وامضِ قرير العين، قارّ القلب، واستغرق في رحابات الرضا: لأنك تجيء كلك، وتثمّن عزيزك، وتضع حوزتك الكاملة، وتركيزك المطلق باتجاهٍ واحد. وتظل إلى أطراف الود، ونهايات القرب، وبقيّة الحوار. وتنصبّ بالتزامك لآخر نقطة وصل. ولأن روحك وثّابة للنور فلا تتسلّل إليك قتامة، ولا تُرهبك المشارق.
دانيا الغامدي.
دانيا الغامدي.
حين نستبدل مصطلحات إسلامية أصيلة مثل البركة بالوفرة، والشكر بالامتنان، والرضا بالقبول، فإننا لا نقوم بتغيير سطحي في الألفاظ، بل نُحدث تحولًا عميقًا في الرؤية التي نُفسر بها العالم والوجود. المصطلحات الإسلامية ليست كلمات مجردة، بل مفاهيم متجذرة في رؤية توحيدية تجعل العلاقة بين الإنسان والخالق محورًا لكل شيء، فالبركة لا تعني مجرد الكثرة المادية، بل الخير الإلهي الذي يجعل القليل نافعًا ومثمرًا، متجاوزًا حدود الكم إلى الكيف، أما الوفرة فهي مفهوم مادي بحت، يُقاس بالكمية ويُغفل القيمة الأعمق للعطاء الإلهي. كذلك الشكر عبادة تربط النعمة بالمنعِم، وتُعبر عن وعي الإنسان بعجزه أمام مصدر النعمة الحقيقي، أما الامتنان في الأدبيات الحديثة، شعور ذاتي قد ينفصل عن الله، ويركز على الظرف أو الذات في إطار مادي أو نفسي. وأخيرًا فإن الرضا مقام إيماني يعكس التسليم لحكمة الله عن صبر وحب واحتساب للأجر، بينما القبول في سياقه الحديث قد يشير إلى التكيف مع الواقع دون أي بُعد توحيدي. هذا الاستبدال ليس عفويًا، بل جزء من هيمنة النموذج المادي الغربي، الذي يُعيد صياغة اللغة لتُعبر عن رؤيته للعالم بوصفه فضاءً ماديًا منفصلًا عن القيم الروحية حيث يُختزل الإنسان إلى مكونات مادية، وتُفهم النعمة بمنطق النفعية والكثرة، وليس بمنطق الخير الإلهي.
_صالح التويجري.
_صالح التويجري.
ما أرى ربك إلا يسارع في هواك.
تقول عائشة، زوجة النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم».
وهب المرأة نفسها يعني أن تعرض نفسها للزواج من الرجل، وقد ورد في القرآن حكم خاص بالنبي في هذا الشأن.
تقول عائشة، مستغربةً ومحاطةً بالغيرة: «أَتَهَبُ المرأةُ نفسَها؟». ثم نزل قوله تعالى:
﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: 51].
فقالت عائشة: «ما أرى ربك إلا يسارع في هواك»، وفي بعض الروايات: «والله ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك».
هذه الحادثة تكشف لنا جانبًا لافتًا من شخصية عائشة؛ امرأة لم يمنعها موقعها من التعبير عن غيرتها، ولم يمنعها مقام النبي من إبداء رأيها بصراحة وجرأة. نحن أمام امرأة عاشت في زمن كانت فيه أدوار النساء محكومة بقيود اجتماعية ودينية، ومع ذلك امتلكت صوتًا وحضورًا يستحقان التأمل.
ولم تكن هذه الحادثة الوحيدة التي أظهرت فيها عائشة استقلال رأيها.
فحينما ورد الحديث الذي يذكر أن صلاة الرجل يقطعها مرور الكلب والحمار والمرأة، اعترضت عائشة على هذا الفهم، وقالت إنها كانت تضطجع أمام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فإذا احتاجت إلى القيام انسلت من عند رجليه. وفي رواية أخرى، عبّرت عن استيائها بقولها: «لقد جعلتمونا كلابًا!».
هنا لا نرى مجرد امرأة تنقل ما سمعت، بل نرى شخصية تناقش الروايات وتعارض ما لا تراه مطابقًا لما عاينته بنفسها. لقد كانت تجربتها الشخصية، في بعض المواقف، أساسًا لمراجعة ما يُروى وفهمه.
وفي حادثة أخرى، حين دخل بعض اليهود على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: «السام عليكم»، أي الموت عليكم، ردّ النبي بقوله: «وعليكم». أما عائشة، فردّت عليهم بحدة، فقالت: «عليكم السام واللعنة».
