محمد مصطفى عبد المجيد
13.3K subscribers
430 photos
19 videos
65 files
1.62K links
محبٌّ للعلم وأهله
--
جدول الدروس العلمية والروابط الخاصة بالمواد المسجلة
https://t.me/mmmageed/3189

قناة الدروس الصوتية المسجلة
https://t.me/drosmmmageed

قناة التعليق على تفسير ابن عطية (المحرر الوجيز)
https://t.me/ibnatyah
Download Telegram
تعليق مختصر في توجيه كتابة كلمة (امرأة) في القرآن الكريم بالهاء والتاء

انتشر منشور لأحد أهل العلم الأفاضل يتضمّن كلامًا في توجيه الاختلاف في كتابة كلمة (امرأة) في المصحف الشريف بالهاء في مواضع والتاء في أخرى، وهو توجيه يتعلق بالمعنى، وهذا نصّ كلامه: "الزوج قد يكون من أسباب انبساط المرأة وسعادتها.
ومن اللطائف: أن كلَّ كلمة (امرأت) مضافة إلى زوجها في القرآن تُكتب بالتاء المبسوطة، كـ: (امرأتُ عمران)، (امرأتَ نوح).
وإذا لم لم تضف إلى زوجها فهي بالمربوطة (امرأة)، كـ: (إني وجدتُ امرأةً تملكهم)".

وما ذكره في توجيه اختلاف الكتابة خطأ علميّ، وكذا اعتبار ذلك من باب اللطائف، وفيما يأتي رؤوس أقلامٍ في هذه المسألة:

* أولًا: الموقف من تعليل ظواهر رسم المصحف:
يمكن تلخيص الموقف من تعليل ظواهر الرسم في اتجاهات ثلاثة:
أولها: أن اختلافات ظواهر الرسم لا تُعلَّل، وأن الاختلافات الواقعة في الرسم راجعة إلى تنوع طرق الكتابة وعدم انتظام نظام واحد لها، وهو قول طائفة من المتقدمين: نظريًّا بنصوص كلامهم، وعمليًّا في تعليقاتهم في مواضع كثيرة من كتب الرسم.
ثانيها: توجيهها من باب التعليل اللغوي، كما نعلِّل في كتابتنا -مثلًا- كتابة الهمزة على الواو في مثل (سؤال) بكذا، وكتابتها على الياء في مثل (سُئل) بكذا، وهذه طريقة بعض علماء الرسم إذا تعرّضوا للتوجيه، ولهم فيها مذاهب وآراء دارت فيها نقاشات بينهم.
ثالثها: تعليلها بما يتعلق بالمعاني، كأن يُقال: "زيادة الألف رسمًا دالة على طول المدة"، أو "حذف الألف دالة على انقباض وسرعة"، ونحو ذلك، وهو مذهب محدَث لم يعرفه متقدمو علماء الرسم، وكانت بداية ظهوره في القرن الثامن تعليقًا على بعض المواضع دون استقصاء، ثم سار عليه بعض المؤلفين، ويجمعهم في توجيههم: ادعاء السر فيما يُشكل أو يورَد على هذا الرأي.
ولكلِّ اتجاه من الثلاثة لوازم، يعنينا في هذا المقام منها:
- ما يلزم الاتجاه الأول: أنّ الصحابة كتبوا المصحف كيفما اتفقت لهم الكتابة في زمانهم، وأن بعض قواعد الكتابة لم تكن مطّردة، والتعليلُ يَفترض أن ثَمَّ علة للكتابة يُبحث عنها، وهذا الأمر عندهم يفتقر إلى دليل.
- ما يلزم الاتجاه الثاني: أنّ كتابة الصحابة للمصاحف كانت على نظام كتابي في زمانهم له قواعده وعِلله، والبحث فيها من جنس البحث عن علل الإملاء في خطِّ أي لغة من اللغات.
وكلاهما مبني على كون الكتابة عملًا بشريًّا قام به الصحابة، وأنهم لم يلتزموا نظامًا كتابيًّا خاصًّا بالقرآن الكريم يباين به غيره، سواء أقيل أن هذا النظام الكتابي موحًى به، أم أنهم ابتدعوه وجعلوه خاصًّا بالقرآن.
- ما يلزم الاتجاه الثالث: أنّ هناك نظامًا كتابيًّا خاصًّا قصده الصحابة للتعبير عن المعاني في كتابتهم، وأن هذا النظام الكتابي إمّا أنهم جاءوا به من عند أنفسهم (صورته مثلًا: قالوا سنزيد في هذه ألفًا ليفهم القارئ أن هنا طولًا في المدة)، أو أنهم تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يدركوا سرَّه (صورته مثلًا: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال لكاتب الوحي: اكتب هذه الكلمة بالواو وهذه بالياء أو افصل هذه وصِل هذه، فكتبها سواء أكان يدري علة ذلك أم لا)، فكتبوه كما عُلّموه، ثم يُفتح على مَن وقف على شيء مِن ذلك بعدها.
ولا يخفى أن الاتجاه الثالث مستقلٌّ في النظر واللوازم عن الاتجاهين الأولين، وأنّه لا بد لقائله من بيان الموقف من لازمه حيث ينبني عليه أصل فكرته، أقول: وإثبات هذا اللازم غير ممكن، والأدلة تعارضه، وتاريخ كتابة المصحف وانتساخ المصاحف بعدها ينقضه، وفي كل هذا تفصيل ومناقشات وأدلة مسرودة في مواضعها.
ثم إن الاتجاه الثالث فضلًا عن كونه مخترعًا ولا يمكن إثبات أصله ففيه إشكالان فرعيَّان آخران يُغفلهما القائل به، وهما:
- وقوع الاختلاف في رسم المصاحف: وهو منقول مأثور في كتب الرسم، وإنما يقيس القائل على ما يراه في المصحف أمامه مع الغفلة عن خلاف الرسم، ومثل هذا يقع فيه الخطأ كثيرًا ممن يوجّه المعاني في الرسم. (ملاحظة فرعيّة: هذا الإشكال لا يتنزّل في مسألة (امرأة) فالكلام فيها محل اتفاق).
- عدم اطّراد القاعدة، واللجوء إلى دعوى الأسرار في الرسم: فلا يطرد قاعدة في الزيادة أو الحذف أو الفصل أو الوصل ونحو ذلك، وإذا أشكل عليه أمر قال: لعل فيها سرًّا. ولا إشكال أن يتوقف ناظرٌ في مسألة وأن يجهل أخرى، لكن الإشكال في دعوى أصل يُعتمد عليه دون حُجة، فيبقى له كون هذا الأمر مستنبطًا من جملة الفروع، ثم يكون تعامله مع الفروع انتقائيًّا ويُحال كثير منها -بل أكثرها- على الأسرار.

