قناة عبدالرحمن السديس
24K subscribers
878 photos
231 videos
34 files
147 links
قناة علمية.
عبدالرحمن بن صالح السديس
الرياض.
‏تويتر https://x.com/assdais?t=bamsawh__YRgDV1YxYVNdQ&s=35
يوتيوب
https://youtube.com/@assdais?si=crAripvh6ZLH8bnv
Download Telegram
بين ذلين!

قال الصولي: حدثني محمد بن موسى الهاشمي، وأبو الربيع المنقري قالا: عزم أبو تمام على الانحدار إلى البصرة والأهواز لمدح من بهما، فبلغ ذلك عبد الصمد بن المعذل فكتب إليه:
أَنْتَ بينَ اثنَتَينِ تَغْدُو مَعَ النَّا ... سِ وَكِلْتَاهُمَا بِوَجْهٍ مُذَالِ
لَسْتَ تَنْفَكُّ طَالِباُ لِوصَالٍ ... مِنْ حَبِيبٍ أوْ طَالبًا لِنَوَالِ
أيُّ مَاءٍ لَماءِ وَجْهِكَ يَبْقَى ... بَعْدَ ذُلِّ الْهَوَى وَذُلِّ السُّؤَالِ؟!

فلما قرأ الشعر قال: قد شغل هذا ما يليه، فلا أرَب لنا فيه، وأضرب عن عزمه».
«أخبار أبي تمام» ص٢٤١.

وهذا الخبر في «الأغاني» ٢٥٣/١٣ باختلاف يسير..
وعبدالصمد شاعر بصري فحل، وصف بأنه هجاء خبيث اللسان.

وقارن ذا بقول الشنفرى اللص الجاهلي:
أديم مطال الجوع حتى أميته .. وأضرب عنه الذكر صفحا فأذهل
وأستف ترب الأرض كي لا يرى له .. علي من الطول امرؤ متطول
ولولا اجتناب الذام
لم يلف مشرب .. يعاش به إلا لدي ومأكل
ولكن نفسا مُرة لا تقيم بي .. على الذام إلا ريثما أتحول
وأطوي على الخمص الحوايا كما انطوت .. خيوطة ماري تغار وتفتل
وأغدو على القوت الزهيد كما غدا .. أزل تهاداه التنائف أطحل.

وقد جاء الإسلام فحث عزة النفس والاستغناء عن الخلق قدر المستطاع

فقد كان من وصايا النبي ﷺ لعدد من أصحابه: «لا تسألوا الناس شيئا».
رواه مسلم وغيره.

نعوذ بالله من دناءة النفس، وسخف الطلب، وحقارة المراد.
قناة عبدالرحمن السديس
هل حرمة الطعام لذاته، أو لكونه إسرافا وكفرا للنعمة؟
.

ما حكم عيب الطعام؟

مسألة البحث: معرفة الحكم الشرعي لعيب الطعام ودليل ذلك، مجردا عن المسائل التي قد تصاحبه؛ كتطييب نفس معده أو مقدمه..

عمدة الكلام في هذه المسألة حديث أبي هريرة: «ما ‌عاب النبي ﷺ ‌طعاما قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه». متفق عليه.

فهذا الحديث فيه حكاية فعلٍ، وهي: (ترك العيب).

وقد ذكر الأصوليون أنواع فعل النبي ﷺ، ودلالتها على الأحكام -كما هو معروف-، وهذا الحديث من النوع الذي لا يدل على وجوب ولا تحريم، لأنه مجردٌ عن الأمر، وليس بيانا لمجمل.

وهو مثل ما في البخاري عن أنس بن مالك قال: «ما أكل النبي ﷺ على ‌خوان ولا في سكرجة ولا خُبِز له مرقق».
ومثل حديث عائشة قالت: «‌ما ‌انتقم رسول الله ﷺ لنفسه في شيء يؤتى إليه..».
فهذه النصوص -ومثلها كثير- لا تدل على وجوب ولا تحريم.

