قناة عبدالرحمن السديس
24K subscribers
878 photos
231 videos
34 files
146 links
قناة علمية.
عبدالرحمن بن صالح السديس
الرياض.
‏تويتر https://x.com/assdais?t=bamsawh__YRgDV1YxYVNdQ&s=35
يوتيوب
https://youtube.com/@assdais?si=crAripvh6ZLH8bnv
Download Telegram
السنة السنة أيها الأئمة!

ثبت أن النبي ﷺ كان يوتر بـ{سبح اسم ربك الأعلى}، و{قل يا أيها الكافرون}، و{قل هو الله أحد}.
وبعض الإخوة الأئمة يكثر من تركها، ويقرأ مكانها من قصار السور، ثم لن يوفر له هذا الترك -غالبا- إلا دقيقة!
ثم يقنت قنوتا ليس قصيرا، مع أنه لم يثبت أن النبي ﷺ قنت في الوتر!
والذي ينبغي لهم أن يكونوا قدوة في فعل السنة والرغبة فيها.
وإن ترك قراءتها لئلا يظن وجوبها -مع بعده- فليكن مرة أو مرتين، ويكفيه هذا.
‏سبحان ربي الأعلى

تقال في كل أنواع السجود: سجود الصلاة، والسهو، والتلاوة، والشكر..
فهي الأصل.
وقل أيضا إن شئت ما تيسر من أذكار السجود والدعاء.

ففي مسلم أن النبي ﷺ قال: «أما السجود فاجتهدوا في الدعاء؛ فقمِن أن يستجاب لكم».

قال ابن حجر: «الاستجابة تشمل:
استجابة الداعي بإعطاء سؤله،
واستجابة المثني بتعظيم ثوابه».


«فتح الباري» ٣٠٠/٢.
جواب إشكال في إجابة الدعاء

قال الخطابي: «إن قيل فما تأويل قوله سبحانه:  {ادعوني أستجب لكم}، وهو وعد من الله جل وعز يلزم الوفاء به، ولا يجوز وقوع الخلف فيه؟

قيل: هذا مضمر فيه المشيئة؛ كقوله: {بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء}، وقد يَرد الكلام بلفظ عام مُراده خاص.
وإنما يستجاب من الدعاء ما وافق القضاء.

ومعلوم أنه لا تظهر لكل داع استجابة دعائه؛ فعلمت أنه إنما جاء في نوع خاص منه بصفة معلومة.
وقد قيل: معنى الاستجابة: أن الداعي يعوض من دعائه عوضا ما:
‏❍ فربما كان ذلك إسعافا بطلبته التي دعا لها، وذلك إذا وافق القضاء.
فإن لم يساعده القضاء،
‏❍ فإنه يعطى سكينة في نفسه، وانشراحا في صدره، وصبرا يسهل معه احتمال ثقل الواردات عليه.
وعلى كل حال؛ فلا يعدم فائدة دعائه، وهو نوع من الاستجابة».
«شأن الدعاء» ص١٢.

وسبق نشر كلام متفرق عن حِكم تأخر الإجابة من كلام ابن الجوزي في «صيد الخاطر»، وعن ابن القيم في «عدة الصابرين».
راجعه إن شئت من خلال البحث.
معنى يا ذا الجلال والإكرام

قال ابن القيم: «وقال أهل النار في النار لمعبودهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، ولم تكن تَسْويتهم لهم بالله في كونهم خَلَقُوا السماوات والأرض، أو خَلَقوْهم، أو خلقوا آباءهم،
وإنما سوُّوهم بربِّ العالمين سبحانه وتعالى في الحُبِّ لهم كما يحب الله تعالى، فإن حقيقة العبادة هي: الحبُّ والذلُّ.
وهذا هو الإجلال والإكرام
الذي وَصَفَ به نفسه سبحانه في قوله سبحانه وتعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.
وأصحُّ القولين في ذلك: أن الجلال هو التَّعظيم، والإكرام هو الحب.

