على منهاج النُّبُوَّة ٩
ما لي أراك منكسراً؟
عاد المسلمون من أُحُدٍ بالهزيمة، وهزيمةٌ تُربيك وتكسرك وتُريك خطأك خير من نصرٍ يُطغيك! أراد الله سبحانه أن يُربي هذه الأمة ويُخبرها أن لا نصر إذا لم يُطَعْ عبده ورسوله!
ولأن فقد الأحبة مُوجع، والفِراق أليم، والصحابة بشر، خيَّم عليهم الحزن، حتى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم كُلِمَ بفقد عمه، وظلَّتْ خسارة حمزة جرحاً ينزُّ داخله إلى أن فارق الدنيا! ولكن على الحياة أن تمضي، فلملموا جراحاتهم، وطيَّب بعضُهم خاطر بعض، وكان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الأكثر تطييباً للخواطر رغم أنه كان الأكثر ألماً! ولقيَ يوماً جابر بن عبد الله بن حرام، فقال له: يا جابر، ما لي أراك منكسراً؟
فقال له: يا رسول الله قُتِلَ أبي يوم أُحُد، وتركَ عيالاً ودَيْناً!
فقال له النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: أفلا أُبشركَ بما لقيَ اللهُ به أباك؟
قال: بلى
فقال له: ما كلَّم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، ولكنه أحيا أباك فكلَّمه كِفاحاً، وقال له: عبدي تمنَّ عليَّ أُعطِكْ! فقال: يا رب أن تُحييني فأُقتلَ فيك ثانية! فقال الربُّ عزَّ وجل: إنه قدَ سبق َمني أنهم إليها لا يُرجعون!
ما أعذبها من عبارة: يا جابر ما ليَ أراك منكسراً؟!
أحياناً لا يريدُ الناسُ أكثر من كلمة حلوة، وتربيتة على الكتف، وأن تُخبرهم أنكَ تهتم، وأنه يُوجعك حزنهم. إن الكرم ليس مالاً فقط، الاهتمام كرم أيضاً، والمواساة أحياناً تُساوي مال الدنيا كلها! فهل طبقناها في حياتنا، هل رأينا حزناً بادياً على وجه صديق فسألناه ما به، هل أشعرناه أننا نهتم، وأننا بجانبه وعلى استعداد لفعل أي شيء لنُزيل عنه بعضاً ممّا نزل به، أم تعاملنا مع الناس على مبدأ: لا يهمني أحد ما دمتُ أنا بخير!
كان جابر يعرفُ أنَّ أباه قد ماتَ شهيداً دفاعاً عن دينِ الله وشريعته، وأن آخر لحظات عمره كانت تحت راية النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ويا لها من خاتمة، ولكن كل هذا لم يُلغِ أنه يحتاج من يُذكره بفضلَ أبيه، فلا شيء يرممُ فقد الدنيا سوى معرفة أن الآخرة خير منها وأبقى، فإذا عزيتَ أهل عزاءٍ بفقيدهم ذكِّرهم بحسناته وأخلاقه في الدنيا، وأن المؤمن إنما ينتقل من جوار الناس إلى جوار الله، هذا وحده يُبلسم الجرح!
في الحديث لا يذكر جابرٌ أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قضى دين أبيه، ولكنه عليه السلام قد فعلَ، ليس مع جابرٍ فقط، وإنما حين كثُر المال كان يقول للمسلمين: من تركَ مالاً فَلِوَرَثَتِه، ومن تركَ دَيْناً فعلينا!
أحياناً يموت الناس في المستشفيات، ويتركون وراءهم حساباً ثقيلاً لا يستطيع الأهل تسديده، وأنتَ أعلم بحال الميت وأهله، فإن علمتَ فيهم فقراً، وقلة ذات يد، سَلهم إذا ما كانوا يحتاجون شيئاً، والأنبل لو بادرتَ بالمساعدة من غير سؤال إذا غلبَ على يقينك أنهم أهل حاجة، فلا يجتمع عليهم ألم الفقد، وثقل الدَّين!