فمن زعم أن عيب الطعام محرما واستدل بهذا الحديث؛ فقد أخطأ الاستدلال.
فغاية الحديث أن يدل على الكرهة(١)،
وهي تزول عند الحاجة، كما هو مقرر.

وقد يحتاج المسلم أن يبين عيب الطعام لسبب أو آخر؛ فمثلا:
يقول أحدهم: سأطلب عشاء من المطعم الفلاني، فيقول صاحبه: لا، اللحم عندهم سيء، أو خبزهم كالعجين، أو مليء بالزيت، أو ناشف..
أو بعد تجربة الطعام يقول: لا تشتروا لنا منه مرة أخرى؛ فاللحم ..إلخ
أو اشترى أو شري له لحم أو تمر أو مكسرات أو فاكهة..، فقال: إنها غير جيدة أو رديئة ونحو ذلك، لئلا يشترى له منها مرة أخرى، أو للمفاضلة بين أنواع؛ فكل هذا جائز، وتزول به الكراهة؛ لأنه لسبب.

ومن جهة المعنى؛ فمن حرمه أو بالغ في النفرة منه؛ لأن الطعام نعمة، وما يصحب ذلك من التألم والوعظ..

فيقال له: واللباس نعمة، والحذاء، والبيوت، والسيارة، والهاتف.. وما لا تحصي،
فلماذا تعيب ما لا يعجبك منها، ولا تنكر ما تسمع من عيبها ويمر على أذنك كأطيب الحديث؛ فإذا انتقِد الطعام -نفسه أو عمل طابخه- نفرت واستقبحت وتألمت واستحضرت أنه نعمة؟!
السبب هو: الإلف، والفهم الخطأ للحديث.

وتأمل أيضا:
قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا ‌تيمموا ‌الخبيث منه}.
أي: تقصدوا الخبيث. فهذا وصف للطعام.

وفي الصحيحين: «جاء بلال بتمر برني، فقال له رسول الله ﷺ: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه..» الحديث، ولم ينكر وصفه بـ «رديء».

وفي مسلم عن النبي ﷺ: «من أكل من هذه الشجرة ‌الخبيثة شيئا، فلا يقربنا في المسجد».

تكميل: قد يكون باعث النبي ﷺ في ترك عيب الطعام:
- تطييب نفس مقدمه أو صانعه، -وهو من كمال خلقه وتواضعه-،
- كمال شكره ورضاه ﷺ.

والله أعلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) نص على الكراهة الحنابلة والشافعية،
فمثلا:
في «الإنصاف» ٣٦٧/٢١: «ويكره عيب الطعام. على الصحيح من المذهب».

وفي «النجم الوهاج» ٥٧٩/٩: «ويكره أن يعيب الطعام.. قال الحليمي: هذا في غير المصنوع للآدمي، أما المصنوع إذا عاب صناعته؛ فلا كراهة».
الفقر ملازم للعبد ونجاته بالافتقار لخالقه

قال ابن تيمية: «فالعبد مفتقر إلى الله في أن يهديه ويلهمه رشده.
وإذا حصل له علم بدليل عقلي؛ فهو مفتقر إلى الله في أن يحدث في قلبه تصور مقدمات ذلك الدليل ويجمعها في قلبه، ثم يحدث العلم الذي حصل بها.

وقد يكون الرجل من أذكياء الناس وأحدهم نظرًا؛ ويعميه عن أظهر الأشياء.
وقد يكون من أبلد الناس وأضعفهم نظرًا؛ ويهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فلا حول ولا قوة إلا به.

فمن اتكل على نظره واستدلاله، أو عقله ومعرفته؛ خذل.

ولهذا كان النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة كثيرًا ما يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، ويقول في يمينه: «لا ومقلب القلوب»، ويقول: «والذي نفسي بيده»، ويقول: «ما من قلب من قلوب العباد إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، وإن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه».
وكان إذا قام من الليل يقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذانك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».
وكان يقول هو وأصحابه في ارتجاجهم:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا.