والخلاصة هنا: أن الاتجاه الثالث بتعليل ظواهر رسم المصحف بالمعاني لا يستقيم إلا بتثبيت مقدمته من احتمالية كون ذلك مقصودًا، إمَّا من الشارع وإما من الكتبة، ولا يصح الانتقال إلى المسائل الفرعية دون تثبيت هذا الأصل أولًا.

=
👍7❤5💯1
محمد مصطفى عبد المجيد
تعليق مختصر في توجيه كتابة كلمة (امرأة) في القرآن الكريم بالهاء والتاء انتشر منشور لأحد أهل العلم الأفاضل يتضمّن كلامًا في توجيه الاختلاف في كتابة كلمة (امرأة) في المصحف الشريف بالهاء في مواضع والتاء في أخرى، وهو توجيه يتعلق بالمعنى، وهذا نصّ كلامه: "الزوج…
=

* ثانيًا: تنزيل الكلام المذكور في كلمة (امرأة) على ما ذُكر في اتجاهات توجيه رسم المصحف، ولوازمه:

وكلامي في هذه النقطة ليس فيه جديد إلا تنزيل المسألة، وإعادة الكلام بإيجاز حول اللوازم مرتبطةً بهذه المسألة خاصة.
توجيه القول في كتابة (امرأة) أنها تكتب بالتاء منبسطة إذا أضيفت للزوج ويُلاحظ فيه معنى الانبساط أو السعادة، وتُكتب بالهاء إذا لم تُضف إلى زوج = راجع إلى الاتجاه الثالث من التوجيه الراجع إلى المعاني، وعلى فرض التسليم بأن كل المواضع التي وردت فيها التاء يُلحظ فيها هذا المعنى فلا محيد عن إلزام من هذه الإلزامات الثلاثة:
1- أن يكون العرب في كتابتهم قد فرّقوا بين المعاني من خلال تغيير صورة الحرف، ويستوي في ذلك كتابتهم في القرآن وغيره.
2- أو أن يكون الصحابة في كتابتهم قد قصدوا إلى هذا التفريق في المعنى بتغيير صورة الحرف، فيكون من نظام القرآن الكتابي الخاص.
3- أو أن تكون هذه الكتابة بوحي من الله تعالى له، علّمها النبي صلى الله عليه وسلم صحابته، فكتبوها على هذه الصورة، علموا حكمة التفريق أم لم يعلموها.
ودون إثبات واحدة من الثلاث خرط القتاد!
(وقلت على فرض التسليم؛ لأن (امرأت فرعون) لا يُقال فيها انبساط بحال، و(امرأت نوح) و(امرأت لوط) يَرِد عليهما ما يَرِد، ولكن سنُسلّم بما قيل في كل ذلك بعيدًا عن الاعتراضات التفصيلية؛ لمعالجة أصل المسألة).