أدهم شرقاوي
ما لي أراك منكسراً؟
عاد المسلمون من أُحُدٍ بالهزيمة، وهزيمةٌ تُربيك وتكسرك وتُريك خطأك خير من نصرٍ يُطغيك! أراد الله سبحانه أن يُربي هذه الأمة ويُخبرها أن لا نصر إذا لم يُطَعْ عبده ورسوله!
ولأن فقد الأحبة مُوجع، والفِراق أليم، والصحابة بشر، خيَّم عليهم الحزن، حتى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم كُلِمَ بفقد عمه، وظلَّتْ خسارة حمزة جرحاً ينزُّ داخله إلى أن فارق الدنيا! ولكن على الحياة أن تمضي، فلملموا جراحاتهم، وطيَّب بعضُهم خاطر بعض، وكان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الأكثر تطييباً للخواطر رغم أنه كان الأكثر ألماً! ولقيَ يوماً جابر بن عبد الله بن حرام، فقال له: يا جابر، ما لي أراك منكسراً؟
فقال له: يا رسول الله قُتِلَ أبي يوم أُحُد، وتركَ عيالاً ودَيْناً!
فقال له النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: أفلا أُبشركَ بما لقيَ اللهُ به أباك؟
قال: بلى
فقال له: ما كلَّم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، ولكنه أحيا أباك فكلَّمه كِفاحاً، وقال له: عبدي تمنَّ عليَّ أُعطِكْ! فقال: يا رب أن تُحييني فأُقتلَ فيك ثانية! فقال الربُّ عزَّ وجل: إنه قدَ سبق َمني أنهم إليها لا يُرجعون!
ما أعذبها من عبارة: يا جابر ما ليَ أراك منكسراً؟!
أحياناً لا يريدُ الناسُ أكثر من كلمة حلوة، وتربيتة على الكتف، وأن تُخبرهم أنكَ تهتم، وأنه يُوجعك حزنهم. إن الكرم ليس مالاً فقط، الاهتمام كرم أيضاً، والمواساة أحياناً تُساوي مال الدنيا كلها! فهل طبقناها في حياتنا، هل رأينا حزناً بادياً على وجه صديق فسألناه ما به، هل أشعرناه أننا نهتم، وأننا بجانبه وعلى استعداد لفعل أي شيء لنُزيل عنه بعضاً ممّا نزل به، أم تعاملنا مع الناس على مبدأ: لا يهمني أحد ما دمتُ أنا بخير!
كان جابر يعرفُ أنَّ أباه قد ماتَ شهيداً دفاعاً عن دينِ الله وشريعته، وأن آخر لحظات عمره كانت تحت راية النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ويا لها من خاتمة، ولكن كل هذا لم يُلغِ أنه يحتاج من يُذكره بفضلَ أبيه، فلا شيء يرممُ فقد الدنيا سوى معرفة أن الآخرة خير منها وأبقى، فإذا عزيتَ أهل عزاءٍ بفقيدهم ذكِّرهم بحسناته وأخلاقه في الدنيا، وأن المؤمن إنما ينتقل من جوار الناس إلى جوار الله، هذا وحده يُبلسم الجرح!
في الحديث لا يذكر جابرٌ أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قضى دين أبيه، ولكنه عليه السلام قد فعلَ، ليس مع جابرٍ فقط، وإنما حين كثُر المال كان يقول للمسلمين: من تركَ مالاً فَلِوَرَثَتِه، ومن تركَ دَيْناً فعلينا!
أحياناً يموت الناس في المستشفيات، ويتركون وراءهم حساباً ثقيلاً لا يستطيع الأهل تسديده، وأنتَ أعلم بحال الميت وأهله، فإن علمتَ فيهم فقراً، وقلة ذات يد، سَلهم إذا ما كانوا يحتاجون شيئاً، والأنبل لو بادرتَ بالمساعدة من غير سؤال إذا غلبَ على يقينك أنهم أهل حاجة، فلا يجتمع عليهم ألم الفقد، وثقل الدَّين!
