأ جميعها، لكن كل ما قرأته كان كذلك، وقد قرأت العديد منها في الحقيقة)، تبدأ من فرضيات نيوكلاسيكية، فتكون المواضيع المناقشة من عينة: الاختيارات والأسواق والمنافع والتكاليف والعرض والطلب .. إلخ..
وثانيًا، غالب كتب المداخل لا تاريخ فيها، فهي تعامل الاقتصاد بوصفه علمًا صلبًا ورياضيًا و"خال من السياسية" و"فوق التاريخ" و"غير موجّه بالقيم .." إلخ فلا يوجد فيها لا تاريخ للاقتصاد، ولا تاريخ للفكر الاقتصادي بمدارسه وتطوراته إلخ..
ومن ناحية ثالثة، غالب كتب المداخل لا علاقة لها بالاقتصاد كما يحدث بالفعل، أي في أرض الواقع ..
هذا الكتاب جاء كعين ماء في صحراء فهو أولًا لا يدخل للاقتصاد من مدخل نيوكلاسيكي، بل يرفض الرؤية النيوكلاسيكية، وينقدها ويخصص القسم الأول من الكتاب في إعادة تعريف الاقتصاد أولًا وما موضوع دراسته، ثم يعيد فحص "عمل الاقتصاديين" تاريخًا وممارسة .. مع مدخل تاريخي وجيز عن الرأسمالية، ومدخل وجيز ورائع عن المدارس الاقتصادية المتنازعة والتي بدورها تؤثر في رؤيتك للاقتصاد ولعالمه ولقضاياه الجدلية .. وهذا الجزء من المدخل يناقش موضوعات لم أر كتابًا مدخليًا يناقشها أصلًا ..
القسم الثاني يناقش أشياء تتوفر كثيرًا في كتب المداخل، لكنه يناقشها بشكل مختلف، ويبين نقاط الخلاف فيها بين المدارس المختلفة، ويدحض بالخصوص رؤية النيوكلاسيكيين لغالبها، مثل مفاهيم: الدخل والنمو والإنتاج والنظام المالي وأسواق المال وأيضًا قضايا الفقر واللامساواة والعمل والبطالة ودور الدولة في الاقتصاد والعولمة والتجارة الدولية .. إلخ .. ويعرض في هذا لوجهات النظر المختلفة وينقد بعضًا ويدعم بعضًا ..
لن تجد في هذا الكتاب المقرر المكرر المعتاد في كتب المداخل عن الدوافع، والاختيارات، والأسواق وقوة "قوانين" العرض والطلب والأسعار والابتكار وإلخ إلخ إلخ ..
باختصار: هذا الكتاب مقارنة بما توقعت أن أجده في كتاب "مدخل للاقتصاد" مفاجأة كبيرة، وأرشحه بلا شك لمن يريد مدخلًا جيّدًا للاقتصاد بوصفه مجالًا تتداخل فيه السياسة والقيم والنظريات وتتصارع لا مجالًا "علميًا" جامدًا خارج الواقع أو فوقه..
ولا يعني هذا أنه خلوٌ من العيوب، فعيوبه - بغض النظر عن العيوب المعلوماتية هنا أو هناك، أو تبني رؤى معينة في موضوعات معينة فهذا لا يخلو منه كتاب - لكن عيبه المنهجي في نظري هو أنه يتحدث عن الاقتصاد بوصفه مجالًا لا ديناميكي وبالمثال يتضح المقال، فهو مثلًا يذكر واقعة انقلاب بيونشيه أو جمهورية الموز، أو وقائع مثل شركة الهند الشرقية، أو حرب الأفيون ، أو غيرها، ويناقش دور الإمبريالية في جزء من فصل بالفعل، لكن هذه الوقائع لا تنتظم عنده في "تحليل ناظم" يعني هو يناقشها بوصفها وقائع لا بوصفها بُنى (فيناقش أثرها في مسألة التجارة الخارجية والتجارة الحرّة إلخ مثلًا)، مثلًا يتحدث عن الديون أو عن الأسواق المالية، لكنه يحللها في ذاتها لا بوصفها شيئًا له بنية سياسية/اجتماعية مثلًا، كذلك في نقاشه للامساواة .. أو مثلًا في العلاقة بين الدول المتقدمة أو دول الشمال وتلك النامية أو دول الجنوب، هو يناقشها أيضًا كوقائع لا كبنى، أرجو أن يكون هذا وضّح المقصود، فهذا في نظري هو عيب الكتاب الأساسي، ولعلّ كتابًا مثل كتاب "الاقتصاد كما أشرحه لابنتي" (مترجم) مثلًا يغطّي جزءًا من هذا العيب .. في كونه يناقش بعض هذه الأشياء بوصفها بنى فيمكن اعتبارهما معًا مدخلًا واحدًا أفضل بكثير، بل بمفاوز، عن غالب المداخل المتوفرة، وعن كل المداخل التي رأيتها مترجمة بالعربية أيضًا ..
