{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}
17K subscribers
3.24K photos
493 videos
298 files
1.6K links
قناة دعوية تهتم بنشر آيات الكتاب العزيز، وتفسيره، وشرح معانيه، مع الاهتمام بحفظه وإتقانه وتنظيم دورات علمية لذلك.
@fahmolquran
Download Telegram
🔹الحَثُّ عَلَى العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ الَّتِي تَقُودُ الإِنْسَانَ فِي حَيَاتِهِ العَمَلِيَّةِ إِلَى الكَشْفِ عَنْ سُنَنٍ وَقَوَانِينَ تَتَعَلَّقُ بِالكَوْنِ، مَعَ مَا فِي تَسْخِيرِ تِلْكَ السُّنَنِ لِتَنْمِيَةِ الحَيَاةِ وَإِعْمَارِ الأَرْضِ؛ إِذْ أَثْنَى اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ وَرَفَعَ مَقَامَهُمْ، فَقَرَنَهُمْ ﷺ بِذِكْرِهِ فِي الشَّهَادَةِ حِينَمَا قَالَ: ﴿ شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ [آل عمران: ١٨].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة: ١١].

🔹*هُنَاكَ ثِمَارٌ غَيْرُ مُبَاشِرَةٍ لِلتَّدَبُّرِ فِي كَلَامِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا؛ مِنْهَا أَيْضًا:*🔹


👈ظُهُورُ مُجْتَهِدِينَ فِي مُخْتَلَفِ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ تَعَلَّمُوا كَيْفَ يَتَدَبَّرُونَ الآيَاتِ، وَكَيْفَ يَفْهَمُونَ المَعَانِيَ، وَكَيْفَ يَحْرِصُونَ عَلَى إِظْهَارِ وَاسْتِنْبَاطِ مَا فِي تِلْكَ الآيَاتِ العَظِيمَاتِ مِنَ الأَحْكَامِ وَالحِكَمِ.

👈وَكَذَلِكَ.. التَّدَبُّرُ يُحَرِّكُ العَقْلَ، وَيَسْتَثِيرُ طَاقَتَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَيُنَمِّي مَهَارَاتِ البَحْثِ التَّجْرِيبِيِّ، وَيُؤَسِّسُ لِلْحَيَاةِ العَقْلِيَّةِ المُسْلِمَةِ المُسْتَقِيمَةِ الَّتِي تَرَى أَنَّ التَّفَكُّرَ فِي الكَوْنِ وَالأَنْفُسِ فَرِيضَةٌ وَعِبَادَةٌ يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ جَلَّ وَعَلَا؛ لِأَنَّهَا تَحْقِيقٌ لِلْأَمْرِ الإِلَهِيِّ الكَرِيمِ:

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [يونس: ١٠١].

﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [الروم: ٨].

﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: ١٨٥].

🔹*وَمِنَ الثَّمَرَاتِ الَّتِي يَتَحَصَّلُ عَلَيْهَا المُتَدَبِّرُ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ:*🔹



📌إِيقَاظُ النُّفُوسِ عَلَى ضَرُورَةِ الخُرُوجِ مِنْ فِكْرِ التَّبْرِيرَاتِ، وَإِلْقَاءِ المَلَامِ عَلَى الآخَرِينَ، إِلَى فِكْرِ نَقْدِ الذَّاتِ وَالإِزْرَاءِ وَالحَطِّ عَلَيْهَا، وَهَذَا إِذَا مَا تَحَصَّلَ المَرْءُ عَلَيْهِ عَرَفَ عُيُوبَهُ، فَإِذَا عَرَفَ عُيُوبَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهَا مُعَالِجًا وَمُطَهِّرًا.

🔹ثَمَرَاتُ التَّدَبُّرِ فِي كِتَابِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَتَدَبُّرُ القُرْآنِ يُورِثُ المُؤْمِنَ مَلَكَةً يَتَمَكَّنُ بِهَا مِنْ تَنْزِيلِ الآيَاتِ عَلَى الأَحْوَالِ الوَاقِعَةِ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ نَازِلَةٍ تَحُلُّ بِالمُسْلِمِينَ إِلَّا وَفِي كِتَابِ اللهِ -تَعَالَى- مَا يَدُلُّ عَلَى حَلِّهَا، إِمَّا نَصًّا أَوْ دَلَالَةً أَوْ قِيَاسًا.

قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ [فصلت: ٤٤].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ۝ وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [الإسراء: ٩-١٠].

👈قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «فَلَيْسَتْ تَنْزِلُ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ دِينِ اللهِ نَازِلَةٌ إِلَّا وَفِي كِتَابِ اللهِ -تَعَالَى- الدَّلِيلُ عَلَى سَبِيلِ الهُدَى فِيهَا».

📔أفلا يتدبرون القرآن/ المحاضرة الثانية عشرة/ للعلامة رسلان حفظه الله تعالى/ص : ٥١٧-٥١٨]

https://t.me/fahmolquran
❤5💯1
👈وَقَالَ الشَّاطِبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «إِنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَنُصَّ عَلَى حُكْمِ كُلِّ جُزْئِيَّةٍ عَلَى حِدَتِهَا، وَإِنَّمَا أَتَتْ بِأُمُورٍ كُلِّيَّةٍ وَعِبَارَاتٍ مُطْلَقَةٍ تَتَنَاوَلُ أَعْدَادًا لَا تَنْحَصِرُ».

👈وَقَالَ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «عَلَى النَّاسِ أَنْ يَتَلَقَّوْا مَعْنَى كَلَامِ اللهِ كَمَا تَلَقَّاهُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم فَإِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قَرَءُوا عَشْرَ آيَاتٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَتَجَاوَزُوهَا حَتَّى يَعْرِفُوا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، فَيُنَزِّلُونَهَا عَلَى الْأَحْوَالِ الْوَاقِعَةِ، فَيَعْتَقِدُونَ مَا حَوَتْ وَاحْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَيَنْقَادُونَ لِأَوَامِرِهَا وَنَوَاهِيهَا، وَيُدْخِلُونَ فِيهَا جَمِيعَ مَا يَشْهَدُونَ مِنَ الْحَوَادِثِ وَالْوَقَائِعِ الْمَوْجُودَةِ بِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ.
وَيُحَاسِبُونَ أَنْفُسَهُمْ هَلْ هُمْ قَائِمُونَ بِهَا أَوْ مُخِلُّونَ؟ وَكَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى الثَّبَاتِ عَلَى الْأُمُورِ النَّافِعَةِ وَإِيجَادِ مَا نَقَصَ مِنْهَا؟


📌وَكَيْفَ التَّخَلُّصُ مِنَ الْأُمُورِ الضَّارَّةِ؟

👈فَيَهْتَدُونَ بِعُلُومِهِ، وَيَتَخَلَّقُونَ بِآدَابِهِ وَأَخْلَاقِهِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ خِطَابٌ مِنْ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ مُوَجَّهٌ إِلَيْهِمْ، وَمُطَالَبُونَ بِمَعْرِفَةِ مَعَانِيهِ وَالْعَمَلِ بِمَا يَقْتَضِيهِ.

👈فَمَنْ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ الَّذِي سَلَكُوهُ، وَجَدَّ وَاجْتَهَدَ فِي تَدَبُّرِ كَلَامِ اللهِ، انْفَتَحَ لَهُ الْبَابُ الْأَعْظَمُ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ، وَقَوِيَتْ مَعْرِفَتُهُ، وَاسْتَنَارَتْ بَصِيرَتُهُ، وَاسْتَغْنَى بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَنْ كَثْرَةِ التَّكَلُّفَاتِ، وَعَنِ الْبُحُوثِ الْخَارِجِيَّةِ، وَخُصُوصًا إِذَا كَانَ قَدْ أَخَذَ مِنْ عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ جَانِبًا قَوِيًّا، وَكَانَ لَهُ إِلْمَامٌ وَاهْتِمَامٌ بِسِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَحْوَالِهِ مَعَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَكْبَرُ عَوْنٍ عَلَى هَذَا الْمَطْلَبِ» .