* ثالثًا: القول في اطّراد كتابة كلمة (امرأة) بالتاء حال الإضافة، وبالهاء في غيرها:
ممّا يُلحظ في هذه المسألة في التفريق بين (امرأت) و(امرأة) اطّراد كتابة الكلمة بالتاء حال الإضافة، وبالهاء في غير الإضافة، وألخص الكلام في هذه المسألة في نقاط، وفيها الكلام عن لازم هذا الاطّراد، وأقصى ما يدلّ عليه:
1- هذا الاطراد لحظه علماء الرسم منذ قديم ونصًّوا عليه، وليس اكتشافًا متأخرًا أو حادثًا، ومن ذلك قول المهدوي: "كل ما في القرآن منها [أي: من كلمة امرأة] غير مضاف فهو بالهاء، وفيه سبعة مواضع مضافة كتبت بالتاء"، ومثله كثير.
2- إشارتي إلى نصّ علماء الرسم على هذه المسألة وملاحظة هذا الاطراد فائدته: ملاحظة تعاملهم معها وتوجيههم لها، وفي المسألة الكليَّة: اعتباره مثالًا على سُنّتهم في مثل هذا التوجيه.
3- على الاتجاه الأول من عدم التعليل بأي صورة من العلل: فتوجيههم لا يتعلق بكونها مضافة أو غير مضافة، بل هو أمر نقلي بحت غير معلّل.
والمقصود هنا بالتعليل المنفيّ: تعليل المغايرة بين (امرأت) و(امرأة)، وإلا فتعليل كل صورة في نفسها قائم عند هذا الفريق وكثيرٌ في كتب الرسم، بأن تُعلل الكتابة بالتاء بمراعاة الوصل، وتُعلل الكتابة بالهاء بمراعاة الوقف. وثَمّ فرق دقيق هنا بين التعليل للموضع، والتعليل للعدول عن صورة إلى أخرى أو بعبارة أخرى: تعليل المغايرة بين المواضع.
4
- على الاتجاه الثاني: فالتعليل لغويّ من جنس تعليلات الإملاء في أي لغة من اللغات، فقد يُقال: أنهم كتبوا الكلمة حال الإضافة بالتاء، وكتبوها حال غير مضافة بالهاء، وهذا من جنس تعليل مَن علَّل كتابة (عمرو) بالواو للفرق بينها وبين (عمر)، وتعليل مَن علَّل كتابة (الذين) بلام واحدة لكثرة الاستعمال أو للفرق أيضًا مع (اللذين) على التثنية، ونحو ذلك.
وهذا أقصى ما يُمكن أن يُقال في التعليل على طريقة أهل العلم، وعلى الأصول التي بني عليها النظر في الرسم وتاريخه وغير ذلك مما أشير إليه سلفًا.
5- هذا التعليل اللغوي قد يُعترض عليه بأمرين:
- عدم اطّراده في المضافات الأخرى: مثاله (نعمة الله) كتبت مضافة بالهاء وبالتاء.
- عدم النظير: في اختلاف كتابة الكلمة حال الإضافة وعدمها.
وقد يُضاف إلى ذلك اعتراضات أخرى، وليس هذا محل إيراد الاعتراضات، بل المقصود: بيان أقصى ما يُمكن أن يُوصل به على قواعد العلم إذا لوحظ اطّراد المسألة.
وعلى هذا: فلا يصح الاحتجاج بالاطّراد على تصحيح التوجيه المتعلق بالمعنى (على الاتجاه الثالث) إلا بثبيت الأصول التي يُبنى عليها القول أولًا والتزام أحد لوازمها، واطّراد ظاهرة ما في الرسم أقصاه أن يُستدل به على تعليل لغوي من جنس تعليلات الإملاء.

=
❤8👍2
محمد مصطفى عبد المجيد
= * ثانيًا: تنزيل الكلام المذكور في كلمة (امرأة) على ما ذُكر في اتجاهات توجيه رسم المصحف، ولوازمه: وكلامي في هذه النقطة ليس فيه جديد إلا تنزيل المسألة، وإعادة الكلام بإيجاز حول اللوازم مرتبطةً بهذه المسألة خاصة. توجيه القول في كتابة (امرأة) أنها تكتب بالتاء…
=
* رابعًا: خاتمة حول اعتبار مسألة ما من اللطائف:
لا شك أنّ في العلم لُبًّا ومُلَحًا، وأن من المقول ما يُشمّ ولا يُفرَك، ومنه ما يُذكر من باب اللطائف ولا يُحاكم كمتين العلم، أو يُذكر استئناسًا به فحسب ولا يُجاوَز به ذلك، إلا أنّ هذا الباب لا يصلح أن يكون سبيلًا لإمرار كل ما أشكل علميًّا في أي فرع من فروع العلم، ولا ينبغي أن يكون تُرسًا يُتترَّس به من سهام النقد العلمي وكأنه صكّ براءة مِن القول بغير علم؛ وإلا فلمثل هذا النوع من المسائل ضوابطُ عامّة وأصولٌ كليّة، وهي وإن كانت في بعض العلوم والمسائل ليست منصوصة مسبوكة في عبارات من جنس الأصول والقواعد والضوابط فإنها -كما لا يخفى على مشتغل بعلم من العلوم- تنقدح في نفس المتخصّص في هذا العلم الذي تنتسب إليه تلك اللطيفة، وهذا من جزئيات ملَكة العلم التي تُحصل بكثرة النظر فيه والاشتغال به.
وتلك مسألة أرى فيها تلك العجالة المقتضبة مراعيةً للمقام؛ فإنّ المشتغل بعلم من العلوم تكفيه منها هذه التذكرة ليقيس ما كان في غير شُغله على ما كان مِن شُغله، وغير المشتغل اشتغالًا حقيقيًّا بعلم من العلوم لن يحصّل كبير فائدة من تطويل الكلام في تقريرها.
ولعلها إشارة كافية لطلاب العلم لبيان غلط تسويغ مسألة لا تُعرف أصولها ولا لوزامها تحت مسمى "اللطيفة" ونحوها، وأنّ هذا من مفسدات العلم، ومن مخالفة قانونه.

نسأل الله أن يعلمنا ويرشدنا ويهدينا سواء السبيل.
والحمد لله رب العالمين.