كذلك من عيوبه الاختزال أحيانًا في عرض بعض المواقف ومبرراتها، خصوصًا في فصل المدارس الاقتصادية، وفي عرضه للقضايا الجدلية، ولا بد في أي كتاب مدخلي من اختزال هذا لا شكّ فيه، لكن أنا أقصد اختزاله حيث يجب البيان في نظري ..
الكتاب من تأليف ها جوون تشانج، مؤلف كتابي "السامريون الأشرار" و "23 حقيقة يخفونها عنك بخصوص الرأسمالية" وكلاهما مترجم وكلاهما جيدٌ جدًا كذلك .. ويقع كتابنا هذا في 528 صفحة باللغة الإنجليزية (وهو غير مترجم) ..
وأرشحه أكيد (مش باين يعني؟) مع الانتباه لعيوبه التي ذكرت ..
هذا في نظري، بين كتب المداخل التي قرأتها، هو أفضلها فعلًا ..
(هذه ليست مراجعة للكتاب بلا شك، حتى لا أظلمه، بل هي مجرد انطباعات مباشرة فقط)
يمكن أن نلخّص مشاكل كتب المداخل للاقتصاد في ثلاث مشاكل رئيسية، الأولى أنها نيوكلاسيكية، والثانية أنها نيوكلاسيكية، والثالثة أنها نيوكلاسيكية :D
غالب كتب المداخل (أنا أقول هنا غالب لأني لم اقرأ جميعها، لكن كل ما قرأته كان كذلك، وقد قرأت العديد منها في الحقيقة)، تبدأ من فرضيات نيوكلاسيكية، فتكون المواضيع المناقشة من عينة: الاختيارات والأسواق والمنافع والتكاليف والعرض والطلب .. إلخ..
وثانيًا، غالب كتب المداخل لا تاريخ فيها، فهي تعامل الاقتصاد بوصفه علمًا صلبًا ورياضيًا و"خال من السياسية" و"فوق التاريخ" و"غير موجّه بالقيم .." إلخ فلا يوجد فيها لا تاريخ للاقتصاد، ولا تاريخ للفكر الاقتصادي بمدارسه وتطوراته إلخ..
ومن ناحية ثالثة، غالب كتب المداخل لا علاقة لها بالاقتصاد كما يحدث بالفعل، أي في أرض الواقع ..
هذا الكتاب جاء كعين ماء في صحراء فهو أولًا لا يدخل للاقتصاد من مدخل نيوكلاسيكي، بل يرفض الرؤية النيوكلاسيكية، وينقدها ويخصص القسم الأول من الكتاب في إعادة تعريف الاقتصاد أولًا وما موضوع دراسته، ثم يعيد فحص "عمل الاقتصاديين" تاريخًا وممارسة .. مع مدخل تاريخي وجيز عن الرأسمالية، ومدخل وجيز ورائع عن المدارس الاقتصادية المتنازعة والتي بدورها تؤثر في رؤيتك للاقتصاد ولعالمه ولقضاياه الجدلية .. وهذا الجزء من المدخل يناقش موضوعات لم أر كتابًا مدخليًا يناقشها أصلًا ..