👈قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ وَهُوَ يَتَحَدَّثُ عَنِ القُرْآنِ: «وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْعُرُ بِدُخُولِ الوَاقِعِ تَحْتَهُ وَتَضَمُّنِهِ لَهُ، وَيَظُنُّ فِي نَوْعٍ وَقَوْمٍ قَدْ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يُعْقِبُوا وَارِثًا، وَهَذَا هُوَ الذِي يَحُولُ بَيْنَ القَلْبِ وَبَيْنَ فَهْمِ القُرْآنِ المَجِيدِ».

🔺وَهَذِهِ الآفَةُ تَسْمَعُهَا كَثِيرًا مِنَ الذِينَ يُشْرِكُونَ بِاللهِ جَلَّ وَعَلَا وَلَا يُوَحِّدُونَ، فَهُمْ لَا يَقُولُونَ: هَذِهِ أُمَّةُ التَّوْحِيدِ، وَدِينُ الإِسْلَامِ هُوَ دِينُ التَّوْحِيدِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِي الأُمَّةِ شِرْكٌ.

👈وَكَأَنَّهُمْ يُصَادِمُونَ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ المَأْمُونِ ﷺ عَنْ ارْتِدَادِ فِئَامٍ مِنَ النَّاسِ، وَأَنَّهُ لَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الخَلَصَةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُقُوعِ الشِّرْكِ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ المَرْحُومَةِ.

👈فَتَسْمَعُ هَذَا كَثِيرًا! لِأَنَّهُمْ يَسْتَبْعِدُونَ دُخُولَ الأُمَّةِ تَحْتَ النُّصُوصِ التِي فِيهَا التَّحْذِيرُ وَفِيهَا التَّنْفِيرُ، وَفِيهَا مَعَالِمُ التَّوْحِيدِ الظَّاهِرَةِ التِي يَنْبَغِي أَنْ يُسَارَ عَلَى دَرْبِهَا وَأَلَّا تُجَانَبَ.

👈مَعَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا قَالُوا، وَكَانَ بَعْضُهُمْ -أَيْ: مِمَّنْ قَالَ- حَدِيثَ عَهْدٍ بِكُفْرٍ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى حُنَيْنٍ لِلِقَاءِ هَوَازِنَ، فَقَالَ قَائِلُهُمْ لَمَّا مَرُّوا بِسِدْرَةٍ عَظِيمَةٍ:

يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ!

قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ! قُلْتُمْ كَمَا قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]

👈فَانْظُرْ هَذَا التَّشْبِيهَ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ، وَجَعَلَ قَوْلَهُمْ، وَلَمْ يَعْذُرْهُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَسِيرٍ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلَكِنْ بَيَّنَ عِظَمَ مَا قَالُوهُ لِيُشْنَعَ عَلَيْهِ، وَلِيُنَفَّرَ مِنْهُ، حَتَّى لَا يَقَعَ فِيهِ بَعْدَهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.

👈وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ عَنِ الأُمَمِ السَّابِقَةِ حَتَّى إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ لَتَتَّبِعُ دُرُوبَهُمْ وَتَسْلُكُ مَسَالِكَهُمْ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُهُ.
❤3👍1💯1
*يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ».

*النَّبِيُّ ﷺ -يَقُولُ قَائِلٌ:- يَصِفُ وَاقِعًا، لَا حِيلَةَ لَنَا فِيهِ، فَهَذَا أَمْرٌ كَوْنِيٌّ، وَالأُمُورُ الكَوْنِيَّةُ لَا تُدْفَعُ، فَسَيَقَعُ هَذَا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ!!

*وَلَا بِمِثْلِ هَذَا يُحْتَجُّ فِي دِينِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا! هَذِهِ حُجَّةُ القَدَرِيَّةِ الذِينَ يَحْتَجُّونَ عَلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَهَدَاهُمْ، وَلَوْ شَاءَ لَهَدَى آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.

👈إِذَنْ؛ عِنْدَمَا نَقْرَأُ كَلَامَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نَضَعَ فِي أَنْفُسِنَا هَذَا الأَمْرَ، وَهُوَ أَنَّ الحَوَادِثَ النَّازِلَةَ وَالوَقَائِعَ المُسْتَجَدَّةَ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهَا الآيَاتُ، لَا بِمَعْنَى أَنَّهَا تَصِفُ مَا وَقَعَ فِي هَذَا العَصْرِ كَمَا يَقَعُ، وَلَكِنْ هِيَ تَدْخُلُ تَحْتَ تِلْكَ الآيَاتِ بِدَلَالَاتِهَا وَمَعَانِيهَا دُخُولًا أَوَّلِيًّا.

👈قَضِيَّةُ تَنْزِيلِ الآيَاتِ عَلَى الوَاقِعِ مُتَنَاوَلَةٌ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَمِمَّنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ، فَقَالَ: أَلَا تُصَلُّونَ؟

قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا.

فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ حِينَ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ -يَعْنِي بِيَدِهِ- وَيَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤].

*فَهَذِهِ هَذِهِ، وَهِيَ مُنَزَّلَةٌ عَلَى هَذَا الجِنْسِ البَشَرِيِّ.

عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَقْبَلَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ، فَنَزَلَ -وَكَانَ يَخْطُبُ عَلَى المِنْبَرِ- فَأَخَذَهُمَا فَصَعِدَ بِهِمَا المِنْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللهُ، ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ! ثُمَّ أَخَذَ فِي الخُطْبَةِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.

👈فَهَذَانِ شَاهِدَانِ عَلَى تَنْزِيلِ النَّبِيِّ ﷺ القُرْآنَ عَلَى الحَوَادِثِ وَالوَقَائِعِ المُسْتَجَدَّةِ، كَمَا كَانَ فِي قَوْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكَمَا كَانَ فِي فِعْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ.

وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ سَارُوا عَلَى هَذَا المَنْهَجِ النَّبَوِيِّ الكَرِيمِ فِي تَعَامُلِهِمْ مَعَ الحَوَادِثِ النَّازِلَةِ.
📔أفلا يتدبرون القرآن/ المحاضرة الثانية عشرة/ للعلامة رسلان حفظه الله تعالى/ص : ٥١٩-٥٢٢]
https://t.me/fahmolquran
💯1
صِدِّيقُ الأُمَّةِ الأَكْبَرُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه حِينَ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَأَى مَا رَأَى، تَوَقَّفَ البَعْضُ فِي هَذَا الأَمْرِ الجَلَلِ، صَعَدَ المِنْبَرَ وَخَطَبَ خُطْبَتَهُ الشَّهِيرَةَ البَلِيغَةَ، حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: «أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ».

﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠].

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]؛ فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ».

فَكَانَ هَذَا التَّنْزِيلُ كَالغَيْثِ الهَتَّانِ النَّازِلِ عَلَى الظَّمْآنِ، فَخَفَّفَ المُصَابَ، وَحَسَمَ الجِدَالَ، حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا بِتِلْكَ الآيَاتِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتْلُوَهَا الصِّدِّيقُ رضي الله عنه.

*لَا يَزَالُ عُلَمَاءُ الأُمَّةِ يَسِيرُونَ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ، فَمِنَ التَّنْزِيلِ الصَّحِيحِ لِلآيَاتِ مَا ذَكَرَهُ العَلَّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].

