┊❥الكاتبة🦋 نرمين نحمدالله🦋
22.4K subscribers
1.46K photos
5 videos
31 files
302 links
تابع لجروب نيمو وآخواتها
https://www.facebook.com/groups/910845198981162/
Download Telegram
أومأت برأسها إيجاباً وهي تبتسم لتقول بمرح مصطنع تداري به اضطرابها:
_الحمد لله أنني انتشلتها من حقيبتي قبل أن أرميها مع بقية حاجياتي في الماء.

هز رأسه بلا معني...
ثم قال لها باضطراب:
_تعالي اذن...المأذون ينتظرنا...

سارت جواره وهي تشعر بالارتباك...
قلبها يخفق باضطراب...
لكنه اضطراب لذيذ!!!
شعور يختلف تماماً عن شعورها بياسين...
شعور بأنها محميةٌ معه من كل سوء!!!

قلبها الذي طالما أنكر شعوره ببدر....
الآن لا ينكر...
لا ينكر الأمان الذي يشعر به برفقة هذا الرجل...
لا ينكر تعلقه بخيوط الحنان في عينيه...
لا ينكر إعجابه بهذه الشخصية الفريدة...
بل إنها لا تبالغ لو قالت أنها تتمني...
لو كان هذا زواجاً حقيقياً!!!

احمرت وجنتاها بقوة عندما جاءها هذا الخاطر لينهرها عقلها بقوله:
_أفيقي يا آسيا...أنتِ لستِ سوي صنيع خيرٍ يؤديه بتثاقل...بدر لن يعشق سوي سمية صديقتك الغالية...
هنا كان الأوان ليتدخل ضميرها في المعادلة...
فيخرس صوت العقل والقلب معاً...

لتهدأ أفكارها كلها...!!!!

دخلا إلي صالة المنزل...
حيث جلس المأذون مع شاهد يعرفه ...
وجلس العم كساب جوارهما...
تقدم بدر ليجلس جوار آسيا...
ثم فتح المأذون دفتره ليقول لها بلهجة رسمية:
_هل تقبلين جسار كامل القاصم زوجاً لك؟!

اتسعت عينا آسيا في ارتياع وهي تهتف برعب:
_جسار القاصم؟! أين هو؟!

نظر بدر لرعبها في شك...
ثم قال بتردد:
_اسمي الحقيقي هو جسار يا آسيا...بدر هذا مجرد اسم حركيّ...
شهقت بعنف وهي تضع كفها علي،شفتيها لتهتف بخوف:
_أنت جسار القاصم؟! أنا لا أصدق !!!

تبادل بدر مع كساب نظرات متوترة...
فنقلت آسيا بصرها بينهما برعب....
ثم ناولته بطاقتها الشخصية بتردد لينظر في اسمها ثم تتسع عيناه بذهول...
هاتفاً بصدمة:
_أنتِ حفيدة قاسم النجدي؟!

نظرت إليه وهي لا تكاد تصدق...
طوال هذه المدة وهي تقيم مع الرجل الذي يهدد عائلتها كلها؟!!!!
الرجل الذي كان سبباً في إقصاء حمزة بعيداً طوال هذا الوقت؟!
الرجل الذي أثار فيهم كل هذا الرعب حتي دفع جدها لتزويج ياسين من رقية طمعاً في حماية والدها؟!!

بدر!!
بدر الحنون المتفهم الذي احتوي ضعفها وخوفها...!!
بدر الذي تعلق به قلبها كطفل صغير ورأي فيه أطياف عشقه القادم...!!
بدر والد ياسين وزوج سمية...
هو جسار!!!!!
جسار الذي عاشت عمرها ترتجف رعباً من مجرد اسمه!!!

فيما نظر إليها جسار بصدمة تمتزج بغضب هادر...
تلك الغريبة التي آواها في بيته هي حفيدة قاسم النجدي...
قاسم النجدي الذي هرب جسار من ثأره معه...
نعم...جسار لم يشأ أن يدخل نفسه في عجلة الثأر التي كانت تحصد أرواح الجميع بلا رحمة...
خاصة مع عشقه لسمية...
سمية التي أيدت موقفه بالهرب من هذا المستنقع الآسن كله!!!
ليهرب بها معه من قريتهما...
ويأتي بها إلي هنا...
في هذا العالم المنعزل...
حيث لا ثأر ولا عداوة!!!!
حيث لا خطر علي ياسين الصغير!!!

لقد ترك بلدته وأهله وعالمه كله وراءه...
وكاد ينساه...
فتأتي هذه الصغيرة لتقلب له دنياه رأساً علي عقب؟!!!!!

فيما قام كساب ليتقدم منها ببطء وهو يرمقها بحنان فائض ليهمس باشتياق لم يستطع إخفاءه:
_أنتِ ابنة فريدة؟!

نظرت إليه آسيا وهي تومئ برأسها شاعرة بالضياع....ثم همست بقلق:
_هل تعرف أمي؟!
ابتسم رغم الدمع الذي،ظهر في عينيه ليقول بعاطفة صادقة:
_أنا الآن أحبك أضعاف ما كنت أحبكِ قبل الآن....أنتِ الآن ابنتي بحق يا آسيا...

نظرت إليه آسيا.ولازالت تحت تأثير،صدمتها....
لا تعرف ماذا تفعل...

نظر المأذون إليهم بدهشة تمتزج بالحنق...
ألم يخطر لهم التعارف قبل عقد القران؟!!!
عائلة غريبة!!!

هكذا تمتم في نفسه بسخط قبل أن يهتف بضيق:
_هل سنتم هذا الزواج أم ماذا؟!!!

كان جسار أول من تمالك صدمته ليسأل آسيا ببرود يداري غضبه الهادر:
_هل نتم الزواج يا ابنة النجدي؟!

نظرت إليه آسيا وصدرها يعلو ويهبط في انفعال...
لا تدري بماذا ترد عليه!!!!
ترفض....أم تقبل؟!!!!
تشعر كأنها فأر وقع في مصيدة...
شعر بها العم كساب فمال علي أذنها وهو يهمس بحنان:
_لا تخافي يا بنتي...أنتِ الآن في حمايتي أنا وجسار...بدر هو جسار يا آسيا...لم يتغير في الأمر شئ!!!!

نقلت بصرها بين جسار الذي بدا وكأن وجهه قُدّ من صخر...
وبين العم كساب الذي بدا بسعادته بها وكأنه قد هبط عليه كنز من السماء!!!
ثم قالت أخيراً في استسلام:
_أجل...أوافق علي الزواج.
==========================================================================
خرجت ساري من شقتها لتجده واقفاً أمام شقته ...
أطرقت برأسها وهي تمر من جواره لتهمس باقتضاب:
_السلام عليكم.
أمسك ذراعها لينظر لعينيها هاتفاً:
_هل هذه تحية زوجة لزوجها في أول يوم من رمضان؟!
قالت بنفاد صبر:
_أنا لدي الكثير من الأعمال اليوم ولا طاقة لي بجدالك يا حذيفة!
نظر إليها طويلاً دون أن يفلت ذراعها فرفعت عينيها إليه مضطرة لتقول بضيق:
_اللهم إني صائمة!!
ابتسم بهدوء وهو يقول :
_كل عام وأنت بخير.
❤24👍1
أشاحت بوجهها ولم ترد...
الوقح الذي يعود كل ليلة قرب الفجر بعد سهرة يعلم الله وحده محتواها....
ولا يكاد يحدثها منذ تلك الليلة العصيبة التي ذبحها فيها بخيانته...
يأتي اليوم ليهنئها بالشهر الفضيل...
ياللتقوي والورع!!!

أدار وجهها الذي أشاحت به نحوه وهو يقول بحزم:
_الجو حار وأنتِ صائمة...لا تقودي سيارتك..دعيني أنا أوصلكِ أينما تريدين...
زفرت بقوة فقال هو بتحفز:
_هذا ليس اقتراحاً...إنه أمر!

أطرقت برأسها وهي تتقدمه ليسير خلفها وهو يتنهد في حرارة...
ركبت جواره سيارته بعدما ساعدها في نقل بعض صناديق المساعدات والأدوية من سيارتها لحقيبة سيارته.....
ثم قالت باقتضاب:
_أريد الذهاب لقرية (.......)!
أومأ برأسه إيجاباً ثم سألها بتردد وهو يقود السيارة:
_ما الدور الذي كان يقوم به بلال الهاشمي معكم؟!
قالت بهدوء وهي تنظر أمامها:
_كان يساعدنا مادياً بمبلغ كبير شهرياً...كما كان يساعدنا في إيصال المساعدات للأماكن البعيدة...
هز كتفيه وهو يقول :
_هذا عمل بسيط.
قالت بشرود:
_كل عمل في سبيل الله يبدو بسيطاً...لكنه سبحانه وتعالي يرزقه لمن يحب...
تأملها متفحصاً بإعجاب ثم قال بجدية:
_أنا أريد أن أقوم بهذا الدور.

هزت رأسها في موافقة دون أن ترد...
ظلت صامتة طوال الطريق بينما كان هو يتميز غيظاً من برودها الظاهر...
لقد افتقد هذه الحمقاء المكابرة بشدة...
افتقدها حد الجنون!!!

وصلا القرية أخيراً فسار معها حتي وصلت لمنزل معين طرقت بابه برفق...
فتحت لها امرأة طاعنة في السن تبدو عليها علامات طيبة ظاهرة...
أشرق وجه المرأة عندما رأتها لتهتف بفرح:
_مرحباً يابنتي...تفضلا...

دخلت معها ساري وحذيفة الذي تأمل المكان بفضول...
عندما رأي في جانب الغرفة سريراً به شاب في مثل سنه لكنه يبدو مختلفاً...
تركتهما المرأة قليلاً فمال علي أذن ساري يسألها:
_ما باله هذا الشاب يبدو غريباً؟!
همست ساري في أذنه:
_إنه مصاب بمرض عقلي ويحتاج لعلاج مكثف لهذا أعطيه عناية خاصة.

أومأ برأسه في تفهم...
ثم حمد الله سراً وهو،يستشعر أنها رسالة من السماء...
هذا شاب في مثل سنه لكنه حرم من أشياء كثيرة...
وهو الذي منحه الله المال والصحة والعقل فاستخدمها كلها في معصية الله ...
استغفر الله سراً وهو يشعر بالخزي...

عندما عادت المرأة لتعطي لها ساري صندوق المساعدات قائلة بحنان:
_كل عام وأنت بخير يا عمتي...أعتذر منكِ سأنصرف حالاً فلا زال أمامي الكثير من المنازل هنا.

قالتها وهي تقف فوقف حذيفة بدوره ...
ابتسمت لها المرأة وهي تقول بحرارة:
_رزقك الله الفرحة والزوج الصالح يابنتي.

ابتسم حذيفة وهو يضع ذراعه علي كتفها بتملك ليقول بفخر حقيقي:
_أنا زوجها يا حاجة!
رفعت المرأة حاجبيها بدهشة ثم قالت بسعادة:
_حقاً؟!!! هنأكما الله يا بني...ساري هذه ملاك...حافظ عليها .
نظر إلي جانب وجهها الذي كان الآن محمراً حرجاً ثم قال:
_بقلبي وروحي يا حاجة.

ابتسمت المرأة بحنان فيما سارت معه ساري حتي خرجا من المنزل ...
ليكررا الزيارة لمنازل عديدة لأهل هذه القرية الفقيرة...
حتي أنهيا مهمتهما علي خير وجه ...

وقبيل العصر...
كانا في طريقهما عائدين للبيت الكبير...
ظلت علي صمتها الشارد طوال الطريق فناداها هامساً:
_ساري!
لم تلتفت إليه وهي تهمس باقتضاب:
_نعم.
نظر لجانب وجهها وهو يسألها:
_لماذا لا تنظرين إلي؟!
تنهدت في حرارة وهي تقول بضيق:
_ماذا تريد بالضبط يا حذيفة؟! تسلية صيامك؟!!

أوقف السيارة علي جانب الطريق ثم أسند رأسه لظهر المقعد وهو يقول بشرود:
_لن أنسي هذا اليوم أبداً...لقد كان يوماً خاصاً...شعرت أنه رسالة من السماء لأدرك دوري الحقيقي في الحياة بعيداً عن حياة اللهو واللعب التي أعيشها...
ثم التفت إليها ليهمس بصدق:
_أشكرك يا ساري...

أطرقت برأسها وهي لا تعرف بم تجيبه...
هي تستشعر صدق حديثه...
لكنها لا تقوي علي مسامحته أو العودة للشعور بالأمان معه...
لقد خذلها...
خذلها تلك الليلة كما خذلها طوال عمرها كله!!!

أمسك كفها ثم رفعه إلي شفتيه يقبله وهو ينظر إلي جانب وجهها المطرق هامساً:
_لا تتصوري شعوري اليوم بالفخر وأنا أقول للناس أنني زوجك...

نزعت كفها من كفه برفق...
دون أن تنظر إليه ...
ثم قالت بشرود:
_أتمني لو يأتي يوم أكون أنا فيه فخورة بنفسي ...
سألها بتفحص:
_ولماذا لا تفعلين...أنا أراكِ امرأة مثالية...كاملة...

أخذت نفساً عميقاً ثم قالت بحزن:
_دعنا نعد للبيت يا حذيفة...أنا أشعر بالصداع...
نظر لحزنها الواضح في إشفاق...
ثم قال برجاء:
_انظري لعينيّ يا ساري.

أغمضت عينيها بقوة للحظات تعانده...
وكأنها تستمد من نفسها بعض القوة...
ثم سألته دون أن تنظر إليه:
_لماذا لم تعد تخبرني عن رفيقاتك كتلك الليلة؟!
أشاح بوجهه وهو يزفر في ضيق ثم قال :
_هل هذا حديث يليق بنهار رمضان؟!
هزت رأسها لتقول بسخرية مريرة:
_معك حق...الحديث لا يليق بنهار رمضان ...لكن الفعل يليق بليله؟!!
خبط بكفه علي مقود السيارة وهو،يهتف بحنق:
_لا فائدة فيكِ...لن تتغيري أبداً...
❤23👍1
قالها وهو يعيد تشغيل السيارة...
ليعود بها إلي البيت الكبير يلفهما الصمت طوال الطريق...
حتي وصلا إلي باب البيت فقالت باقتضاب:
_شكراً يا حذيفة...
همت بالنزول عندما أمسك كفها بقوة لتلتفت إليه ...
نظر إليها طويلاً قبل أن يقول :
_أنا الذي أشكرك ...لقد كان يوماً رائعاً...

تعلقت عيناها بعينيه طويلاً دون أن تشعر...
لتشعر بقلبها الخائن يغافلها ويعلن تمرده وعصيانه...
زادت خفقاته حتي هيئ إليها أنه سيسمعها....
عضت علي شفتيها وهي تشعر بضعف غريب...

فيما شعر هو بما تعانيه تلك المكابرة العنيدة فقال لها بحزم يمتزج بحنانه الفريد:
_هل تعدينني بشئ؟!
نظرت إليه في تساؤل...فقال برجاء:
_لا تبكي بسببي ثانية.

تنهدت في حرارة وهي تود لو تخبره أنها لا تبكي إلا بسببه...
هو وجع قلبها الأزلي كما تدعوه دوماً... !!!!

فسألها بترقب:
_ماذا فعلتِ بالقميص الذي أخذتِه مني؟!
ابتسمت في برود ساخر لتقول:
_تذكارك الخاص؟! اطمئن ...لقد احتفظت به جوار دميتك القديمة...
عقد حاجبيه بشدة فأردفت بكبرياء ذبيح:
_حتي إذا ما نظرتُ إليها و فكر قلبي أن يلين لك عاد فتعلم درسه القاسي...حذيفة النجدي لن يتغير!