أدهم شرقاوي
مرضك الذي لا يعلمه إلا الله
اجعلْ له صدقةً خفية لا يعلمها إلا الله
والهمُّ الذي يربض على صدرك ولا يعلمه إلا الله
اجعلْ له استغفاراً خفياً لا يسمعه إلا الله
القلق الذي يعتريك ولا يعلمه إلا الله
اجعلْ له ركعتين في الله لا يراهما إلا الله
كان ابن القيم يقول :
الخوافي للخوافي ! ❤️
اجعلْ له صدقةً خفية لا يعلمها إلا الله
والهمُّ الذي يربض على صدرك ولا يعلمه إلا الله
اجعلْ له استغفاراً خفياً لا يسمعه إلا الله
القلق الذي يعتريك ولا يعلمه إلا الله
اجعلْ له ركعتين في الله لا يراهما إلا الله
كان ابن القيم يقول :
الخوافي للخوافي ! ❤️
وأنتَ تُعدِّدُ ما لم تَنَلْهُ من النِّعم
لاتنسَ أن تُعَدِّدْ ما لم يُصِبْكَ من سُوء
لاتنسَ أن تُعَدِّدْ ما لم يُصِبْكَ من سُوء
على منهاج النُّبُوَّة ١٠
ما فَعَلَ شِرادُ جَملِكَ؟!
خرجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى "مرِّ الظَّهران" وهي قرية قرب مكة، وكان مِمَّن خرجَ معه الصحابيُّ خَوَّاتُ بن جُبير. خرجَ خَوَّات من خيمته، فإذا نسوةٌ يتحدثنَ، فأُعجِبَ بهنَّ! فرجعَ إلى خيمته وأخرجَ حُلَّةً جميلة من بين ثيابه ولبسها، ثم جلسَ إليهنَّ! فرآه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وقال له: يا أبا عبد اللهِ ما يُجلسكَ إليهنَّ؟
فقال له: يا رسول الله لي جملٌ شَرود، أبتغي له قيداً!
فأشار إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن قُمْ!
ثم ارتحلوا يقصدون المدينة، فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم كلما رآه في الطريق قال له: السلام عليكَ يا أبا عبد الله، ما فعلَ شِرادُ جملك؟!
وعندما وصلوا المدينة، اجتنبَ خوَّاتٌ المسجد حياءً من النبي صلى الله عليه وسلم أياماً، ثم عاد أخيراً إلى المسجد، وقام يصلي، فجاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فصلى ركعتين، وخوَّاتٌ يُطيل في صلاته يريدُ أن يذهبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى لا يُذكِّره بما كان منه! ولكن النبيّ العظيم والمُربِّي الرائع قال له: طوِّل أبا عبد الله ما شئتَ، فلستُ راحلاً حتى تنتهي!
فلما لم يجد حلاً غير أن يُنهي صلاته، أتمَّها وسلم، فإذا النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقولُ له: ما فعلَ شِرادُ جَملكَ؟!
فقال له خوَّاتٌ: والذي بعثكَ بالحق ما شردَ ذاك الجمل منذ ذلك اليوم!
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يرحمك الله! ولم يعد يسأله بعدها!
عَلِمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن لخوَّات جمل شارد، وإنما جلسَ إلى النسوة في لحظة ضعفٍ بشري، ولأنه كان يعلمُ عنه خيراً لم يُرِدْ أن يفوتها له، ولكن انظرْ إلى الأسلوب، لم يقلُ له أعلمُ أنك تكذبُ عليَّ ولا جملَ لكَ، ولكن بسؤاله المتكرر: ما فعَلَ شِرادُ جملك! كان يقول له أنا أعلمُ حقيقة الأمر!
إحدى مآسينا في هذا الزمان أننا نتعامل مع بعضنا البعض بغلظة، ننتظِرُ الهفوات أن تقع لنمحو كل عمل نبيل، وماضٍ مشرق لصاحب الهفوة، ربما شهَّرنا به، أما النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقد أبقى الأمر بينه وبين صاحبه، وبشيء من التكرار الحلو، والتأنيب العذب، جعله يقرُّ بخطئه دون أن يفضحه!
نحن نهاية المطاف بشر، المُؤمن والكافر، الطَّائع والعاصي، العالِم والأُمِّي، الغني والفقير، الوزير والخفير، فينا شهوات تستعر، وحبٌّ للمال جُبلنا عليه، ورغبة الرجال في النساء والنساء في الرجال تسري في دمائنا، "فطرة اللهِ التي فطر عليها الناس"!