وهذا في العلم كالإرادات في الأعمال، فإن العبد مفتقر إلى الله في أن يحبب إليه الإيمان ويبغض إليه الكفر، وإلا فقد يعلم الحق وهو لا يحبه ولا يريده، فيكون من المعاندين الجاحدين.
قال تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾.
وقال: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾.
فكما أن الإنسان فيما يكتسبه من الأعمال مفتقر إلى الله محتاج إلى معونته -فإنه لا حول ولا قوة إلا به- كذلك فيما يكتسبه من العلوم، ومع هذا فليس لأحد حجة على الله في أن يدع ما أمر به من الأسباب التي يحصل بها العلم النافع والعمل الصالح».

«درء تعارض العقل والنقل» ٣٤/٩.
يخفى على كثير من الناس أنه يجزئ الاستجمار (بحجر أو منديل ونحوه) في إزالة الخارج من السبيلين، ويكفي ولا يلزم استخدام الماء حتى مع وجوده.

مثلا: لو كنت في البر -ومعكم ماء- لكنك ذهبت بدون ماء، وبلت ثم مسحت بمنديل أو حجر؛ لكفاك ذلك في إزالة النجاسة.
وحتى لو كنت في البيت أيضا.
وبعد ذلك تتوضأ -بغسل اليدين ثم تمضمض إلخ، وتصلي.
فالاستجمار يجزئ، والماء أفضل.
والحمد لله، فديننا يسر وسهولة.
من فاخر نصائح العلماء

ألف الفقيه أبو محمد الجويني كتابا سماه «المحيط»، ووصل للبيهقي منه ثلاثة أجزاء، ورأى فيها خللا في علم الحديث..

فكتب له رسالة جميلة فاخرة، فيها حث على العناية بالحديث، وملحوظات في الأجزاء التي وقف عليها، وكتب قرب ختمها:

«هذا، وقد طالت الرسالة، وعساه تأخذه الملالة من قراءتها، فقطعتها، واقتصرت على ما أودعتها، ولولا:
- رغبة أكثر البشر في إظهار شيء مما عندهم من العلم للناس على العموم، ثم لإمام مثله على الخصوص.
- وورود الأثر بها عن عمر وابن عمر -رضي الله عنهما- في قصة النخلة.
- ثم ما عرفته من رغبة الشيخ -أدام الله توفيقه- في علم الحديث وميله إلى أهله.
- ثم حرصي على أن يكون رواية ما يرويه، وحكاية ما يحكيه في كتبه، لائقة بسائر علومه؛ لما صدعته بها مع كثرة أوراده في ليله ونهاره.
والاعتماد على كثير فضله، وكمال عقله، في حمله الأمر فيها على أجمله، فهو أهل ذلك فيها ومستحقه.
والله يؤيده ويوفقه، وعن جميع المكاره في الدنيا والآخرة يقيه ويحفظه!
والسلام عليه ورحمة الله وبركاته».

ثم أرسل الرسالة للجويني، فلما قرئت عليه:
«قال: هكذا يكون العلم. وترك تمام التصنيف».
«رسالة البيهقي إلى الجويني» ص٩٨و١٠٥.