أشاح بوجهه عنها للحظات....ثم عاد يواجهها قائلاً:
_لقد حدد جدي موعد زفافنا ثالث أيام العيد...

اتسعت عيناها في ارتياع ...
لم تتصور الأمر قريباً إلي هذه الدرجة...
تماماً كما لم تتصور يوماً أن يكون هذا إحساسها به الآن!!!!
إحساس السجين الذي تلقي -لتوه-حكماً بإعدامه!!!
هزت رأسها ثم أغمضت عينيها بألم...

ليقول لها بعتاب:
_هل يضايقك الخبر إلي هذا الحد؟!

فتحت عينيها لتنظر إليه نظرات طويلة...
تتأرجح بين اللوم والرجاء...

قبل أن تهمس بألم...ونبرات صوتها الجريح تذبحه ذبحاً:
_سامحك الله يا حذيفة...لقد جعلتني أكره اليوم الذي تمنيته طوال عمري.

قالتها وهي تغادره لتترجل من السيارة...
وتندفع نحو شقتها ومنها إلي غرفتها لتجلس علي مكتبها مسندة رأسها علي مرفقيها...
أين دموعها؟!!!
لماذا لا تبكي الآن؟!!
ربما يطفئ الدمع لهيب الجرح في أعماقها...
لماذا خاصمتها دموعها وهي تحتاجها الآن أكثر مما مضي؟!!!
ألأنها وعدته ألا تبكي من أجله؟!!!
أم أن دموعها قد ملّت هي الأخري؟!!!
حتي الدمع سأم من جرحك يا حذيفة!!!!!!!

شعرت بكفه علي كتفها...
فرفعت رأسها إليه في صمت...
ثم استدارت إليه بجسدها دون أن تقوي علي الوقوف...
جثا علي ركبتيه جوارها ليكون وجهه مقابلاً لوجهها...
نظر إليها طويلاً وكأنه لا يجد ما يقول...

ثم وضع كفه علي مصحفها الموضوع أمامها علي المكتب ليهمس بصدق:
_أقسم أنني لم أمس امرأة منذ اعترفت لنفسي بحبكِ يا ساري!

اتسعت عيناها بصدمة وهي تنقل بصرها بينه وبين كفه علي المصحف...
ثم قالت بذهول:
_لم تخُنني؟!
ابتسم بضعف وهو ينظر لعينيها هامساً بحرارة:
_قد لا تصدقينني...لكن حذيفة النجدي تغير لأجلك...لم أستطع خيانتك ولن أستطيع حتي لو أردت ....
ثم تهدج صوته ليهمس بصدق:
_من الصعب علي رجل عشق امرأة مثلك أن يخون!!
همست بتشتت:
_وذاك القميص ال...
قاطعها وهو يخرج ورقة مطوية من قميصه ليهمس:
_هذه قسيمة شرائه...أنا اشتريته فقط لأعاقبك.
همست بعتاب:
_تعاقبني؟!
أومأ برأسه إيجاباً وهو يهمس لها بلهجة عاتبة:
_يجب أن تغيري أسلوبك هذا معي يا ساري...كُفّي عن إشعاري دوماً أنني مذنب مدان...امنحيني ثقتك كاملة...اجعليني أشعر أنني عظيم بعينيك...اجعليني...

قاطعت عبارته عندما مدت ذراعيها فجأة لتضمه لصدرها بكل قوتها وهي تضربه بكلتي قبضتيها علي ظهره برفق...
هامسة في أذنه:
_اسكت...اسكت...

ابتسم في حنان وهو يحيط خصرها بكفيه ليرفعها من علي المقعد ويقف قبالتها ليقول أمام عينيها:
_هذه هي أول مرة تضمينني فيها هكذا!
شددت ضغط ذراعيها علي عنقه وهي تهمس:
_لأنها أول مرة أشعر أنك حقاً....تحبني!!!

ثم سالت دموعها أخيراً علي وجنتيها وهي تبتسم لتهمس في سعادة:
_أنت تحبني يا حذيفة!

اتسعت ابتسامته وهو يمسح دموعها ليهمس بصدق:
_الحب كله قليل لأجلك يا أروع من عرفت !!

دخلت فريدة في هذه اللحظة لتفاجأ بعناقهما هذا...
فتنحنحت في حرج ثم قالت بمرح يخالط حنانها المعهود:
_تحشم يابن النجدي و عُد لبيتك.
ضحك حذيفة بمرح وهو يلتفت إليها ليقول بخبث:
_هذا أقصي ما أملكه من حشمة والله يا عمتي.!!!

ضحكت ساري بخجل وهي تبتعد عنه فيما نقلت فريدة بصرها بينهما بحب...
وهي تقول بفرحة ظاهرة:
_أسعدكما الله يا بني.
==========================================================================
جلست مارية علي مائدة الإفطار تتأمل محتوياتها في انبهار...
ضحك رياض وهو يقول لها بمرح:
_تبدين كطفلة وجدت نفسها فجأة في الملاهي بانطباعك هذا.
❤22👍2
ضحكت بمرح وهي تقول بسعادة:
_لم أتخيل أن تكون طقوس رمضان بهذه الروعة في مصر.
لم تكد تتم عبارتها حتي سمعت صوت مدفع الإفطار...
فانتفضت من مكانها لتهتف دون وعي بالانجليزية:
_ماهذا؟!
انطلق كل من رياض وصفية ومروة في الضحك للحظات....
ثم قالت لها مروة بمرح:
_ها قد عدتِ لأصلك الانجليزي عند أول ورطة...اجلسي أيتها الشقراء...إنه مدفع الإفطار.
جلست مارية وهي تضع كفها علي صدرها لتقول:
_ماذا يفعلون بهذا المدفع؟!
قالت صفية ببساطة:
_إنه تقليد قديم...يضرب المدفع في رمضان عند الإفطار والسحور لتذكير الناس.
هزت مارية رأسها بتفهم ....
ثم سمت الله كما يفعلون ...
وقالت دعاء الإفطار...
لتبدأ في تناول إفطارها...
عندما أعلن هاتفها عن وصول رسالة علي بريدها الاليكتروني....

ارتسمت ابتسامة حالمة علي شفتيها وهي تتوقع مرسلها....
حمزة الذي لا يمر يوم دون أن يراسلها رغم أنها لا ترد عليه!!!

فتحت الرسالة لتقرأها:
_عزيزتي مارية...لو كنتِ صائمة اليوم كما وعدتني...فهذا موعد إفطاركم في مصر...تقبل الله منكِ عزيزتي...وأتمني أن أراكِ قريباً....

ظلت تقرأ الرسالة عدة مرات...
تطارد طيفه الحنون بين كلماتها القصيرة...
آه لو يعلم...
كم تتمني لو تراه قريباً هي الأخري!!!
بل إنها فقط تتمني لو تتمكن من الرد علي رسائله...
لكن أشياء كثيرة تمنعها!!!
ليس كبرياؤها أولها ولا آخرها!!!!

قطع رياض شرودها وهو يتبادل نظرة ذات مغزي مع صفية ثم يقول بخبث:
_تري ماذا يشغلك عن الإفطار يا مارية؟!
ابتسمت في خجل وهي تقول:
_لا شئ يا عمي.
نظرت إليها صفية طويلاً ثم قالت:
_كم تمنيت لو يكون زياد معنا الآن...
ابتسمت مارية وهي تقول بلطف:
_وأنا أيضاً افتقدته كثيراً يا عمتي.
التمعت عينا صفية بسعادة وقد أخطأت تأويل عبارتها....
فلكزت رياض في جنبه لكزة ذات مغزي....
فقد كانت تحدثه الليلة الماضية برغبتها في تزويج زياد من مارية...
وقد كانت تظن أن زياد هو من أرسل لها تلك الرسالة علي هاتفها...
ابتسم رياض وهو يقول بحنان:
_ليتكِ تبقين معنا يا مارية...ليتك تبقين معنا دائماً....
==========================================================================
اجتمعت العائلة كلها علي الإفطار كعادتها كل عام...
لكن المائدة هذا العام قد خلت من آسيا وياسين الذي يقيم الآن مع رقية في بيت عاصم الهاشمي ...
فهي تصر علي البقاء هناك بل لا تكاد تغادر غرفته...
وياسين لم يتركها لحظة منذ ذاك الحادث...

دق مدفع الإفطار ثم سمع صوت الآذان فردده الجميع ثم قال الحاج قاسم بحزن يليق بقوته:
_اجعلوا دعاءكم الأول لآسيا بالرحمة...ثم لجويرية بالشفاء.

أغمضت فريدة عينيها بألم...
وذكري آسيا الحبيبة تكاد تمزق صدرها...
لن تصدق أنها ماتت...
بل إنها دوماً تفكر أنها في مكان بعيد أجمل من هذا...
تعيش سعيدة هانئة...
هذا ما يمنحها الصبر الذي تبدو عليه...
ربما لو فكرت في غير هذا لأصيبت بالجنون!!!

نظرت فريدة نحو جويرية التي تشعر أن مشاعرها تغيرت نحو عمار...
تشعر أن قلبها بدأ يميل إليه...
ومن يدري ربما كان دافعاً لتعجيل شفائها...
هي تظن في الله خيراً أن عجزها هذا لن يطول!!

لكن عمار نفسه لا يبدو بخير...
يبدو أنه يحمل هم قاسم النجدي...
قاسم النجدي الذي أمره بتطليق جورية عندما تسترد عافيتها بل وترك بيت العائلة كله عقاباً له علي فعلته!!!
هزت رأسها بإشفاق وهي لا تدري علي أيهما حزنها أكبر...
علي جوري أم عمار؟!!!!

وعلي كرسيها كانت راجية تتطلع لمكان ياسين الخالي...
لقد افتقدت وجوده لكنها تعذره في مقامه جوار زوجته...
ثم وجدت نفسها تدعو الله لهما أن يرزقهما الذرية الصالحة!!

وعلي كرسيه كان حذيفة يجلس جوار ساري هامساً في أذنها:
_العام القادم تكونين في بيتي .
ابتسمت في خجل وهي تشعر بكفه يداعب كفها تحت المائدة...

بينما كانت جوري تنظر لعمار الصامت في إشفاق...
شارد غافل عنهم كأنه في وادٍ آخر...
منذ عادا من الاسكندرية وهو علي هذا الحال...
لا يكاد يكلمها ولا ينظر إليها...
لا تدري هل يعاقبها أم يعاقب نفسه علي استسلامه لعاطفة جسده نحوها من جديد...؟!!!!

مدت كفها تحت المائدة تربت علي ركبته...
فالتفت إليها بحدة من شروده...
ثم قام من مكانه بعنف وهو يقول بغلظته المعهودة:
_لقد شبعت...

رمقته جويرية بنظرة حزينة لكنه لم يرها....
فقالت له راجية بلطف:
_لو كنت شبعت يابني...فأحضر لي السكين من المطبخ لقد نسيت إحضاره...وأريد تقطيع قالب الحلوي.
ذهب عمار ليحضره ...
تراقبه جوري بشرود...
حتي عاد حاملاً السكين في يده فارتدت جوري لظهر مقعدها في صدمة...!!!!!
وذكري مشابهة تغزو،مخيلتها....
عمار والسكين في يده!!!!

نظر إليها عمار نظرة عابرة لكن التعبير المرتسم علي وجهها جعله يدرك بحدسه ما تفكر فيه الآن...
نقل بصره بتوتر بين عينيها المتجمدتين برعب علي يده والسكين الذي يحمله...
وهو لا يدري ماذا يفعل...
ظل واقفاً مكانه يراقبها بقلق بالغ!!!!
❤20👍1
فيما كانت الذكريات تنهشها هي نهشاً...
وقد عادت إليها ذاكرتها التي فقدتها جزئياً عن أحداث ليلة زفافهما...
مختلطة بصورته المخيفة والسكين في يده...
منذ تلك اللحظة التي مزق فيها عمار طوق ثوبها...
كل ضربة من يده...!!!!
كل لمسة...!!!!
وكل...!!!!
دارت بها الدنيا وهي تسترجع أحداث تلك الليلة الرهيبة...
وبصرها معلق بعمار والسكين...
حتي وجدت نفسها تصرخ بقوة لتفقد الوعي بعدها!!!!
==========================================================================
استعادت جوري وعيها بسرعة لتجد نفسها في حضن فريدة التي هتفت بجزع:
_ماذا بكِ يا جوري؟!
فتحت فمها لتجيبها ببطء:
_أنا...أنا بخير!
صرخت فريدة في فرح :
_أنتِ تتكلمين يا جوري!!!! حمداً لله علي سلامتكِ يابنتي....

دمعت عينا عمار وهو يراقب شفتيها تتحركان ليخرج صوتها العذب من بينهما من جديد....
خفق قلبه وهو يترقب اللحظة التي طالما تمناها...
وطالما خافها!!!
لم يكذبه شعوره بها عندما ظن أن يوم فراقهما قد اقترب...
لكنه لم يكن يظنه قد اقترب إلي هذا الحد...
الآن تتركه جوريته...
بل يتركها هو!!

الآن يسحبون منه روحه ببطء...
يسحقون قلبه تحت أقدامهم...
ينزعون من أنفاسه الهواء...
الآن...يأخذون جوريته بعيداً عنه!!!

لكنه يستحق...
لن يسامح نفسه يوماً علي ما فعله بها...
ربما حرمانه منها هو العقاب الوحيد الذي يستحقه!!!

اندفع الجميع نحو جويرية يهنئونها بسعادة...
وبعدما انتهت عاصفة التهاني....
بحثت بعينيها عنه وسط الوجوه....
لتجده واقفاً في زاوية الغرفة مغمضاً عينيه في سكون...

كاد قلبها يذوب من أجله وهي تشعر به في هذه اللحظة...
رغم كل الأحداث المؤلمة التي عادت لذاكرتها عن ليلة زفافها المشئومة...
لكنها وجدت له ألف عذر وألف شفيع من مشاعره التي عايشتها معه في الأيام السابقة...!!

ودت لو تختلي به الآن لتتكلم معه...
لتخبره عن هذه الأحاديث الطويلة التي ادخرتها لأجله...
لتخبره عن أحاسيس قلبها الجديدة نحوه...
لتناجيه بهمسها هي هذه المرة لكن في صحوه وليس في منامها كما كان يفعل!!!

لكن قاسم النجدي قطع أفكارها وهو،يقول بصوته المهيب:
_حمداً لله علي سلامتك يابنتي.
ازدردت ريقها بصعوبة وهي تهمس:
_سلمك الله يا جدي.

قال قاسم بلهجة صارمة:
_اخرجوا جميعاً ودعوا لي عمار وجويرية فقط.

تبادل الجميع نظرات الشفقة الممتزجة بالترقب...
ثم نفذوا أمره صاغرين....

وعندما خرج الجميع ...
قال قاسم لعمار بحزم:
_لقد أخبرتك بعقابي جزاءً لك علي فعلتِك بابنة عمك....الآن تطلقها وترحل من هنا...

أطرق عمار برأسه فيما نظرت إليه جويرية في رجاء....
تناجيه بقلبها لعله يشعر بها....
لا تفعلها يا عمار...
لا تتركني...
لا تتخلّ عن حبك لي!!
أنا لن أقوي علي الوقوف بوجه قاسم النجدي فافعل أنت...
أرجوك يا عمار ...أرجوك....