👈قَالَ: «نَزِّلْ هَذِهِ الآيَةَ عَلَى أَحْوَالِ العَالَمِ، وَطَابِقْ بَيْنَ الوَاقِعِ وَبَيْنَهَا، وَأَنْتَ تَرَى كَيْفَ تَحْدُثُ الآفَاتُ وَالعِلَلُ كُلَّ وَقْتٍ، فِي الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ وَالحَيَوَانِ،
وَكَيْفَ يَحْدُثُ مِنْ تِلْكَ الآفَاتِ آفَاتٌ أُخَرُ مُتَلَازِمَةٌ، بَعْضُهَا آخِذٌ بِرِقَابِ بَعْضٍ، وَكُلَّمَا أَحْدَثَ النَّاسُ ظُلْمًا وَفُجُورًا أَحْدَثَ لَهُمْ رَبُّهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنَ الآفَاتِ وَالعِلَلِ فِي أَغْذِيَتِهِمْ وَفَوَاكِهِهِمْ، وَأَهْوِيَتِهِمْ وَمِيَاهِهِمْ، وَأَبْدَانِهِمْ وَخَلْقِهِمْ، وَصُوَرِهِمْ وَأَشْكَالِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ مِنَ النَّقْصِ وَالآفَاتِ مَا هُوَ مُوجَبُ أَعْمَالِهِمْ وَظُلْمِهِمْ وَفُجُورِهِمْ.

👈قَالَ: وَلَقَدْ كَانَتِ الحُبُوبُ مِنَ الحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا أَكْبَرَ مِمَّا هِيَ اليَوْمَ، كَمَا كَانَتِ البَرَكَةُ فِيهَا أَعْظَمَ، وَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُ وُجِدَ فِي خَزَائِنِ بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ صُرَّةٌ فِيهَا حِنْطَةٌ كَأَمْثَالِ نَوَى التَّمْرِ، مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا -أَيْ عَلَى تِلْكَ الصُّرَّةِ-:

🔹*هَذَا كَانَ يَنْبُتُ أَيَّامَ العَدْلِ.*🔹


👆👈وَأَكْثَرُ هَذِهِ الأَمْرَاضِ وَالآفَاتِ العَامَّةِ بَقِيَّةُ عَذَابٍ عُذِّبَتْ بِهِ الأُمَمُ السَّابِقَةُ، ثُمَّ بَقِيَتْ مِنْهَا بَقِيَّةٌ مُرْصَدَةٌ لِمَنْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنْ أَعْمَالِ أُولَئِكَ السَّابِقِينَ، حُكْمًا قِسْطًا وَقَضَاءً عَدْلًا.

👈وَقَدْ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هَذَا بِقَوْلِهِ فِي الطَّاعُونِ: *«إِنَّهُ بَقِيَّةُ رِجْزٍ -أَوْ عَذَابٍ- أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ»*، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

👈وَكَذَلِكَ سَلَّطَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- الرِّيحَ عَلَى قَوْمٍ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَبْقَى فِي العَالَمِ مِنْهَا بَقِيَّةً فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَفِي نَظِيرِهَا، وَهِيَ عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ.

📔أفلا يتدبرون القرآن/ المحاضرة الثانية عشرة/ للعلامة رسلان حفظه الله تعالى/ص : ٥٢٣-٥٢٤]

https://t.me/fahmolquran
💯2
*وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعْمَالَ البِرِّ وَأَعْمَالَ الفُجُورِ.. أَعْمَالَ البَرِّ وَأَعْمَالَ الفَاجِرِ، جَعَلَهَا مُقْتَضَيَاتٍ لِآثَارِهَا فِي هَذَا العَالَمِ اقْتِضَاءً لَا بُدَّ مِنْهُ، فَجَعَلَ مَنْعَ الإِحْسَانِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ سَبَبًا لِمَنْعِ الغَيْثِ مِنَ السَّمَاءِ، وَالقَحْطِ وَالجَدْبِ.

*وَجَعَلَ ظُلْمَ المَسَاكِينِ، وَالبَخْسَ فِي المَكَايِيلِ وَالمَوَازِينِ، وَتَعَدِّيَ القَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ سَبَبًا لِجَوْرِ المُلُوكِ وَالوُلَاةِ الذِينَ لَا يَرْحَمُونَ إِنِ اسْتُرْحِمُوا، وَلَا يَعْطِفُونَ إِنِ اسْتُعْطِفُوا، وَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ أَعْمَالُ الرَّعَايَا ظَهَرَتْ فِي صُوَرِ وُلَاتِهِمْ.

👈فَإِنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ- بِحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ يُظْهِرُ لِلنَّاسِ أَعْمَالَهُمْ فِي قَوَالِبَ وَصُوَرٍ تُنَاسِبُهَا، فَتَارَةً بِقَحْطٍ وَجَدْبٍ، وَتَارَةً بِعَدُوٍّ، وَتَارَةً بِوُلَاةٍ جَائِرِينَ، وَتَارَةً بِأَمْرَاضٍ عَامَّةٍ، وَتَارَةً بِهُمُومٍ وَآلَامٍ وَغُمُومٍ تَحْضُرُهَا نُفُوسُهُمْ لَا يَنْفَكُّونَ عَنْهَا، وَتَارَةً بِمَنْعِ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ عَنْهُمْ، وَتَارَةً بِتَسْلِيطِ الشَّيَاطِينِ عَلَيْهِمْ تَؤُزُّهُمْ إِلَى أَسْبَابِ العَذَابِ أَزًّا، لِتَحِقَّ كَلِمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَلِيَصِيرَ كُلٌّ مِنْهُمْ إِلَى مَا خُلِقَ لَهُ.

👈وَالعَاقِلُ يُسَيِّرُ بَصِيرَتَهُ بَيْنَ أَقْطَارِ العَالَمِ، فَيُشَاهِدُهُ، وَيَنْظُرُ مَوَاقِعَ عَدْلِ اللهِ وَحِكْمَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّ الرُّسُلَ وَأَتْبَاعَهُمْ خَاصَّةً عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى سَبِيلِ الهَلَاكِ سَائِرُونَ، وَإِلَى دَارِ البَوَارِ صَائِرُونَ، وَاللهُ بَالِغُ أَمْرِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَبِاللهِ -تَعَالَى- التَّوْفِيقُ»، وَرَحْمَةُ اللهِ رَحْمَةً وَاسِعَةً.

*هَذَا المَقَامُ -وَهُوَ تَنْزِيلُ الآيَاتِ عَلَى الوَقَائِعِ وَالحَوَادِثِ المُسْتَجَدَّةِ- مَزَلَّةُ أَقْدَامٍ، وَمَضِلَّةُ أَفْهَامٍ، إِذَا اسْتَعْمَلَهُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الهَوَى أَوِ الجَهْلُ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ سَلَامَةِ القَصْدِ وَالتَّجَرُّدِ مِنَ الهَوَى السِّيَاسِيِّ وَالمَذْهَبِيِّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.

👈مِنْ أَمْثِلَةِ مَنْ ضَلَّتْ أَقْدَامُهُمْ عِنْدَ اسْتِخْدَامِ ذَلِكَ مَا فَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي «كَشَّافِهِ»، فَإِنَّهُ نَزَّلَ آيَةً فِي اليَهُودِ وَالنَّصَارَى عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ تَعَصُّبِهِ الِاعْتِزَالِيِّ ضِدَّ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي زَمَانِهِ، فَيَقُولُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥].

﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾؛ وَهُمُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى.

﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ المُوجِبَةِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ كَلِمَةُ الحَقِّ، وَقِيلَ: هُمْ مُبْتَدِعُو هَذِهِ الأُمَّةِ، وَهُمُ المُشَبِّهَةُ وَالمُجَبِّرَةُ وَالحَشْوِيَّةُ وَأَشْبَاهُهُمْ».

👈المُصِيبَةُ أَنَّهُ جَعَلَ أَهْلَ السُّنَّةِ ضِمْنَ المُبْتَدِعَةِ الذِينَ تَفَرَّقُوا، وَأَمَّا المُعْتَزِلَةُ الذِينَ يَفْخَرُ بِالِانْتِمَاءِ إِلَيْهِمْ فَهُوَ لَا عِنْدَهُ أَهْلُ العَدْلِ وَأَهْلُ السُّنَّةِ.