وهي مثال رائع لأدب أهل العلم ورفقهم في النصح، والرغبة في الإصلاح، والتواضع لأهل العلم.
وقبول الحق، والرغبة فيه، والخضوع له، والاعتراف لأهله بالفضل.
فلا بغي وتطاول، ولا كبر وعلو.
{تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين}.
قناة عبدالرحمن السديس
ابن عقيل «كان يقول: عندي أن من أكبر فضائل المجتهد أن يتردد في الحكم عند تردد الحجة والشبهة فيه، وإذا وقف على أحد المترددين دله على أنه ما عرف الشبهة، ومن لا تعترضه شبهة؛ لا تصفو له حجة.
وكل قلب لا يقرعه التردد، فإنما يظهر فيه التقليد والجمود على ما يقال له ويسمع من غيره».
.
قال أبو سفيان المستملي: سألتُ أحمد عن مسألة، فأجابني فيها، فلما كان بعد مدة سألته عن تلك المسألة بعينها، فأجابني بجواب خلاف الجواب الأول!
فقلت له: أنت مثل أبي حنيفة الذي كان يقول في المسألة الأقاويل!
فتغير وجهه!
وقال: يا موسى! ليس لنا مثل أبي حنيفة، أبو حنيفة كان يقول بالرأي.
وأنا أنظر في الحديث، فإذا رأيت ما هو أحسن، أو أقوى؛ أخذت به وتركت القول الأول».

«المُسَوّدة» ٩٤١/٢.
إذا ذهبت للبر أو كنت في قرية؛ فاغتنم 👆
فالمدن حرمتنا من رؤية زينة السماء!
تعليق الجاحظ على مقولة: «ما ترك الأول للآخر شيئا»، وقد أجاد فيه وأحسن..
ونقله عبدالقاهر الجرجاني في «دلائل الإعجاز»، والقزويني في «الإيضاح» وغيرهم..
Forwarded from ثلاثون ثانية
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
فإنه يراك جل جلاله | الشيخ: عبدالرحمن بن صالح السديس
الحديث الصحيح:
(ما رواه عدل، ضابط، بسند متصل، غير شاذ، ولا معلل).
(«وأهل هذا الشأن قسموا السنن … إلى صحيح وضعيف وحسن
فالأول: المتصل الإسناد … بنقل عدل ضابط الفؤاد
عن مثله، من غير ما شذوذ … وعلة قادحة
فتوذي). «ألفية العراقي».

فعلى هذا؛ لا تحفل بالأحكام الناقصة؛ لأنها قليلة الفائدة.
مثل: قول بعضهم عن حديث: (رجاله ثقات)، و: (رجاله رجال الصحيح)، حسنا، وماذا عن بقية الشروط؟!
وأيضا قد يكون رجال السند روي لهم في الصحيحين؛ لكن بكيفية مختلفة، ففلان عن فلان في هذا الإسناد؛ لم يرد مثله في الصحيح بل عن آخرين لم يسمع منهم أو في حديثه عنهم ضعف، وقد يكون هذا الخبر المعين خطأ لأجله لم يرو في الصحيح.

وقول -وهو أقوى مما ذكر-: (على شرط البخاري أو مسلم، أو الصحيحين)، لكن كثر اطلاقها من غير تثبت في تركيب الإسانيد، وتقصير شديد في النظر في العلل.

وكثر جدا تصحيح الأحاديث الضعيفة والمنكرة والباطلة، والاغترار بظواهر الأسانيد، مع غرور واعتداد بالنفس، والاعتراض على أئمة النقد، الذين طافوا الدنيا، ودارت الأسانيد في رؤوسهم، ممن لو زاغ نظره عن سند، أو تصحف عليه اسم راو، أو غفل عن طريق في كتاب، أو لم تخرج له في نتيجة بحث؛ لخر عليه سقف بنائه!
قناة عبدالرحمن السديس
آثار ونقول في وضع المؤذن أصبعيه في أذنيه حال الأذان
‏وضع المؤذن إصبعيه في الأذان

«قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: المؤذن يجعل أصبعيه في أذنيه؟
قال : إي والله».
«مسائله» (١٧٠) ١٢٥/١.

وقال الترمذي: «عليه العمل عند أهل العلم؛ يستحبون أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان» «الجامع» (١٩٧).

وقال ابن رجب: «أكثر العلماء على أن ذلك مستحب».
«فتح الباري» ٣٨٢/٥.
هذا مكاني!

«قال المرُّوذي: كان أبو عبد الله [الإمام أحمد] يقوم خلف الإمام، فجاء يوما، وقد تجافى الناس أن يصلي أحد في ذلك الموضع!
فاعتزل، وقام في طرف الصف.
وقال: قد نهي أن يتخذ الرجل مصلاه مثل مربض البعير».