لكن عمار كان في وادٍ آخر...
الأمر لا يتعلق فقط بأوامر قاسم النجدي التي لا ترد...
لكن بعلمه بأنها تحب رجلاً آخر غيره وكادت تهرب معه...
وبخوفه عليها من نفسه أن يؤذيها من جديد....
لقد وعدها أن يثأر لها من نفسه....
وأي ثأرٍ أقوي من أن يذبح قلبه فداءً لها؟!!!!!
لهذا رفع رأسه إليها أخيراً ليقول بصوت متقطع:
_أنتِ طالق!
==========================================================================
تمدد ياسين جوارها علي السرير وهو يضم رأسها لصدره هامساً:
_ألم يحن الوقت لنعود لبيتنا يا رقية؟!
رفعت رأسها إليه لتقول بما يشبه الاعتذار:
_دعنا هنا قليلاً يا ياسين...
ثم تلفتت حولها هامسة:
_هنا أتلمس سلواي من ذكراه التي تملأ المكان...لو رحلت عن هنا سيزداد شعوري أنه مات حقاً كما يزعمون...وأنا لا أريد أن أصدق...عاصم الهاشمي لن يموت...لن يموت أبداً...

قبل رأسها بحنان ثم همس برفق:
_كما تشائين يا غاليتي...أنا معكِ أينما تريدين...

قالها وهو يقوم من الفراش ...
فقامت بدورها لتقف قبالته وهي تهمس في امتنان:
_شكراً يا ياسين...لقد منحتني كل الدعم الذي كنت أحتاجه.
ربت علي وجنتها برفق وهو يهمس بأسف:
_ليتني أستطيع منحك ما تستحقينه يا غاليتي.

تنهدت في حرارة وهي تفهم مغزي كلماته...
عندما سمعا طرقاً علي الباب لتدخل الخادمة قائلة لرقية بأدب:
_هناك رجل بالأسفل يريد تعزيتك والسيد ياسين.

سألتها رقية بترقب:
_ألم يقل اسمه؟!
هزت الخادمة رأسها نفياً...ثم انصرفت...
فأمسك ياسين كفها وهو يقول بهدوء:
_تعالي نقابله سوياً...

نزلا معاً إلي بهو المنزل حيث كان هذا الرجل ينتظرهما...
والذي قام من مكانه عندما لمحهما ليصافح ياسين قائلاً بهدوء:
_تعازيّ الحارة سيد ياسين.
ثم التفت لرقية قائلاً:
_تعازيّ يا سيدتي...البقاء لله.

جلست رقية جوار ياسين الذي سأله بهدوء:
_لم نتشرف بمعرفة سيادتك.

ابتسم الرجل ابتسامة صفراء وهو يقول:
_اسمي مصطفي...دكتور مصطفي الشيمي...أعرف أن الوقت غير مناسب لكنني أردتك أن تدرك الفضيحة التي ألمت بعائلتكم.
❤20👍2
عقد ياسين حاجبيه وهو يسأله:
_فضيحة؟!
سكت مصطفي للحظات ليعطي كلماته التأثير المطلوب....ثم قال بأسف مصطنع:
_آسيا ابنة عمك.
هب ياسين من مقعده ليقول بلهفة:
_ماذا عنها؟!
ابتسم مصطفي ابتسامته الصفراء وهو يقول :
_لم تمت كما تظنون.
ابتسم ياسين رغماً عنه ثم صمت لحظات مصدوماً.....
قبل أن يسأله بتلهف شديد:
_هل رأيتها؟!
هز مصطفي رأسه بإيجاب وهو يقول بأسف مصطنع:
_للأسف الموضوع مخجل لكنني مضطر لقول الحقيقة حتي تنقذوا الوضع.

نظر ياسين لرقية التي كانت مصدومة بدورها ثم قال له بقلق:
_ماذا تعني ب"مخجل" هذه؟!
أطرق مصطفي برأسه وهو،يقول :
_لقد هربت لتقيم مع رجل يدعي بدر في مزرعته في (..........).
تقدم ياسين نحوه ليجذبه من ياقة قميصه صارخاً بغضب:
_اخرس أيها الحقير...

هتف مصطفي بخوف واضح:
_اهدأ يا سيد ياسين ياسين...صدقني إنها الحقيقة.
قامت رقية لتقول لياسين بتوتر:
_اسمع منه يا ياسين...
ثم قالت لمصطفي بصرامة:
_أنت في فيللا عاصم الهاشمي...هل تدرك معني هذا؟!!!!يمكنني أن أزجك في السجن بإشارة واحدة مني...قل الحقيقة كلها.
نقل مصطفي بصره بينهما بقلق...
وهو يلعن غباءه وتهوره الذي دفعه للانتقام من آسيا وبدر بهذه الطريقة...
لكن...لم يعد هناك مجال للتراجع...
لهذا قال لياسين بتوتر:
_سأخبرك بكل ما أعرفه
===================================
❤36👍1
الفصل السابع عشر:

غادرهم المأذون وشاهده...
ليسند جسار رأسه المطرق بين كفيه ...
لا...لا يستطيع التخلي عن آسيا !!!
لكن حقيقتها التي ظهرت ستفتح عليه أبواب الجحيم من جديد!!!
ماذا سيفعل قاسم النجدي لو علم أن حفيدته الهاربة تقيم هنا معه منذ تركتهم؟!!!!
ماذا سيظن؟!
سيظنه أغواها استجابة لثأره القديم!!!
وربما يؤجج هذا العداوة من جديد...
ليعود منجل الثأر يحصد الرؤوس بلا رحمة!!!

ربت كساب علي كتفه وهو يقول بحكمة:
_هون عليك يابني...من يدري لعل الله يحدث أمراً!
نظرت إليهما آسيا بقلق ثم قالت بتردد:
_ماذا سنفعل الآن يا بدر؟!
رفع جسار رأسه إليها لينظر إليها طويلاً ثم قال ببطء:
_جسار يا آسيا...وليس بدر...لقد مضي عهد التخفي...

شعرت بحسرته في كلماته تجلد ضميرها بالسياط...
هذا الرجل سواء كان بدر او جسار لم يقدم لها سوي كل خير...
بينما هي أفسدت له حياته كلها...

هتفت بأسف:
_أنا كنت لعنة علي هذه العائلة...ليتك تركتني أرحل !!
تنهد جسار وهو يقول بحزم:
_فات أوان هذا الكلام الآن يا آسيا...الآن مصيرنا واحد وطريقنا واحد.
قالها وهو يقوم من مكانه ليقول بضيق:
_سأعود لغرفتي...وأنتِ ستبيتين في غرفة ياسين...منعاً للأقاويل...

نظرت إليه وهو ينصرف عنها عائداً لغرفته في حسرة...
كم تمنت لو يبقي معها ولو قليلاً...
حتي يطمئن قلبها الذي يكاد يتوقف الآن ذعراً!!!
كم تتمني لو يغمرها الآن بحنانه الذي تعرفه...
لعلها تتصبر به علي قلقها من غدها...

لكن عقلها نهرها!!!
كفاكِ ضعفاً يا آسيا...
كفاكِ ضعفاً وأنانية...
هو الذي يحتاج للدعم الآن وليس أنت!!

لكنها للأسف لا تملك ما تفعله له...
حتي مجرد البقاء جواره..
لقد لفظها من حياته من أول ليلة...
ليشعرها أنها ليست سوي واجب ثقيل!!!

اقترب منها العم كساب متأملاً ملامحها باشتياق كاسح وهو يقول بحنان:
_كيف لم أنتبه للشبه بينكما؟! أنتِ تشبهين فريدة إلي حد كبير.
التفتت إليه آسيا وهي تقول بابتسامة شاحبة:
_يبدو أنك تعرف أمي جيداً!
ابتسم كساب في شرود وهو يقول بمرارة:
_أعرفها؟! فريدة هي عمري كله!
اتسعت عينا آسيا بصدمة وهي تسأله:
_عمرك كله؟!!!
تنهد في حرارة وهو يقول لها :
_تعالي معي يابنتي...سأريكِ شيئاً...

سارت معه آسيا حتي غرفته الكائنة خارج المنزل الكبير...
دخلها لبضع دقائق ثم خرج حاملاً قلادة مميزة منحها لها قائلاً بشرود:
_هذه هي الذكري الوحيدة التي حملتها منها...سقطت منها يوماً وهي تسير في الطريق...كنت أتبعها خلسة كعادتي...ولم أكد أراها حتي التقطتها لتبقي تذكرني بها...
هزت آسيا رأسها بحيرة وهي تسأله:
_ما حكايتك مع أمي بالضبط؟!
جلس العم كساب علي أحد المقاعد خارج غرفته...
ثم تنهد وهو يقول بعمق:
_الحكاية طويلة...لكن لا بأس...ليس شيئٌ أحَبُ عندي من الكلام عنها!!!
ابتسمت آسيا في حنان وهي تجلس جواره لتقول برفق:
_أخبرني يا عمي.

أسند كساب رأسه علي ظهر مقعده مغمضاً عينيه وهو يقول:
_فريدة كانت جارتي في البلدة...أحببتها منذ كانت صغيرة تتمايل بضفائرها علي الطريق...لا أذكر أن امرأة سواها تملكت دقات قلبي كما فعلت هي...ولما لم أستطع مصارحتها بشعوري...كنت أحاول لفت انتباهها بأي صورة...كنت أتتبعها في كل مكان تذهب إليه...أنظر إليها لعل عينيّ تفضحان ما عجزت عن البوح به...ظللت علي هذا لسنوات...حتي هيئ إليّ أنني نجحت عندما لمحتها مرة تبتسم لي...

ابتسمت آسيا في حنان ثم همست :
_وماذا حدث بعدها؟!
تنهد كساب قائلاً:
_لقد سبقني والدك رحمه الله وتقدم إليها...وافق والدها بالطبع لأن نسب النجدي لا يرد...التقيتها بعدها في السوق لتنظر إلي نظرة لن أنساها ما حييت...وكأنها تخبرني أنها لا ذنب لها وأنني هو من تأخر...
هزت آسيا رأسها وهي تسأله بدهشة:
_أنت لم تحدثها أبداً؟!
ابتسم كساب وهو يقول:
_ليس كل الحديث بالشفاه يا صغيرة...حديث العيون أصدق وأمتع..
ثم أردف بشرود:
_تزوجت فريدة من سعد النجدي...ولم أكد أبتلع حسرتي عليها حتي قُتل ابن عمي وذهبت ظنون الجميع لعائلة النجدي نظراً للعداوة القديمة بين العائلتين...ليبدأ بعدها مسلسل الدم الذي قطعه جسار بشجاعة وأنا ساعدته...
عقدت حاجبيها لتسأله :
_ماذا تعني؟!
قال بحزن واضح:
_عندما قُتل ابن عمي طلبوا مني أنا أن آخذ ثأره...ولما كان سعد هو الابن الأكبر لقاسم النجدي بعد وفاة عمك حبيب بمرض شديد...فقد طلبوا مني أنا أن أقتله...
شهقت آسيا بعنف وهي تسأله بارتياع:
_أنت الذي قتلت أبي؟!

نظر إليها كساب طويلاً ثم قال بأسي:
_هذا ما ظنته فريدة أيضاً...ظنتني قتلت زوجها...لكنني أقسم لكِ يابنتي أنني لم أفعل...لقد وجدوه مقتولاً علي الطريق...لكنني لا أعرف من قتله...
أومأت آسيا برأسها وهي تهمس:
_وماذا حدث بعدها؟
❤18👍2
قال كساب بشرود:
_وقتها تشابكت كل الخيوط...اشتعلت العداوة أكثر بين العائلتين...وسقط القتلي من الجانبين ...ووسط دائرة الانتقام هذه وجد جسار نفسه مطالباً بثأر جديد...لكن سمية الغالية التي عشقته من كل قلبها أقنعته بالهروب من هذا كله....هي التي اقترحت عليه أن يهربا معاً من كل هذا حتي يتوقف نزيف الدم...وهذا فعلاً ما حدث بعد هروب جسار ووفاة والده كامل القاصم وسفر جدك للمدينة مع أحفاده.....

صمتت آسيا طويلاً ثم هزت رأسها بحزن وهي تهمس:
_طوال هذه السنوات ونحن نعيش في رعب...حمزة ابن عمي الذي حُرم من البقاء بيننا وأبعده جدي خوفاً عليه...أنت لا تتصور الرعب الذي كنت أشعر به لمجرد سماع اسم جسار القاصم...لقد تربيت علي الخوف منه...وحتي الآن لا أصدق أنه هو بدر الرقيق الحنون الذي قابلته هنا....
قال كساب بحكمة:
_من يدري يا بنتي...لعل زواجكما يكون نهاية العداوة بين العائلتين.
هزت رأسها نفياً وهي تقول:
_ليس في هذه الظروف يا عمي...زواجنا سيبدو وكأنه تستر علي خطيئة وليس زواجاً حقيقياً...سيظنون أن جسار أغواني ليحقق انتقامه بخسة...ليعود نزيف الدم الذي لن يتوقف هذه المرة.
ثم أردفت بألم:
_ليتهم يقتلونني أنا ويدعونه هو وياسين الصغير!

نظر إليها كساب وهو يلمح صدقها في عينيها فسألها بحنان:
_تحبين جسار يا بنتي؟!
نظرت إليه في تردد أظهر مشاعرها الدفينة...
ثم قالت بشرود حزين:
_وماذا يفيده حبي يا عمي؟! حبي لن يزيده ولن ينقصه...أنا لست سوي واجب ثقيل أداه مضطراً...لعنة أصابت عالمه الذي ضحي بعمره لأجله ...ليتني لم آتِ إلي هنا...ليتني متّ فعلاً كما حاولت أن أوهمهم...

قالتها وهي تندفع نحو غرفتها الخارجية باكية بانهيار...
فتنهد العم كساب في حزن وهو يتأمل السماء بنجومها في شرود....

غافلاً عن عيني جسار اللتين كانتا تراقبانهما من خلف جدار قريب...
بعدما استمع للجزء الأخير من الحوار للأسف...
لم يكن يقصد التصنت عليهما...
لكنه شعر بالقلق عندما تفقد آسيا ولم يجدها مع ياسين الصغير...
ولا في المنزل كله...
ذهب ليسأل العم كساب عنها ليستمع مصادفة لحديثهما...

أطرق برأسه وهو يفكر أن الأمور تعقدت كثيراً...
مشاعر آسيا نحوه لابد أن تختفي...
يجب أن تتخلص من حبها اليائس له...
بل يجب أن تكرهه !!!

لن يسمح لها أن تضيع عمرها بحب لا طائل منه...
هو لن يكون سوي لسمية...
هو رجل غير قابل للقسمة كما قالت عنه يوماً!!!

لابد أن يتوقف عن معاملتها بحنانه السابق...
سيتجاهلها ...بل سيقسو عليها...
حتي ينتزع حبها هذا من قلبها...
لتعود حرة وترحل من هنا متي شاءت!!!

التفت نحو غرفتها الخارجية المضاءة ليحسم قراره الأخير...
جسار لن يكون كبدر يا آسيا...
لن يكون!!!
==========================================================================
صعدت ساري إلي سطح المنزل تحمل دميتها الحبيبة ....
فتحت الباب برفق لتجد النور مضاءً...
ابتسمت في سعادة وهي تراه جالساً علي الأرجوحة الكبيرة هناك...