نحن نرتكبُ المعاصي في لحظة ضعف بشري، لا في لحظة كُفر، واستهانة بمراقبة الله لنا، واستخفافاً بالشريعة المُحمَّدية، لهذا علينا أن ننظر في ذنوب الناس على أننا عباد لا على أننا أرباب!
صحيح أنه علينا أن لا نرضى المعصية، وأن نُنكرها بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، ولكن علينا أن نعرف أن المعصية التي ارتكبها فلان، والذنب الذي ارتكبته فلانة، قد عصمنا الله منه رحمةً وفضلاً، ولو رفع عنا عصمته وفضله لارتكبنا مثلهم وأكثر، فاستُروا ولا تُعيِّروا، فما عيَّرَ أحدٌ أحداً بذنبٍ إلا ووقع فيه لاحقاً!
هذا صحابي، رآه النبي صلى الله عليه وسلم، وسافر معه، وجاهد معه، وصلى معه في المسجد، ثم إذا به يضعف لحظةً، ويغلبه هواه ونزعته الإنسانية، فما بالك بنا نحن، فترفَّقوا بالناس!
أدهم شرقاوي
ما فَعَلَ شِرادُ جَملِكَ؟!
خرجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى "مرِّ الظَّهران" وهي قرية قرب مكة، وكان مِمَّن خرجَ معه الصحابيُّ خَوَّاتُ بن جُبير. خرجَ خَوَّات من خيمته، فإذا نسوةٌ يتحدثنَ، فأُعجِبَ بهنَّ! فرجعَ إلى خيمته وأخرجَ حُلَّةً جميلة من بين ثيابه ولبسها، ثم جلسَ إليهنَّ! فرآه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وقال له: يا أبا عبد اللهِ ما يُجلسكَ إليهنَّ؟
فقال له: يا رسول الله لي جملٌ شَرود، أبتغي له قيداً!
فأشار إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن قُمْ!
ثم ارتحلوا يقصدون المدينة، فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم كلما رآه في الطريق قال له: السلام عليكَ يا أبا عبد الله، ما فعلَ شِرادُ جملك؟!
وعندما وصلوا المدينة، اجتنبَ خوَّاتٌ المسجد حياءً من النبي صلى الله عليه وسلم أياماً، ثم عاد أخيراً إلى المسجد، وقام يصلي، فجاء النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فصلى ركعتين، وخوَّاتٌ يُطيل في صلاته يريدُ أن يذهبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى لا يُذكِّره بما كان منه! ولكن النبيّ العظيم والمُربِّي الرائع قال له: طوِّل أبا عبد الله ما شئتَ، فلستُ راحلاً حتى تنتهي!
فلما لم يجد حلاً غير أن يُنهي صلاته، أتمَّها وسلم، فإذا النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقولُ له: ما فعلَ شِرادُ جَملكَ؟!
فقال له خوَّاتٌ: والذي بعثكَ بالحق ما شردَ ذاك الجمل منذ ذلك اليوم!
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يرحمك الله! ولم يعد يسأله بعدها!
عَلِمَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن لخوَّات جمل شارد، وإنما جلسَ إلى النسوة في لحظة ضعفٍ بشري، ولأنه كان يعلمُ عنه خيراً لم يُرِدْ أن يفوتها له، ولكن انظرْ إلى الأسلوب، لم يقلُ له أعلمُ أنك تكذبُ عليَّ ولا جملَ لكَ، ولكن بسؤاله المتكرر: ما فعَلَ شِرادُ جملك! كان يقول له أنا أعلمُ حقيقة الأمر!
إحدى مآسينا في هذا الزمان أننا نتعامل مع بعضنا البعض بغلظة، ننتظِرُ الهفوات أن تقع لنمحو كل عمل نبيل، وماضٍ مشرق لصاحب الهفوة، ربما شهَّرنا به، أما النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقد أبقى الأمر بينه وبين صاحبه، وبشيء من التكرار الحلو، والتأنيب العذب، جعله يقرُّ بخطئه دون أن يفضحه!
نحن نهاية المطاف بشر، المُؤمن والكافر، الطَّائع والعاصي، العالِم والأُمِّي، الغني والفقير، الوزير والخفير، فينا شهوات تستعر، وحبٌّ للمال جُبلنا عليه، ورغبة الرجال في النساء والنساء في الرجال تسري في دمائنا، "فطرة اللهِ التي فطر عليها الناس"!