«بدائع الفوائد» ٩٦٤/٣.
من وسائل الثبات وسهولة الواجبات👆
أكثر الاختلاف المورث للأهواء

قال ابن تيمية: «واعلم أن أكثر الاختلاف بين الأمة الذي يورث الأهواء؛ تجده من هذا الضرب، وهو:
أن يكون كل واحد من المختلفين مصيبا فيما يثبته -أو في بعضه- مخطئا في نفي ما عليه الآخر،
كما أن القارئين كل منهما كان مصيبا في القراءة بالحرف الذي علمه، مخطئا في نفي حرف غيره؛ فإن أكثر الجهل إنما يقع في النفي الذي هو الجحود والتكذيب، لا في الإثبات؛ لأن إحاطة الإنسان بما يثبته أيسر من إحاطته بما ينفيه.
ولهذا نهيت هذه الأمة أن تضرب آيات الله بعضها ببعض؛ لأن مضمون الضرب: الإيمان بإحدى الآيتين والكفر بالأخرى -إذا اعتقد أن بينهما تضادا- إذ الضدان لا يجتمعان».

«اقتضاء الصراط المستقيم» ١٤٥/١.
من آلام المحدثين!

فالطالب يرحل ويغترب من بلد لبلد ليسمع الحديث ويجمعه وقد يمكث في الغربة سنوات، وفي الطريق قد يضل أو يُسترقّ، وتنتهي نفقته، ويجوع ويمرض..
والشيخ يتكاثر عليه الطلاب من كل بلد؛ فلا يدعونه يلتفت لشأنه، ويؤذونه بكثرة القراءة والسماع والأسئلة، فيملهم ويتأذى بهم.

وهذا طرف لطيف من ذلك:

قال سلمة ‌بن ‌شبيب: «‌أتيت ‌صنعاء؛ ‌فإذا ‌عبد ‌الرزاق ‌غائب، ‌فلما ‌قدم ‌لقيته، ‌
قلت: ‌يا ‌أبا ‌بكر ‌كيف ‌أصبحت؟ ‌
قال: ‌بخير ‌ما ‌لم ‌نر ‌وجهك
»!
«تاريخ دمشق» ٧٩/٢٢.


قال ابن سعد: أخبرنا بكّار بن محمّد قال: سمعتُ ابن عون يقول: رأيتُ أنس بن مالك يقاد به دابّته لا يلقى ما ألقى أنا، لقد تركوني ما أقدر أن أخرج إلى حاجة»..

أخبرنا بكّار بن محمّد قال: قال لي ابن عون: يابن أخي قد قطعوا عليّ الطريق، ما أقدر أن أخرج لحاجة، يعني ممّا يسألونه عن الحديث.
قال بكّار: وكان لابن عون إخوانٌ يأتونه فيأذن لهم خاصةً ولا يأذن للجماعة».
«الطبقات» ٢٦١/٩.

وقال الخطيب البغدادي: «أخبرنا البرقاني، قال: أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن سيار، قال: سمعت إبراهيم بن الأصبهاني يقول: كان أبو داود الطيالسي بأصبهان، فلما أراد الرجوع أخذ يبكي!
فقالوا له: يا أبا داود: إن الرجل إذا رجع إلى أهله فرح واستبشر، وأنت تبكي؟!
فقال: إنكم لا تعلمون إلى من أرجع، إنما أرجع إلى شياطين الإنس: علي ابن المديني، وابن الشاذكوني، وابن بحر السقاء، يعني: عمرو بن علي».
«تاريخ بغداد» ٥٧/١٠.
هؤلاء من الحفاظ النقاد..