تقدمت نحوه فابتسم لها فارداً ذراعه جواره ليهمس بحب:
_تعالي.
جلست جواره ليضمها إليه بأحد ذراعيه ويربت علي وجنتها بالآخر هامساً:
_لماذا أنتِ مستيقظة إلي الآن؟!
رفعت وجهها إليه وهي تهمس:
_لقد كان يوماً طويلاً...لكنه انتهي نهاية سعيدة...جوري استعادت قدرتها علي النطق...
تنهد قائلاً:
_لكن عمار سيطلقها...أنا أدرك شعوره الحارق الآن...
دفنت رأسها في كتفه وهي تشعر بالأمان لتهمس :
_لو أرادها حقاً سيعرف كيف يستعيدها...
ثم عادت ترفع رأسها إليه لتهمس في عاطفة:
_كما فعلت أنت!

نظر إليها طويلاً...
ثم همس بصوت يحمل زخات من الندم:
_هل تذكرين ليلة زفاف جوري وعمار...لقد قلتِ لي يومها أنكِ ستكرهينني طوال عمرك...
تنهدت في حرارة وهي تشيح بوجهها لتقول بشرود:
_رغم أن فعلتك يومها ذبحتني...لكنني أحسست أنك تغيرت حقاً منذ تلك الليلة...
ثم التفتت إليه لتهمس:
_أحسست أن نبتة من حبي بدأت تنمو ببطء في صدرك...تجاهد كي تري طريق النور...لتزهر براعمها بقلبك وتمنحني عشقاً لم أتخيله يوماً...
ثم أسندت رأسها علي صدره لتهمس:
_حذيفة الذي أحببته طوال عمري وضل عني في تيه غفلته وعبثه...عاد إلي من جديد....
رفع ذقنها إليه وهو يهمس برجاء:
_سامحتني؟!

أومأت برأسها وهي تهمس:
_من كل قلبي يا حبيبي.

تأوه بقوة وهو يسمعها منها لأول مرة...
حلوة...
نقية..
صادقة...
تماماً مثلها!!!

أخفي وجهها في صدره هامساً بهيام:
_قوليها دوماً يا ساري...اجعليني اسمعها منكِ في كل وقت...اجعليها ترياقاً لي من سموم الماضي...احميني بها من شر نفسي...
رفعت رأسها إليه لتهمس بحب:
_حبيبي...حبيبي...حبيبي...

كاد يشعر بروحه تذوب منه مع حروفها التي ليست كأي حروف!!!
هذا حب لا يلقاه المرء إلا مرة واحدة في عمره...
محظوظ هو بملاك مثلها أحبه رغم زلاته...

رغم كل النساء اللاتي سارت خُطاهنّ علي دربه...
وحدها ساري استطاعت طمس آثارهن جميعاً...
لتصل وحدها لعرش قلبه...
متربعة في تملك !!!
❤22👍1
ابتسم وهو يقبل جبينها بعمق ثم همس بشرود:
_أشعر اليوم بشعور غريب...وكأنني ولدت من جديد...وكأن عمري السابق كله في كفة...وعمري من اليوم في كفة أخري!!!
همست بسعادة:
_لا تتخيل سعادتي بك يا حذيفة...كم حلمت بهذا اليوم!

نظر لعينيها بعمق وهو يسألها بدهشة تمتزج بالاعتذار:
_كيف تحملتِ حبي طوال تلك السنوات...كيف استطعتِ التعايش مع قسوتي وتجاهلي لكِ؟!
أخذت نفساً عميقاً ثم همست ببطء:
_لم يكن اختياراً يا حذيفة...الحب الذي يولد وينمو معنا صغاراً يمتزج بدمنا وخلايانا...يصير جزءاً منا...لا يمكنني تذكر لحظة واحدة من أيامي السابقة ولا أذكرك معها...حبك كبصمة يدي مميزة لا تتغير...وتخصني وحدي...لا أشارك أحداً فيها...
رفع إبهامها إليه يقبل باطنه هو يهمس أمام عينيها:
_ولن يشاركك فيها أحد...
ابتسمت وهي تهمس:
_أنا أصدقك يا حذيفة...الآن أصدقك...قلبي يخبرني أنك تغيرت...
ثم مدت أناملها تداعب شعره لتهمس بحب:
_أنا أراهن نفسي عليك...وسأربح رهاني.
قرص وجنتها مداعباً وهو يهز رأسه هامساً بهيام:
_لا أصدق أنني أسمع هذا منكِ...لقد كاد شعري يشيب لنيل رضاكِ ...
نظرت إليه بعتاب وهي تهمس:
_لم يكن الأمر بهذه الصعوبة...أنا لم أطلب سوي نظرة صادقة كهذي التي أراها في عينيك الآن...

نظر إليها طويلاً...
يتأمل ملامحها بعشق جارف....
ثم مال بعدها علي شفتيها بتردد...
يخاف أن تخذله ككل مرة....
لكنه لم يلبث أن حسم تردده سريعاً وهو يبثها عبر قبلاته حبه وندمه واعتذاره ....
وكثيراً جداً من وعوده...
أنه لن يكون من اليوم إلا لها!!

ويبدو أن قبلاته الصادقة حملت رسالته ببراعة...
ليشعر بها -ولأول مرة -تستجيب له بعاطفتها...
ساري التي سيجاهد نفسه الآن كي يستحقها...
وليته ينجح في اختباره الأيام القادمة!!
==========================================================================
كان واقفاً في غرفتهما يجمع أغراضه ...
عندما تقدمت نحوه ببطء...
تتأمله بأسف واضح...
همست باسمه بكل ما أوتي قلبها من عاطفة :
_عمار.
لم يلتفت إليها وهو منهمك في جمع أغراضه لكنه هتف بخشونته المعهودة:
_ماذا تريدين؟!
وقفت أمامه تمنعه من الاستمرار فيما يفعله فنظر إليها كارهاً وهو يقول:
_انزلي عند والدتك حتي أنتهي من عملي...وأرحل عنكم للأبد...

امتلأت عيناها بالدموع وهي تمسك كفه الذي طالما كتبت عليه لتهمس:
_لماذا طلقتني يا عمار؟!
نزع كفه منها بعنف وهو يهتف:
_لتعودي لذاك الرجل الذي كنت ستهربين معه...اليوم لا حاجة لكِ في الهرب...انطلقي في الطريق الذي اخترتِه لنفسك.

سالت دموعها علي وجنتيها وهي تهمس :
_أنت لا تفهم!
هتف بغضب هادر:
_ولا أريد أن أفهم...لقد أديت واجبي نحوك ووقفت جوارك حتي شُفيتِ تماماً وبهذا أكون قد كفرت عن خطئي معكِ...وهأنذا أغادر حياتك للأبد...كما كنتِ تتمنين...

هزت رأسها بعجز وهي تشعر أن لسانها انعقد...
أين الأحاديث الكثيرة التي ادخرتها لتسمعها له...؟؟!!
أين اعترافاتها واعتذاراتها عن سوء ظنها فيه؟!!!
أين همسات امتنانها وشكرها لكل ما منحه لها طيلة هذه الأيام؟!!!
بل طيلة هذه السنوات...
لسانها يعاندها وكلماتها كلها هربت من علي شفتيها فجأة...!!!

ورغماً عنها ودون أن تشعر...
وجدت نفسها تسحب قلمه من قميصه...
لتجذب كفه من جديد وتكتب:
_لا تتركني...أرجوك...

وكأنها شعرت أن هذا هو أصدق تواصل بينهما...
عندما تمسك كفه في تملك فيتشرب جلده كلماتها لتصل إلي قلبه أسرع!!!

قبض كفه علي كلماتها بقوة مغمضاً عينيه للحظات...
وكأنه يحتفظ بكنز كلماتها الأخيرة كي لا يفقده!!!
يحاول السيطرة علي كل مشاعره الهادرة كبحر هائج الآن...
ويتمني لو يضمها اليه مرة أخيرة يودعها بعدها للأبد....

رفع رأسه لأعلي وكأنه يهرب منها ثم همس ببطء:
_لم تكوني لي من البداية يا جوري...أنا الذي أصررت علي عناد قدري...

فتحت شفتيها تريد أن تخبره أنها ما عادت تشعر نحوه كالسابق...
أنها تريده جوارها...
أنها تتمني لو لم تعد لها قدرتها علي النطق...
لو بقيت خرساء طوال عمرها...
كي لا تفقده!!!!
لكنها لم تستطع...
شئ أقوي منها يشل لسانها وحركتها...!!!!

ظلت تنظر إليه طويلاً في عجز يمتزج بالتوسل...
لكنه انتزع عينيه من سجن عينيها أخيراً ليغلق حقيبته ...
ثم أشاح بوجهه ليقول ببرود تعلم الآن جيداً ما يخفيه:
_وداعاً يا جوري!

قالها وهو يغادر الشقة تاركاً إياها متجمدة خلفه...
لا تصدق هذا الذي يحدث لها...
لا تصدق كل هذا التحول في مشاعرها نحوه...
لا تصدق كيف تحول عمار البغيض الذي كان يثير وجوده كل الرعب في أعماقها....
إلي رجل لم تعد تري أمانها إلا معه...

جلست علي طرف فراشها تنظر للباب الذي خرج منه بصدمة عجزها....
❤21👍1
تري...هل تعود يوماً يا عمار...؟!!
هل تعود؟!!!!!
==========================================================================
وقف ياسين في شرفة غرفة عاصم الهاشمي...
حيث يقيم الآن مع رقية...
أخذ نفساً عميقاً يحاول استيعاب ما سمعه من ذلك الرجل مصطفي منذ ساعات...
آسيا لازالت علي قيد الحياة!!!!
إذن لماذا اختفت كل هذه الفترة؟!!!
وما صحة ما قاله ذاك الوغد عن علاقتها بصاحب المزرعة هذا؟!!!

لا لا لا....
هو يعرف آسيا جيداً...
لقد تربي معها....
لا يمكن أن تفعل ما يشين...
لكن....ألا يحتمل أن يكون هذا الرجل هو الذي أغواها؟!!!
ألا يحتمل أنه هو الذي يجبرها علي البقاء معه؟!!

كاد يجن بأفكاره الهائجة عندما عادت إليه رقية تحمل هاتفها لتقول بقلق:
_لقد أجريت اتصالاتي...كلام الرجل صحيح فيما يتعلق بمكان تلك المزرعة لكن مالكها لا يدعي بدر...اسمه الحقيقي جسار القاصم...

اتسعت عينا ياسين في ارتياع وهو يهتف بجزع:
_جسار القاصم!!!!
ازدردت رقية ريقها ببطء وهي تقول بتوتر:
_من هذا الرجل؟!
هز ياسين رأسه وهو يقول بصدمة:
_إنه الرجل الذي يطاردنا بالثأر منذ سنوات...لكن الثأر يؤخذ من الرجال...هذا الخسيس اعتدي علي حرمة نسائنا...غير اسمه ليغوي آسيا!!!!!
قالت رقية بتعقل:
_كيف يغويها وهي تعشقك أنت يا ياسين؟! ربما كانت فقط تعمل هناك ...
خبط علي سور الشرفة بكفه وهو يهتف بغضب:
_كيف تقيم هناك معه وحدها طيلة هذه الشهور....جسار القاصم لن يضيع هذه الفرصة لينتقم منا....ذاك الوغد انتظر كل هذه السنوات متخفياً...ولم يجد إلا آسيا لينفذ فيها انتقامه....؟!!!!

أخذت رقية نفساً عميقاً تستوعب به مشاعرها تلك اللحظة...
تخمد به لهيب قلبها الذي يشتعل غيرة من خوفه علي معشوقته...
وسعادته الملهوفة التي لم تخفَ عليها عندما علم أنها لازالت علي قيد الحياة...
تسكت به صراخ روحها التي تطالبها بالتمرد علي وضعها الغريب الذي طال...
وتستجيب لصوت العقل الذي يأمرها الآن...

لقد حان وقت الرحيل يا رقية!!
ارفعي رأسك ياابنة أبيك ...
وانفضي عن قلبكِ رداء ضعفه...
وعودي كما كنتِ رقية الهاشمي التي لم ولن يكسرها أحد.....!!!!

تناول ياسين مفاتيحه ليقول لها بسرعة:
_يجب أن نري حلاً لهذه الكارثة...حان الوقت لنعود لبيت العائلة..

تجمدت مكانها لحظات تنظر إليه طويلاً.....
ثم هزت رأسها نفياً وهي تقول بهدوء:
_عد أنت لبيت العائلة...أنا لن أعود معك...

عقد حاجبيه بشدة فأعطت له ظهرها وهي تقول بثبات تحسد عليه:
_لقد مات والدي الذي تزوجتني لأجل نفوذه...وحبيبتك عادت للحياة وتحتاج وجودك جوارها الآن لتنقذها مما هي فيه...الآن لم يعد لزواجنا معني...
سار ليقف قبالتها قائلاً بصدمة:
_ماذا تقولين يا رقية؟!

نظرت لعينيه وهي تقول بقوة:
_لقد وعدتك ألا أتركك طالما تحتاجني...وأنت الآن في غنيً عني...هاقد وفّت رقية الهاشمي بكل وعودها معك...والآن جاء دورك لتفي بوعدك معي...
ازداد انعقاد حاجبيه وهو يسألها بحذر:
_أي وعد؟!
اقتربت منه خطوة وهي تعقد ساعديها علي صدرها رافعة رأسها بكبرياء لتقول:
_وعدتني ألا تفعل إلا ما يرضيني...وأنا الآن أريد .....الطلاق...

تهدج صوتها في عبارتها الأخيرة رغماً عنها...
ليفلت من عقال سيطرتها علي جميع جوارحها الآن...
فيما ظل هو ينظر إليها طويلاً...
لتلتقي عيناهما للحظات واجهته فيها بقوتها التي تميزها...
قبل أن تعطيه هي ظهرها من جديد لتنسحب قبل أن يخذلها تماسكها...

لكنه أمسك ذراعها ليديرها إليه ثم أمسك كتفيها لينظر في عمق عينيها هامساً:
_تريدين أن نفترق يا رقية؟!

هربت من عينيه لتقول بثبات:
_نعم...وبسرعة...
ابتسم في سخرية مريرة هامساً:
_بسرعة؟!!!
زفرت زفرة قصيرة وهي تقول بانفعال:
_زواجنا كان مجرد خطإ كبير...لم ندفع ثمنه وحدنا...بل دفعه معنا غيرنا...وآن الأوان لنصلح هذا الخطأ ويمضي كل منا في طريقه....
اقترب منها أكثر حتي كاد يلاصقها وهو يهمس عاتباً:
_زواجنا خطأً يا رقية؟!
هتفت بنفس الانفعال:
_نعم ...خطأ...ورقية الهاشمي لن تسمح -بعد- بأي نقطة ضعف في حياتها ...حتي لو مات عاصم الهاشمي ...وحتي لو فقدت دعمه وقوته...سأبقي قوية كما عهدني وكما عهدت نفسي...
ثم أردفت بنفس القوة وهي تشير للمكان حولها:
_الحمد لله أن هذا تم هنا...وأنا في بيته وفي غرفته...أشعر بروحه تؤازرني في قراري...

نظر إليها طويلاً في صمت قبل أن يسألها بنبرته اللائمة:
_وقلب رقية الهاشمي؟! هل يوافقك علي قرارك هذا؟!