وهو سِرُّ قول العبد: «لا إله إلا الله، والله أكبر»، ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد: من حديث أنس رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام» أي: الزموها والهجوا بها».

«جلاء الأفهام» ص٢٠٣.

#تفسير
تطبيق عملي من ابن القيم لاستخراج كنوز هذه الآيات وأسرارها، قال الله تعالى: ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين} الآيات.

قال ابن القيم: «ورأس مال الأمر وعموده في ذلك إنما هو: دوام التفكر وتدبر آيات القرآن، بحيث يستولي على الفكر، ويشغل القلب.

فإذا صارت معاني القرآن مكان الخواطر من قلبه وهي الغالبة عليه، بحيث يصير إليها مفزعه وملجؤه؛ تمكن حينئذ الإيمان من قلبه، وجلس على كرسيه، وصار له التصرف، وصار هو الآمر المطاع أمره؛ فحينئذ يستقيم له سيره، ويتضح له الطريق، وتراه ساكنا وهو يباري الريح: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب﴾.
فصل
فإن قلت: إنك قد أشرت إلى مقام عظيم فافتح لي بابه، واكشف لي حجابه، وكيف تدبر القرآن وتفهمه، والإشراف على عجائبه وكنوزه؟
وهذه تفاسير الأئمة بأيدينا، فهل في البين غير ما ذكروه
؟

قلت: سأضرب لك أمثالا تحتذي عليها، وتجعلها إماما لك في هذا المقصد.
قال الله تعالى: ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين . إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون . فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين . فقربه إليهم قال ألا تأكلون﴾ -إلى قوله-: ﴿الحكيم العليم﴾.

فعهدي بك إذا قرأت هذه الآيات، وتطلعت إلى معناها وتدبرتها؛ فإنما تطلع منها على أن الملائكة أتوا إبراهيم في صورة أضياف يأكلون، وبشروه بغلام عليم، وأن امرأته عجبت من ذلك؛ فأخبرتها الملائكة أن الله قال ذلك، ولم يجاوز تدبرك غير ذلك!

فاسمع الآن بعضَ ما في هذه الآيات من الأسرار.
١) وكم قد تضمنتْ من أنواع الثناء على إبراهيم؟
٢) وكيف جمعتْ آدابَ الضيافة وحقوقَها؟
٣) وكيف يُراعَى الضيفُ؟
٤) وما تضمنتْ من الرد على أهل الباطل من الفلاسفة والمعطلة.
٥) وكيف تضمنتْ عَلَمًا عظيمًا من أعلام النبوة؟
٦) وكيف تضمنتْ جميعَ صفاتِ الكمال، التي مَرَدُّها إلى العلم والحكمة؟
٧) وكيف أشارتْ إلى دليل إمكان المعاد بألطف إشارة وأوضحها، ثم أفصحتْ بوقوعه؟
٨) وكيف تضمنت الإخبارَ عن عدل الرب وانتقامه من الأمم المكذِّبة؟
٩) وتضمنتْ ذكرَ الإسلامِ والإيمانِ والفرقَ بينهما.
١٠) وتضمنتْ بقاء آيات الرب الدالة على توحيدِه، وصِدْقِ رسله، وعلى اليوم الآخر.
١١) وتضمنتْ أنه لا ينتفع بهذا كله إلا من في قلبه خوفٌ من عذاب الآخرة، وهم المؤمنون بها، وأما من لا يخاف الآخرة ولا يؤمن بها، فلا ينتفع بتلك الآيات.
فاسمع الآن بعض تفاصيل هذه الجملة..».

راجعه إن شئت في «الرسالة التبوكية» ص٧٠-٧٣.
وهي منشورة في الشبكة.