قال ابن أبي خيثمة: حدثنا إبراهيم بن بشار قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: «كان شيخ لنا يقول: وددت أن هذا العلم الذي عندي كان حمل فؤادي؛ حملته على ظهري؛ ‌فوقعت ‌فتكسر فذهب عني ذلك، مما غمه أصحاب الحديث».
«التاريخ الكبير» ٢٦٨/١

قال علي  بن المديني: «قال عبدالرحمن: أتينا أبا عوانة، فقال: من على الباب؟
فقلنا: عفان، وبهز، وحبان، فقال: هؤلاء بلاء من البلاء، قد سمعوا يريدون أن يَعرضوا».
«تاريخ بغداد» ٢٠٦/١٤.

-يعني: كانوا يسمعون الحديث من الشيخ فيكتبونه، ثم يعودون إليه لقراءة ما كتبوا عنه؛ زيادة في التثبت والضبط-

وقال يحيى بن معين: «مكثنا على باب هشام [أي: ابن يوسف في صنعاء] خمسين يوما لا يحدثنا بحديث! نذهب معه إلى باب الأمير».
«العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله» ٣٥٠/٢.

هذه لمحة ليعرف القصد، والأخبار كثيرة جدا ومتنوعة، فرحم الله أهل الحديث، وأعلى درجاتهم، وأحسب أن (آلام المحدثين في الطلب والرحلة والتعليم) لو جمعت لجاءت في مجلد ضخم، ويمكن أن تبوب بتبويبات كثيرة، فلعل الله أن ييسر له من يفعل.
من أسباب صعوبة الكتب

قال الجاحظ: «ولو أن قائلا قال لبعضنا: ما الإيجاز؟
لظننت أنّه يقول: الاختصار.
والإيجاز ليس يعنى به قلّة عدد الحروف واللفظ، وقد يكون الباب من الكلام من أتى عليه فيما يسع بطن طومار؛ فقد أوجز، وكذلك الإطالة.
وإنّما ينبغي له أن يحذف بقدر ما لا يكون سببا لإغلاقه، ولا يردّد وهو يكتفي في الإفهام بشطره، فما فضل عن المقدار فهو الخطل.

وقلت لأبي الحسن الأخفش: أنت أعلم الناس بالنّحو، فلم لا تجعل كتبك مفهومة كلها، وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم أكثرها؟
وما بالك تقدم بعض العويص وتؤخر بعض المفهوم؟!

قال: أنا رجل لم أضع كتبي هذه لله، وليست هي من كتب الدين.
ولو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه؛ قَلّت حاجاتهم إليّ فيها.
وإنما كانت غايتي المَنالة، فأنا أضع بعضها هذا الوضع المفهوم؛ لتدعوهم حلاوة ما فهموا إلى التماس فهم ما لم يفهموا، وإنما قد كسبتُ في هذا التدبير؛ إذ كنتُ إلى التكسب ذهبت.
ولكن ما بال إبراهيم النظام، وفلان وفلان، يكتبون الكتب لله بزعمهم، ثم يأخذها مثلي في مواقفته، وحسن نظره، وشدة عنايته، ولا يفهم أكثرها؟!».
«الحيوان» ٩١/١.

وقال ابن يعيش في صدر شرح «المفصل» للزمخشري: «ولا أَدعي أنه رحمه الله، أخَلَّ بذلك تقصيرًا عما أتيتُ به في هذا الكتاب؛ إذ من المعلوم أن من كان قادرًا على بلاغة الإيجاز؛ كان قادرًا على بلاغة الإطناب؛
قال الخليل بن أحمد: «من الأبواب ما لو شئنا أن نشرحه حتى يستوي فيه القوي، والضعيف؛ لفعلنا، ولكن يجب أن يكون للعالم مزية بعدنا».
«شرح المفصل» ١/ ٢.

وبعضهم لم يرزق حسن البيان والترتيب، فصارت كتبه وعرة مشوشة.

ثم شاعت الكتب المختصرة في المتأخرين في كل الفنون، وتفننوا في شدة الاختصار، واختصرت المختصرات، واستحسن ذلك أمم وأكبوا عليها، احتجوا لها بما هو مشهور، حتى أدعي أن هذا أنفع للمتعلم؛ لأنه يتعب في حلها وفهمها!