نحن نرتكبُ المعاصي في لحظة ضعف بشري، لا في لحظة كُفر، واستهانة بمراقبة الله لنا، واستخفافاً بالشريعة المُحمَّدية، لهذا علينا أن ننظر في ذنوب الناس على أننا عباد لا على أننا أرباب!
صحيح أنه علينا أن لا نرضى المعصية، وأن نُنكرها بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، ولكن علينا أن نعرف أن المعصية التي ارتكبها فلان، والذنب الذي ارتكبته فلانة، قد عصمنا الله منه رحمةً وفضلاً، ولو رفع عنا عصمته وفضله لارتكبنا مثلهم وأكثر، فاستُروا ولا تُعيِّروا، فما عيَّرَ أحدٌ أحداً بذنبٍ إلا ووقع فيه لاحقاً!
هذا صحابي، رآه النبي صلى الله عليه وسلم، وسافر معه، وجاهد معه، وصلى معه في المسجد، ثم إذا به يضعف لحظةً، ويغلبه هواه ونزعته الإنسانية، فما بالك بنا نحن، فترفَّقوا بالناس!
أدهم شرقاوي
على منهاج النُّبُوَّة ١١
إنها كانت تُحبُّ خديجة!
كانتْ في الأربعين من عمرها وكان هو في الخامسة والعشرين! كانتْ حنونة تُغدِقُ عليه كلَّ قلبها فتُشعره أنها في مثل سنِّه، وكان حكيماً ناضجاً إلى الحد الذي يُشعرها أنه في مثل سنِّها!
كانتْ ثرية جداً ولكنها كانت تُشعره أنه عندها أغلى ممَّا تملك، وكان فقيراً ولكن كان يُشعرها أنها أغلى عنده ممَّا تملك!
فإن قيل لك أنَّ الحُبَّ يصنع المُعجزات فصدِّقْ!
وينزلُ الوحي، ويا لهول الموقف، لا بُدَّ له من ملجأ بعد هذا الذهول والبرد الذي أصابه، فلم يذهب إلى عمِّه الشجاع حمزة، ولا إلى عمِّه الحنون أبي طالب، ولا إلى صديقه الوفي أبي بكر، وإنما ذهب إلى خديجة، كان يعرفُ أنَّ عنده امرأة تُساوي جيشاً كاملاً ولقد كانتْ عند حُسنِ ظنه بها! هدَّأته، وذكَّرته فضائله، ثم أخذته إلى ورقة بن نوفل، فلما علمتْ أنه نبي كانت أول من أسلمَ من أهل الأرض!
وتموت خديجة… وتضيقُ الأرضُ عليه، فيأخذه ربُّه إلى السماء فيما يُشبه عزاءً لرجل مكلوم فقدَ حبيبته الحنون، وصديقته الرؤوم، وزوجته الوفيَّة! ويُهاجر ويتزوج ويبقى مكان خديجة في قلبه شاغراً لا يملأه أحد!
كان قد شارف على الستين حين رأى عجائز قد شارفنَ الثمانين فخلعَ رداءه ليجلسنَ عليه، وقال لمن حوله يُبدِّد استغرابهم: هؤلاء صُويحبات خديجة!
وتأتيه امرأة عجوز في بيته، فيهشُّ لها ويبشُّ، فتستغربُ عائشة كل هذا الترحاب، فيُعلِّل قائلاً: إنها كانت تأتينا زمان خديجة!
زمان خديجة! ألاحظَ أحدكم أنه كان يُؤرِّخ حياته بها!
وكان يذبحُ الشاة، ويُقطِّع لحمها ثم يقول: أعطوا منه صُويحبات خديجة!
ويقول أنس كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا أُتِيَ بالشيء يقول: "اذهبوا به إلى بيت فُلانة فإنها كانت تُحِبُّ خديجة"!
إنه لا يُحبها فقط، بل يُحبُّ كل من أحبَّها!
مُخطئ من يعتقدُ أن الحُبَّ منقصة للرجولة، وأن إظهار الحُبِّ والاهتمام والوفاء ضعف في الشخصية، ها هو سيد الرجال يحبُّ خديجة حيةً وميتة، فلا تخجلوا بمشاعركم، عيشوها حتى آخر رمق، لا شيء في الدنيا أجمل من الحُبِّ الحلال!