#تفسير #تدبر #بلاغة
.
تأمل هذه الآية ومناسبتها

قال أبو السعود: «ولعل توسيط الآية الكريمة بطريق الاعتراض بين ما سبق وما لحق من أحوال الرياح وأحكامها؛ لإنذار الكفرة وتحذيرهم عن الإخلال بمواجب الشكر المطلوب، بقوله تعالى: {لعلكم تشكرون} بمقابلة النعم المعدودة المنوطة بإرسالها؛ كيلا يحل بهم مثل ماحل بأولئك الأمم من الانتقام».

#تدبر #بلاغة
الإيثار المحمود والمذموم

قال ابن القيم: «الإيثار المحمود الذي أثنى الله على فاعله الإيثار بالدنيا، لا بالوقت والدين وما يعود بصلاح القلب.
قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

فأخبر تعالى أنَّ إيثارهم إنَّما هو بالشيء الذي إذا وُقِي الرجلُ الشحَّ به كان من المفلحين.
وهذا إنَّما هو فضول الدنيا، لا الأوقات المصروفة في الطاعات؛ فإنَّ الفلاح كلّ الفلاح في الشحّ بها.
فمن لم يكن شحيحًا بوقته تركه الناس على الأرض عريانا مفلسًا؛ فالشح بالوقت هو عمارة القلب وحفظ رأس ماله.
وممَّا يدلُّ على هذا أنَّه سبحانه أمر بالمسابقة في أعمال البرّ، والتنافس فيها، والمبادرة إليها؛ وهذا ضدّ الإيثار بها».

«طريق الهجرتين» ٦٤٨/٢.

#تفسير #تدبر
ما معنى قوله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين}؟

قال ابن القيم: «أحسن ما قيل في تفسيرها:
«إنما يتقبل عمل من اتقاه في ذلك العمل، بأن يكون:
‏❍ لوجهه تعالى
‏❍ على موافقة أمره».

«مفتاح دار السعادة» ٢٢٩/١.

تفصيل:
قال ابن تيمية: «والناس لهم في هذه الآية -وهي قوله تعالى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾- ثلاثة أقوال: طرفان ووسط.
فالخوارج والمعتزلة يقولون: لا يتقبل الله إلا ممن اتقى الكبائر.
وعندهم صاحب الكبيرة لا يقبل منه حسنة بحال.
والمرجئة يقولون: من اتقى الشرك.
والسلف والأئمة يقولون: لا يتقبل إلا ممن اتقاه في ذلك العمل؛
‏❍ ففعله كما أمر به،
‏❍ خالصا لوجه الله تعالى.

قال الفضيل بن عياض -في قوله تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾- قال: أخلصه وأصوبه.
قيل: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟
قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا؛ لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا.
والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.
‏❍ فصاحب الكبائر إذا اتقى الله في عمل من الأعمال؛ تقبل الله منه.
‏❍ ومن هو أفضل منه إذا لم يتق الله في عمل؛ لم يتقبله منه، وإنْ تقبل منه عملا آخر».

«منهاج السنة» ٢١٦/٦.

#تفسير
قناة عبدالرحمن السديس
.
اعرف ما تحسن وقف عنده.
‏الدين والسياسة والطب
هي أكثر علوم يُتطفل عليها، ويتكلم فيها أكثر الناس بغاية الاستسهال، ويخوضون في تفاصيلها ودقائقها ونوازلها، ومآلات أحوالها بكل جرأة!

فإن كان لك حاجة بالعافية؛ فأعرض عن كل من تكلم في غير فنه، ولا تمكنه من أذنك، واجعل ما يقول دَبرها.

#غثاء #تعالم
ما معنى {فسلام لك من أصحاب اليمين}؟

قال ابن القيم «وأما قوله تعالى: ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين . فسلام لك من أصحاب اليمين﴾؛ فأكثر المفسرين حاموا حول المعنى وما وردوه، وقالوا أقوالا لا يخفى بعدها عن المقصود!