سواء اتفقنا مع مواقفها أم اختلفنا معها، فإننا أمام شخصية لم تكن تفتقر إلى الجرأة في التعبير عن رأيها، ولم تكن تحصر حضورها في الصمت أو التلقي.
وامتد حضور عائشة إلى المجال السياسي أيضًا؛ فقد خرجت في معركة الجمل، في سياق الصراع الذي أعقب مقتل عثمان بن عفان والمطالبة بالقصاص من قتلته. وقد ارتبط اسم المعركة بالجمل الذي كانت على ظهره، والذي أصبح محورًا لتجمع الجنود خلال القتال.
وهنا تظهر لنا عائشة في صورة مختلفة: ليست فقط زوجة النبي أو راوية الحديث، بل امرأة دخلت ميدان السياسة في مرحلة مضطربة من التاريخ الإسلامي، وأصبحت جزءًا من أحداث تركت أثرًا عميقًا في مسار الأمة.
أما في العلم، فقد كان لها شأن كبير. نقلت الأحاديث، وأجابت عن الأسئلة، وعلّمت الناس الفقه، حتى غدت مرجعًا علميًا يُرجع إليه الصحابة والتابعون. وقد كان الرجال يقصدونها للتعلم، وتجيبهم من وراء الحجاب.
لقد امتلكت عائشة سلطة لم تأتِ من منصب سياسي رسمي أو عرش ملكي، بل من المعرفة والذاكرة والقدرة على التأثير في فهم النصوص الدينية ونقلها إلى الأجيال اللاحقة.
وهنا تكمن أهمية هذه الشخصية بالنسبة إلينا اليوم.
إن قوة عائشة وحضورها العلمي والاجتماعي والسياسي يجعلانها شخصية بارزة في التاريخ الإسلامي والعربي. ولو اطّلعت الحركات النسوية المعاصرة على جوانب من سيرتها، لوجدت فيها مادة غنية للنقاش حول المرأة والسلطة والمعرفة، وربما رأت في بعض مواقفها نموذجًا يستحق التأمل.
لكن ذلك لا يعني أن نسقط عليها مفاهيم عصرنا، أو أن نحوّلها إلى رمز مثالي للحرية بمقاييس اليوم. فالتاريخ أكثر تعقيدًا من أن نختزل شخصياته في تصنيفاتنا الحديثة، كما أن تاريخ النساء أكثر ثراءً من الصور التي تحصرهن في الطاعة أو الهامش.
لم تكن عائشة مجرد زوجة لنبي أو راوية للأحاديث، بل كانت شخصية ذات حضور علمي وسياسي واجتماعي ترك أثرًا عميقًا في التاريخ الإسلامي. نقلت، وناقشت، واعترضت، وعلّمت، ودخلت ميدان السياسة في مرحلة كانت فيها السلطة الدينية والسياسية تتشكل من جديد.
لم تكن ملكة على عرش، لكنها امتلكت نوعًا آخر من السلطة: سلطة المعرفة، والذاكرة، والتأثير في أجيال جاءت بعدها.
ولعلنا، حين نتحدث عن القوة النسوية والثورة، بحاجة إلى النظر في التاريخ بعين أكثر اتساعًا؛ لا لنبحث عن نساء يشبهن تصوراتنا المعاصرة تمامًا، بل لنكتشف أشكال القوة التي امتلكتها النساء في عصورهن، وكيف مارسنها، وما الحدود التي واجهنها.
عزيزتي، إذا كنت تبحثين عن امرأة تستحق التأمل في تاريخ القوة والمعرفة والحضور العام، فاقرئي سيرة عائشة. لم تكن ملكة بالمعنى السياسي، لكنها امتلكت من الحضور والتأثير ما يجعل استعارة التاج لها مفهومة.
فليست كل ملكة تجلس على عرش؛ بعض الملكات يصنعن مكانتهن بالكلمة والمعرفة، ويتركن أثرًا يتجاوز زمنهن.
— لويس الأرجواني.
تقول عائشة، زوجة النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم».
وهب المرأة نفسها يعني أن تعرض نفسها للزواج من الرجل، وقد ورد في القرآن حكم خاص بالنبي في هذا الشأن.
تقول عائشة، مستغربةً ومحاطةً بالغيرة: «أَتَهَبُ المرأةُ نفسَها؟». ثم نزل قوله تعالى:
﴿تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: 51].