وهو غير بعيد -واقعا- من تعليل الأخفش!
فالمختصر، يحتاج لشرح، ثم قد يُشرح الشرح، وتكتب عليه الحواشي، وتكثر الاعتراضات اللفظية، وما لا نفع تحته..
وطالت بإظهار القدرة على الاستشكال والحل، والتفريع..
ثم يفعل بالمختصر الثاني كما فعل بالأول،
والثالث.. فكثرت الكتب جدا، واندثر كثير منها!

ولو بسط ابتداء وسهل؛ لكان أنفع، وقد فعِل بحمد الله في كل الفنون، وحتى المختصرات كانت في بدايتها سهلة واضحة، {ولكل وجهة هو موليها}.

والعلم من الدين، والدين يسر، وتيسير العلم لطالبه من أفضل العمل، {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر}.

وطالب العلم ينبغي أن يعرف ما يقرأ، ويتجاوز الحشو، وما لا فائدة منه.
قناة عبدالرحمن السديس
قاعدة في: أهمية أخذ الأقوال من تقرير أصحابها
.
ومن تولى نقل مذهب غيره وذكر الخلاف، فعليه أن يفعل ما يذكر هنا 👇

قال الجاحظ: «واعلم أن واضع الكتاب لا يكون بين الخصوم عدلا، ولأهل النظر مألفا، حتى يبلغ من شدة الاستقصاء لخصمه مثل الذي يبلغ لنفسه،
حتى لو لم يقرأ القارئ من كتابه إلا مقالة خصمه لخيل له أنه الذي اجتباه لنفسه، واختاره لدينه.
ولولا اتكالي على انقطاع ‌الباطل عن مدى الحق وإن استقصيته وبلغت غايته؛ ما استجزت حكايته وقمت مقام صاحبه».
«العثمانية» ص٢٨٠.

وقال: «وعندي -أبقاك الله- كتاب جامع لاختلاف الناس في أصول الفتيا، التي عليها اختلفت الفروع وتضادت الأحكام، وقد جمعت فيه جميع الدعاوى مع جميع العلل.
وليس يكون الكتاب تاما، ولحاجة الناس إليه جامعا، حتى تحتج لكل قول بما لا يصاب عند صاحبه، ولا يبلغه أهله؛ وحتى لا نرضى بكشف قناع الباطل دون تجريده، ولا بتوهينه دون إبطاله..
ولا عذر لمن كتب كتابا وقد غاب عنه خصمه، وقد تكفل بالإخبار عنه، في ترك الحيطة له، والقيام بكل ما احتمله قوله.
كما أنه لا عذر له في التقصير عن إفساد كل قول خالف عليه، وضاد مذهبه، عند من قرأ كتابه، وتفهم أَدخاله؛ لأن أقل ما يزيل عذره ويزيح علته: أن قول خصمه قد استهدف لخصمه، وأصحر للسانه ومكنه من نفسه، وسلطه على إظهار عورته؛ فإذا استراح واضع الكتاب من شغب خصمه ومداراة جليسه؛ فلم يبق إلا أن يقوى على كسر الباطل أو يعجز عنه».
«رسائله» ٣١٤/١.

وقال: «وإذا تقلدت الإخبار عن خصمك؛ فحطه كحياطتك لنفسك، فإن ذلك أبلغ في التعليم، وآيس للخصوم».
«رسائله» ٢٨٨/٣.

وقال -في الرد على النصارى-: «قد جعلنا في جواباتهم وقدمنا مسائلهم؛ بما لم يكونوا ليبلغوه لأنفسهم؛
- ليكون الدليل تاما، والجواب جامعا.
- وليعلم من قرأ هذا الكتاب، وتدبر هذا الجواب: أنا لم نغتنم عجزهم، ولم ننتهز غرتهم.