📍كَذَلِكَ مَا فَعَلَهُ الخَوَارِجُ مِنَ التَّخَبُّطِ وَالتَّخْلِيطِ فِي تَنْزِيلِ الآيَاتِ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا، جَهْلًا مِنْهُمْ وَسُوءَ فَهْمٍ؛ لِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَرَاهُمْ شَرَّ الخَلْقِ، وَيَقُولُ: «إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا عَلَى المُؤْمِنِينَ».

📍مِنَ الهَذَيَانِ فِي هَذَا الشَّأْنِ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي تَنْزِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] عَلَى حَدَائِقِ الحَيَوَانِ المَوْجُودَةِ فِي الدُّنْيَا، وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: «قَدْ حُشِرَتِ الوُحُوشُ، وَجُمِعَتْ فِي البَسَاتِينِ المُعَدَّةِ لِذَلِكَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى».

ثُمَّ اسْتَطْرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ لَازِمِ ذَلِكَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا المَفْهُومِ فَقَالَ: «وَهُوَ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: تَعْذِيبُ تِلْكَ الحَيَوَانَاتِ بِسَجْنِهَا فِي الأَقْفَاصِ وَمَنْعِهَا مِنْ حُرِّيَّتِهَا».
❤1💯1
إِلَى أَنْ قَالَ: «وَيَكْفِي أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَأَنَّهَا قَائِمَةٌ عِنْدَ وُجُودِهَا.

الذِي فَعَلَ ذَلِكَ هُوَ: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الغُمَارِيُّ، فِي كِتَابِهِ «مُطَابَقَةُ الِاخْتِرَاعَاتِ العَصْرِيَّةِ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ سَيِّدُ البَرِيَّةِ ﷺ».

فَهَذَا الأَمْرُ مِنَ الأُمُورِ المَخُوفَةِ التِي يَنْبَغِي أَلَّا يُقْدِمَ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهَا.

وَهَذَا الخَطَأُ وَالزَّلَلُ وَالخَطَلُ وَالدَّجَلُ فَاشٍ فِي الرَّوَافِضِ، فَتَجِدُهُمْ يَكْذِبُونَ لَا يَتَوَرَّعُونَ؛ يَقُولُونَ مَثَلًا:
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩]؛ هُمَا: عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ.

﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ٢٠]: النَّبِيُّ ﷺ وَآلُهُ.

﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]: الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ رضي الله عنهما.

📍هَذَا إِنَّمَا يَقُولُهُ مَنْ لَا يَعْقِلُ مَا يَقُولُ، وَهُوَ بِالهَذَيَانِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِتَفْسِيرِ القُرْآنِ.
*فَهَذِهِ كُلُّهَا مِنْ ثَمَرَاتِ تَدَبُّرِ الكِتَابِ العَزِيزِ.*

🔹=🔹=🔹=🔹=🔹

📔أفلا يتدبرون القرآن/ المحاضرة الثانية عشرة/ للعلامة رسلان حفظه الله تعالى/ص : ٥٢٥-٥٢٦-٥٢٧-٥٢٨]

https://t.me/fahmolquran
❤2👍2
وقفة_مع_آية

﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَـٰهِلِیَّةِ یَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمࣰا لِّقَوۡمࣲ یُوقِنُونَ ۝٥٠﴾ [المائدة ٥٠]
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾؛ أي: أفيطلبون بتوليهم وإعراضهم عنك حكم الجاهلية؟ وهو كل حكم خالف ما أنزل الله على رسوله؛ فلا ثم إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية؛ فمن أعرض عن الأول؛ ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية، وأما حكم الله تعالى؛ فمبني على العلم والعدل والقسط والنور والهدى. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾: فالموقن هو الذي يعرف الفرق بين الحكمين ويميز بإيقانه ما في حكم الله من الحسن والبهاء، وأنه يتعين عقلًا وشرعًا اتباعه، واليقين هو العلم التام الموجب للعمل.

تفسير السعدي
❤1💯1
وقفة_مع_آية

قوله تعالى:
{وكذلك مَكَّنَّا ‌ليوسف ‌في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين}


فيه تسمية الله سبحانه ذلك التمكين (رحمة) في قوله: {نصيب برحمتنا من نشاء}، وهذه مِن أشكل المسائل على أكثر الناس، بعضهم يظن أن هذا كله نقصٌ أو مذموم، وأن التجرد من المال مطلقًا هو الصواب، وبعض يظن أن عطاء الدنيا يدل على رضى الله، وكلاهما على غير الصواب، وذلك أن من أنعم الله عليه بولايةٍ أو مالٍ فجعلها طريقًا إلى طاعة الله فهو ممدوح، وهو أحد الرجلين اللذين يغبطهما المؤمن، وإن كان غير هذا فلا.

[للمجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، تفسير آيات من القرآن (ص: 157)]
👍3
🔹*دَرَجَاتُ التَّدَبُّرِ*🔹

وَالتَّدَبُّرُ دَرَجَاتٌ، فَالَّذِينَ يَنْظُرُونَ فِي كِتَابِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى مُسْتَوَيَاتٍ،
وَكَمَا قَالَ الإِمَامُ العَلَّامَةُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ:
«إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ يَنْظُرُ فِي الآيَةِ يَسْتَخْرِجُ مِنْهَا حُكْمًا أَوْ حُكْمَيْنِ،
وَآخَرُ يَنْظُرُ فِي الآيَةِ نَفْسِهَا يَسْتَخْرِجُ مِنْهَا مِائَةً أَوْ مِائَتَيْنِ».

﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: 17].

🔹*مِنْ دَرَجَاتِ التَّدَبُّرِ:*🔹


🔹- الدَّرَجَةُ الأُولَى: وَهِيَ التَّفَكُّرُ وَالنَّظَرُ وَالاِعْتِبَارُ؛ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 219].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 221].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 269]، وَهِيَ سِمَةٌ لِأَهْلِ العِلْمِ.

قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: مَا زَالَ أَهْلُ العِلْمِ يَعُودُونَ بِالتَّذَكُّرِ عَلَى التَّفَكُّرِ،
وَبِالتَّفَكُّرِ عَلَى التَّذَكُّرِ، وَيُنَاطِقُونَ القُلُوبَ حَتَّى نَطَقَتْ بِالحِكْمَةِ، فَالتَّفَكُّرُ وَالتَّذَكُّرُ
بَذَارُ العِلْمِ، وَسَقْيُهُ مُطَارَحَتُهُ، وَمُذَاكَرَتُهُ تَلْقِيحُهُ.

وَمِنْ أَشْرَفِ الْأَعْمَالِ هَذِهِ الْخِصَالُ -وَهِيَ التَّفَكُّرُ وَالنَّظَرُ وَالْاِعْتِبَارُ-؛ لِأَنَّ
الْفِكْرَةَ عَمَلُ الْقَلْبِ، كَمَا أَنَّ الْعِبَادَةَ عَمَلُ الْجَوَارِحِ.


الْفِكْرُ فِي الدُّنْيَا حِجَابٌ عَنِ الْآخِرَةِ، وَعُقُوبَةٌ لِأَهْلِ الْوِلَايَةِ.
وَالْفِكْرَةُ فِي الْآخِرَةِ تُورِثُ الْحِكْمَةَ، وَتَجْلِي الْقَلْبَ.