فقالت عائشة: «ما أرى ربك إلا يسارع في هواك»، وفي بعض الروايات: «والله ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك».
هذه الحادثة تكشف لنا جانبًا لافتًا من شخصية عائشة؛ امرأة لم يمنعها موقعها من التعبير عن غيرتها، ولم يمنعها مقام النبي من إبداء رأيها بصراحة وجرأة. نحن أمام امرأة عاشت في زمن كانت فيه أدوار النساء محكومة بقيود اجتماعية ودينية، ومع ذلك امتلكت صوتًا وحضورًا يستحقان التأمل.
ولم تكن هذه الحادثة الوحيدة التي أظهرت فيها عائشة استقلال رأيها.
فحينما ورد الحديث الذي يذكر أن صلاة الرجل يقطعها مرور الكلب والحمار والمرأة، اعترضت عائشة على هذا الفهم، وقالت إنها كانت تضطجع أمام النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فإذا احتاجت إلى القيام انسلت من عند رجليه. وفي رواية أخرى، عبّرت عن استيائها بقولها: «لقد جعلتمونا كلابًا!».
هنا لا نرى مجرد امرأة تنقل ما سمعت، بل نرى شخصية تناقش الروايات وتعارض ما لا تراه مطابقًا لما عاينته بنفسها. لقد كانت تجربتها الشخصية، في بعض المواقف، أساسًا لمراجعة ما يُروى وفهمه.
وفي حادثة أخرى، حين دخل بعض اليهود على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: «السام عليكم»، أي الموت عليكم، ردّ النبي بقوله: «وعليكم». أما عائشة، فردّت عليهم بحدة، فقالت: «عليكم السام واللعنة».
سواء اتفقنا مع مواقفها أم اختلفنا معها، فإننا أمام شخصية لم تكن تفتقر إلى الجرأة في التعبير عن رأيها، ولم تكن تحصر حضورها في الصمت أو التلقي.
وامتد حضور عائشة إلى المجال السياسي أيضًا؛ فقد خرجت في معركة الجمل، في سياق الصراع الذي أعقب مقتل عثمان بن عفان والمطالبة بالقصاص من قتلته. وقد ارتبط اسم المعركة بالجمل الذي كانت على ظهره، والذي أصبح محورًا لتجمع الجنود خلال القتال.
وهنا تظهر لنا عائشة في صورة مختلفة: ليست فقط زوجة النبي أو راوية الحديث، بل امرأة دخلت ميدان السياسة في مرحلة مضطربة من التاريخ الإسلامي، وأصبحت جزءًا من أحداث تركت أثرًا عميقًا في مسار الأمة.
أما في العلم، فقد كان لها شأن كبير. نقلت الأحاديث، وأجابت عن الأسئلة، وعلّمت الناس الفقه، حتى غدت مرجعًا علميًا يُرجع إليه الصحابة والتابعون. وقد كان الرجال يقصدونها للتعلم، وتجيبهم من وراء الحجاب.
لقد امتلكت عائشة سلطة لم تأتِ من منصب سياسي رسمي أو عرش ملكي، بل من المعرفة والذاكرة والقدرة على التأثير في فهم النصوص الدينية ونقلها إلى الأجيال اللاحقة.
وهنا تكمن أهمية هذه الشخصية بالنسبة إلينا اليوم.
إن قوة عائشة وحضورها العلمي والاجتماعي والسياسي يجعلانها شخصية بارزة في التاريخ الإسلامي والعربي. ولو اطّلعت الحركات النسوية المعاصرة على جوانب من سيرتها، لوجدت فيها مادة غنية للنقاش حول المرأة والسلطة والمعرفة، وربما رأت في بعض مواقفها نموذجًا يستحق التأمل.
لكن ذلك لا يعني أن نسقط عليها مفاهيم عصرنا، أو أن نحوّلها إلى رمز مثالي للحرية بمقاييس اليوم. فالتاريخ أكثر تعقيدًا من أن نختزل شخصياته في تصنيفاتنا الحديثة، كما أن تاريخ النساء أكثر ثراءً من الصور التي تحصرهن في الطاعة أو الهامش.
لم تكن عائشة مجرد زوجة لنبي أو راوية للأحاديث، بل كانت شخصية ذات حضور علمي وسياسي واجتماعي ترك أثرًا عميقًا في التاريخ الإسلامي. نقلت، وناقشت، واعترضت، وعلّمت، ودخلت ميدان السياسة في مرحلة كانت فيها السلطة الدينية والسياسية تتشكل من جديد.