وإنما معنى الآية -والله أعلم-: فسلام لك أيها الراحل عن الدنيا حال كونك من أصحاب اليمين، أي: فسلامه لك كائنا من أصحاب اليمين، الذين سلموا من الدنيا وأنكادها، ومن النار وعذابها.
فبشر بالسلامة عند ارتحاله من الدنيا، وقدومه على الله تعالى، كما يبشر الملَكُ روحه عند أخذها بقوله: «أبشري بروح وريحان ورب غير غضبان»، وهذا أول البشرى التي للمؤمن في الآخرة».

«حادي الأرواح» ١٩٥/١.

وقال: «وأما قوله تعالى: ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين . فسلام لك من أصحاب اليمين}؛ فليس هذا بسلام تحية، ولو كان تحية لقال: «فسلام عليه»، كما قال: ﴿سلام على إبراهيم} ﴿سلام على نوح﴾.
ولكن الآية تضمنت ذكر مراتب الناس وأقسامهم عند القيامة الصغرى حال القدوم على الله، فذكر أنهم ثلاثة أقسام:
مقرب له الروح والريحان وجنة النعيم.
ومقتصد من أصحاب اليمين له السلامة؛ فوعده بالسلامة.
ووعد المقرب بالغنيمة والفوز، وإن كان كل واحد منهما سالما غانما.
وظالم بتكذيبه وضلاله؛ فأوعده بنزل من حميم وتصلية جحيم.
فلما لم يكن المقام مقام تحية، وإنما هو مقام إخبار عن حاله؛ ذكر ما يحصل له من السلامة.

فإن قيل: فهذا فرق صحيح؛ لكن ما معنى اللام في قوله: {لك}، ومن هو المخاطب بهذا الخطاب؛ وما معنى حرف {من} في قوله: {من أصحاب اليمين}؟
فهذه ثلاثة أسئلة في الآية.
قيل: قد وفينا -بحمد الله- بذكر الفرق بين هذا السلام في الآية وبين سلام التحية -وهو الذي كان المقصود-، وهذه الأسئلة وإن كانت متعلقة بالآية فهي خارجة عن مقصودنا.
ولكن نجيب عنها إكمالا للفائدة بحول الله وقوته وإن كنا لم نر أحدا من المفسرين شفى في هذا الموضع الغليل، ولا كشف حقيقة المعنى واللفظ، بل منهم من يقول: المعنى: فمسلم لك إنك من أصحاب اليمين.
ومنهم من يقول غير ذلك، مما هو حوم على معناها من غير ورود.
فاعلم أن المدعو به من الخير والشر مضاف إلى صاحبه بلام الإضافة الدالة على حصوله له.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أولئك لهم اللعنة﴾، ولم يقل: «عليهم اللعنة» إيذانا بحصول معناها وثبوته لهم، وكذلك قوله: ﴿ولكم الويل مما تصفون﴾.
ويقول في ضد هذا: لك الرحمة، ولك التحية، ولك السلام، ومنه هذه الآية: ﴿فسلام لك﴾، أي: ثبت لك السلام وحصل لك.

وعلى هذا؛ فالخطاب لكل من هو من هذا الضرب، فهو خطاب للجنس، أي: فسلام لك يا من هو من أصحاب اليمين، كما تقول: هنيئا لك يا من هو منهم.
ولهذا -والله أعلم- أتى بحرف «من» في قوله: ﴿من أصحاب اليمين﴾، والجار والمجرور في موضع حال، أي: سلام لك كائنا من أصحاب اليمين، كما تقول: هنيئا لك من اتباع رسول الله وحزبه أي: كائنا منهم، والجار والمجرور بعد المعرفة ينتصب على الحال، كما تقول: أحببتك من أهل الدين والعلم، أي: كائنا منهم.
فهذا معنى هذه الآية، وهو وإن خلت عنه كتب أهل التفسير؛ فقد حام عليه منهم من حام، وما ورد ولا كشف المعنى ولا أوضحه، فراجع ما قالوه، والله الموفق المان بفضله».