التَّفَكُّرُ يُوقِعُ صَاحِبَهُ مِنَ الْإِيمَانِ عَلَى مَا لَا يُوقِعُهُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ الْمُجَرَّدُ، فَإِنَّ
التَّفَكُّرَ يُوجِبُ لَهُ انْكِشَافَ حَقَائِقِ الْأُمُورِ، فَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَهْمِ وَالْحَقِيقَةِ، إِذَا فَكَّرَ
الْعَبْدُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ، وَتَجَاوَزَ فِكْرُهُ مَبَادِئَهَا، وَوَضَعَهَا مَوَاضِعَهَا، وَعَلِمَ
مَرَاتِبَهَا، فَإِنَّهُ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ وَارِدُ الذَّنْبِ وَالشَّهْوَةِ تَجَاوَزَ بِفِكْرِهِ لَذَّتَهُ وَفَرَحَ النَّفْسِ
بِهِ إِلَى سُوءِ الْعَاقِبَةِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَلَمِ وَالْحُزْنِ الَّذِي لَا يُقَاوِمُ تِلْكَ اللَّذَّةَ
وَالْفَرْحَةَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُقْدِمُ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ.

فَالتَّفَكُّرُ وَالنَّظَرُ وَالْاِعْتِبَارُ أَوَّلُ مَا يُذْكَرُ مِنْ دَرَجَاتِ التَّدَبُّرِ، وَالْفِكْرُ هُوَ
الَّذِي يَنْقُلُ مِنْ مَوْتِ الْفِطْنَةِ إِلَى حَيَاةِ الْيَقَظَةِ، وَمِنَ الْمَكَارِهِ إِلَى الْمَحَابِّ، وَمِنَ
الرَّغْبَةِ وَالْحِرْصِ إِلَى الزُّهْدِ وَالْقَنَاعَةِ، وَمِنْ سِجْنِ الدُّنْيَا إِلَى فَضَاءِ الْآخِرَةِ،
وَمِنْ ضِيقِ الْجَهْلِ إِلَى سَعَةِ الْعِلْمِ، وَمِنْ مَرَضِ الشَّهَوَاتِ وَالْإِخْلَادِ إِلَى هَذِهِ
الدَّارِ، إِلَى شِفَاءِ الْإِنَابَةِ إِلَى اللهِ وَالتَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَمِنْ مُصِيبَةِ الْعَمَى
وَالصَّمَمِ وَالْبَكَمِ إِلَى نِعْمَةِ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَالْفَهْمِ عَنِ اللهِ، وَالْعَقْلِ عَنْهُ، وَمِنْ
أَمْرَاضِ الشُّبُهَاتِ إِلَى بَرْدِ الْيَقِينِ.

تَدَبُّرُ كَلَامِ اللهِ يُوجِبُ مَعْرِفَةَ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَيُوجِبُ تَنْزِيهَ الرَّبِّ عَمَّا لَا
يَلِيقُ بِهِ، وَيُوجِبُ وَصْفَهُ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ مِنَ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.
هَذِهِ الثَّمَرَاتُ لَا يَتَحَصَّلُ عَلَيْهَا الْمَرْءُ إِلَّا بِتَدَبُّرِ كَلَامِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وَالتَّفَكُّرِ فِيهِ.

وَالتَّفَكُّرُ فِي الْقُرْآنِ نَوْعَانِ:
🔹تَفَكُّرٌ فِيهِ، لِيَقَعَ عَلَى مُرَادِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْهُ.
🔹وَتَفَكُّرٌ فِي مَعَانِي مَا دَعَا عِبَادَهُ إِلَى التَّفَكُّرِ فِيهِ.
🔹الْأَوَّلُ: تَفَكُّرٌ فِي الدَّلِيلِ الْقُرْآنِيِّ.
🔹وَالثَّانِي: تَفَكُّرٌ فِي الدَّلِيلِ الْعِيَانِيِّ.
🔺فَالْأَوَّلُ: تَفَكُّرٌ فِي آيَاتِهِ الْمَسْمُوعَةِ.
🔺وَالثَّانِي: تَفَكُّرٌ فِي آيَاتِهِ الْمَشْهُودَةِ الْمَنْظُورَةِ.
👈وَلِهَذَا أَنْزَلَ اللهُ الْقُرْآنَ لِيُتَدَبَّرَ وَيُتَفَكَّرَ فِيهِ وَيُعْمَلَ بِهِ، لَا لِمُجَرَّدِ التِّلَاوَةِ مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ.

فَهَذِهِ هِيَ الدَّرَجَةُ الْأُولَى مِنْ دَرَجَاتِ التَّدَبُّرِ.

🔹*الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: التَّأَثُّرُ وَخُشُوعُ الْقَلْبِ.*
فَهِمْتَ، تَدَبَّرْتَ، فَعَلِمْتَ، وَوَعَيْتَ الْمُرَادَ؛ فَيُحْدِثُ ذَلِكَ تَأَثُّرًا وَخُشُوعًا فِي
الْقَلْبِ.
❤2
وَخُشُوعُ الْقَلْبِ ذِلَّتُهُ وَسُكُونُهُ لِلَّهِ؛ لِذَلِكَ تَسْمُو الرُّوحُ وَتَبْكِي الْعَيْنُ وَتَتَأَثَّرُ
الْجَوَارِحُ، وَتَذِلُّ النَّفْسُ لِخَالِقِهَا، وَتَخْضَعُ لِرَبِّهَا، وَيُورِثُ ذَلِكَ خُشُوعَ الظَّاهِرِ.

قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: «وَقَدْ أَجْمَعَ الْعَارِفُونَ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْخُشُوعِ
الْقَلْبُ».

وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا
مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: 23]:

«لَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ فِي غَايَةِ الْجَزَالَةِ وَالْبَلَاغَةِ، اقْشَعَرَّتِ الْجُلُودُ مِنْهُ؛ إِعْظَامًا
لَهُ، وَتَعَجُّبًا مِنْ حُسْنِ تَرْصِيعِهِ، وَتَهَيُّبًا لِمَا فِيهِ».

فَالتَّأَثُّرُ وَخُشُوعُ الْقَلْبِ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ دَرَجَاتِ التَّدَبُّرِ فِي كَلَامِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا.

وَالنَّبِيُّ ﷺ هُوَ سَيِّدُ الْخَاشِعِينَ؛ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ
لِي النَّبِيُّ ﷺ:

«اقْرَأْ عَلَيَّ».

قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟
قَالَ ﷺ: «فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي».

فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41].

قَالَ لِي: «أَمْسِكْ».

فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ مِنْ شَأْنِهِ ﷺ، كَانَتْ عَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ، حَتَّى تَهْمِلَانِ،
يُسْمَعُ لِصَدْرِهِ أَزِيزٌ، وَكَانَ بُكَاؤُهُ عِنْدَ سَمَاعِهِ الْقُرْآنَ بُكَاءَ اشْتِيَاقٍ وَمَحَبَّةٍ وَإِجْلَالٍ،
مُصَاحَبٌ ذَلِكَ لِلْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ.

👈وَأَمَّا السَّلَفُ، فَقَدْ وَرَدَ مِنْ خُشُوعِهِمْ عِنْدَ سَمَاعِ كَلَامِ رَبِّهِمُ الشَّيْءُ الْكَثِيرُ،
وَلَكِنَّهُ كَمَا وَصَفَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، تَدْمَعُ عُيُونُهُمْ وَتَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ، وَأَمَّا مَا
وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْغَشَيَانِ وَالشَّهْقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي
أَصْحَابِ الرَّسُولِ ﷺ.

🔹*الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ دَرَجَاتِ التَّدَبُّرِ: الِاسْتِجَابَةُ وَالْخُضُوعُ.*


يُبَيِّنُ اللهُ لِعِبَادِهِ أَنَّ الْغَايَةَ مِنْ إِنْزَالِ كِتَابِهِ اتِّبَاعُهُ وَالِاسْتِجَابَةُ لِأَمْرِهِ وَالْخُضُوعُ
لَهُ وَالِاسْتِقَامَةُ عَلَى نَهْجِهِ؛ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا:

﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: 155].