لم تكن ملكة على عرش، لكنها امتلكت نوعًا آخر من السلطة: سلطة المعرفة، والذاكرة، والتأثير في أجيال جاءت بعدها.
ولعلنا، حين نتحدث عن القوة النسوية والثورة، بحاجة إلى النظر في التاريخ بعين أكثر اتساعًا؛ لا لنبحث عن نساء يشبهن تصوراتنا المعاصرة تمامًا، بل لنكتشف أشكال القوة التي امتلكتها النساء في عصورهن، وكيف مارسنها، وما الحدود التي واجهنها.
عزيزتي، إذا كنت تبحثين عن امرأة تستحق التأمل في تاريخ القوة والمعرفة والحضور العام، فاقرئي سيرة عائشة. لم تكن ملكة بالمعنى السياسي، لكنها امتلكت من الحضور والتأثير ما يجعل استعارة التاج لها مفهومة.
فليست كل ملكة تجلس على عرش؛ بعض الملكات يصنعن مكانتهن بالكلمة والمعرفة، ويتركن أثرًا يتجاوز زمنهن.
— لويس الأرجواني.
أنت لا تعمل لِيُقاد الآخرون لَك، لِيَكثُر العدد من حولك، ليهتف النّاس باسمك، لتُذكَر في كلّ مجلس، ليُقال عنك وغرسك! أنت تعمل لله؛ والعمل لله ليس فيه أدوار بطولة، تغرس ولو لَم يُصَفّق لجُهدك أحد، تُكمِل ولو كنت في الطريق وحدك.
_قصي عاصم العسيلي.
_قصي عاصم العسيلي.
أزعجتني العصافير
وتسألني في القطارِ الذي يقطعُ الليلَ
سيدةٌ قابَلَتْنِي
: أليسَ لك اسمٌ؟
فيذهبُ بي صوتُهَا في السؤالِ
فهلْ كلَّمَتْنِي؟!
وهل كانتِ الأرضُ تُطوى
أَمْ الريحُ صَوْبَ نهاياتِهَا صَوَّبَتْنِي؟
أقولُ: ولا شَغَفٌ بالطريقِ،
ولا قلتُ إنَّ السما أعجبتني.
أأَزْعَجَكَ العابرونَ؟
: نعمْ
والعصافيرُ في عُشِّهَا أزعجتني
ولا شيءَ مما أرى
يلمسُ الروحَ
لا صَخَبُ البحرِ فوقَ الشطوطِ،
ولا صورةُ القمرِ المستكينْ
سأنفضُ كفيَّ من كلِّ شيءٍ
وأغسلُ قلبي من الآخرينْ
دَمِي
لشحوبِ المصابيحِ في الشارعِ الجانبيِّ
دمي للغروبِ الحزينْ
دمي للندى في خيالِ الحديقةِ
أما الحنينْ!
فللنارِ تأكلُهُ،
أو لأربابهِ العاشقينْ
وأما الطريقُ.. فللضائعينْ
وأما أنا
فأنا في مواجهةِ الكلِّ وحدي!
أنا ضدُّ كلِّ السلالاتِ،
ضدُّ خطى البشريةِ قبلي،
وبعدي،
وضدي،
وضدُّ ملامحِ وجهي،
ورائحتي،
وكلامي…
وليسَ أمامي سوى ما يُعكِّرُ صَفْوِي،
وما يحجبُ الشمسَ عني
فماذا تريدونَ مني؟!
لَكُمْ أتركُ الأرضَ مائدةً للسكارى
ووحشًا تروِّضُهُ آلةُ الحربِ والتكنولوجيا
وأتركُ لونَ الفراشاتِ للكاميرات
وأتركُ ليلَ المدينةِ للغرباءْ
سأعملُ في آخرِ الرملِ
حارسَ أزمنةٍ من زجاجٍ
وأختارُ من حكمةِ الظلِّ
أن أتقمَّصَ دورَ الصدى
في كهوفِ النداءْ
سأعملُ في أزرقِ البحرِ
أحملُ لونَ السماءْ
وأقرأُ سيرتَهَا في البكاءْ
كأني تعبتُ من الأرضِ،
واستبقتني خطايَ إلى آخرِ الطرقاتِ،
فماذا على جسدي غيرُ أن يتناثرَ كالثلجِ
تحتَ عيونِ النوافذِ،
أو يتكوَّرَ في حِجْرِ سيدةٍ،
أو يسيلَ دما؟!
ستصطادُنِي نجمةٌ
في سكونِ القرى،
نجمةٌ لا تُرى
في الطريقِ إلى البيتِ
تصطادُني ربما...