رفعت رأسها في كبرياء لتقول :
_أخبرتك قبلاً لو تعارض قلبي مع كبريائي سأسحقه تحت قدمي وأرفع كبريائي علي رأسي...
تنهد في حرارة...
ثم أطرق برأسه للحظات...
قبل أن يرفع وجهه إليها لينظر لعينيها طويلاً...
لكنها لم تتأثر...!!
❤22👍1
لقد أجادت السيطرة علي جوارحها تماماً هذه المرة...
مد أنامله يتحسس وجنتها برفق للحظات وهو لا يزال غارقاً في بحر عينيها الهائج....
لتشعر بروحها تنسحب منها رويداً رويداً...
وهي تشعر بالسكينة في لمساته...
فأغمضت عينيها وهي تهمس باعتراض:
_ياسين!!
أحاط وجهها بكفيه وهو يقترب بشفتيه من شفتيها هامساً:
_لقد وعدتكِ ألا يمس رقية الهاشمي إلا رجل يحبها ...
فتحت عينيها بترقب...
وهي تنظر إليه بتساؤل...

فاقترب بشفتيه أكثر وهو يهمس:
_وأنا ..أحبك بجنون ...

تناول شفتيها بقبلة عميقة...
وهو يستشعر صدق كلماته...
هو لم يقلها ليسترضيها...
ولا ليثنيها عن قرارها...
لكنه قالها وهو يعنيها...
من للحب سوي رقية؟!!!
بل لمن خلق الحب إن لم يكن لها؟!!!!

أفاقت لنفسها بعد لحظات غابا فيها عن العالم في دنيا أخري من عاطفتهما الخاصة....
لتنظر إليه في عدم تصديق...

فرفع كفها إليه يقبل باطنه ليهمس أمام عينيها:
_الآن فقط...أقولها أمام عينيك دون قيود...أقولها وأنا أعنيها بكل حروفها...أنا أحب رقية الهاشمي التي لم ولن أعرف امرأة مثلها...

ثم ضم رأسها لصدره وكأنه يدفنه في ضلوعه هامساً:
_بعيداً عن نفوذ عاصم الهاشمي...وحتي لو عادت آسيا من جديد...قلبي الآن لا يحمل سوي حب واحد...حب أعظم من أن أضحي به مهما كان...حب رقية ...سلطانة العشق التي ملكت جوارحي وداوت جروحي...

شعر بدموعها تبلل قميصه...
فرفع وجهها إليه وهو يمسح دموعها هامساً:
_لا بكاء بعد اليوم يا غاليتي...قلبك لن يعارض كبرياءك بعد اليوم...كلاهما سيرفع علي رأسك ورأسي أنا أيضاً...

ابتسمت وسط دموعها وهي تشعر بصدق حبه الذي طالما انتظرته...
ليأتيها في نفس اللحظة التي كادت تموت فيها يأساً...
ياسين الآن صار لها كاملا....
لكن آسيا!!!!

سألته بتردد:
_وماذا عن آسيا يا ياسين؟!
أطرق برأسه وهو يقول :
_لن أتخلي عن آسيا هي ابنة عمي ولها معزة خاصة عندي...لكنها لم تعد عشقاً يتملكني...ما كان يمنعني عنك طيلة الأيام السابقة لم يكن حبي لآسيا...لكن شعوري بالذنب نحوها...شعوري من الخزي أن أعشق من جديد وقد كنت أنا السبب في موتها...لكنني الآن وبعدما صار أمامي الخيار متاحاً...أدرك أنني لم أعشق امرأة كما عشقتك أنتِ يا رقية....
ثم نظر لعينيها هامساً بعشق جارف:
_الآن يتحرر قلبي من أغلال ماضيه ليرتع في ربوع عشقك الساحرة...الآن تكونين صديقتي وحبيبتي وزوجتي...
دفنت وجهها في صدره وهي تقول:
_اااااااااه يا ياسين...لو تعلم كم اشتقت لسماع هذا منك...

ضم رأسها لصدره بقوة وكأنه يريد غرسها بين ضلوعه....
ثم رفع وجهها إليه وهو يهمس:
_لو تعلمين كم اشتقت أنا لقولها لكِ!!!!

ابتسمت وسط دموعها وهي تهز رأسها ...
لقد صدقت رقية الهاشمي في قسمها لنفسها ليلة زفافها...
وصار ياسين النجدي بقلبه وروحه ملكاً لها...
==========================================================================
صعد ياسين درجات سلم بيت العائلة الكبير ليلتقي عمار الذي كان يستعد للمغادرة...
نظر ياسين لحقيبته في يده هاتفاً:
_إلي أين تذهب يا عمار؟!
قال عمار بغلظة:
_جوري استعادت قدرتها علي النطق...وجدك جعلني أطلقها...وأمرني بترك المنزل...
زفر ياسين بقوة ثم قال له بقلق:
_دع حقيبتك هذه جانباً....وتعال ننظر ماذا سنفعل في هذه الكارثة...
عقد عمار حاجبيه وهو يهتف:
_أي كارثة؟!
سبقه ياسين وهو يقول بتوتر:
_سأنتظرك عند جدي.

دخل ياسين غرفة جده الذي كان جالساً علي كرسيه كعادته فسأله بهدوء:
_هل عدت أخيراً مع زوجتك؟!
قال ياسين بتوتر:
_هناك أمر يجب أن تعرفه يا جدي كي نستطيع التصرف بسرعة.
دق قاسم علي الأرض بعصاه وهو يقول بحذر:
_ماذا عندك؟!

تردد ياسين لحظات ثم قال بحسم:
_آسيا لازالت علي قيد الحياة.

وقف قاسم هاتفاً بصدمة:
_ماذا؟!
قال ياسين باضطراب:
_لقد تعرف عليها رجل زارني الليلة في منزل عاصم الهاشمي...لقد كان يعمل في المزرعة التي تقيم هي فيها الآن.

هز قاسم رأسه وهو يسأله بغضب هادر:
_أي مزرعة؟!!!
أشاح ياسين بوجهه للحظات ثم عاد يواجهه قائلاً:
_مزرعة في(.......)...لكن المشكلة ليست في هذا...المشكلة في مالك المزرعة...

ضيق قاسم عينيه بتساؤل فقال ياسين بحذر:
_جسار القاصم!

وضع قاسم كفه علي صدره وهو يشعر بألم شديد ...
لكنه تحامل علي نفسه ليقول بانفعال واضح:
_جسار القاصم اعتدي علي حرمة نسائنا؟! الخسيس هرب من ثأره مع الرجال طيلة هذه السنوات ليحقق انتقامه من فتاة!!!

وصل عمار في هذه اللحظة ليستمع للجزء الأخير من الحوار...
فسأل ياسين بقلق:
_ماذا حدث يا ياسين؟!

التفت إليه ياسين ليخبره...
عندما سمع صوت ارتطام خلفه...
لقد سقط قاسم النجدي...
❤23👍1
قلبه لم يحتمل الصدمة!!!
==========================================================================
اجتمعت العائلة كلها حول فراش قاسم النجدي بالمشفي يتبادلون النظرات بحيرة تمتزج بالقلق...
قاسم وبرغم قسوته وتسلطه علي الجميع...
لكنه كان الوتد لهذه العائلة...
وجوده فقط كان كفيلاً لإشعارهم بالقوة والأمان...
وعندما سقط هكذا فجأة...
وجدوا أنفسهم يشعرون بالضياع....
عائلة النجدي لن تساوي شيئاً لو رحل هذا الرجل...!!!

قاسم النجدي هو الذي كان يجمع شتات هذه العائلة وخيوطها بكفه...
لو قدر الله له الموت الآن...
فإن هذه العائلة لن تفقد أمانها وقوتها فقط...
لكنها ستفقد روحها كلها!!!

لهذا تنفس الجميع الصعداء عندما استعاد وعيه ليتفحص ملامحهم بترقب...
ثم همس بصعوبة:
_آسيا...أريد آسيا....

توجهت فريدة -الصابرة-نحوه...
والتي كانت أقلهم صدمة -للعجب-من خبر وجود آسيا علي قيد الحياة...
قلبها الصادق أخبرها قبل أن يخبروها...
أن "الكريستالة" الهشة ستعرف كيف تتدبر طريقها عندما تصقلها الظروف ...!!!!

صحيح أنها قلقة مما سيفعله بها قاسم النجدي...
ومما تحمله لها الأيام مع جسار ذاك...
والذي يعلم الله ما الذي فعله وسيفعله بها....
لكن قلبها المؤمن أنبأها أن الذي حفظ لها ابنتها طيلة هذه الشهور لن يضيعها....
ستعود ابنتها لحضنها سالمة...
هذا يقينها بربها الذي لم يخذلها يوماً...!!!

جلست فريدة علي طرف فراشه وهي تبتسم بشحوب لتقول:
_لا تقلق يا عمي...سنعيدها...اهتم بصحتك فحسب....

نظر قاسم للسقف في شرود...
وهم يراقبونه بتفحص...
هم يعرفون شرود قاسم النجدي جيداً...
سيأتي بعده أمر جلل....!!!

وصدق حدسهم عندما التفت نحو أحفاده ليهمس بصعوبة:
_أخبروا حمزة أن يعود.....آن له أن يرجع!!!!
==========================================================================

استيقظت آسيا من نومها علي طرقات قوية علي باب غرفتها الخارجية...
نهضت من سريرها وهي تنتبه أنها نامت بثوبها هنا ...
لقد غلبها النوم بعد ليلة عصيبة من البكاء...
كل الحقائق التي تكشفت لها بالأمس جعلتها في حالة من الصدمة وعدم التصديق...
لكنها للأسف...
مجبورة هي علي المضي في الطريق الذي اختارته بنفسها...
وليتها لم تفعل!!!!

عادت الطرقات بقوة أكبر علي الباب هذه المرة...
فقامت لتفتحه...
وجدت جسار أمامها يبدو العبوس علي وجهه...
فهمست بقلق:
_ماذا بك يا بدر؟! هل جد شئ؟!

تأمل ملامحها المنهكة وهو يشعر نحوها بالشفقة...
لازالت بثوبها من البارحة...
عيناها الذابلتان تفضحان ليلة قاسية من البكاء والسهر...
والخوف!!!
لاريب أنها تشعر بالخوف من مستقبلها هنا...
الخوف من عائلتها...
بل...والخوف منه هو نفسه!!!

كم يود لو يمنحها الأمان الذي يعرف جيداً كم تحتاجه الآن...
لكنه لا يستطيع...
بعدما سمعه بأذنيه بالأمس من كلماتها التي أشعرته بأنها تحبه....
كل همسة حنان منه الآن جريمة في حقها!!!!

كل كلمة رقيقة وكل نظرة عطف ستعمق شعورها نحوه أكثر...
وهو ما لا يريده الآن!!!
آسيا يجب أن تبقي حرة...
قلبها ينبغي أن يتحرر من عشقه الوليد له!!!
حتي يمكنها الرحيل من هنا متي شاءت بكل يسر...

لهذا تجاهل كل شعوره بالشفقة والحنان نحوها ليقول بخشونة:
_قلت لكِ أنني جسار...لا تدعيني بدر ثانية...

أطرقت برأسها وهي تستوعب قسوته الجديدة معها...
والتي لم تختبرها قبلاً...
لاريب أنه يكره وجودها الآن أكثر...
لكنه مضطر لتحمل وزرها للنهاية...
كأي رجل نبيل!!!

ضم قبضته بقوة يداري عنها شعوره وهو يقول بقسوة:
_لماذا قضيتِ ليلتكِ هنا؟! ألم آمركِ أن تبيتي مع ياسين...هل تنقصنا أحاديث العاملين هنا؟!!!!

هزت رأسها وهي عاجزة عن النطق...
تشعر بالإهانة...بالامتهان...
لكنها تستحق!!!
هي التي وضعت نفسها في هذا الموقف !!!

لذا قالت بعد صمت لحظات طويلة دون أن تنظر إليه:
__آسفة يا جسار.

كانت المرة الأولي التي يسمع فيها اسمه الحقيقي منها...
وليته لم يفعل...
هل يمكن أن تحمل الحروف مشاعر صاحبها كما تفعل مع آسيا؟!!!!
عندما كانت تدعوه "بدر" ...
كانت حروفها تتراقص ...!!!!
تحمل له زخّات من امتنانها وحنانها ورقتها الفطرية دون تكلف...
تحمل له شعورها نحوه بالأمان والثقة!!

والآن وهي تدعوه "جسار" هكذا...
يشعر بحروفها ترتعش في خوف يمتزج بالحيرة...
وكأنها تشكو منه وتشكو إليه في نفس الوقت...!!!
نعم....حروفها تأتيه مشبعة بألمها وعُتبها علي قسوته الجديدة...
وكأنها عندما تدعوه"جسار" تذكره بما حملته له طوال عمرها من خوف ورهبة!!!

لكنه عاد يتجاهل كل هذا وهو يقول بجفاف:
_اذهبي الآن لغرفة ياسين...سأنجز بعض الأعمال وآتيكم بعد العصر...

قالها ثم أعطاها ظهره منصرفاً بسرعة...
فتأملت خطواته المنصرفة بحسرة...
لقد ذهب بدر الحنون الرقيق المتفهم...
ولم يبق سوي جسار الذي عاشت عمرها السابق تخشاه...
ويبدو أن عمرها القادم لن يخالف عهدها معه!!!
❤21👍1
أغلقت باب غرفتها خلفها بعدما خرجت لتتوجه نحو المنزل الكبير...
توجهت نحو غرفة ياسين التي صارت الآن غرفتهما معاً...
فجسار بالطبع لن يشاركها غرفته!!!
بدلت ملابسها بأخري أكثر راحة...
وخلعت حجابها لتمشط شعرها في شرود...

ما أشد مرارة الخذلان!!!
عندما يخذلك كل من حولك...
حتي من ظننتهم أقرب الناس إليك...

يقولون لي : كوني قوية!!
من أين لي بقوة وسط هذا الحطام الذي يملأ روحي؟!
أنا لست أملك إلا دموعي وحسرتي علي ما كان...
وحدي أقاوم كي أقنع أنفاسي -فقط-بالبقاء في صدري...
فلا تنقطع!!!
وحدي أجاهد خطايا ماضٍ تطوقني بحبال من لهيب...!!
وحدي أربّت علي خوف قلبي من غدٍ يرهبه كالكابوس!!!
وحدي...
وحدي...!!!

هكذا كانت تحدث نفسها عندما دخل عليها ياسين ليقول بمرح طفولي:
_يا إلهي...كم أنت جميلة....أنتِ تبدين ك"سندريللا"!!!
ابتسمت وهي تفيق من خواطرها البائسة...
ثم ضمته لصدرها هامسة بحنان:
_وأنت تبدو كالأمير الشجاع...أنت بطلي يا ياسين...

دخل جسار في هذه اللحظة...
ليراها لأول مرة بهذه الصورة...
شعرها الذي يبدو كخيوط الذهب السائلة ينسدل كستار كثيف علي كتفيها...
لينافس عينيها في بريقهما الأخاذ...
تضم الصغير لصدرها في حنان بصوتها الذي يمزج براءة الأطفال بسحر النساء...
أناملها الرقيقة تداعب شعره برقة فتبدو كأنها حورية خرجت من إحدي حكايا العشق الأسطورية...
لتعزف علي قيثارة من الإحساس...
لقد كان يظنها فاتنة...
والآن يراها....آسرة!!

وقف لحظات يتأملها مأخوذاً دون أن تشعر هي به...
حتي انتبه لعبارتها الأخيرة التي قالتها لطفله...
ياسين!!
أي ياسين كانت تقصد وهي تتفوه بها...؟؟؟!!!!
أي ياسين هو أميرها وبطلها...؟؟؟!!!
أي ياسين كان بقلبها وهي تضمه بهذه الصورة الحانية؟؟!!!
ياسين طفله...أم ياسين عشقها القديم؟؟؟!!!!