- وأن الإدلال بالحجة، والثقة بالفلج والنصرة؛ هو الذي دعانا إلى أن نخبر عنهم بما ليس عندهم، و[أن] نقول في مسألتهم بمعنى لم ينتبه له منتبه، أو يشر إليه مشير.
- وألا يوردوا فيما يستقبلون، على ضعفائنا ومن قصر نظره منا، شيئا إلا والجواب قد سلف فيهم، وألسنتهم قد مذلت به.
وسنسألهم إن شاء الله، ونجيب عنهم، ونستقصي لهم في جواباتهم، كما سألنا لهم أنفسنا، واستقصينا لهم في مسائلهم».
«رسائله» ٣٤٩/٣.

وقال: «وليس على المخبر بقصة خصمه والواصف لمذهب غيره، أن يجعل باطلهم حقا، وفاسدهم صحيحا، ولكن عليه أن يقول بقدر ما تحتمله النِّحلة، وتتسع له المقالة، وعليه ألا يحكي عن خصمه ويخبر عن مخالفه؛ إلا وأدنى منازله ألا يعجز عما بلَغوه، ولا يَغبى عما أدركوه».
«رسائله» ٥٠/٤.

وقال: «قد حكينا قول من خالفنا .. وفسرنا وجوه اختلافهم، واستقصينا جميع حججهم، إذ كان على [غير] عذرٍ [مَن] غاب عنه خصمه، وقد تكفل بالإخبار عنه في ترك الحيطة له، والقيام بحجته.
كما أنه لا عذر له في التقصير عن إفناد من يخالفه، وكشف خطاء من يضاده عند ما قرأ كتابه، وتفهم حجته؛ لأن أقل ما يزيل عذره، ويزيح علته: أن يكون قول خصمه قد استهدف لعقله، وأصحر للسانه، وقد مكنه من نفسه، وسلطه على إظهار عورته؛ فإذا استراح شغب المنازع، ومداراة المستمع؛ لم يبق إلا أن يقوى على خلافه أو يعجز عنه».
«رسائله» ٢٩٥/٤.

وقال ابن تيمية: «والناقل الذي لا غرض له؛ إما أن يحكي الأمور بالأمانة، وإما أن يعطي كل ذي حق حقه».
«منهاج السنة» ٣٦٢/٦.

وقال ابن القيم: «مع أن المنازعين في .. متناقضون، فإنهم لو كان هذا الحديث من جانبهم لقالوا: هذه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا يلتفتون إلى ما ذكروه هاهنا من تفرُّد أبي قيس.
فإذا كان الحديث مخالفًا لهم أعلّوه بتفرُّد راويه، ولم يقولوا: زيادة الثقة مقبولة، كما هو موجود في تصرفاتهم!
والإنصاف: أن تَكْتال لمنازعك بالصاع الذي تَكْتال به لنفسك، فإنّ في كلِّ شيء وفاءً وتَطْفيفًا».
«تهذيب سنن أبي داود» ١١٥/١.

وقال القاضي عبدالوهاب المالكي: «وحكى الاسفرائيني الشافعي عنا: أنا لا نُجَوّز أن نصلي الظهر عقيب الزوال حتى يصير الفيء ذراعا!
ولا أعلم هذا قولا لأحد من المسلمين، وإذا قلنا لأصحابهم: هذا ‌غلط ‌علينا لا أصل له، قالوا: لا يحكي شيخنا إلا الصواب»!
«الإشراف على نكت مسائل الخلاف» ٢٠١/١.

وقال في٥٢٧/٢: «وبعض شيوخ المخالفين يحكي هذا عنا، فإذا أوقفنا* أصحابهم عليه -وقد دونوه* في كتبهم ومسائلهم في الخلاف- قالوا: أنتم ‌تجحدون مذهبكم!
وإلى الله عز وجل الشكوى من غلبة الجهل».

* في المطبوع: (وافقنا) (دفنوه) ولعل الصواب ما أثبت هنا.