مُخطئ من يعتقد أن القسوة هي التي تصنعُ منه رجلاً، بل الرجل بمقدار ما يلينُ ويعطِف ويُكرم ويُدلِّل، وإن حُسْنَ العهدِ من الإيمان كما قال سيدنا!
مُخطئ من يعتقد أن النساء لا يمشين إلا بالصوت والسوط، بالحُبِّ وحده يمكن امتلاك المرأة، بالحُب وحده!
أدهم شرقاوي
إنها كانت تُحبُّ خديجة!
كانتْ في الأربعين من عمرها وكان هو في الخامسة والعشرين! كانتْ حنونة تُغدِقُ عليه كلَّ قلبها فتُشعره أنها في مثل سنِّه، وكان حكيماً ناضجاً إلى الحد الذي يُشعرها أنه في مثل سنِّها!
كانتْ ثرية جداً ولكنها كانت تُشعره أنه عندها أغلى ممَّا تملك، وكان فقيراً ولكن كان يُشعرها أنها أغلى عنده ممَّا تملك!
فإن قيل لك أنَّ الحُبَّ يصنع المُعجزات فصدِّقْ!
وينزلُ الوحي، ويا لهول الموقف، لا بُدَّ له من ملجأ بعد هذا الذهول والبرد الذي أصابه، فلم يذهب إلى عمِّه الشجاع حمزة، ولا إلى عمِّه الحنون أبي طالب، ولا إلى صديقه الوفي أبي بكر، وإنما ذهب إلى خديجة، كان يعرفُ أنَّ عنده امرأة تُساوي جيشاً كاملاً ولقد كانتْ عند حُسنِ ظنه بها! هدَّأته، وذكَّرته فضائله، ثم أخذته إلى ورقة بن نوفل، فلما علمتْ أنه نبي كانت أول من أسلمَ من أهل الأرض!
وتموت خديجة… وتضيقُ الأرضُ عليه، فيأخذه ربُّه إلى السماء فيما يُشبه عزاءً لرجل مكلوم فقدَ حبيبته الحنون، وصديقته الرؤوم، وزوجته الوفيَّة! ويُهاجر ويتزوج ويبقى مكان خديجة في قلبه شاغراً لا يملأه أحد!
كان قد شارف على الستين حين رأى عجائز قد شارفنَ الثمانين فخلعَ رداءه ليجلسنَ عليه، وقال لمن حوله يُبدِّد استغرابهم: هؤلاء صُويحبات خديجة!
وتأتيه امرأة عجوز في بيته، فيهشُّ لها ويبشُّ، فتستغربُ عائشة كل هذا الترحاب، فيُعلِّل قائلاً: إنها كانت تأتينا زمان خديجة!
زمان خديجة! ألاحظَ أحدكم أنه كان يُؤرِّخ حياته بها!
وكان يذبحُ الشاة، ويُقطِّع لحمها ثم يقول: أعطوا منه صُويحبات خديجة!
ويقول أنس كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا أُتِيَ بالشيء يقول: "اذهبوا به إلى بيت فُلانة فإنها كانت تُحِبُّ خديجة"!
إنه لا يُحبها فقط، بل يُحبُّ كل من أحبَّها!
مُخطئ من يعتقدُ أن الحُبَّ منقصة للرجولة، وأن إظهار الحُبِّ والاهتمام والوفاء ضعف في الشخصية، ها هو سيد الرجال يحبُّ خديجة حيةً وميتة، فلا تخجلوا بمشاعركم، عيشوها حتى آخر رمق، لا شيء في الدنيا أجمل من الحُبِّ الحلال!
مُخطئ من يعتقد أن القسوة هي التي تصنعُ منه رجلاً، بل الرجل بمقدار ما يلينُ ويعطِف ويُكرم ويُدلِّل، وإن حُسْنَ العهدِ من الإيمان كما قال سيدنا!
مُخطئ من يعتقد أن النساء لا يمشين إلا بالصوت والسوط، بالحُبِّ وحده يمكن امتلاك المرأة، بالحُب وحده!