وَقَدْ وَضَّحَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ عَلَاقَةَ الِانْقِيَادِ بِالْخُشُوعِ فَقَالَ:

👈«قِيلَ: مَعْنَى الْخُشُوعِ: الِانْقِيَادُ لِلْحَقِّ، وَهَذَا مِنْ مُوجِبَاتِ الْخُشُوعِ؛ يَتْلُونَهُ
حَقَّ تِلَاوَتِهِ، يُحِلُّونَ حَلَالَهُ، وَيُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ، وَيُقِرُّونَهُ كَمَا أَنْزَلَهُ اللهُ».

قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ، وَهُوَ وَارِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «يَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ
عَمَلِهِ»؛ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: 121]: «يَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ».

👈فَهَذِهِ مِنْ دَرَجَاتِ التَّدَبُّرِ لِكَلَامِ الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
هُدًى وَنُورًا، يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.

🔹*_الدَّرَجَةُ الرَّابِعَةُ: اسْتِخْرَاجُ الْحِكَمِ، وَاسْتِنْبَاطُ الْأَحْكَامِ، وَمَكَانَتُهَا أَنَّهَا
مِنْ لَوَازِمِ الْعِلْمِ، وَأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الْقَلْبِ وَنُورِ الْبَصِيرَةِ، وَأَنَّهَا تُثْمِرُ فِي
الْقَلْبِ حَقَائِقَ الْإِيمَانِ._*

وَشُرُوطُ الِاسْتِنْبَاطِ وَاسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ هِيَ: سَلَامَةُ الْمَقْصِدِ عِنْدَ بَيَانِ
الْأَحْكَامِ، وَمَعْرِفَةُ مَوَاطِنِ الِاسْتِنْبَاطِ وَالنَّظَرِ، وَإِتْقَانُ الْعُلُومِ الْمُؤَهِّلَةِ لِلِاسْتِنْبَاطِ،
وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْحُجَّةِ، وَمُرَاعَاةُ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ وَغَايَةِ الْقُرْآنِ.

👈وَهَذَا الِاسْتِنْبَاطُ هُوَ مِنْ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ إِلَّا مَنْ فَتَحَ اللهُ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَيْنَ بَصِيرَتِهِ حَتَّى أَرَاهُ مَا لَا يَرَاهُ سِوَاهُ.
❤2
فَهَذِهِ هِيَ دَرَجَاتُ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، وَالْأَمْرُ أَمْرٌ كَبِيرٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ الْغَايَةُ مِنْ
إِنْزَالِ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، أَنْ يُتَدَبَّرَ، وَأَنْ تُتَدَبَّرَ آيَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ بَعْدَ أَنْ
يُفْهَمَ مُرَادُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنَ الْآيَاتِ إِلَّا بِتَدَبُّرِهَا وَالنَّظَرِ فِي مَعَانِيهَا، حَتَّى يُفْهَمَ
الْمُرَادُ مِنْهَا، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ مَطْلُوبِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا مِنْ عِبَادِهِ فِي أَرْضِهِ، فَهَذِهِ
كُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ الْكَبِيرِ وَالْأَصْلِ الْأَصِيلِ، وَهُوَ تَدَبُّرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.

فَلْيَكُنْ هَذَا مِنَّا عَلَى ذُكْرٍ، وَلْنَجْتَهِدْ دَائِمًا فِي التَّعَامُلِ مَعَ كَلَامِ اللهِ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ نَتَعَامَلَ بِهِ مَعَهُ؛ هُوَ كَلَامُ اللهِ، تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً، مِنْهُ
بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ.

وَإِذَا أَرَدْتَ الْإِفَادَةَ الْكَامِلَةَ، وَالِاسْتِفَادَةَ التَّامَّةَ مِنْ كَلَامِ رَبِّكَ جَلَّ وَعَلَا؛
فَلْتَجْعَلْ فِي يَقِينِكَ أَنَّ اللهَ يُخَاطِبُكَ بِهِ مِنْهُ إِلَيْكَ؛ لِأَنَّهُ رِسَالَتُهُ الَّتِي أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْكَ
رَسُولَهُ ﷺ فَبَلَّغَكَ، فَهَذَا كَلَامُهُ، أَدَّاهُ إِلَيْكَ رَسُولُهُ ﷺ، وَفِيهِ الْمَطْلُوبُ مِنْكَ،
فَإِذَا مَا جَاءَكَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ قُلْتَ: سَمِعْتُ وَأَطَعْتُ.

وَإِذَا جَاءَكَ الْخَبَرُ قُلْ: سَمِعْتُ وَصَدَّقْتُ؛ فَحِينَئِذٍ تُفِيدُ مِنَ الْقُرْآنِ الْفَائِدَةَ
الْجُلَّى.

وَكَذَلِكَ عِنْدَ مُرَادِكَ الِاسْتِفَادَةَ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ، مَثِّلْ لِنَفْسِكَ أَنَّكَ أَمَامَ
النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي يَأْتِيكَ يَخْرُجُ مِنْ فَمِ النَّبِيِّ ﷺ
إِلَيْكَ.. إِلَى فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ: افْعَلْ، وَلَا تَفْعَلْ!

هَلْ كَانَ يَسَعُكَ أَنْ تُخَالِفَ الرَّسُولَ ﷺ وَهُوَ يُخَاطِبُكَ فَمًا لِأُذُنٍ، وَأَنْتَ
قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ؟! هَلْ كَانَ يَسَعُكَ أَنْ تُخَالِفَهُ ﷺ؟!

وَهُوَ أَحْرَصُ عَلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ، وَلَا يَكْمُلُ إِيمَانُكَ إِلَّا بِأَنْ
تُحِبَّهُ أَكْثَرَ مِنْ مَحَبَّتِكَ لِنَفْسِكَ.

هَلْ كَانَ يَسَعُكَ أَنْ تُخَالِفَهُ؟! فَكَيْفَ بِكَلَامِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا؟!

وَإِذَا سَمِعْتَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 104].. فَأَصْغِ إِلَيْهَا، وَارْعَهَا
سَمْعَكَ، فَإِنَّمَا هُوَ خَيْرٌ تُدْعَى إِلَيْهِ، أَوْ شَرٌّ تُحَذَّرُ مِنْهُ.

وَاللهُ -تَعَالَى- الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

📔أفلا يتدبرون القرآن/ المحاضرة الثانية عشرة/ للعلامة رسلان حفظه الله تعالى/ص : ٥٢٩ - ٥٣٦]

https://t.me/fahmolquran
👍3
🔹*أُمورٌ تُحَدِّدُ عَلَاقَةَ التَّالِي
(القَارِئِ) بِالقُرْآنِ*🔹


فَمِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُحَدِّدُ عَلَاقَةَ التَّالِي بِالقُرْآنِ: بُعْدُ المُعَايَشَةِ، وَبُعْدُ اللُّغَةِ.


🔹فَأَمَّا بُعْدُ المُعَايَشَةِ: فَذَلِكَ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي يَعِيشُ مَعَ القُرْآنِ لَا يَحْتَاجُ إِلَّا
إِلَى إِيضَاحَاتٍ قَلِيلَةٍ، وَتَفْسِيرِ أَلْفَاظٍ مَعْدُودَةٍ، وَيُدْرِكُ مَقَاصِدَ القُرْآنِ بِيُسْرٍ
وَسُهُولَةٍ، وَهَذَا كَحَالِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.


🔹وَأَمَّا البَعِيدُ عَنِ القُرْآنِ الَّذِي لَا يُعَايِشُهُ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْضِيحٍ وَتَفْصِيلٍ،
وَرُبَّمَا أُشْكِلَتْ عَلَيْهِ الأُمُورُ الوَاضِحَاتُ.


🔹حَالُ الأَوَّلِ: كَمَنْ يَسْعَى فِي بَلْدَتِهِ؛ فَإِنَّهُ يَمْضِي فِي طَرِيقِهِ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ بِلَا
نَظَرٍ إِلَى الإِرْشَادَاتِ وَدُونَ سُؤَالٍ، وَرُبَّمَا اكْتَفَى بِتَلْمِيحَاتٍ سَرِيعَةٍ لِيَنَالَ مَطْلُوبَهُ
بِيُسْرٍ وَسُهُولَةٍ.