_حسن عامر.
وتسألني في القطارِ الذي يقطعُ الليلَ
سيدةٌ قابَلَتْنِي
: أليسَ لك اسمٌ؟
فيذهبُ بي صوتُهَا في السؤالِ
فهلْ كلَّمَتْنِي؟!
وهل كانتِ الأرضُ تُطوى
أَمْ الريحُ صَوْبَ نهاياتِهَا صَوَّبَتْنِي؟
أقولُ: ولا شَغَفٌ بالطريقِ،
ولا قلتُ إنَّ السما أعجبتني.
أأَزْعَجَكَ العابرونَ؟
: نعمْ
والعصافيرُ في عُشِّهَا أزعجتني
ولا شيءَ مما أرى
يلمسُ الروحَ
لا صَخَبُ البحرِ فوقَ الشطوطِ،
ولا صورةُ القمرِ المستكينْ
سأنفضُ كفيَّ من كلِّ شيءٍ
وأغسلُ قلبي من الآخرينْ
دَمِي
لشحوبِ المصابيحِ في الشارعِ الجانبيِّ
دمي للغروبِ الحزينْ
دمي للندى في خيالِ الحديقةِ
أما الحنينْ!
فللنارِ تأكلُهُ،
أو لأربابهِ العاشقينْ
وأما الطريقُ.. فللضائعينْ
وأما أنا
فأنا في مواجهةِ الكلِّ وحدي!
أنا ضدُّ كلِّ السلالاتِ،
ضدُّ خطى البشريةِ قبلي،
وبعدي،
وضدي،
وضدُّ ملامحِ وجهي،
ورائحتي،
وكلامي…
وليسَ أمامي سوى ما يُعكِّرُ صَفْوِي،
وما يحجبُ الشمسَ عني
فماذا تريدونَ مني؟!
لَكُمْ أتركُ الأرضَ مائدةً للسكارى
ووحشًا تروِّضُهُ آلةُ الحربِ والتكنولوجيا
وأتركُ لونَ الفراشاتِ للكاميرات
وأتركُ ليلَ المدينةِ للغرباءْ
سأعملُ في آخرِ الرملِ
حارسَ أزمنةٍ من زجاجٍ
وأختارُ من حكمةِ الظلِّ
أن أتقمَّصَ دورَ الصدى
في كهوفِ النداءْ
سأعملُ في أزرقِ البحرِ
أحملُ لونَ السماءْ
وأقرأُ سيرتَهَا في البكاءْ
كأني تعبتُ من الأرضِ،
واستبقتني خطايَ إلى آخرِ الطرقاتِ،
فماذا على جسدي غيرُ أن يتناثرَ كالثلجِ
تحتَ عيونِ النوافذِ،
أو يتكوَّرَ في حِجْرِ سيدةٍ،
أو يسيلَ دما؟!
ستصطادُنِي نجمةٌ
في سكونِ القرى،
نجمةٌ لا تُرى
في الطريقِ إلى البيتِ
تصطادُني ربما...
_حسن عامر.
تُهدَر أصالتك حين تنتظر جزاءً لخيريَّتك، وحين تُسوِّغ أخطاءَك، وحين تقارن نفسك بغيرك، وحين تصدِّق أحكام الآخرين تجاهك، وحين تشرح نفسك وتعدِّد محاسنك إلى مَن يعرفك -حق المعرفة- ولا يعترف بك، الأصالة أن تكون أنت بمناقبك ومثالبك من دون صوت، الأصالة أن تعرف من تكون.
_نورا الطوالة.
_نورا الطوالة.
لا ينضج المرء بالنصائح، لا ينضج بالمواعظ، لا ينضج بتجارب الأخرين، ينضج المرء حين يقطع الفقدان جزءًا من قلبه، وينحني ظهره من خذلان أحبائه، وتتسيد التجاعيد ملامحه من قسوة التفكير، وتتهاوى طاقته ويصبح هش بـجسد هزيل من الركض في الطرق الخاطئة، ينضج المرء حين تقتطفه الحياة من جذوره.
جوزيه سارماغو
جوزيه سارماغو
"أسيرُ على معراج العِزَّة في كلِّ مَرّةٍ أبني فيها الحدود بيني وبين الآخرين؛ ذلك أنَّ العمقَ جوهرٌ عظيم لا ينبغي أن يُكْشَف لأيِّ إنسان تلتقيه، بخلافِ السطح الذي يُعدّ -بالأصل- واجِهةً للجميع. إنَّ حدودي كأسوار المنازل المنيعة، لا يجترئ أن يدخلها اللصوص، وضعاف العقول."