#رسم_المصحف
❤10👍4💯2
386 المزمل من 9 إلى آخرها
محمد مصطفى عبد المجيد
🔉 386 تفسير الإيجي | المزمل من 9 إلى آخرها

🔸 soundcloud
🔹 youtube

🔘🔘🔘🔘

https://t.me/mmmageed
❤3
محمد مصطفى عبد المجيد
البحث التاريخي للأقوال بحثٌ مهمٌّ، وقد يكون بحثُ مسألةٍ ما مقتصرًا على بحثها تاريخيًّا، وقد يكون البحث التاريخي جانبًا من جوانب بحثِها ثم يقتصر عليه الباحث، ولا إشكال في ذلك إذا كان مدركًا لمحل بحثه من المسألة، وطبيعة النتائج التي يُمكن تحصيلها منها، والعلوم…
أكثر ما اطلعت عليه من مناقشات هذه الأيام فيما يدور حوله خلاف من مسائل الوقف والابتداء في المسابقة القائمة حاليًا = أجنبي عن العلم، سواء ما كان نقلًا أو حشدًا لأقوال القائلين أو الناقلين دون نظر في أصل المسألة، أو ما هو أدهى من ذلك من اعتبار هذه المسائل ذوقية محضة! والعجيب أن يصدر هذا الكلام مِن بعض مَن ينتسب للقراءة.
ولا عتب على عوام الناس إذا كان من يزعمون الاختصاص يتعاملون مع المسائل بهذه الطريقة، وما اغترب العلم إلا بتقصير حامليه ووهنهم، ورخاوة أيديهم في الأخذ به.

#الوقف_والابتداء
❤21👍4😢2
محمد مصطفى عبد المجيد
أكثر ما اطلعت عليه من مناقشات هذه الأيام فيما يدور حوله خلاف من مسائل الوقف والابتداء في المسابقة القائمة حاليًا = أجنبي عن العلم، سواء ما كان نقلًا أو حشدًا لأقوال القائلين أو الناقلين دون نظر في أصل المسألة، أو ما هو أدهى من ذلك من اعتبار هذه المسائل ذوقية…
في قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان)
كيف يُنظر في مسألة الوقف على (قريب) والابتداء بـ(أجيب)؟


أصل النظر في اتصال اللفظ -أي: الإعراب- بين قوله: (أجيب دعوة الداع إذا دعان) بما قبله:
فجملة (أجيب) إن كانت خبرًا ثانيًا لـ(إنّ) = لا يصح الابتداء بها، فلا يفصل بين اسم إنّ وخبرها، ويكون الوقف على (قريب) حسنًا: يجوز الوقف عليها، ولا يجوز البدء بـ(أجيب).
وإن كانت الجملة نعتًا لـ(قريب) = لا يصح الابتداء بها، فلا يُفصل بين النعت ومنعوته، ويكون الوقف على (قريب) حسنًا أيضًا.
وإن كانت الجملة مستأنفة = صح الابتداء بها، ويكون الوقف على (قريب) كافيًا.
فمدخل الكلام في المسألة راجع إلى محل الجملة الإعرابي للنظر في اتصال اللفظ بما قبله.
وتغليط الابتداء بها أو تضعيفه إنما يتّجه إلى تغليط الإعراب الذي يفصلها لفظًا عمّا قبلها أو تضعيفه، فالابتداء بها مقتضاه كونها استئنافًا أو ما يجعلها غير متصلة إعرابيًّا بما قبلها، فيناقَش إعرابُها ويتفرع عليه الحكم.
ولا يمكن مناقشة هذه المسألة دون النظر في الإعراب ولوزامه في الوقف والابتداء.

تنبيهات:
- الاحتجاج بقراءة مَن قرأ بذلك = تقليد، وهو سائغ إذا كان المقلَّد أهلًا لذلك، ومثله الاحتجاج بعلامات المصحف، لكن لا ينبغي أن يُنزّل التقليد غير منزلته؛ فيُظَن دليلًا أو حجّةً في نقاش علميّ.
- ورود الوقف في كتب الوقف ليس دليلًا على صحته أو سواغه، ومسائل الوقف مسائل دراية، والرواية فيها تبع.
- الاعتراض بالوقف في السطر الواحد أكثر من مرة = لا علاقة له بالعلم، وإنما هي أمور ذوقية استحسانية.
- هذا المنشور ليس في حكم الوقف أو الابتداء في هذه الآية؛ بل في كيفية النظر، فليُنتبه لذلك.


#الوقف_والابتداء
❤16👍9
في قوله تعالى: (وآتاكم مِن كلِّ ما سألتموه)
كيف يُنظر في مسألة الوقف على (كل) والابتداء بـ(ما) على معنى النفي؟


أول النظر في هذه المسألة في الكلام على القراءة في الآية:
فقراءة العشرة: بإضافة (كل) إلى (ما).
وقرئ في الشاذ: بتنوين (كلٍّ)، فلا تكون مضافة إلى (ما).

* أما في قراءة العشرة المقروء بها:
فـ(كل) مضاف، و(ما) مضاف إليه، وهي موصولة أو نكرة موصوفة، ولا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه.
وعليه فلا يجوز الوقف على (كل)، ولا يجوز الابتداء بـ(ما)، ولا تُقرأ إلا موصولة.

* أما على القراءة الشاذّة:
فـ(كل) ليست مضافة إلى (ما)، و(ما) تحتمل أمرين:
الأول: أن تكون نافية، والمعنى: وآتاكم من كل شيء لم تسألوه، أو غير سائليه.
والثاني: أن تكون موصولة، ويكون المعنى مقاربًا لمعنى القراءة الأولى المقروء بها.
- فأمَّا على الأول من كونها نافية:
فـ(ما سألتموه) يحتمل أن يكون حالًا وهو الأظهر والأسلم من التقدير، والمعنى: غيرَ سائليه، ولا يُفصل بين الحال وصاحبه، فلا يوقف على (كل)، وقد يُخرَّج الوقف على اعتباره على سبيل البيان، لكن لا يبتدأ بـ(ما) أيضًا.
ومَن صحّح الابتداء بـ(ما) على القراءة الشاذة فتخريجه على اعتباره استئنافًا، ويفتقر إلى تقدير، وهذا الابتداء قيل به في هذه القراءة.
- وأمّا على الثاني من كونها موصولة:
فـ(ما) مفعول ثان للفعل (آتى)، فلا يُفصَل عن عامله.