«بدائع الفوائد» ٦١٩/٢.

#تفسير #تدبر
﴿يوم التغابن﴾

«اشتر نفسك اليوم؛ فإن السوق قائمة، والثمن موجود، والبضائع رخيصة، وسيأتي على تلك السوق والبضائع يوم لا تصل فيه إلى قليل ولا كثير، ﴿ذلك يوم التغابن﴾، ﴿ويوم يعض الظالم على يديه﴾».

«الفوائد» لابن القيم ص٦٤.
استحضر ذنوبك وتقصيرك

قال ابن القيم: «إذا شهد ذنوبَه ومعاصيه وتفريطه في حقِّ ربِّه استَكثر القليلَ من نِعَم ربِّه عليه -ولا قليلَ منه- لعلمه بأنَّ الواصل إليه منها كثيرٌ على مسيءٍ مثله، واستقلَّ الكثير من عمله لعلمه بأنَّ الذي ينبغي أن يغسل به نجاستَه وأوضارَه وأوساخَه أضعافُ ما يأتي به؛ فهو دائمًا مستقلٌّ لعمله كائنًا ما كان، مستكثرٌ لنعمة الله عليه وإن دقَّت.

وقد تقدَّم التنبيهُ على هذا الوجه، وهو من ألطف الوجوه، فعليك بمراعاته، فله تأثيرٌ عجيب. ولو لم يكن في فوائد الذَّنب إلا هذا لكفى به.

فأين حالُ هذا مِنْ حال من لا يرى لله عليه نعمةً إلا ويرى أنه كان ينبغي أن يُعطى ما هو فوقها وأجلَّ منها، وأنه لا يَقْدِرُ أن يتكلَّم!
وكيف يعاندُ القَدَر وهو مظلومٌ مع الرَّبِّ لا يُنصِفُه ولا يعطيه مرتبتَه!
بل هو مُغرًى بمعاندته لفضله وكماله!
وأنه كان ينبغي له أن ينال الثُّريَّا ويطأ بأخمصه هنالك، ولكنَّه مظلومٌ مَبْخوسُ الحظِّ؟!

وهذا الضَّربُ من أبغض الخلق إلى الله، وأشدِّهم مقتًا عنده.
وحكمةُ الله تقتضي أنهم لا يزالون في سَفَال، فهم بين تعتُّبٍ على الخالق، وشكوى له، وذلٍّ لخلقه، وحاجةٍ إليهم، وخدمةٍ لهم.
أشغلُ النَّاس قلوبًا بأرباب الولايات والمناصب،
ينتظرون ما يقذفون به إليهم من عظامهم وغُسَالة أيديهم وأوانيهم.

وأفرغُ النَّاس قلوبًا عن معاملة الله، والانقطاع إليه، والتلذُّذ بمناجاته، والطُّمأنينة بذكره، وقُرَّة العين بخشيته، والرِّضا به.
فعياذًا بالله من زوال نعمته، وتحوُّل عافيته، وفجأة نقمته، ومن جميع سخطه».

«مفتاح دار السعادة» ٨٣٣/٢.
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.

من حِكم الأثرة على أهل الإيثار

قال ابن القيم: «قال النبي ﷺ للأنصار: «إنّكم ستَلْقَون بعدي أَثَرةً، فاصبروا حتّى تَلْقَوني على الحوض».
والأنصار هم الذين وصفهم الله بالإيثار في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
فوصفهم بأعلى مراتب السّخاء، وكان ذلك فيهم معروفًا..
فتأمّلْ سرَّ التّقدير، حيث قدَّر الحكيم الخبير سبحانَه استئثارَ النّاس على الأنصار بالدُّنيا -وهم أهل الإيثار-؛ ليجازِيَهم على إيثارهم في الدُّنيا على نفوسهم بالمنازل العالية في جنّاتِ عدنٍ على النّاس، فيظهر حينئذٍ فضيلةُ إيثارهم ودرجتُه، ويَغْبِطُهم من استأثر عليهم بالدُّنيا أعظمَ غِبْطةٍ.
وذلك فضلُ الله يُؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
فإذا رأيتَ النّاس يستأثرون عليك -مع كونك من أهل الإيثار-؛ فاعلَمْ أنّه لخيرٍ يُراد بك».