بـين ـ أروقة الكُتب "اليمن"
Photo
"لم أفهم معنى ذلك الموت، لا أفهم معنى للموت، لكن ما دام محتّماً فلنفعل شيئاً يبرر حياتنا. فلنترك بصمة على هذه الأرض قبل أن نغادرها."
من رواية واحة الغروب، الحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008. من أجمل الروايات التي قرأتها مؤخرًا. وكلما قرأت عملًا للروائي بهاء طاهر، وجدتني عاجزة عن المفاضلة بين كتبه أو تحديد أيها أكثر جمالًا.
رواية ساحرة، وأعتقد أنها من الأعمال التي أنصفت الصحراء أدبيًا. لم أقرأ وصفًا لها يماثل هذا الثراء منذ قراءتي (من أنت أيها الملاك) لإبراهيم الكوني، الروايتين تلتقيان في قدرتهما على تحويل الصحراء من امتداد جغرافي شاسع إلى عالم نابض بالحياة والدلالات.
واللافت في واحة الغروب، أن القارئ الذكي سيدرك أن الواحة نفسها دلالة رمزية أن المكان، الذي يبدو بعيدًا عن العالم ومنقطعًا عنه، يتحول إلى مساحة تكشف الإنسان أمام نفسه، وتناقضاته.
من رواية واحة الغروب، الحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2008. من أجمل الروايات التي قرأتها مؤخرًا. وكلما قرأت عملًا للروائي بهاء طاهر، وجدتني عاجزة عن المفاضلة بين كتبه أو تحديد أيها أكثر جمالًا.
رواية ساحرة، وأعتقد أنها من الأعمال التي أنصفت الصحراء أدبيًا. لم أقرأ وصفًا لها يماثل هذا الثراء منذ قراءتي (من أنت أيها الملاك) لإبراهيم الكوني، الروايتين تلتقيان في قدرتهما على تحويل الصحراء من امتداد جغرافي شاسع إلى عالم نابض بالحياة والدلالات.
واللافت في واحة الغروب، أن القارئ الذكي سيدرك أن الواحة نفسها دلالة رمزية أن المكان، الذي يبدو بعيدًا عن العالم ومنقطعًا عنه، يتحول إلى مساحة تكشف الإنسان أمام نفسه، وتناقضاته.
من أجمل المفارقات التي لاحظتها في رواية واحة الغروب للروائي بهاء طاهر، حرصه على انتقاء مفرداته حين يصف التراب. هذه المادة التي تبدو ساكنة تحت أقدامنا، لكنها ساحرة في خصائصها، واسعة في ما تمنحه من شعور خالص. تأمل اللغة حين تُنصف المادة، فلا تختزلها في مفرد واحد، ولا تتعامل معها بوصفها شيئًا متشابهًا لا اختلاف فيه. إن ثراء العربية في وصف الأرض مدهش إلى حد يستحق التوقف عنده.
فالتراب في العربية ليس مفرد واحد، بل تتعدد أسماؤه بتعدد صفاته، وتختلف مفرداته باختلاف نعومته وخشونته، وصلابته ورطوبته.
وبعض هذه الأسماء حضر في القرآن الكريم محملًا بدلالات الخلق والتحول. فنجد التراب في قوله ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ﴾، والطين في قوله ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، ثم الحمأ والصلصال في قوله ﴿مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾؛ والحمأ هو الطين الأسود المتغير، والصلصال هو الطين اليابس الذي يُسمع له صوت إذا نُقر عليه.
ونجد الصعيد في قوله ﴿فَيُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾، والصعيد وجه الأرض، والزلق ما كان أملس لا تثبت عليه قدم. وهكذا لا تكتفي العربية بتسمية الأرض، بل تصفها حتى في أدق أحوالها.
ثم تتسع المفردات لتشمل الحصباء والحصى، والغبار، والدقعاء، والسبخة، ولكل منها هيئة ودلالة. فإذا أردنا وصف الأرض بحسب رطوبتها وجدنا الطين والوحل والثرى، ذلك التراب الذي أصابه البلل، وإذا انتقلنا إلى وصف تضاريسها وطبيعتها وجدنا البيداء والفلاة والمرج والغيضاء والروضة والسهل والصخر والقفر.