القسم الثاني يناقش أشياء تتوفر كثيرًا في كتب المداخل، لكنه يناقشها بشكل مختلف، ويبين نقاط الخلاف فيها بين المدارس المختلفة، ويدحض بالخصوص رؤية النيوكلاسيكيين لغالبها، مثل مفاهيم: الدخل والنمو والإنتاج والنظام المالي وأسواق المال وأيضًا قضايا الفقر واللامساواة والعمل والبطالة ودور الدولة في الاقتصاد والعولمة والتجارة الدولية .. إلخ .. ويعرض في هذا لوجهات النظر المختلفة وينقد بعضًا ويدعم بعضًا ..
لن تجد في هذا الكتاب المقرر المكرر المعتاد في كتب المداخل عن الدوافع، والاختيارات، والأسواق وقوة "قوانين" العرض والطلب والأسعار والابتكار وإلخ إلخ إلخ ..
باختصار: هذا الكتاب مقارنة بما توقعت أن أجده في كتاب "مدخل للاقتصاد" مفاجأة كبيرة، وأرشحه بلا شك لمن يريد مدخلًا جيّدًا للاقتصاد بوصفه مجالًا تتداخل فيه السياسة والقيم والنظريات وتتصارع لا مجالًا "علميًا" جامدًا خارج الواقع أو فوقه..
ولا يعني هذا أنه خلوٌ من العيوب، فعيوبه - بغض النظر عن العيوب المعلوماتية هنا أو هناك، أو تبني رؤى معينة في موضوعات معينة فهذا لا يخلو منه كتاب - لكن عيبه المنهجي في نظري هو أنه يتحدث عن الاقتصاد بوصفه مجالًا لا ديناميكي وبالمثال يتضح المقال، فهو مثلًا يذكر واقعة انقلاب بيونشيه أو جمهورية الموز، أو وقائع مثل شركة الهند الشرقية، أو حرب الأفيون ، أو غيرها، ويناقش دور الإمبريالية في جزء من فصل بالفعل، لكن هذه الوقائع لا تنتظم عنده في "تحليل ناظم" يعني هو يناقشها بوصفها وقائع لا بوصفها بُنى (فيناقش أثرها في مسألة التجارة الخارجية والتجارة الحرّة إلخ مثلًا)، مثلًا يتحدث عن الديون أو عن الأسواق المالية، لكنه يحللها في ذاتها لا بوصفها شيئًا له بنية سياسية/اجتماعية مثلًا، كذلك في نقاشه للامساواة .. أو مثلًا في العلاقة بين الدول المتقدمة أو دول الشمال وتلك النامية أو دول الجنوب، هو يناقشها أيضًا كوقائع لا كبنى، أرجو أن يكون هذا وضّح المقصود، فهذا في نظري هو عيب الكتاب الأساسي، ولعلّ كتابًا مثل كتاب "الاقتصاد كما أشرحه لابنتي" (مترجم) مثلًا يغطّي جزءًا من هذا العيب .. في كونه يناقش بعض هذه الأشياء بوصفها بنى فيمكن اعتبارهما معًا مدخلًا واحدًا أفضل بكثير، بل بمفاوز، عن غالب المداخل المتوفرة، وعن كل المداخل التي رأيتها مترجمة بالعربية أيضًا ..
كذلك من عيوبه الاختزال أحيانًا في عرض بعض المواقف ومبرراتها، خصوصًا في فصل المدارس الاقتصادية، وفي عرضه للقضايا الجدلية، ولا بد في أي كتاب مدخلي من اختزال هذا لا شكّ فيه، لكن أنا أقصد اختزاله حيث يجب البيان في نظري ..
الكتاب من تأليف ها جوون تشانج، مؤلف كتابي "السامريون الأشرار" و "23 حقيقة يخفونها عنك بخصوص الرأسمالية" وكلاهما مترجم وكلاهما جيدٌ جدًا كذلك .. ويقع كتابنا هذا في 528 صفحة باللغة الإنجليزية (وهو غير مترجم) ..
وأرشحه أكيد (مش باين يعني؟) مع الانتباه لعيوبه التي ذكرت ..
هذا في نظري، بين كتب المداخل التي قرأتها، هو أفضلها فعلًا ..
(هذه ليست مراجعة للكتاب بلا شك، حتى لا أظلمه، بل هي مجرد انطباعات مباشرة فقط)
👍29❤9👏1