وعليه؛ فمَن وقف على (كل) وابتدأ بـ(ما) فإنَّما يتخرّج وقفُه على وجه في قراءة التنوين، ولا يصح على ما هو مقروء به في العشر، ومَن وقف على (كل) وابتدأ بـ(ما) فهو في حقيقة الأمر يقرأ بالشاذّ على وجه من وجوه تخريجه.

وأختم الكلام بإشارة مهمّة؛ وهي أن بعض الكرام يظن أن للقارئ أن يبتكر وقفًا ليُوصل معنى جديدًا، وربما حكوا مثل هذه الوقوف استحسانًا، وهذا غلط؛ لأن الوقف الذي يوصِل معنى جديدًا يفتقر إلى تصحيح هذا المعنى أولًا، فعمل القارئ القاصد لهذا يُجاوز القراءة إلى التفسير، وليس القرآن محلًّا لتقليب المحتملات أيًّا كانت؛ بل القصد فيه للمفسر والقارئ والمتدبِّر والعامل هو مرادُ الله سبحانه وتعالى، ووظيفة القارئ البلاغ عن الله، ومراعاة الوقف والابتداء يدخل في جملة البلاغ عن الله تعالى إذا اعتبرنا: تفرُّعه عن المعنى المراد لله تعالى، وأثره في المعنى المتلقَّى عند السامع.

وأنبّه على ذلك لغلبة الظن أن مُستحسِن مثل هذا الوقف والابتداء في هذه الآية لم يخطر بباله إعراب ما يقرأ، ولا معنى (ما)، ولا الكلام على القراءة، ولا ما سوى ذلك مما يتعلق بالمسألة، وإنما بنى استحسانه على فكرة في ذهنه وهي: تسويغ تقليب الوجوه بهذه الطريقة دون الانتباه إلى أمرين: فساد الأصل الذي تفرّعت عليه، وحقيقة اللوازم المتعلقة بها.
والله تعالى أعلم.


#الوقف_والابتداء
❤12👍10
محمد مصطفى عبد المجيد
في قوله تعالى: (وآتاكم مِن كلِّ ما سألتموه) كيف يُنظر في مسألة الوقف على (كل) والابتداء بـ(ما) على معنى النفي؟ أول النظر في هذه المسألة في الكلام على القراءة في الآية: فقراءة العشرة: بإضافة (كل) إلى (ما). وقرئ في الشاذ: بتنوين (كلٍّ)، فلا تكون مضافة إلى (ما).…
على ذكر مسألة الوقف في (وآتاكم من كل ما سألتموه) نعرّج على مسألة:

:: توجيه قطع الكلمة (كل ما) في رسم المصحف عند معلّلي الرسم ::

في أغلب مصاحفنا كتبت (كل ما) مقطوعة في هذا الموضع من سورة إبراهيم، وكذا في موضع سورة النساء الثاني (كل ما ردوا إلى الفتنة)، وموضع سورة المؤمنون (كل ما جاء أمة رسولها كذبوه)، فهذه ثلاثة مواضع.
وما سواها وهي خمسة عشر موضعًا كتبت موصولة: (كلما).
وأثبت ابن الجزري القطع في موضع إبراهيم، والخلاف في موضع النساء: ("وكل ما سألتموه" واختلف .. "ردوا"...)، وينقل الشُّرَّاح الخلاف في مواضع والاتفاق في أخرى بحسب ما بلغهم من ذلك، وإنما ذكرت ابن الجزري -وهو متأخر- لشهرة تقريراته عند المتأخرين.
وما سبق من الكلام هو الأشهر والأكثر تداولًا بين طلاب العلم.

أمَّا عن كتابة (كلما) بالقطع أو الوصل فهما طريقتان في كتابة الكلمة، لا يترتب عليهما فرق في معنى، وإن ترتب عليهما فرق في الوقف الاختباري، والمعتمد فيه: مراعاة المرسوم لا غير.

وأمّا الموجّهون للرسم بالتعليلات المعنوية فجُلُّهم يعتمد على ما ذكره ابن البنّاء في موضعي سورة النساء وإبراهيم من كون المذكور أنواعًا مختلفة: ففي سورة النساء ما رُدوا إليه أنواعٌ مختلفة في الوجود وصفةُ الرد ليست واحدة، وفي سورة إبراهيم ما سألوه أنواعٌ مختلفة وليس شيئًا واحدًا، وهو غلط بعدة اعتبارات، بيانها:
أولًا: ببيان فساد الأصل المعتمد عليه (ويمكن مراجعة هذا المنشور بتوابعه في بيان أصل الفكرة بإيجاز).
ثانيًا: بالإلزام بتعدُّد الأنواع في بعض ما وردت فيه (كلما) موصولة. (مثاله: في سورة نوح "وإني كلما دعوتهم": لماذا لا يُقال تعدد صور الدعوة وطرائقها؟ وإن كان كذلك فلم كتبت موصولة؟).
ثالثًا: عدم اطّراد مراعاة القطع والوصل لمراعاة معنى التعدّد في غيره، أو على الأقل: عدم النظير.
رابعًا: ما يتعلّق بالاختلاف في الرسم.