«مدارج السالكين» ٤/٣-٥.


#تدبر #تفسير
{ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ◯ جنات عدن يدخلونها} الآية.

قال ابن القيم: «وأمَّا السابقون بالخيرات فهم نوعان: أبرار ومقرَّبون.
وهؤلاء الأصناف الثلاثة هم أهل اليمين؛ وهم: المقتصدون، والأبرار، والمقرَّبون.

وأمَّا الظالم لنفسه؛ فليسَ من أصحاب اليمين عند الإطلاق، وإن كان مآله إلى أصحاب اليمين، كما أنَّه لا يسمَّى مؤمنًا عند الإطلاق وإن كان مصيره ومآله مصير المؤمنين بعد أخذ الحق منه.

وقد اختُلِف في قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ الآية،
هل ذلك راجعٌ إلى الأصناف الثلاثة: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات؛ أو يختص بالقسمَين الأخيرين، وهما: المقتصد، والسابق، دون الظالم؛ على قولين..
-ثم سرد حججا للقولين ثم قال في أثناء ذلك-
ونكتةُ المسألة أنَّ الاصطفاء والولاية والصديقيّة وكون الرجل من الأبرار والمتّقين، ونحو ذلك كلها مراتب تقبل التجزّي والانقسام والكمال والنقصان، كما هو ثابتٌ باتفاق السلف في أصل الإيمان.
وعلى هذا فيكون هذا القسم مصطفًى من وجه، ظالمًا لنفسه من وجه آخر.
وظلم النفس نوعان: نوعٌ لا يبقى معه شيء من الإيمان والولاية والاصطفاء، وهو ظلمها بالشرك والكفر.
ونوع يبقى معه حصَّةٌ من الإيمان والاصطفاء والولاية، وهو ظلمها بالمعاصي، وهو درجات متفاوتة في القدرِ والوصف.
فهذا التفصيل يكشف قناع المسألة ويزيل إشكالها بحمد الله».

وقد أطال في الاحتجاج للقولين، ولعلك لا تجد مثله في كتب التفسير.

«طريق الهجرتين» ٤٠٧/١-٤٤١.

#تدبر #تفسير
تأمل قول الله تبارك وتعالى: {ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل} [الأنعام].
وقوله: {ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} [غافر].

«للسائل أن يسأل فيقول:
لماذا قدم في سورة الأنعام: {لا إله إلا هو على قوله: {خالق كل شيء}، وقدم في سورة المؤمن[غافر]: {خالق كل شيء}، على قوله تعالى: {لا إله إلا هو}؟

والجواب أن يقال: لأن ما في هذه السورة جاء بعد قوله تعالى: {وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم}، فلما قال: {ذلكم الله ربكم}، أتى بعده بما يدفع قول من جعل لله شريكا، فقال: {لا إله إلا هو}، ثم قال: {خالق كل شيء}.

وفي سورة المؤمن جاء هذا بعد قوله تعالى: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون}، فكان الكلام على تثبيت خلق الإنسان، لا على نفي الشريك عنه هنا، كما كان في الآية الأولى، فكان تقديم {خالق كل شيء} هاهنا أولى. والله أعلم».

«درة التنزيل وغرة التأويل» ٥٣٥/٢.

#تدبر #بلاغة
{يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون}.