عقد حاجبيه بشدة عند هذه النقطة...
وهو يشعر بضيق غريب...
وماله بها هو؟؟؟!!!
إنها ليست سوي غريبة تعهدها بالحماية...
فلتعشق من شاءت...
لا شأن له بمشاعرها...
بل لا شأن له بها علي الإطلاق!!!!

جعله إدراكه الأخير هذا يهتف في خشونة:
_اخرج الآن يا ياسين...أريد الحديث مع آسيا وحدنا.

انتفضت واقفة عندما رأته وهي تشعر بقلبها يكاد يتوقف خجلاً وذعراً...
لماذا عاد الآن...
ألم يقل أنه سيعود قبيل العصر؟!!!!

مدت يدها لحجابها بسرعة تتناوله...
عندما خرج ياسين الصغير من الغرفة بسرعة...
لفت حجابها كما اتفق لكنه انزلق من علي شعرها بسرعة ليسقط علي كتفيها....

ازدردت ريقها بارتباك...ثم أطرقت برأسها هامسة:
_ماذا تريد يا جسار؟!

أشار إلي حجابها المنزلق وهو يقول بجفاف:
_اخلعي هذا عندما تكونين في المنزل...الخادمات هنا يتناقلن الأحاديث بلا تحفظ...يجب أن تتعاملي معي بطريقة طبيعية أمام الجميع ...

أومأت برأسها إيجاباً...
ثم همست في ضعف:
_هل تريد شيئاً آخر؟!
زفر بقوة وهو يقول بخشونة:
_وكفّي عن تدليل الصغير هكذا...لا أريده أن يتعلق بكِ أكثر...حتي لا يشقّ عليه الأمر عندما ترحلين...

دمعت عيناها رغماً عنها وهي تسمعه يتحدث عن رحيلها بهذه البساطة...
وهو يعاملها بهذا الأسلوب الجديد...
رفقاً بي يا جسار...
لا تنقصني قسوتك هذه...
كفاني ما قد لاقيت ...
وما سألاقي!!!!
هكذا حدثت نفسها وهي تعطيه ظهرها كي لا يري عينيها الدامعتين...
وضعت كفها علي شفتيها تمنع انهمار دمعها الذي لم يعد لها سواه في غربة روحها هذه!!!

أساء فهم حركتها فجذب مرفقها نحوه ليهتف بقسوة:
_ولا تعطيني ظهركِ عندما أكلم...

قطع عبارته وهو ينظر لعينيها الدامعتين مأخوذاً...
لم تكن المرة الأولي التي يراها فيها تبكي...
لكنها المرة الأولي التي يراها فيها بهذه الهشاشة وهذا الضعف...
وهذا القرب!!!
أم أن هذا الضعف كان نابعاً منه هو نفسه؟!!!

نظرت إليه ترمقه بسهام من عتبها الممتزج برجائها هامسة:
_لماذا صرت تعاملني هكذا؟!
ثم أردفت بنفس الهمس المتألم الذي يحمل أنّات روحها الكسيرة:
_أنا أعرف أنني أُثقل عليك...لكنني الآن ليس لي أحد غيرك...

قالتها ثم انتفض جسدها كله بنحيبها الذي ما عادت تقوي علي كتمانه...
ليجد نفسه دون وعي يجذبها من مرفقها ليضمها إليه بقوة...
وهو يربت علي ظهرها في صمت....
لامست أنامله خيوط الذهب السائلة والمسماة -ظلماً-شعرها...
فأخذ نفساً عميقاً ليأتيه ممزوجاً بعبير الذهب الساحر....

أغمض عينيه لحظات...
لا يعرف سر هذا الشعور الغريب الذي يملؤه...
لا...إنه ليس مجرد شعور رجل بامرأة...
لكنه شعور بالاحتواء...
أو علي الأدق...بالاكتمال!!!
وكأنها كانت تنقصه حتي إذا ما ضمها...
وجد فيها كماله وتمام نقصانه...!!!!

ظل علي إحساسه-الغادر-بها للحظات...
قبل أن يستفيق فجأة من شعوره...
ليؤنبه ضميره بقسوة...
هل نسيت سمية بهذه السرعة يا جسار؟!!!!
❤21👍2
ارتد عنها مصعوقاً فابتعدت عنه بخجل...
وهي تكاد تقسم علي علمها بما يشعر به الآن...
لم تكن تتوقع يوماً أن يضمها هكذا...
كما لم تتوقع أبداً أن يكون شعورها هكذا يوم يفعل!!!
ودت لو تشكره علي هذا الأمان الذي شعرت به بين ذراعيه...
لكن نظرة واحدة لملامحه كانت كافية لتدرك ..
كيف هو الآن شعوره بالندم...!!!!

جسار لا يحبها...
ولا يريد أن يحبها...
هو يريد العيش بين أطلال سمية للأبد...
ووجودها معه يذبحه بشعور الخيانة...!!!!

كانت تدرك كل هذا...
لهذا لم تستطع أن تمنع نفسها من أن تهمس بشرود وكأنها تهذي:
_سأرحل يوماً ما ....وستنتهي القصة بالنهاية السعيدة للجميع...

قالتها وكأنها تطمئن بها نفسها...
قبل أن تطمئنه هو...
وكأنها تقنع نفسها بوجود معجزة قادرة علي حل وضعهما المتشابك...
وفك كل تلك العقد...

نظر لشرودها في حزن يمتزج بالضيق...
وهو لا يجد ما يقوله...
هو يريد الهرب من أمامها الآن فقط بأي صورة...!!!

توجه نحو الباب بخطوات متثاقلة ليسمعها تقول خلفه في رجاء :
_لا تقسُ عليّ ثانية ...لا تدّعِ دوراً ليس لك...لو كنت تفعل هذا لتضمن رحيلي من هنا...فأقسم لك أنني سأفعل يوماً...

أغمض عينيه بقوة دون أن يلتفت إليها...
وهو يشعر بكلماتها كالسهام موجهة لقلبه باحتراف...
كل سهم يعرف مكانه وتأثيره!!!

هز رأسه بعجز وهو يشعر أنه عالق مع هذه الصغيرة التي دخلت عالمه فجأة...
لتقلبه له رأساً علي عقب...
ومن يدري...ماذا تخبئ له أيامه معها؟!!!!!
==========================================================================
❤33👍1
الفصل الثامن عشر:

جلس بدر علي كرسيه يراقب غروب الشمس في شرود...
هذا أول مرور للشهر الفضيل عليه دون سمية...
ابتسم في حنين وهو يتذكر طقوسها الخاصة في هذا الشهر من كل عام...
كيف كانت تنتظر الأذان بصبر...
ثم تلتقط حبة تمر تشقها نصفين لتضع شقاً في فمها وشقاً في فمه...
ثم تدعو دعاء الإفطار المعروف...
لتقول له بعدها بحبها الصادق:
_ربما عجزت عن مكافأتك عما فعلته لأجلي...لكنني أدعو الله أن يجزيك هو من فضله عني خيراً...

دمعت عيناه وهو يأخذ نفساً عميقاً...
ليتمتم بعدها :
_رحمك الله يا سمية...لا أظن العمر كله يكفيني حزناً عليك...

انطلق صوت الأذان بعدها...
فدعا الله لها بكل ما أوتي به قلبه من صدق...
ثم نظر نحو المنزل الكبير في تردد...

آسيا!!
لا يريد أن يذهب...
لا يريد أن يراها...
أما يكفيه أنه أول "رمضان"يمر عليه دون سمية...
فيجد أخري مكانها علي المائدة أيضاً؟؟؟!!!!!

زفر في حنق وهو يشعر بالاختناق...
لكنه استغفر الله سراً...
ثم بقي مكانه وقد قرر أن يكتفي بشربة ماء...
ويؤخر ذهابه للمنزل لعلهم يفطرون دونه!!!!

وبعدها بما يقارب نصف الساعة...
دخل المنزل الكبير ليفاجأ بعمه يجلس وحده مع ياسين الصغير علي المائدة...
اندفع نحوه الصغير ليقول بلهفة:
_لماذا تأخرت يا أبي؟! نحن ننتظرك.

ربت جسار علي رأسه ثم التفت لعمه الذي رمقه بنظرة عاتبة...
تجاهلها مضطراً ليجلس مكانه علي المائدة...
ثم غافلته عيناه لتتجها رغماً عنه لطبق التمر...
الذي لن يجد من يشق له منه تمرة بعد اليوم!!!

ظل علي شروده حتي انتبه لصوت عمه يسأله بلوم:
_ألا تفتقد أحداً علي المائدة؟!

أشاح بوجهه في ضيق...
فيما هتف الصغير بحزن:
_آسيا لم تشاركنا الطعام.

عقد حاجبيه بضيق ثم التفت نحو عمه ليسأله بدهشة:
_ألم تتناول إفطارها بعد؟! لقد ظننت أنكم ....

قاطعه عمه ليقول بنفس اللهجة اللائمة:
_آسيا رفضت مشاركتنا الطعام في رمضان...قالت أن هذا سيؤذيك خاصة أنه أول "رمضان"يمر علينا بعد رحيل سمية.

ازداد انعقاد حاجبيه وهو يشعر نحوها بمزيج من الامتنان والذنب...
وبرغم ضيقه من قرارها هذا لأنه سيزيد من إحساسها بالنبذ...
لكنه حمد لها هذا التفكير...
بعدما سمعه بأذنيه عن حبها -الوليد -له....
لا يريدها أن تفرط في أحلامها بالنسبة لهذا الزواج...
تصرفها هذا يعني أنها تدرك قيمة سمية لديه....
كما تدرك مكانها هي عنده علي أي حال!!

قطع العم كساب تفكيره وهو يقول له بحزن:
_أنا قلق علي هذه الفتاة يا جسار...حالها يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

نظر إليه جسار وهو لا يجد ما يقوله...
عمه علي حق...
آسيا تزداد شحوباً وذبولاً كل يوم عن سابقه...
لكنه لا يريد أن يمنحها ما يعلقها به أكثر...
لهذا زفر بضيق وهو عاجز عن الرد...
فوقف عمه ليقول بحزم:
_سأذهب إليها أنا وأشاركها الإفطار في غرفتها.

هنا لم يجد جسار بداً من أن يقف بدوره ليقول مضطراً:
_ابق أنت يا عمي...سأذهب إليها أنا وآتي بها لتفطر معنا.

قالها وابتعد عنهم ليتوجه نحو غرفة ياسين الصغير حيث تقيم هي بطبيعة الحال...
كان الباب موارباً فنظر من خلاله ليجدها جالسة علي الأرض....
تفترش سجادة الصلاة ترفع يديها بالدعاء...
أرهف سمعه عندما وجدها ترفع يديها للسماء لتقول بحزن مزق قلبه:
_اللهم إني أدعوك أن تقبض روحي إليك...لم أعد أريد البقاء في هذه الحياة...فاجعل الموت لي راحة...

انقبض قلبه بشدة وهو يسمعها تدعو علي نفسها بالموت هكذا بكل هذا الصدق والإصرار...
ألم يكتفِ هذا البيت بالموت بعد؟!!!

اقترب منها ببطء وهي غافلة عنه تردد دعاءها بإلحاح ...
فهتف بغضب:
_آسيا!

انتفضت بعنف وعادت بظهرها لتستند بكفيها علي الأرض...
وهي ترمقه بنظرات مذعورة لما رأت الغضب في عينيه...
ظل ينظر إليها للحظات تجمد فيها الدم في عروقها وهي تري اشتعال عينيه....
قبل أن يغمضهما للحظات يستوعب فيها مشاعره المتناقضة...
ثم عاد يفتحهما وقد لانت نظراته نوعاً...
ليمد لها كفه كي تنهض ...

نظرت لكفه الممدود بتردد...
وصدرها يعلو ويهبط ليفضح خوفها الظاهر...
فمنحها نظرة مطمئنة وهو يشير لها برأسه...
ازدردت ريقها ببطء...
ثم مدت كفها لتتشبث بكفه...

رفعها ممسكاً بكفها لتقف قبالته...
فأطرقت برأسها وهي تشعر بالاضطراب...
ليقول هو بعتاب :
_ألا تعلمين أنه لا يجوز أن يدعو المرء علي نفسه بالموت؟!

ظلت علي إطراقها وهي لا تجد ما تقوله...
عندما سمعته يقول بقلق:
_كفك بارد كالثلج...ألم تتناولي شيئاً من الطعام إلي الآن.

لم تستطع رفع عينيها إليه...
وهي تشعر بضعف غريب...
لا تدري لماذا شعرت أن دعاءها قد استجيب...
وأن روحها الآن تغادر جسدها ببطء...!!!!

جذبها من كفها وهو يعود بها لمائدة الطعام...
ثم قال لها بلهجة آمرة:
_اجلسي وتناولي طعامك.
❤23👍1
وقفت مكانها مترددة...
وهي تنظر للعم كساب برجاء...
وكأنها تطلب منه أن يجعلها تعود لغرفتها...
هي لا تريد أن تأكل معهم...
لا تريد أن تزيد من حنقه عليها عندما يراها مكان سمية الغالية...
حنقه هذا لا يجلب لها سوي المزيد من قسوته عليها...
وهي اكتفت من كل هذا العذاب!!!!

لكن العم كساب خذلها عندما وقف بنفسه ليجذب لها كرسياً ...
ثم أجلسها بحزم وهو يقول :
_تناولي إفطارك لقد تأخر الوقت.

أمسكت ملعقتها بأنامل مرتجفة...
لا تدري ضعفاً أم خجلاً...
ثم عادت بها الذكري لتجمع عائلتها الكبيرة في أيام رمضان...
دمعت عيناها وهي تتذكر مزاح جوري وساري علي الإفطار...
ونكات حذيفة الساخرة التي كانت تلهب الأجواء بالضحك...
وعمار الذي طالما اشتهر بنهمه للطعام رغم جسده الرياضي وكيف كانت معاناته في الصوم...
ونظرات ياسين الحانية وهو يأمرها بأن تتناول طعامها كله حتي لا يصيبها الدوار كالعادة...
وحتي تعليقات العمة راجية المنتقدة لها علي الدوام....

تذكرت دعاء جدها الذي كان الجميع يؤمّن عليه...
قبل أن يبدأوا جميعاً بالإفطار...
والحلوي المميزة التي كانت تعدها لها فريدة بيديها...

وعند ذكري فريدة الغالية...
لم تستطع منع دموعها فشعرت بغصة في حلقها...
وهي تتمني لو تعود لغرفتها -الآمنة -الآن لتبقي وحدها....
شعر بها العم كساب الذي كان يراقب انفعالاتها بحنان أبوي ليقول برفق:
_هوني عليك يا ابنتي...ستمر الأمور بسلام.

عندها نظر جسار إليها...
ليلمح دموعها علي وجنتيها...
وارتجافة أناملها الشديدة...
لم يعد ضعفها يثير ضيقه...
بقدر ما يثير رغبته في احتواء حزنها هذا...
لكنه لا يعرف كيف يفعل هذا دون أن يزيد تعلقها به...
ولو أنصف لقال أنه يخشي تعلقه هو بها أكثر!!!

تنهد في حرارة ثم مد كفه ليقبض علي كفها البارد لعله يهدئ ارتجافته...
ثم قال لها برفق:
_كلي الآن ولا تفكري في شئ.

نظرت إليه بمزيج من الضعف والرجاء فمنحها نظرة مطمئنة ...
ثم ملأ لها طبقاً كبيراً بالطعام وضعه أمامها...
ليقول بحزم:
_لا أريد أن تبقي منه شيئاً.
==========================================================================
خفق قلبه بعنف عندما تفقد غرفة ياسين الصغير التي تقيم فيها معه كعادته كل ليلة...
لكنه لم يجدها...
اندفع خارجاً من المنزل الكبير يبحث عنها حتي اصطدمت عيناه بمنظرها الغريب...
كانت جالسة أمام اسطبل الخيل شبه مستلقية علي مقعدها...
رأسها يستند علي ظهر المقعد وذراعاها متدليان علي مسنديه في استسلام...!