أدهم شرقاوي
المرعب في تذبذبك
بين طاعة ومعصية
أن تُقبض روحك
في فترات الانتكاسات ! 💔
اللهمَّ حُسن الخاتمة
.
سلمان العودة
بين طاعة ومعصية
أن تُقبض روحك
في فترات الانتكاسات ! 💔
اللهمَّ حُسن الخاتمة
.
سلمان العودة
وإنَّما الرَّفيقُ مِنَ الرِّفقِ أُخِذ، والصَّديقُ مِنَ الصِّدقِ كَان، وإنِّي ضامنٌ ضَمَّ كلاهُما فِيك، فَصِدقًا مَعِي ورفقًا بِي.
على منهاج النُّبُوَّة ١٢
ربِحَ البيعُ أبا يحيى!
كان الوقتُ قد حانَ للخروج من ضِيق الدَّعوة المكيَّة إلى سِعة الدولة المدنيّة، لقد تربُّوا فيها بما يكفي، وجازوا الامتحان الصَّعب، جعفرٌ خرج إلى الحبشة بمن معه مُؤثرين الدِّين على الوطن، وبلال مرَّغ كبرياء أمية بن خلف في التراب، وحمزة صفعَ أبا جهلٍ على وجهه، وعلي يفتدي النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ويبيتُ في فراشه، وأبو بكرٍ يشتري رقيقَ المسلمين ويُعتقهم، ثم يسير رفقة صاحبه إلى المدينة إيذاناً ببدء مرحلةٍ جديدة ستُغيِّرُ وجه الأرض إلى الأبد!
لم تعُدْ مكة تُغري المسلمين بالبقاء فيها، حبيبهم في المدينة، وما يفعل المرءُ وحيداً دون محبوبه! بدأوا يخرجون واحداً تلو الآخر على غفلةٍ من قُريش، وها هو صهيبٌ يخرجُ قاصداً المدينة، غير أنَّ قُريشاً قد أحسَّتْ بخروجه فأرسلتْ في إثره نفراً يُعيدونه، فوقف قبالتهم وأخرجَ سهامه من كنانته، وقال لهم: يا معشر قُريش تعلمون أني أرماكم، واللهِ لا تصلون إليَّ حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقيَ بيدي منه شيء!
فقالوا له: أتيتَنا صعلوكاً فكثُر مالك عندنا، ثم تُريدُ أن تخرجَ بنفسك ومالك، واللهِ لا يكون ذلك!
فقال: أرأيتم إن تركتُ لكم مالي هل تخلُّون سبيلي؟
قالوا: نعم
فدلَّهم على الموضع الذي خبَّأ فيه ماله بمكَّة، فتركوه يمضي في سبيله!
وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم في بثٍّ مُباشرٍ مع الحدث، جبريلُ ينقلُ إليه الواقعة، وينزلُ عليه بقول الله تعالى: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد"!
ولما وصل صهيبٌ إلى المدينة، تلقَّاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بوجهٍ باسمٍ كأنه فلقة قمر، وقال له: ربح البيع أبا يحيى، ربحَ البيعُ أبا يحيى!
ربحَ البيعُ لأنه التَركُ لله!
كل معصيةٍ تزينتْ لكَ، ولا يحول بينك وبينها إلا أنكَ ستتركها للهِ فاستشعر معها ربِحَ البيعُ، يُصبحُ التَّركُ وقتها لذةً أجمل من لذة الأخذ!
كل انتقام كان بإمكانك أن تنتقمه ولا يحول بينك وبينه إلا أنك ستتركه لله، استشعر معه ربحَ البيعُ، يُصبحُ العفو لذةً أجمل من لذة الانتقام!
كل مديون عجزَ أن يُسدد لكَ ما تبقى لكَ عنده، فآثرتَ أن تُسامح وتتصدَّق وتستر، بدل أن تفضحَ وتشكو، استشعرْ عندها ربِحَ البيعُ، ستُصبح لذة الصَّدقة أجمل من لذة استرداد المال!
كل مالٍ وضعته في يد فقير، وأنت تعلمُ أنك تضعه في يدِ الله أولاً، استشعرْ معه ربِحَ البيعُ، ستفوق لذة العطاء لذة الأخذ!