وحتى الرمل، حين أراد القرآن أن يصور انهيار الجبال وتبدد صلابتها، قال﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا﴾. والكثيب هو الرمل المجتمع المرتفع كالتل، والمهيل هو الرمل المتساقط الذي ينهار بعضه فوق بعض.
تأمل المفارقة، الجبال التي طالما بدت رمزًا للثبات والرسوخ، تنتهي إلى كثيب من الرمل، لا يمسك بعضه بعضًا، ولا يملك أن يقاوم الانهيار.
بالنسبة للعوام (التراب) مجرد كلمة، لكن اللغة أنصفته، عالمًا كاملًا من الاختلافات والتحولات في مفرد واحد.
_سحر سلطان.
فالتراب في العربية ليس مفرد واحد، بل تتعدد أسماؤه بتعدد صفاته، وتختلف مفرداته باختلاف نعومته وخشونته، وصلابته ورطوبته.
وبعض هذه الأسماء حضر في القرآن الكريم محملًا بدلالات الخلق والتحول. فنجد التراب في قوله ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ﴾، والطين في قوله ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، ثم الحمأ والصلصال في قوله ﴿مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾؛ والحمأ هو الطين الأسود المتغير، والصلصال هو الطين اليابس الذي يُسمع له صوت إذا نُقر عليه.
ونجد الصعيد في قوله ﴿فَيُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾، والصعيد وجه الأرض، والزلق ما كان أملس لا تثبت عليه قدم. وهكذا لا تكتفي العربية بتسمية الأرض، بل تصفها حتى في أدق أحوالها.
ثم تتسع المفردات لتشمل الحصباء والحصى، والغبار، والدقعاء، والسبخة، ولكل منها هيئة ودلالة. فإذا أردنا وصف الأرض بحسب رطوبتها وجدنا الطين والوحل والثرى، ذلك التراب الذي أصابه البلل، وإذا انتقلنا إلى وصف تضاريسها وطبيعتها وجدنا البيداء والفلاة والمرج والغيضاء والروضة والسهل والصخر والقفر.
وحتى الرمل، حين أراد القرآن أن يصور انهيار الجبال وتبدد صلابتها، قال﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا﴾. والكثيب هو الرمل المجتمع المرتفع كالتل، والمهيل هو الرمل المتساقط الذي ينهار بعضه فوق بعض.
تأمل المفارقة، الجبال التي طالما بدت رمزًا للثبات والرسوخ، تنتهي إلى كثيب من الرمل، لا يمسك بعضه بعضًا، ولا يملك أن يقاوم الانهيار.
بالنسبة للعوام (التراب) مجرد كلمة، لكن اللغة أنصفته، عالمًا كاملًا من الاختلافات والتحولات في مفرد واحد.
_سحر سلطان.
كلُّ احتمالاتِ الهزيمةِ مُمكِنةْ
فاربَح جنودَك
إن خسِرتَ الأحصِنةْ
وامنَح جُنونَك عُزلةً أُخرى
وهَب رئتيك حُزناً آخراً
لِتُدخِّنَهْ
الموتُ ركعتُك الوحيدةُ
لا تمُت
وإذا اضطررتَ فواقِفاً كالمِئذنةْ
والليلُ منفاك الطَّويلُ
فلا تخُن منفاك
ماذا لو يظنُّك موطِنَهْ ؟!