ظنها نائمة للوهلة الأولي...
لكنه اقترب منها ببطء ليجد عينيها شاخصتين للسماء في شرود...

وضع كفه علي كتفها فانتفضت بذعر...
لكنه عاد يربت علي كتفها بحنان قائلاً:
_لا تخافي يا آسيا...إنه أنا.

أغمضت عينيها في ألم لم يخفَ عليه...
فسحب كرسياً ليجلس جوارها سائلاً إياها:
_لماذا تجلسين وحدك هنا؟!

ظلت مغمضة عينيها في سكون...
دون أن ترد...
فأمسك كفها يضغطه برفق وهو يقول بقلق:
_آسيا...تكلمي...ماذا بكِ؟!

لم ترد عليه للحظات....
وكأنها لم تسمعه....
ثم فتحت عينيها ببطء لتهمس بشرود:
_اليوم انتبهت أنني أشبه الخيل كثيراً...فيما عدا شيئاً واحداً...

ابتسم ابتسامة جانبية وهو يقول بحنان:
_أنت فعلاً تشبهين الخيل...جميلة ...متفردة ...وتعشق الانطلاق...

لم يبدُ عليها التأثر بمديحه ...
عندما عادت تهمس في شرود:
_لكنني لست قوية مثلها...ما أشبهني الآن بحصان مريض ينتظر رصاصة الرحمة.!!!

عقد حاجبيه بشدة وهو يسمعها تتحدث بكل هذا القدر من اليأس والقنوط...
هو يعرف أن وضعها صعب...
ويقدر كل هذا الألم الذي تفيض به روحها...
لكنه لم يتصورها هشة إلي هذا الحد!!!

ضغط كفها بين أنامله وهو يغتصب ابتسامة ليهمس برفق حنون:
_ألم نتفق أنني سأروض ضعفك هذا...سأكون معك حتي تنطلقين كفرس قوية جامحة لا تقف أمامها حواجز ولا قيود...هذا وعدي لكِ أيتها "الكريستالة."

التفتت إليه من شرودها عندما سمعته يناديها بلقب فريدة المميز...
فريدة كانت تلقبها بالكريستالة...لأنها كانت تراها هشة قابلة للكسر بسهولة...
لكنه هو...

أكمل لها فكرتها عندما همس بثقة:
_سأقولها لكِ ثانية...أنتِ كالكريستالة في قيمتها...وليس في هشاشتها...لا تصدقي يوماً سوي هذا.

عادت تغمض عينيها وهي تشعر بوهن عجيب....
وكأن روحها تغادرها ببطء...
لكنها راضية بهذا الاستسلام اليائس...
لعله يخفف من حدة نهايتها المتوقعة!!!

ما الذي تنتظره في أيامها القادمة...؟؟!!!!
لقد أضاع ماضيها حاضرها وغدها...
ولم يبق لها سوي انتظار النهاية!!!

تأمل ملامحها المستكينة بقلق بالغ...
كفها بارد كالثلج تحت أنامله...
وشفتاها شاحبتان علي غير طبيعتهما المتألقة...
وجهها كله صورة من ألم...وعذاب!!!

تنهد في حرارة...
ثم قام واقفاً ليجذبها من كفها...
فوقفت بصعوبة...
تأمل ملامحها المرهقة بإشفاق...ثم همس بحنان يمتزج بقوته:
_لا تحملي هماً يا آسيا...لن يمسكِ سوء ما دمتِ معي...
❤23👍1
هزت رأسها وهي تهمس بألم دون أن تنظر إليه:
_لست خائفة علي نفسي....أنا أخاف عليك وعلي ياسين الصغير...وعلي عائلتي كلها....لو عادت نار العداوة تتأجج بين العائلتين...فلن ترحم أحداً...
ثم سالت دموعها علي وجنتيها لتهمس بندم:
_ليتني رضيت بقدري...بدلاً من أكون لعنة علي رؤوس الجميع.

رفع رأسه للسماء بعجز...
يود لو يضمها لصدره يحتوي كل هذا الحزن والألم في روحها الكسيرة...
لكنه لا يستطيع...
كم من الحواجز تقف بينهما...
كم من العقبات!!!!

لكنه ربت علي كتفها برفق...
وهو يقترب منها أكثر ليرفع وجهها إليه هامساً أمام عينيها بصدق:
_امرأة دخلت حياتي لتساعد زوجتي في مرضها...وتتولي أمر ابني وكأنه ابنها...امرأة تعطي قبل أن تفكر في أن تأخذ...امرأة لا تحمل هم نفسها بقدر ما تحمل همّ غيرها...امرأة كهذه ليست لعنة...بل نعمة يتوجب عليّ أن أشكر الله عليها في كل وقت...

نظرت إليه مصدومة...
وكأنها لم تتوقع أن تكون هذه صورتها في عينه...
هل يراها جسار هكذا؟!!!!!

مسح دموعها بأنامله...
فزادت ارتعاشة جسدها....
مما زاد قلقه عليها وهو يشعر أن شيئاً ما ليس علي ما يرام!!!
لكنه ابتسم لها بحنان وهو يهمس:
_الآن تعود الصغيرة لفراشها لتنام قليلاً قبل موعد السحور...

أومأت برأسها ثم خفضته خجلاً...
عندما سار معها يلفهما الصمت ...
حتي وصلا لغرفة الصغير ....
فتح لها باب الغرفة برفق ثم همس بحزم:
_نامي جيداً ولا تشغلي رأسكِ بالتفكير...

كان انهيارها الآن قد بلغ مبلغه...
وهي تشعر أنها ستسقط في أي لحظة...
لهذا أسندت رأسها علي الحائط جوار الغرفة وهي تهمس في وهن:
_سأطلب منك شيئاً...

نظر إليها بقلق وهو يشعر أنها متعَبة حقاً...
فهمس بتوتر:
_ماذا بكِ يا آسيا؟! هل تشعرين بتعب ما؟!

هزت رأسها نفياً كاذبة لتهمس بصعوبة:
_إذا لقيتَ أمي فاطلب منها أن تسامحني...

اقترب منها أكثر وقد ازداد توتراً من عبارتها...
فهمس بضيق:
_لا تزيدي قلقي عليكِ يا آسيا...لماذا تقولين هذا الآن؟ !

ابتسمت بصعوبة وهي بالكاد تتحامل علي نفسها لتقف...
ثم همست برجاء:
_فقط عدني...أرجوك.

أمسك مرفقها ليسندها حتي أوصلها لسريرها الذي استلقت عليه في إعياء...
فدثرها بغطائها...
ثم ربت علي وجنتها برفق هامساً بقلق:
_استريحي الآن...لو بقيتِ متعبة هكذا حتي وقت السحور...فلن تصومي غدا.

أمسكت كفه وهي تشعر بجفنيها يتثاقلان...
ثم همست برجاء:
_أمي!

ربت علي كفها الممسك بكفه وهو يشعر بانقباض صدره...
ثم همس ليسترضيها:
_أعدك أنني سأوصل لها رسالتك لو قابلتها يوماً.

هنا أغمضت هي عينيها في استسلام...
ظل واقفاً يراقبها بقلق وهو يلاحظ خلودها للنوم بهذه السرعة...
انتقل بصره بينها وبين ياسين الصغير بحنان...
ثم غادر الغرفة بخطوات متثاقلة...

ظل ساهراً في غرفته بعدها لأكثر من ساعتين وقد جافاه النوم...
قلقه لأجلها يعتصر قلبه...
ودعاؤها علي نفسها بالموت أمامه يقبض روحه...!!!

آسيا تحتاج لمزيد من الثقة والأمان...
تحتاج لتغيير كل هذا الجو المشحون بالخوف والتوتر...
لابد أن يهتم بها أكثر...
لكن كيف يفعل دون أن تسئ فهمه...؟!!!
ودون أن تغرس قدماه أكثر في بحر رمالها المتحركة التي تجذبه يوماً بعد يوم....؟؟!!!

كانت هذه أفكاره العاصفة...
عندما سمع طرقات عنيفة علي باب غرفته...
فانقبض قلبه أكثر وهو ينتفض من مكانه ليقوم ويفتح الباب...
طالعه وجه ياسين الصغير مصفراً وجسده يرتجف بخوف...
وما إن رآه حتي تشبث بساقه...
ثم هتف بذعر طفولي:
_آسيا يا أبي!

=========================================================================

كان قاسم النجدي راقداً علي فراشه في منزل العائلة الكبير بعد عودته من المشفي ...
لكنه كان عازفاً عن الكلام مع الجميع...
لقد أرجأ الحديث عن أي شئ حتي يعود حمزة...!!!

لأول مرة في حياته يشعر أنه عاجز هكذا...
قاسم النجدي الذي كانت -ولازالت-تهتز لكلمته القلوب قبل الأجساد...
يقف الآن حائراً لا يدري أين كان خطؤه بالضبط!!!!

هل أخطأ عندما أراد تأمين حياة حفيداته بتزويجهن من أبناء عمومتهن حتي يبقين تحت رعايته ببيته؟!!!
يشهد الله أنه لم يفعل هذا سوي لأجل الحفاظ عليهن في هذا الزمن !!!

لقد تقبل مرض جويرية بصبر...
لكنه عاقب عمار علي فعلته...
مع أنه يشعر أن في الأمر سراً ما....
فعمار لن يفعل هذا بفتاة يعشقها منذ صغره دون سبب...!!!!!

ووافق علي اختيار ساري لحذيفة ...
رغم أنه لا يثق كثيراً فيه مع سيرته السيئة في كل مكان...
لكنه احترم رغبتها وتمني لو استطاعت تغييره....!!!!

لكن ...آسيا!!!!!

تسارعت أنفاسه اللاهثة عندما عادت الأفكار تلح علي رأسه....
ما فعلته هذه الفتاة سيظل عاراً علي العائلة للأبد!!!!

لكن السؤال كيف وصلت لجسار القاصم....؟؟!!!!
أم أنه هو من وصل إليها...!!!!
وما الذي فعله بها...؟؟!!!
ولماذا تكتم علي هذا الأمر حتي الآن...؟؟!!!!
فيم يفكر...وماذا يدبر؟!!!!
❤26👍3
عاد يسند رأسه لظهر سريره وهو يشعر فجأة بأنه حقاً قد هرِم !!!
وبأن الوهن قد بلغ منه مبلغه...
يا ويله من نفسه لو أضاع أمانات أولاده...
يا ويله!!!!

قطعت أفكاره عندما سمع صوت جرس الباب...
لا يدري لماذا دق قلبه بقوة وكأنه استشعر هوية الطارق...
لهذا لم يتعجب عندما وصله صوت فريدة من الخارج تهتف بلهفة:
_حمزة...حمداً لله علي سلامتك!

==================================================================
أنهت فريدة صلاتها ثم افترشت الأرض ترفع يديها بالدعاء كعادتها....
ثم تنهدت في حرارة وهي تضع كفها علي صدرها لعلها تهدئ خفقات قلبها الهادرة....
منذ علمت عن أمر آسيا وهي تشعر بالترقب...
لكنها -للعجب-ليست خائفة...
قلبها العامر بإيمانه والذي أنبأها بأن ابنتها لم تمت وأنها لازالت علي قيد الحياة لازال يبعث إليها بإشارات خفية أن تطمئن...
رغم ما يعلمونه جميعاً عن كارثة الثأر مع جسار القاصم...
لكنها تشعر أن في الأمر سراً...
لماذا اختفي جسار هذا مع عمه طيلة هذه السنوات...؟!!!
قصة إغوائه لآسيا كما يزعمون لا تقنعها!!!

تنهدت في حرارة عندما ورد كساب علي ذهنها...
كساب القاصم ...!!!
حكايتها القديمة التي ظنت أن الزمن قد واراها التراب...
تعود الآن لتنتعش بتملك بين ضلوعها....
حكاية بدأت وردية معطرة بأحلام الحب العذراء...
وانتهت سوداء ملطخة بحمرة الدم !!!!
وليس أي دم...
إنه دم سعد النجدي !!!
زوجها ووالد بناتها!!!!

وليت الأمر يقتصر الآن علي جسار وكساب فحسب...
بل علي النجدي الكبير وأحفاده الذين تعلم جيداً ما سيدور بذهنهم...
آسيا الآن كما يراها الجميع عارٌ علي العائلة...
عارٌ لا يمحوه إلا الدم!!!
ورغم أن هذا الهاجس يذبح روحها ببطء...
لكن عودة حمزة تبعث قليلاً علي الاطمئنان...
حمزة -كما تعرفه-هادئ الطباع شديد التعقل...
كما أنه هو الوحيد القادر علي تغيير كلمة قاسم النجدي لو أراد...
نعم...حمزة النجدي هو نقطة ضعف جده الذي يشعر نحوه بالذنب منذ سافر وحده طيلة هذه السنوات بعيداً عن حضن العائلة!!!
ولعلّ عودته الآن تقلب كل الموازين...
أو بالأصح ...تضبطها!!!

هزت رأسها ودموعها تسيل علي وجنتيها من جديد...
ثم رفعت بصرها للسماء بدعائها الخاشع كعادتها:
_الصبر يارب!!!
===================================================================

جلس حمزة علي الأريكة في شقة جده ينظر للسقف في شرود...
لا يصدق أنه وصل مصر بهذه السرعة....
فبمجرد ما هاتفه ياسين وأخبره بأن جده مريض ويأمره بالعودة...
وقد سارت معه الأحداث بسرعة غريبة....!!!!

لقد ساعده دكتور آدم في الحصول علي تذكرة سفر بسرعة قياسية....
بعدما أخبره حمزة بمرض جده واضطراره للنزول....
ثم طلب منه بشئ من التردد عنوان عم مارية حتي يمكنه أن يطمئنه عليها....!!!!!

ابتسم في حنين وهو يذكر تلك البريئة الطفولية التي افتقدها بكل جوارحه...
عروس لندن الساحرة...
التي منحته قلبها لكنه خذلها!!
والتي تعانده وتأبي الرد علي رسائله علي بريدها الاليكتروني..
رغم أنه موقن من أنها تتلقاها...!!!

اتسعت ابتسامته وهو يستعيد ذكرياته القصيرة معها...
من كان يتصور أن القدر سيكتب لهما اللقاء أخيراً....
هنا في مصر!!!!

قطعت أفكاره عندما دخل عليه ياسين ليسأله بقلق:
_ماذا قال لك جدي؟!

تنهد حمزة بحرارة وهو يعود لهذه المشكلة التي تنتظره...
والتي لا يبالغ لو قال أنها مأساة...!!!!
وربما نتجت عنها حرب صغيرة بين عائلتين من أكبر عائلات الصعيد...
لو لم تتدارك الأمور بحكمة....!!!

عاد ياسين يسأله بتوتر:
_حمزة...لا تُخفِ عني شيئاً....ماذا قال لك جدي؟!

تفرس حمزة في ملامحه قليلاً....
ثم سأله ببطء:
_لا تُخفِ أنت عني شيئاً وأخبرني....لماذا هربت آسيا من البيت من الأساس؟!