ولن أتعرض للكلام في الثلاثة الأولى، لكن سيختصّ الكلام الآتي بالنقطة الرابعة:
سلّم الموجِّهُ للرسم بأن الثلاثة مقطوعة ووجَّهَ المعنى على ذلك بالتعدُّد (ويُلاحظ أن كلامهم المنقول عن ابن البنّاء يدور على موضعين دون موضع سورة المؤمنون)، وأنّ ما سواها موصول، ولم يلتفت إلى اختلاف الرسم المنقول عن أهل العلم في ذلك، وفيما سبق من كلام إلماحٌ إلى هذا الخلاف، ثُمّ فيما يأتي إشارة أوسع إلى الخلاف اختصرتها من (معجم الرسم العثماني) للحميري، واقتصرتُ فيها على الخلاف المنقول عن الأئمة دون ما ذكره ممّا رآه في المصاحف:
1- موضع النساء الأول (كلما نضجت جلودهم):
ذكره أبو داود والجهني موصولًا، وذكره الأندرابي بالقطع.
2- موضع النساء الثاني (كل ما ردوا إلى الفتنة): ذكره بالقطع المهدوي والجهني، وذكره الأندرابي موصولًا، وذكره بالخلاف: الداني وأبو داود والشاطبي، وجعل ابن الأنباري الخلاف في مصاحف العراق.
3- موضع الأعراف (كلما دخلت أمة لعنت أختها):
ذكره بالوصل الجهني، وذكره بالقطع الأندرابي، وذكره بالخلاف: ابن الأنباري والمهدوي والداني والشاطبي.
4- موضع الإسراء (كلما خبت زدناهم سعيرًا): ذكره بالوصل الجهني، وذكره بالقطع الأندرابي.
5- موضع المؤمنون (كل ما جاء أمة رسولها): ذكره بالقطع أبو داود، وذكره بالوصل الجهني والأندرابي، وذكره بالخلاف: ابن الأنباري والمهدوي والداني وأبو داود والشاطبي.
6- موضع الملك (كلما ألقي فيها فوج): ذكر بالوصل الجهني، وذكره بالقطع الأندرابي، وذكره بالخلاف: ابن الأنباري والداني وأبو داود والشاطبي والمهدوي.
7- موضع نوح (وإني كلما دعوتهم): ذكره بالوصل أبو داود والجهني، وذكره بالقطع الأندرابي.

فيلزم الموجّه للرسم على المعنى أن يذكر: ما موقفه من هذا الخلاف؟ وعلى أي مذهب في الرسم يستقيم توجيهه؟ وما الذي يجعله يقدّم مذهبًا على آخر؟
والواقع أننا لو سلّمنا بإمكان التعليل المعنوي للرسم -وهو غير مُسلَّم- فإنّ هذا التعليل المخصوص تعليلٌ فاسد، وكل موضع موصول -مما اتفق عليه أو اختلف فيه- لو قيل لمن لا يعلم حاله أنه مقطوع لأمكنه حمله على نفس العلة، ويمكنك أن تجرّب هذا في كل موضع، فإذا أُعلم أنه موصول نزع عنه العلة وحمل الكلام على ضدّه، فصار الأمر إلى ضَرْب من العبث والخرص والتقوّل.

والله تعالى أعلم.


#رسم_المصحف
👍6❤4
هذه فائدة منهجيّة عزيزةٌ غاليةٌ بثَّها العلامة السفّاريني رحمه الله عن شيخه العلامة التغلبي رحمه الله شارح دليل الطالب.

وفيها وقفتان:
⏺الأولى:
أنَّ المطالعة شيء، والقراءة شيء آخر.
فالمطالعة هي أشبهُ شيءٍ بجَرْد المُطوَّلات التقاطًا لنُخَب فوائدها.
والقراءة هي أشبهُ شيءٍ بالدَّرس والوقوف الطويل والتأمُّل الدّقيق والبحث والتحقيق.

فطالب العلم يحتاج إلى الجمع بين:
🔸توسعة المعرفة، وطريقه: المطالعة الواسعة الكثيرة.
🔸تحقيق المعرفة، وطريقه: القراءة المقتصدة المتأمِّلة.

⏺الثانية:
أنَّ كثرة التَّحصيل نقصٌ في الإدراك، وقلَّة التَّحصيل زيادةٌ في الإدراك.
وهذا ما يدلُّ عليه قوله: «من قرأ في كل يوم مسألة؛ صار عالما في سنة، ومن قرأ في كل يوم مسألتين، صار عالما في سنتين»!

مع أنَّ القياس أن الذي يزيد في المسائل يقطع مفازات العلم أوَّلا، لكن الشيخ رحمه الله لحظ أنَّ المستكثر لا يضبط ولا يحقِّق، والمستقِلَّ يضبط ويحقق؛ فهو أسبق من الأوَّل وأحقُّ بنيل حقيقة العلم!