تأمل مشهد هؤلاء المنافقين، الذين اعتادوا على الكذب والحلف عليه، حتى تمادى بهم الحال أن يحلفوا كذبا لرب العالمين!
وأنت تراهم اليوم كيف يجاهرون به ولا يستحيون منه، حتى لازموه فما ينفكون عنه، فيصبح ويمسي ناشرا له!

ثم احمد الله على الدين والعقل والمروءة.

لي حيلة فيمن ينُم .. وليس في الكذاب حيلة
من كان يكذب ما يريـ .. ـد فحيلتي فيه قليلة.
وقد سبقه بهذه الفائدة👆 السهيلي رحمه الله، فقال في كتابه «التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام» ص٢١٩:

«وقد قيل: لم يكن [من] مدين، وظاهر القرآن أنه منهم، لقوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدينَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [هود: ٨٤] .

فإن قلت: إن أصحاب الأيكة هم مدين، وهم الذين أصابهم عذاب يوم الظلة وقد قال الله عز وجل فيهم {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} [الشعراء: ۱۷۷]، ولم يقل أخوهم شعيب،
فالحكمة في ذلك، أنه لما عرفهم بالنسب، وهو أحدهم في ذلك النسب= قال أخوهم، فلما عرفهم بالأيكة التي أصابهم فيها العذاب= لم يقل أخوهم، وأخرجه عنهم، فافهم ذلك».
لطيفة بلاغية في اختلاف الوصف في قوله تعالى: ‏{وذا النون إذ ذهب}، {ولا تكن كصاحب الحوت}.

قال أبو القاسم السهيلي في «التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء والأعلام» ص٣٢٤:
«وقوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ}[الأنبياء:87] الآية.
هو  يونس بن متى أضافه هنا إلى النون وهو الحوت.
وقد قال في سورة (ن والقلم): ﴿وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم: ٤٨].
فسماه هنالك صاحب الحوت، وسماه هنا (ذا النون)، والمعنى واحد، ولكن بين اللفظتين تفاوت كثير في حسن الإشارة إلى الحالتين، وتنزيل الكلام في الموضعين. 
فإنَّه حين ذكره في موضع الثناء عليه قال: {ذا النون}، ولم يقل صاحب النون، والإضافة بـ (ذو) أشرف من الإضافة بصاحب؛ لأن قولك (ذو) يضاف إلى التابع، وصاحب يضاف إلى المتبوع، تقول: أبو هريرة صاحب النبي ﷺ، ولا تقول: النبي ﷺ صاحب أبي هريرة، إلا على جهة ما.

وأما (ذو) فإنّك تقول فيها: ذُو المَالِ، وذُو العَرْشِ، فتجد الاسم للاسم الأول متبوعا غير تابع، ولذلك تسمت أقيال حمير بالأذواء؛ نحو قولهم: ذو جدن، وذو يزن، وذو رعين، وذو عمرو، وذو کلاع.
وفي الإسلام أيضًا ذو العين، وذو الشهادتين، وذو الشمالين، وذو اليدين، وفي العرب ذو الجدين، وذو الرياستين، وهذا كله تفخيم للمسمى بهذا، وليس ذلك في لفظ صاحب.
وإنما فيه تعريف لا يقترن به شيء من هذا المعنى، ثُمَّ أضاف في هذه الآية إلى النون وهو الحوت، ولكن لفظ النون أشرف لوجود هذا الاسم في حروف التهجي في أوائل السور، نحو (ن والقلم).

وقد قيل: إن هذا قسم بالنون والقلم، وإن لم يكن قسمًا= فقد عظمه بعطف المقسم به عليه، وهو القلم، وهذا الاشتراك يُشَرِّفُ هذا الاسم، وليس في الاسم الآخر -وهو الحوت- ما يشرفه،
كذلك فالتفت إلى تنزيل الكلام في الآيتين يلح لك ما أشرنا إليه في هذا الغرض، فإنّ التدبر لإعجاز القرآن واجب ومفترض».