أطرق ياسين برأسه وهويفكر....
هذا ما كان يخشاه منذ عودة حمزة....
آسيا -كما يعرف الجميع_كانت ستكون عروس حمزة المنتظرة....
لولا كل هذه التشابكات....
وحمزة قد لا يسامحه لو علم بما كان بينهما من حب قديم...
والذي دفع آسيا للهرب يأساً عندما تزوج من رقية الهاشمي...
لكنه لن يكذبه...
سيخبره الحقيقة علي أي حال....!!!!

لهذا اندفع ياسين يروي له تفاصيل الأمر باقتضاب...
اتسعت عينا حمزة وهو،يقول بدهشة:
_اذن آسيا هربت لأنها لا تريد الزواج مني؟!

أطرق ياسين برأسه....
عندما أردف حمزة بضيق:
_ولماذا لم تخبرني بهذا؟! كنت سأجد طريقة لإقناع جدي بعدم إتمام هذا الزواج!

رفع ياسين رأسه ليقول له بحزن:
_يبدو أن ابتعادك عن هنا طيلة هذه السنوات أنساك من يكون قاسم النجدي ....كلنا نتعامل مع كلمة جدي علي أنها أمر واجب النفاذ....وآسيا كانت تعتبر زواجها منك من المسلمات...

تفرس حمزة في ملامحه وهو يقول بحذر:
_ويبدو أن زواجك زاد من يأسها ورغبتها في ترك هذا الجحيم كله.

هز ياسين رأسه وهو،يقول له بما يشبه الاعتذار:
_لم يكن بيدي ولا بيدها...لقد نشأنا علي هذه المشاعر بيننا وكبرنا بها...حتي تملكت منا...وأنت لم تكن موجوداً بيننا....كنت...
❤20👍2
قاطعه حمزة ليقول بتفهم:
_كنت في حكم الميت.

انتقل ياسين ليجلس جواره مربتاً علي ركبته ليقول بحنان:
_أنت احتملت الكثير يا حمزة...وحرمت من عائلتك ووطنك...
ابتسم له حمزة وهو يضمه إليه بحنان أخوي ليقول:
_وها قد عدت إليكم ...ولن يفرقنا شئ بعد الآن.

ابتسم له ياسين بمودة حقيقية للحظات...
لكن القلق عاد يكسو وجهه وهو يقول:
_لكن...ماذا سنفعل بشأن آسيا؟!

تنهد حمزة قائلاً:
_جدي منحني تفويضاً شاملاً بالتصرف في الأمر،كما أشاء...آسيا كانت في حكم خطيبتي...ولو ثبت أن جسار القصام قد أساء لها...فهو تعدٍ علي عرضي أنا....وأنا الذي سيقرر ماذا سيحدث.

ثم اقترب منه ليقول بحزم حنون:
_اصدقني القول يا ياسين...لو أعدتُ آسيا إلي هنا -وسأفعل إن شاء الله- فهل لا تزال ترغب بها زوجة لك؟!

كاد ياسين يرد عليه عندما اندفع عمار الذي سمع عبارته مصادفة ليهتف بسخط:
_من هذه التي ستعود إلي هنا؟! أنا سأقتلها بيدي مع ذاك ال (......)بمجرد أن أراها.

زفر ياسين بقوة...
بينما وقف حمزة ليقول له بضيق:
_اهدأ يا عمار ....الأمور لا تحل هكذا.

هتف عمار بغضب:
_يبدو أن معيشتك في بلاد الأجانب قد أثرت علي دمائك الصعيدية....هذه الفاجرة تستحق القتل...بل الحرق حية...لقد أضاعت شرف العائلة كلها وأنا لن أتردد لحظة في زهق روحها بيدي جزاء لها علي فعلتها!!!

_عمار!!!
هتفت بها جويرية بجزع وهي تخرج من إحدي الغرف بعدما استمعت لعبارته...
فالتفت نحوها ليقول بغلظة:
_ما الذي أتي بكِ إلي هنا؟! عودي لشقتك.

هتفت بحدة:
_لا...لن أعود...ولن أسمح لك بالتحدث عن شقيقتي هكذا...
اقترب منها ليهتف بحدة:
_تدافعين عن تلك الفاسقة!!

اشتعلت عيناها بالغضب لتهتف بتحدٍ:
_نعم...أدافع عنها لأنني يوماً ما كنت....

وضع كفه علي شفتيها ليمنعها من إتمام عبارتها التي قرأها في عينيها قبل أن تتفوه بها.....
ثم كز علي أسنانه هامساً بنظراته المخيفة:
_اخرسي!

تبادل ياسين وحمزة نظرات الدهشة والتساؤل...
لكنه لم يلتفت إليهما ...
بل سحبها من ذراعها وصعد بها إلي شقتهما...
ثم أغلق الباب خلفه ليلتفت نحوها قائلاً بغضب هادر:
_هل جُننتِ؟! ما الذي كنتِ علي وشك البوح به؟!!!
هتفت بحدة:
_الحقيقة! لماذا تعاقب آسيا بذنب سامحتني أنت عليه؟!!!

أمسك كتفيها يهزها بعنف وهو يهتف:
_اخفضي صوتك...أولاً أنتِ لستِ مثلها...أنا أنقذت الوضع في اللحظة الأخيرة...
فتحت فمها لترد عليه ...
لكنه قاطعها هاتفاً بحدة:
_وثانياً...من أخبركِ أنني سامحتك.؟!!..أنا لم ولن أسامحك علي فعلتك هذه طوال عمري...

دمعت عيناها وهي تقول بقهر:
_أنت كاذب...أنت سامحتني...أنت تحبني وستبقي كذلك.
دفعها بقوة ثم استدار ليعطيها ظهره قائلاً بخشونة:
_عمار الخشن الغليظ لا يعرف الحب...ألم يكن هذا كلامك؟!

سارت لتقف قبالته هامسة بين دموعها:
_كنت أظن ذلك...قبل أن أسمع مناجاتك لي كل ليلة...لأدرك أي قلب كبير تمتلكه.

عقد حاجبيه بشدة وهو يهتف بحنق:
_كنتِ تخدعينني وتتظاهرين بالنوم حتي تستدرجينني؟!!!

أغمضت عينيها بألم وهي تهمس :
_كانت هي الطريقة الوحيدة لأعرف ما بداخل قلبك....أنت لم تدع لي طريقة أخري!
ضم قبضته بغضب وهو يشيح بوجهه هاتفاً:
_كل يوم أكتشف كم كنت مخدوعاً في براءتك!

اقتربت منه أكثر...
لتهمس بخفوت:
_لكنني أنا كل يوم أكتشف كم كنت محظوظة بك!

بذل مجهوداً خرافياً ليتحاشي النظر لعينيها في هذه اللحظة...
لا يريد أن يضعف أمامها أكثر...
هو يعرف جيداً مدي سلطانها عليه...
نظرة واحدة قد تعيده لسجن عشقها الذي يود التحرر منه...
لأنه نقطة ضعفه الوحيدة!!!!

وكأنها شعرت بما يفكر فيه...
فاقتربت منه أكثر لتضع كفها علي صدره هامسة برجاء:
_عمار!

لم يستطع منع عينيه الآن من احتضان عينيها...
ليقرأ فيهما مشاعر لا يريد تصديقها...
لن يستطيع الثقة بها ...
هو سيبتعد علي كل حال...
لقد طلقها وانتهي أمرهما....
ووجوده هنا الآن ليس له سبب سوي مرض جده وعودة حمزة ...
وتلك الظروف العصيبة التي تمر بها العائلة...

لكنه ينتوي الرحيل من هنا للأبد عندما ينتهي كل هذا...
سيعيش في شقة منفصلة كان قد اشتراها منذ زمن...
بعيداً عن هذا الحب الذي دمره تدميراً!!!

بينما ظلت هي تنظر لعينيه في رجاء...
وكأنما تتمني أن يفهمها دون أن تتكلم....
لن تستطيع التصريح بمشاعرها نحوه...
لن تستطيع!!!

ضغطت علي شفتيها ولازالت تضع كفها علي صدره لتهمس أمام عينيه:
_عمار...تكلم أرجوك...قل أنك لن تتركني... أنا جوري حبيبتك التي أقسمت بمن رزقك حبها أنك لن تنساها أبداً...هل نسيت؟!

خفق قلبه بقوة تحت كفها الذي ضغط علي صدره برفق...
فأغمض عينيه كي يهرب من عينيها اللتين كانتا تطوقانه ...
لكن همسها وصل لأذنيه حاراً ليزيد غرقه في بحر عشقها الهائج:
_عمار...أنا أحتاجك...لا تتركني.

قالتها وهي تكاد تبكي من فرط تأثرها ببروده هذا الذي لم تعتده منذ فترة طويلة...
أين عمار الذي كان يذيبها في بحور عاطفته...
أين حنانه وتفهمه ورقته...
أين حبه؟!!!!
❤20👍1
ظل علي وقفته الجامدة التي يداري بها بركان مشاعره....
فأمسكت بذراعيه تهزه وهي تبكي هاتفة بعجز:
_لم تعد تحبني يا عمار؟! كل مشاعرك التي أغرقتني بها بعد زواجنا كانت مجرد شفقة وإحساس بالذنب؟!

فتح عينيه أخيراً وقد صدمه ما قالته ....
فهتف بحنق:
_ماذا قلتِ؟! شفقة وذنب؟!!!!! شفقة وذنب يا جوري؟!!!!

ازداد نحيبها وهي ترمقه بنظرات لائمة....
فسحبها ليضمها لصدره بقوة حتي خشي أن يكسر عظامها...
عن أي شفقة وإحساس بالذنب تتحدث هذه الحمقاء؟!!!!!
ألم تعرف -بعد-كم أعشقها؟!!!!!!

أجهشت بالبكاء وهي تدفن وجهها في صدره للحظات طويلة...
ثم رفعت وجهها إليه لتهمس :
_أنا وقفت أمام قاسم النجدي مرة لأطلب منه ألا أتزوجك...ومستعدة أن أقف في وجهه من جديد لكي أعود إليك...

هز رأسه بعجز...
هو لن يتركها بسبب كلمة قاسم النجدي فقط...
ليت الأمر اقتصر علي هذا...
لكن الحب الذي يحمله نحوها قد تعكر...
لم يعد صافياً كما كان...
رواسب كثيرة من فعلتها الشائنة التي أنقذها منها...
وخوفه من أن يكون قلبها معلقاً بغيره...
لكن رجولته تمنعه من سؤالها عن تفاصيل الأمر...
ستذبحه حقاً لو نطقتها...
لو أخبرته أن قلب جوريته دق لسواه!!!

كما أنه لم يعد يثق في قدرته علي إسعادها...
وذكري ليلة زفافهما الكارثية تؤرقه...
لقد ذبحها ...
وذبحته...
وما من حب يصمد في وجه ظروف كهذه!!!!
أساءت فهم صمته فهمست بخوف:
_أنت ستستمع لكلمته هذه المرة أيضاً...؟؟!!!! أنت ستتركني؟!

رفع رأسه لأعلي وكأنه يهرب منها ليهمس بألم:
_اسكتي يا جوري...اسكتي.

حررت نفسها من بين ذراعيه...
ثم مسحت دموعها بكفيها لتهمس بثبات مصطنع:
_حسناً يا عمار...سأسكت...لقد فهمت رسالتك...وآسفة علي إزعاجك.

قالتها وهي تتوجه نحو باب الشقة...
تتابعها نظراته الممتلئة بحسرته...
حتي فتحته ثم التفتت إليه لتهمس دون أن تنظر إليه:
_إذا كنت تخليتَ عني...فهل ستتخلي عن طفلنا أيضاً؟!

اتسعت عيناه في صدمة...
ثم قطع المسافة بينهما بخطوة واحدة وهو يهتف بذهول:
_طفلنا؟!!!

ازدردت ريقها ببطء...
ثم أطرقت برأسها لتهمس بحزن:
_لو كنت لا تريده فأنا يمكنني...

قاطعها وهو يغلق الباب بعنف ليلصق ظهرها به وهو يمطر وجهها بقبلاته الحارة...
طوقها بذراعيه وهو يعيدها لوطنها الأصلي علي صدره...
ثم نظر لعينيها أخيراً ليهمس بصوت متقطع وكأنه لا يصدق:
_ستكونين أم طفلي...كما حلمت ....طوال عمري.؟؟؟!!!!!!

أغمضت عينيها لتسيل دموعها علي خديها فقبل عينيها هامساً بحنان غريب علي طبعه الخشن:
_لقد رددتك يا جوري...لن أتركك أبداً.

فتحت عينيها لتهمس بعتاب:
_رددتني لأجل الطفل فقط يا عمار؟!!! جوري لم تعد لديك سوي أم طفلك فحسب؟!!!!

عاد يضمها إليه بعنف وهو يتأوه بقوة ثم همس في أذنها:
_جوري تعرف جيداً قيمتها عندي....

مرغت وجهها في صدره وهي تكاد ترجوه أن يقول أكثر....
أن يداعب أذنيها بهمسه العاشق الذي اشتاقته...
وهو موقن من انها تسمعه هذه المرة...
وليس وهو يظنها نائمة كالسابق...

لكنها تعرف أن عمار لن يبوح بها بسهولة...
طبعه الخشن سيغلبه ككل مرة...
لهذا كانت صدمتها بالغة عندما أردف بصوت متهدج:
_جوري تعرف أنها دنياي كلها!!

ابتسمت ابتسامة شاحبة...
فرفع وجهها إليه وهو يهمس:
_أنا لم أرد زوجتي لعصمتي ...أنا رددت روحي لجسدي!

خفق قلبها بقوة لعبارته التي تعلم جيداً أنه يقصدها بكل حروفها....
فاتسعت ابتسامتها وهي تتطاول علي أطراف أصابعها لتقبل وجنته هامسة:
_ورددت لي روحي أنا أيضاً...سامحني يا عمار.

ربت علي رأسها برفق...
فسألته بقلق:
_ماذا سنفعل مع جدي؟!

تنهد قائلاً:
_يبدو أنني سأضطر للوقوف في وجه قاسم النجدي ...سأسترد زوجتي رغماً عن أي أحد...

رغم سعادتها بما قاله لكنها همست برجاء:
_جدي مريض...وصدمة آسيا كانت شديدة جداً عليه...دعنا نؤجل الحديث في هذا الأمر لفترة...لو علم جدي عن حملي فلن يمانع في عودتي إليك...لكن ليس الآن...لن نخبر أحداً عن حملي هذا...سيكون سرنا حتي تهدأ الأمور...

أومأ برأسه موافقاً ثم ضم رأسها لصدره هامساً بحنان:
_لكنك زوجتي أمام الله...لن أفرط بعد فيكِ يا جوريتي.

رفعت رأسها إليه لتهمس بتردد:
_وآسيا يا عمار؟!

قست ملامح وجهه الذي أشاح به بعيداً...
فأعادته مقابلاً لعينيها وهي تهمس برجاء:
_أرجوك يا عمار...لن أستطيع العيش معك لو صار دم آسيا بيننا!!

زفر بسخط وقد عادت إليه طبيعته النارية ليهتف بانفعال:
_ماذا تريدينني أن أفعل بهذه ال...؟!!!!

قطع عبارته عندما لمح النظرة اللائمة في عينيها...
فتنهد بحرارة...
عندما ربتت علي صدره لتهمس بتوسل:
_إنها آسيا يا عمار....اسمع منها أولاً واعرف ماذا حدث...أنا أثق أن آسيا ليست كما تقولون....لن تخطئ هذا الخطأ أبداً.

صمت للحظات يفكر...
ثم أومأ برأسه إيجاباً فضمته إليها بكل قوتها وهي تهمس بامتنان:
_كنت واثقة أن قلب عمار الطيب لن يخذلني أبداً!!!!
❤22👍1