💡وعبارة التغلبيِّ مستفادةٌ من مجموع الشيخ الكريم سدده الله:
https://t.me/Alhanabla/1562
Please open Telegram to view this post
VIEW IN TELEGRAM
❤11👍5
:: الوقف على (إلافهم)، والابتداء بـ(رحلة) في قوله تعالى: (إلافهم رحلة الشتاء والصيف) من سورة قريش ::

ممّا شاع عند بعض القراء: الوقف على قوله تعالى: (إلافِهم)، ثم الابتداء بقوله: (رحلةَ)، فيقرأ: (لإيلاف قريشٍ إلافهم) وقف (رحلةَ الشتاء والصيف).
وكلٌّ من الوقف على (إلافهم) والابتداء بـ(رحلة) خطأ لا وجهَ له، وبيان ذلك أولًا بالكلام عن تركيب الكلام وإعرابه، ثم الكلام عن حكم الوقف والابتداء في الآية.
وأنبّه على أن رسم الكلمة في الآية الأولى بإثبات الياء (لإيلاف)، ورسمها في الثانية بحذفها (إلافهم)؛ فلا يُظن أن ثمَّ خطأ في كتابة المنشور.

* تركيب الآية وإعرابها:
- في الآية الأولى: كلمة (إيلاف) مجرورة باللام، و(قريش) مضاف إليه.
- في الآية الثانية: (إلافهم) بدل من (إيلاف) في الآية الأولى أو عطف بيان، وهو مصدر مضاف إلى الفاعل، وهو ضمير الهاء العائد على (قريش).
و(رحلة) مفعول به للمصدر.
وهو كقولك: (استمعتُ إلى قراءةِ زيدٍ قراءتِه القرآنَ).

* الكلام عن الوقف والابتداء في الآية:
وفيه مسألتان: الابتداء بـ(رحلة)، والوقف على (إلافهم).
1- الابتداء بـ(رحلة):
سبق أن (رحلة) هي مفعول المصدر (إلافهم)، ولا يجوز الفصل بين العامل ومعموله، وهذا ممّا يفكّك نظم الكلام، ويُبهم المراد على السامع إذا سمع ابتداءً بكلمة (رحلةَ) منصوبة.
فعلى هذا: لا يجوز الابتداء بـ(رحلةَ)، وهو ابتداء قبيح.
2- الوقف على (إلافهم):
والفرق بين المسألتين: أن القارئ ربما رأى أن يقف على (إلافهم)، ثم يعيدها ولا يبتدئ بـ(رحلة)، فيتخلص ممّا ذكرتُه سابقًا من الابتداء القبيح، فاحتيج إلى بيان حكم الوقف على (إلافهم).
كما سبق أن (إلافهم) بدل من (إيلاف قريش) أو عطف بيان، وفائدتُه في متعلَّقه الذي يحصل به هذا البيانُ والتفصيلُ بعد الإجمال، وهو المفعول: (رحلة الشتاء والصيف).
وذلك كما تقول: (استمعتُ إلى قراءةِ زيدٍ قراءتِه القرآنَ)؛ فـ(قراءة) الثانية بدل أو عطف بيان من الأولى، يتحصَّل البيان فيها من المفعول وهو (القرآن).
فمَن قرأ (لإيلاف قريش إلافهم) ووقف = فقد أفسد المعنى؛ لأنه وإن وصل البدل بالمبدَل منه فقد سلبه فائدته في المعنى، وأوهم كونه تأكيدًا، كمن يقول في المثال السابق: (استمعت إلى قراءةِ زيد قراءتِه) ووقف.
ومما يُشبه ذلك -لا يُطابقه-:
قوله تعالى: (اهدنا الصراطَ المستقيمَ صراطَ الذين أنعمت عليهم): فـ(صراط) الثانية بدل من الأولى، ولا يجوز أن يقرأ: (اهدنا الصراطَ المستقيمَ صراط) ويقف.
وقوله تعالى حكاية عن فرعون: (لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات): فـ(أسباب) الثانية بدل من الأولى، ولا يجوز أن يقرأ: (لعلي أبلغ الأسبابَ أسباب) ويقف.
وعلى هذا: فالوقف على (إلافهم) وقف قبيح، وإن لم يبتدئ بـ(رحلة) وأعاد كلمة (إلافهم).

* إذًا كيف تُقرأ هذه الآية؟

الأمر في ذلك أهون من تعسُّف المتعسِّفين، وتقليد المُغرِبين:
فإمّا أن تقف على رأس الآية، فتقرأ: (لإيلاف قريش) وقف ثم تقرأ: (إلافهم رحلة الشتاء والصيف).
وإمّا أن تصلهما كاملتين فتقرأ: (لإيلاف قريشٍ إلافهم رحلة الشتاء والصيف) دون وقف على كلمة منها.

والله تعالى أعلم.


#الوقف_والابتداء
👍13❤9
Live stream finished (56 seconds)
Live stream finished (1 hour)
387 المدثر الآيات 1-17
محمد مصطفى عبد المجيد
🔉 387 تفسير الإيجي | المدثر الآيات 1-17