كل موقفٍ امتلأتَ فيه غضباً على زوجةٍ أو ولد، ثم استعذتَ باللهِ، وكتمتَ غيظكَ لوجه الله، استشعر معه ربِحَ البيع، ستصبح لذة العفو نصراً أجمل ألف مرةٍ من لذة أن تأخذ حقك بيدك!
#أدهم_شرقاوي
ربِحَ البيعُ أبا يحيى!
كان الوقتُ قد حانَ للخروج من ضِيق الدَّعوة المكيَّة إلى سِعة الدولة المدنيّة، لقد تربُّوا فيها بما يكفي، وجازوا الامتحان الصَّعب، جعفرٌ خرج إلى الحبشة بمن معه مُؤثرين الدِّين على الوطن، وبلال مرَّغ كبرياء أمية بن خلف في التراب، وحمزة صفعَ أبا جهلٍ على وجهه، وعلي يفتدي النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ويبيتُ في فراشه، وأبو بكرٍ يشتري رقيقَ المسلمين ويُعتقهم، ثم يسير رفقة صاحبه إلى المدينة إيذاناً ببدء مرحلةٍ جديدة ستُغيِّرُ وجه الأرض إلى الأبد!
لم تعُدْ مكة تُغري المسلمين بالبقاء فيها، حبيبهم في المدينة، وما يفعل المرءُ وحيداً دون محبوبه! بدأوا يخرجون واحداً تلو الآخر على غفلةٍ من قُريش، وها هو صهيبٌ يخرجُ قاصداً المدينة، غير أنَّ قُريشاً قد أحسَّتْ بخروجه فأرسلتْ في إثره نفراً يُعيدونه، فوقف قبالتهم وأخرجَ سهامه من كنانته، وقال لهم: يا معشر قُريش تعلمون أني أرماكم، واللهِ لا تصلون إليَّ حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقيَ بيدي منه شيء!
فقالوا له: أتيتَنا صعلوكاً فكثُر مالك عندنا، ثم تُريدُ أن تخرجَ بنفسك ومالك، واللهِ لا يكون ذلك!
فقال: أرأيتم إن تركتُ لكم مالي هل تخلُّون سبيلي؟
قالوا: نعم
فدلَّهم على الموضع الذي خبَّأ فيه ماله بمكَّة، فتركوه يمضي في سبيله!
وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم في بثٍّ مُباشرٍ مع الحدث، جبريلُ ينقلُ إليه الواقعة، وينزلُ عليه بقول الله تعالى: "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد"!
ولما وصل صهيبٌ إلى المدينة، تلقَّاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بوجهٍ باسمٍ كأنه فلقة قمر، وقال له: ربح البيع أبا يحيى، ربحَ البيعُ أبا يحيى!
ربحَ البيعُ لأنه التَركُ لله!
كل معصيةٍ تزينتْ لكَ، ولا يحول بينك وبينها إلا أنكَ ستتركها للهِ فاستشعر معها ربِحَ البيعُ، يُصبحُ التَّركُ وقتها لذةً أجمل من لذة الأخذ!
كل انتقام كان بإمكانك أن تنتقمه ولا يحول بينك وبينه إلا أنك ستتركه لله، استشعر معه ربحَ البيعُ، يُصبحُ العفو لذةً أجمل من لذة الانتقام!
كل مديون عجزَ أن يُسدد لكَ ما تبقى لكَ عنده، فآثرتَ أن تُسامح وتتصدَّق وتستر، بدل أن تفضحَ وتشكو، استشعرْ عندها ربِحَ البيعُ، ستُصبح لذة الصَّدقة أجمل من لذة استرداد المال!
كل مالٍ وضعته في يد فقير، وأنت تعلمُ أنك تضعه في يدِ الله أولاً، استشعرْ معه ربِحَ البيعُ، ستفوق لذة العطاء لذة الأخذ!
كل موقفٍ امتلأتَ فيه غضباً على زوجةٍ أو ولد، ثم استعذتَ باللهِ، وكتمتَ غيظكَ لوجه الله، استشعر معه ربِحَ البيع، ستصبح لذة العفو نصراً أجمل ألف مرةٍ من لذة أن تأخذ حقك بيدك!
#أدهم_شرقاوي