🔹وَحَالُ الثَّانِي: كَالغَرِيبِ الَّذِي لَا تَكْفِيهِ الإِرْشَادَاتُ المَكْتُوبَةُ، وَرُبَّمَا سَأَلَ
كَثِيرًا وَضَلَّ كَثِيرًا وَاحْتَارَ كَثِيرًا، وَغَابَتْ عَنْهُ حَاجَتُهُ وَهُوَ مِنْهَا قَرِيبٌ.


*قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى
السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: 37]: «مِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ حَيَّ القَلْبِ وَاعِيَهُ، تَامَّ
الفِطْرَةِ، فَإِذَا فَكَّرَ بِقَلْبِهِ وَجَالَ بِفِكْرِهِ دَلَّهُ عَقْلُهُ وَقَلْبُهُ عَلَى صِحَّةِ القُرْآنِ وَأَنَّهُ حَقٌّ، وَشَهِدَ قَلْبُهُ بِمَا أَخْبَرَ القُرْآنُ بِهِ، فَكَانَ وُرُودُ القُرْآنِ عَلَى قَلْبِهِ نُورًا عَلَى نُورٍ -يَعْنِي: نُورَ الوَحْيِ عَلَى نُورِ الفِطْرَةِ-.

👈وَهَذَا وَصْفُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ
رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [سبأ: 6]، وَقَوْلُهُ: ﴿ نُورٌ عَلَى نُورٍ ﴾
[النور: 35]، فَهَذَا نُورُ الفِطْرَةِ عَلَى نُورِ الوَحْيِ، وَهَذَا صَاحِبُ القَلْبِ الحَيِّ
الوَاعِي، يَجْمَعُ بَيْنَ قَلْبِهِ وَمَعَانِي القُرْآنِ فَيَجِدُهَا كَأَنَّهَا قَدْ كُتِبَتْ فِيهِ فَهُوَ يَقْرَؤُهَا
عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ.

👈وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَكُونُ تَامَّ الِاسْتِعْدَادِ وَاعِيَ القَلْبِ كَامِلَ الحَيَاةِ، فَيَحْتَاجُ
إِلَى شَاهِدٍ يُمَيِّزُ لَهُ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَلَمْ تَبْلُغْ حَيَاةُ قَلْبِهِ وَنُورُهُ وَزَكَاءُ فِطْرَتِهِ
مَبْلَغَ القَلْبِ الحَيِّ الوَاعِي، فَطَرِيقُ وُصُولِ هِدَايَتِهِ أَنْ يُفَرِّغَ سَمْعَهُ لِلكَلَامِ وَقَلْبَهُ
لِتَأَمُّلِهِ وَالتَّفَكُّرِ فِيهِ وَتَعَقُّلِ مَعَانِيهِ، فَيَعْلَمُ -حِينَئِذٍ- أَنَّهُ الحَقُّ».


وَأَمَّا بُعْدُ اللُّغَةِ: فَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَعْرِفُ العَرَبِيَّةَ وَأَسَالِيبَ القُرْآنِ، وَيَتَعَامَلُ
بِهَا كَثِيرًا فِي كَلَامِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجِدُ عَنَاءً فِي مَعْرِفَةِ دَلَائِلِ أَلْفَاظِ القُرْآنِ، وَإِدْرَاكِ
المُرَادِ مِنَ الآيَاتِ، وَتَصَوُّرِ المَعْنَى المَقْصُودِ فِي الآيَةِ.

👈وَأَمَّا مَنْ لَا يَعْرِفُ العَرَبِيَّةَ جَيِّدًا، وَنَصِيبٌ كَبِيرٌ مِمَّا يَعْرِفُهُ مِنَ العَرَبِيَّةِ لَا
يَسْتَخْدِمُهُ فِي كَلَامِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَتَصَوَّرُ القُرْآنَ بِلَا تَفْسِيرٍ، وَكَمْ تَمُرُّ عَلَيْهِ أَلْفَاظٌ غَرِيبَةٌ
عَلَى سَمْعِهِ أَوْ جُمَلٌ تَحْتَاجُ فِي نَظَرِهِ إِلَى تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، أَوْ يَحْتَاجُ إِلَى تَكَلُّفٍ لِتَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ، أَوْ تَمُرُّ عَلَيْهِ مَعَانٍ مُتَوَالِيَةٌ إِنْ سَعَى بِجُهْدِهِ إِلَى تَصَوُّرِهَا فَإِنَّهُ لَا
يَجِدُ بَيْنَهَا عَلَاقَةً حَاضِرَةً فِي ذِهْنِهِ، فَلَا يَمْلِكُ أَنْ يَصِفَ تِلْكَ المَعَانِيَ العَظِيمَةَ إِلَّا
بِالدُّرَرِ المُتَنَاثِرَةِ.


🔹حَالُ الأَوَّلِ: حَالُ مَنْ يَسْمَعُ المَثَلَ السَّائِرَ «العِلْمُ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي
الحَجَرِ»، فَيُدْرِكُ المَعْنَى المَقْصُودَ، وَلَا يَخْطُرُ عَلَى بَالِهِ البَحْثُ عَنْ مَعَانِي
المُفْرَدَاتِ، أَوْ تَعْرِيفِ العِلْمِ، أَوْ المَقْصُودِ بِالمَثَلِ.

🔹وَأَمَّا حَالُ الثَّانِي: فَإِنَّهُ لِبُعْدِهِ عَنِ العَرَبِيَّةِ يَسْأَلُ عَنْ مَعْنَى العِلْمِ؟ وَأَيُّ عِلْمٍ؟
وَكَيْفَ يَكُونُ العِلْمُ فِي الصِّغَرِ؟ وَعَنْ حَدِّ الصِّغَرِ؟ وَمَا مَعْنَى النَّقْشِ؟ وَلِمَاذَا ذُكِرَ
الحَجَرُ؟ وَيَجْتَهِدُ فِي البَحْثِ عَنْ مَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ بَقَاءَ العِلْمِ النَّافِعِ
الَّذِي تَعَلَّمَهُ الإِنْسَانُ فِي صِغَرِهِ يَبْقَى كَبَقَاءِ النَّقْشِ؛ وَهُوَ الحَفْرُ الجَمِيلُ فِي
الحَجَرِ الصَّلْبِ... وَنَحْوُ ذَلِكَ.

👈فَبُعْدُهُ عَنِ العَرَبِيَّةِ أَجْهَدَهُ فِي البَحْثِ عَنِ المَقْصُودِ، وَأَطَالَ فِي تَفْسِيرِالأَلْفَاظِ، وَفِي تَكَلُّفِ تَقْدِيرِ مَا يَظُنُّهُ مَحْذُوفًا، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنَ الفَهْمِ وَالإِدْرَاكِ كَمَا حَصَلَ لِلأَوَّلِ.

📔أفلا يتدبرون القرآن/ المحاضرة الثالثة عشرة/ للعلامة رسلان حفظه الله تعالى/ص : ٥٣٩- ٥٤٠ -٥٤١]

https://t.me/fahmolquran
👍2🏆2
🔹*التفسير على أربعة أوجه*🔹

إِنَّ جُزْءًا كَبِيرًا فِي مَعَانِي أَلْفَاظِ القُرْآنِ وَتَرَاكِيبِهِ مِمَّا يُعْرَفُ بِاللِّسَانِ العَرَبِيِّ،
*قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : «التَّفْسِيرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: وَجْهٌ تَعْرِفُهُ العَرَبُ فِي كَلَامِهَا، وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ، وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ العُلَمَاءُ، وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ
إِلَّا اللهُ».


*قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ: «وَمَعْلُومٌ أَنَّ تَعَلُّمَ العَرَبِيَّةِ وَتَعْلِيمَهَا فَرْضٌ عَلَى الكِفَايَةِ، وَكَانَ السَّلَفُ يُؤَدِّبُونَ أَوْلَادَهُمْ عَلَى اللَّحْنِ، فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ أَمْرَ إِيجَابٍ أَوْ أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ أَنْ نَحْفَظَ القَانُونَ العَرَبِيَّ، وَنُصْلِحَ الأَلْسُنَ المَائِلَةَ عَنْهُ، فَيَحْفَظَ لَنَا طَرِيقَةَ فَهْمِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ».

*وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: «إِعْرَابُ القُرْآنِ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ تَقُومُ مَعَانِيهِ الَّتِي هِيَ الشَّرْعُ».

*قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «فَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ لِسَانِ العَرَبِ مَا بَلَغَهُ جُهْدُهُ، حَتَّى يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَتْلُوَ بِهِ القُرْآنَ، وَمَا ازْدَادَ مِنَ العِلْمِ بِاللِّسَانِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ لِسَانَ مَنْ خَتَمَ بِهِ نُبُوَّتَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ آخَرَ كُتُبِهِ كَانَ خَيْرًا لَهُ».

👈لِذَلِكَ كَانَتْ مَعْرِفَةُ العَرَبِيَّةِ شَرْطًا لِمَنْ أَرَادَ تَفْسِيرَ القُرْآنِ؛ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ:
«لَا أُوتِيَ بِرَجُلٍ غَيْرِ عَالِمٍ بِلُغَةِ العَرَبِ يُفَسِّرُ كِتَابَ اللهِ إِلَّا جَعَلْتُهُ نَكَالًا».

👈وَعَنِ الغَايَةِ مِنْ تَعَلُّمِ اللُّغَةِ قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ: «وَالعَرَبِيَّةُ إِنَّمَا احْتَاجَ
المُسْلِمُونَ إِلَيْهَا لِأَجْلِ خِطَابِ الرَّسُولِ بِهَا، فَإِذَا أَعْرَضَ عَنْ هَذَا الأَصْلِ كَانَ أَهْلُ العَرَبِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ أَصْحَابِ المُعَلَّقَاتِ السَّبْعِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ حَطَبِ جَهَنَّمَ».


👈لِهَذَا عِلْمٌ أَنْ تَعَلُّمَ قَوَاعِدَ العَرَبِيَّةِ، وَأَنْ سَبْرَ فُنُونِهَا وَضَبْطَ أُصُولِهَا؛ إِنَّمَا هُوَ لِمَعْرِفَةِ المَقْصُودِ مِنْ كَلَامِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا، وَكَلَامِ رَسُولِهِ ﷺ، وَمَا سُمِّيَتْ مَعَ غَيْرِهَا عُلُومَ الآلَةِ إِلَّا لِهَذَا الأَمْرِ، وَمَنْ فَاتَهُ تَحْقِيقُ هَذَا المَقْصِدِ مَعَ جُهْدٍ وَتَعَبٍ وَتَعَمُّقٍ
وَتَوَسُّعٍ؛ فَقَدْ أَمْضَى عُمْرَهُ فِي غَيْرِ مَا طَائِلٍ، وَغَايَةُ مَا عِنْدَهُ أَنَّهُ يُجِيدُ تَعْلِيمَهَا لِغَيْرِهِ.

إِذَا نَظَرْنَا إِلَى بُعْدِ المُعَايَشَةِ لِكَلَامِ اللهِ ﷺ وَبُعْدِ اللُّغَةِ أَدْرَكْنَا سِرَّ فَهْمِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ لِلْقُرْآنِ دُونَ الحَاجَةِ إِلَى تَفْسِيرٍ إِلَّا فِي النَّزْرِ اليَسِيرِ، وَسَنُدْرِكُ -أَيْضًا- عَظِيمَ حَاجَتِنَا إِلَى تَفْسِيرٍ مُفَصَّلٍ لِآيَاتِ القُرْآنِ المَجِيدِ؛ عَلَى الرَّغْمِ
مِنْ أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- وَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ﴾ [النحل:
١٠٣]، وَقَوْلِهِ: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، وَقَوْلِهِ: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا
عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [الزخرف: ٣]، وَنَحْوِهَا مِنَ الآيَاتِ الَّتِي تُبَيِّنُ أَحْكَامَهُ وَيُسْرَهُ، وَأَنَّهُ تِبْيَانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَهَكَذَا تَزِيدُ حَاجَةُ النَّاسِ لِلتَّفْسِيرِ كُلَّمَا بَعُدُوا عَنْ مُعَايَشَةِ هَدْيِهِ أَوْ هَجَرُوا لُغَتَهُ .

👈وَبِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ يُقَالُ: حِينَمَا يَجِدُ القَارِئُ فِي القُرْآنِ وَصْفًا أَوْ مَعْنًى لَا يُدْرِكُهُ؛ فَلَا يَظُنَّ أَنَّهُ سَيَجِدُ فِي التَّفْسِيرِ لَفْظًا أَجْزَلَ أَوْ أَدَقَّ أَوْ أَجْمَلَ أَوْ أَوْضَحَ أَوْ مَا يُدَانِي، بَلْ غَايَةُ مَا يَذْكُرُ تَفْسِيرًا لِلْقُرْآنِ إِنَّمَا هُوَ تَوْضِيحٌ وَتَقْرِيبٌ لِلْمَعْنَى لِمَنْ بَعُدَ عَنِ القُرْآنِ مُعَايَشَةً أَوْ لُغَةً، بِاسْتِثْنَاءِ مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ، أَوْ بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ أَوْ مَا فِي حُكْمِهَا.

👈مِنَ الأَمْثِلَةِ الصَّرِيحَةِ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالَهُ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ حِينَ نَقَلَ
تَفْسِيرَ مُجَاهِدٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ [الزخرف:
٤٤]، قَالَ مُجَاهِدٌ: «يُقَالُ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: مِنَ العَرَبِ. فَيُقَالُ: مِنْ أَيِّ العَرَبِ؟ فَيَقُولُ: مِنْ قُرَيْشٍ». قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «وَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ مِنْ هَذَا بَيِّنٌ فِي الآيَةِ، مُسْتَغْنًى فِيهِ بِالتَّنْزِيلِ عَنِ التَّفْسِيرِ».

👈لَوْ عَلِمَ القَارِئُ عَيْنَ حَقِيقَةِ المَعْنَى، أَوْ شَاهَدَ المَوْصُوفَ؛ لَمَا ابْتَغَى لِلْفْظِ القُرْآنِ زِيَادَةً، وَلَا عَنْ أُسْلُوبِهِ صِيَاغَةً، وَلَا عَلَى تَرْكِيبِهِ اسْتِدْرَاكًا، وَلَا تَقْدِيرًا لِمَحْذُوفٍ، وَلَمْ يَعْدِلْ عَنِ القُرْآنِ بَدَلًا.

👈لِذَلِكَ قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ عَنِ الأَلْفَاظِ الَّتِي يُفَسَّرُ بِهَا أَلْفَاظُ القُرْآنِ:
«أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ لَا مُتَرَادِفَةٌ، فَإِنَّ التَّرَادُفَ فِي اللُّغَةِ قَلِيلٌ، وَأَمَّا فِي أَلْفَاظِ القُرْآنِ فَإِمَّا
نَادِرٌ أَوْ مَعْدُومٌ، وَقَلَّ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ يُؤَدِّي جَمِيعَ مَعْنَاهُ، بَلْ يَكُونُ فِيهِ تَقْرِيبٌ لِمَعْنَاهُ».


📔أفلا يتدبرون القرآن/ المحاضرة الثالثة عشرة/ للعلامة رسلان حفظه الله تعالى/ص : ٥٤٢-٥٤٣-٥٤٤]

https://t.me/fahmolquran