🔸 soundcloud
🔹 youtube

🔘🔘🔘🔘

https://t.me/mmmageed
❤5
هناك فرق بين البحث الذي يُقصد به تدريب الباحث على البحث ويكتسب به مهارة يستفيد منها بعد ذلك في سيره العلمي، والبحث الذي يُقدّم شيئًا جديدًا وإن دقَّ، سواء أكان للمتخصصين أم لعموم المسلمين.
وكثير من موضوعات الرسائل الجامعية والأفكار البحثية المقترحة في العلوم هي مِن النوع الأول، وهذا لا يعيبها، إنما يعيبها أن تنزَّل غير منزلتها، وتوضع في غير محلّها.
👍6
محمد مصطفى عبد المجيد
هناك فرق بين البحث الذي يُقصد به تدريب الباحث على البحث ويكتسب به مهارة يستفيد منها بعد ذلك في سيره العلمي، والبحث الذي يُقدّم شيئًا جديدًا وإن دقَّ، سواء أكان للمتخصصين أم لعموم المسلمين. وكثير من موضوعات الرسائل الجامعية والأفكار البحثية المقترحة في العلوم…
مما يتعلق بذلك: تعداد الأفكار البحثية في تفسير من التفاسير المحققة حديثة الصدور؛ فبمجرد صدور كتاب جديد يُعدّد بعض الباحثين مجالات للبحث في الكتاب مبنية على نظرة شديدة الإجمال للكتاب.
وأكثر الأفكار المقترحة قد تصلح لأن تكون مجالًا تدريبيًّا للباحث يحصّل من خلاله مهارةً بحثيةً وشيئًا من الدُربة في البحث والجمع والتحليل، أمّا ناتج بحثِه فالأصلح لصاحبه أن يكون مآلُه رفَّ مكتبتِه كذكرى طيبة لإحدى مراحل تحصيله ولا ينبغي أن يُجاوَز به ذلك، وهذا إذا تجاوزنا أفكارًا كثيرة غير صالحة أصلًا على المستويين: التدريب البحثي، أو تقديم نتائج ذات جدوى للباحثين.
وأضرب لذلك مثالًا في كتاب جردناه سابقًا في القناة، وهو (فتح الرحمن في تفسير القرآن) لمجير الدين العليمي:
فهذا تفسير متوسط الحجم، له عناية بصياغة العبارة مراعيًا أصل المعنى اللغوي في كثير من المواضع، يتوسّع في إيراد القراءات أصولها وفرشها، ويتوسع نسبيًّا في ذكر الأحكام الفقهية، وكذا في القصص والأخبار، وفيه ملامح أخرى كثيرة بطبيعة الحال، لكن هذه نقاط مختصرة حول الكتاب اخترتُها لأبني عليها ما يأتي.
بنظرة إجمالية للكتاب ربما تُقترح موضوعات -وبعضها بُحث- من قبيل: القراءات عند العليمي، تفسير آيات الأحكام عند العليمي، أصول التفسير عند العليمي، الإسرائيليات عند العليمي، ونحو ذلك من القائمة الطويلة التي يغيّرون فيها أسماء التفاسير فقط.
ولكن إذا نظرنا نظرة موضوعية للكتاب سنجد مثلًا أن القراءات عنده نقل عن ابن الجزري ولا زيادة فيها تستحق أن تُدرس، ثم لا زيادة عنده على غيره في توجيهها، وتفسير آيات الأحكام عنده هي نقل لمشهور المذاهب ولا شيء فيها يستحق الدراسة رأسًا، أما بالنسبة لأصول التفسير عنده بتفرعات موضوعاته (الخلاف - المرجحات - طرق التفسير - ...) فتفسيره نقل واختصار، وربما يُدرس منهجه في الاختصار في بحث قصير أو مقالة علمية.
فإذا نظرنا لعملية البحث باعتبارها عملية تدريبية للباحث فبعض هذه الموضوعات -وزد عليها- ربما تكون مناسبة للعمل عليها لهذا الغرض فحسب، مع التنبيه أن بعضها قد لا يصلح رأسًا حتى على هذا المستوى.
وإذا نظرنا لجدوى البحث وفائدته فهذا ينبني أولًا على معرفة منهج المؤلف معرفة حقيقيّة عميقة تكشف عن جدوى دراسة هذه الموضوعات والمسائل فيه، وهذا ما ينبغي أن تنهض به ابتداءً الدراسات في منهج المفسر، والتي ستكشف بالتبع عن الثغرات البحثية التي تحتاج إلى مزيد عناية ونظر وبحث في هذه التفاسير، أو تخرج بنتيجة في بعض الموضوعات مقتضاها أن لا جدوى من بحث هذه المسائل أو الموضوعات فيه.
وتلك إشارة سريعة قاصرة..
❤8👍3
حاصر النبي صلى الله عليه وسلم الطائف في آخر العام الثامن للهجرة، فلم تفتح عليه، وانصرف بأصحابه إلى المدينة، ثم قدم أهل الطائف مسلمين في رمضان من العام التاسع.

قال ابن كثير -رحمه الله- في "البداية والنهاية" ملاحظًا طرفًا من الحكمة في تأخر فتح الطائف مستحضرًا قصة خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف قبل هجرته إلى المدينة:

"وكانت الحكمة الإلهية تقتضي أن يؤخر الفتح عامئذ لئلا يستأصلوا قتلًا؛ لأنه قد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم لمّا كان خرج إلى الطائف فدعاهم إلى الله تعالى وإلى أن يئووه حتى يبلغ رسالة ربه عز وجل، وذلك بعد موت عمه أبي طالب، فردّوا عليه قوله وكذبوه، فرجع مهمومًا، فلم يستفق إلا عند قرن الثعالب، فإذا هو بغمامة، وإذا فيها جبريل، فناداه ملك الجبال فقال: يا محمد، إن ربك يقرأ عليك السلام، وقد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل أستأني بهم; لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده وحده لا يشرك به شيئًا»، فناسب قوله: «بل أستأني بهم» أن لا يفتح حصنهم لئلا يقتلوا عن آخرهم، وأن يؤخر الفتح ليقدموا بعد ذلك مسلمين في رمضان من العام المقبل".
❤15👍5