جافاك مضجعُك القديمُ
وخانك الخِلُّ النديمُ
وأوحشتك الأمكِنةْ
تمتدُّ وحدَك مثل جُرحٍ
تنزوي كالجُرحِ
تأتيك الجِراحُ مُلوَّنةْ
لا وحيَ يُقرِئك السَّلامَ
ونصفُك الباكي نُبوءاتٌ
ونصفُك شيطنةْ
فاركُض برُوحِك نحو مديَنها
كما مُوسى
مضى رُوحاً فلاقى مديَنَهْ
واحمِل على إيمانِك الدُّنيا
وإن صعُبَت
تكُن في عينِ قلبِك هيِّنةْ
قد تُبصِرُ النَّبعَ الغزالةُ
في اللظى
لو أنَّها بالنَّبعِ حقَّاً مُؤمِنةْ
والنَّاسُ يا بنَ النَّاسِ
جمٌّ شرُّهُم
فإذا جنَيتَ الشرَّ فاختَر أهونَهْ
وعليك إن غُمَّت مودَّةُ صاحبٍ
اترُكهُ للأيامِ تكشِفُ معدِنَهْ
وأطِلْ جفاك تُهَبْ وجانِب تُجتَنَبْ
وازهَدْ بلومِك خشيةً أن تُدمِنَهْ
فالحُرُّ لن تلقاهُ مُنكسراً
على حَدِّ الأسِنَّةِ
بل بحدِّ الألسِنةْ
واهجُر أخا الفحشاءِ
واقطَع كلَّ من آخاهُ
إنَّ الفُحشَ عدوى مُزمِنةْ
عند الشَّدائدِ مُطمئِنَّاً كُن
فلا تقسُو الرِّياحُ
على الغُصونِ الليِّنةْ
لا بأسَ بالخوفِ القليلِ
فرُبَّما
بلغَ المُسافرُ بالمخاوفِ مأمَنهْ
يا أيُّها الولدُ المُسافرُ بالسُّرى
أتغارُ من نهرٍ يُقبِّلُ سوسنةْ ؟
نامَت حبيبتُك
التمس لك دمعةً
ما للهوى نومٌ عليك ولا سِنةْ
ستُحِبُّك امرأةٌ غداً وتخُونُها
فاعذُر هواك
ولا تقُل : ما أخونَهْ
لا حُبَّ إلا ما انكسرتَ بهِ
فلا تذهَب
سُيرجِعُك الحنينُ لِتحضنَهْ
عُدْ وانكسِر
عُدْ وانتظِر
عُدْ وانتصِر
كلُّ احتمالاتِ الهزيمةِ مُمكِنة
_وليد الشواقبة.
فاربَح جنودَك
إن خسِرتَ الأحصِنةْ
وامنَح جُنونَك عُزلةً أُخرى
وهَب رئتيك حُزناً آخراً
لِتُدخِّنَهْ
الموتُ ركعتُك الوحيدةُ
لا تمُت
وإذا اضطررتَ فواقِفاً كالمِئذنةْ
والليلُ منفاك الطَّويلُ
فلا تخُن منفاك
ماذا لو يظنُّك موطِنَهْ ؟!
جافاك مضجعُك القديمُ
وخانك الخِلُّ النديمُ
وأوحشتك الأمكِنةْ
تمتدُّ وحدَك مثل جُرحٍ
تنزوي كالجُرحِ
تأتيك الجِراحُ مُلوَّنةْ
لا وحيَ يُقرِئك السَّلامَ
ونصفُك الباكي نُبوءاتٌ
ونصفُك شيطنةْ
فاركُض برُوحِك نحو مديَنها
كما مُوسى
مضى رُوحاً فلاقى مديَنَهْ
واحمِل على إيمانِك الدُّنيا
وإن صعُبَت
تكُن في عينِ قلبِك هيِّنةْ
قد تُبصِرُ النَّبعَ الغزالةُ
في اللظى
لو أنَّها بالنَّبعِ حقَّاً مُؤمِنةْ
والنَّاسُ يا بنَ النَّاسِ
جمٌّ شرُّهُم
فإذا جنَيتَ الشرَّ فاختَر أهونَهْ
وعليك إن غُمَّت مودَّةُ صاحبٍ
اترُكهُ للأيامِ تكشِفُ معدِنَهْ
وأطِلْ جفاك تُهَبْ وجانِب تُجتَنَبْ
وازهَدْ بلومِك خشيةً أن تُدمِنَهْ
فالحُرُّ لن تلقاهُ مُنكسراً
على حَدِّ الأسِنَّةِ
بل بحدِّ الألسِنةْ
واهجُر أخا الفحشاءِ
واقطَع كلَّ من آخاهُ
إنَّ الفُحشَ عدوى مُزمِنةْ
عند الشَّدائدِ مُطمئِنَّاً كُن
فلا تقسُو الرِّياحُ
على الغُصونِ الليِّنةْ
لا بأسَ بالخوفِ القليلِ
فرُبَّما
بلغَ المُسافرُ بالمخاوفِ مأمَنهْ
يا أيُّها الولدُ المُسافرُ بالسُّرى
أتغارُ من نهرٍ يُقبِّلُ سوسنةْ ؟
نامَت حبيبتُك
التمس لك دمعةً
ما للهوى نومٌ عليك ولا سِنةْ
ستُحِبُّك امرأةٌ غداً وتخُونُها
فاعذُر هواك
ولا تقُل : ما أخونَهْ
لا حُبَّ إلا ما انكسرتَ بهِ
فلا تذهَب
سُيرجِعُك الحنينُ لِتحضنَهْ
عُدْ وانكسِر
عُدْ وانتظِر
عُدْ وانتصِر
كلُّ احتمالاتِ الهزيمةِ مُمكِنة
_وليد الشواقبة.