┊❥الكاتبة🦋 نرمين نحمدالله🦋
22.4K subscribers
1.46K photos
5 videos
31 files
302 links
تابع لجروب نيمو وآخواتها
https://www.facebook.com/groups/910845198981162/
Download Telegram
هز رأسه وهو يلوح بسبابته هامساً بخشونة:
_سأسمع منها...لكن لو ثبت لي أنها فرطت في شرفها وشرف العائلة فأنتِ تعلمين أنه لا تهاون في هذا الأمر.

ازدردت ريقها ببطء....
وقد عاد إليها خوفها...
تري ما الذي دفعكِ للبقاء مع ذاك الرجل يا آسيا....؟!!!!
كيف وقعتِ في طريقه؟!!!
تري ماذا حدث لك ؟!!!!
بل الأهم....
ماذا سيحدث؟!!!!!!
=====================================================================

وقف يراقبها وهي تسقي الزهور في حديقة منزل والدها...
ابتسم في حنان وهو يفكر...
كم تبدو متألقة نضرة كتلك الزهور التي ترويها ...
بل إنه لا يبالغ لو قال أنها بعينيه أعذب وأحلي!!!

اقترب منها بخفة ثم رفعها من ظهرها بأحد ذراعيه ليلتقط رشاش الماء بذراعه الآخر هامساً بحنان لا يخلو من مرح:
_ألا تسقين قلبي قبل زهورك يا غاليتي؟!

شهقت للمفاجأة ثم ضحكت وهي تلتفت إليه لتهمس بخجل:
_أنزلني يا ياسين قد يرانا أحد!

قبل وجنتها ثم أنزلها برفق وهو يلقي رشاش الماء بعيداً...
ليطوقها بذراعيه هامساً بعاطفته التي تحررت الآن من كل قيودها:
_افتقدتك يا غاليتي..

اتسعت ابتسامتها الخجلي وهي تهمس:
_وأنا أكثر.

ثم جذبته من كفه وهي تسير بسرعة لتقول بمرح:
_تعال سأريك شيئاً جميلاً.

توقف وأوقفها معه ليقول بحنان:
_كل جميلٍ يُظلَم جواركِ يا رقية...فالعين التي تراكِ لن تتسع لغيرك.

دق قلبها لعبارته فتنهدت في هيام وهي ترمقه بنظرات عاشقة....
ثم ابتسمت بعد لحظات وهي تهمس:
_سأريك شيئاً يخصك...بل يخصنا معاً.

عاد يسير جوارها حتي وصلا لحوض زهور مميزة لم يرَ يوماً مثلها....
فسألها باهتمام:
_ما هذه الزهور الغريبة؟! لم أرَ مثلها من قبل.

أمسكت كفه وهي تنظر لعينيه هامسة:
_اسمها "قلب ياسين".

ارتفع حاجباه بدهشة وهو يقول:
_هل هناك زهور بهذا الاسم؟!
ابتسمت وهي تقول بشرود:
_أبي أحضر لي بذورها خصيصاً عندما عاد من أحد أسفاره من إحدي البلاد الأجنبية...أخبرني يومها أنها زهور مميزة ولا يوجد مثلها هنا في مصر...لكنه أراني صورتها وهي متفتحة علي هاتفه ...شعرت أنها تشبه شكل " القلب"...فاقترح أبي أن نسميها "قلب رقية"!!

ثم التفتت إليه من شرودها لتهمس بحب:
_لكن ذلك اليوم -بالمصادفة-كان نفس اليوم الذي رأيتك فيه لأول مرة...لهذا وجدت نفسي يومها...وبعد أن رأيتك ذاك اليوم....أعود هنا لهذا المكان وأنا أفكر أنني سأغير اسمها لتكون "قلب ياسين"!

اقترب منها أكثر ليحتضن وجهها بكفيه هامساً:
_هذا يعني أنك أحببتني منذ أول لقاء لنا؟!!

دمعت عيناها وهي تهمس أمام عينيه بصدق مس قلبه:
_قلب رقية الهاشمي لم يكن ليخطئ التعرف علي مالكه الأبدي من أول لحظة!!!

أغمض عينيه في تأثر ثم ضمها إليه بقوة وهو يهمس بحب:
_ماذا أفعل فيكِ؟!!! وأنتِ بكل هذه الروعة!!!!

رفعت رأسها إليه لتهمس:
_عدني أن تحبني للأبد...
قبل جبينها هامساً:
_لم يعد للقلب حياة دونك يا غاليتي.

ابتسمت في سعادة ...
ثم تذكرت شيئاً ما فسألته بقلق:
_ماذا قرر جدك بخصوص آسيا؟! ماذا ستفعلون معها؟!
تنهد قائلاً:
_جدي فوض حمزة في التصرف في الأمر كاملاً...أعتقد أن حمزة يتسم بالحكمة وهذا أفضل لحل الأمر دون تهور قد يؤدي لبحور من الدم....لكن عمار وحذيفة يميلان للعنف...ولا أدري كيف سينتهي بنا الأمر...

غمغمت رقية في إشفاق:
_والعمة فريدة؟! كيف هي ردة فعلها علي كل هذا؟!!!

هز ياسين رأسه قائلاً:
_حالها محير جداً...هي صامتة دوماً ولا تتحدث عن الأمر...وكلما فاتحها أحد في الموضوع تقول بثقة "ابنتي ستعود"!!!

همست رقية بإعجاب:
_يعجبني صبر هذه المرأة.
ابتسم ياسين وهو يقبل وجنتها هامساً:
_ألم أقل لكِ أنها تذكرني بكِ؟!

ابتسمت وهي تحيطه بنظراتها العاشقة...
فانحني ليقطف لها زهرة من الزهور المميزة...
فرد كفها ليضع فيه زهرته ثم أطبقه عليها ليقترب بوجهه من وجهها هامساً:
_هكذا يكون دوماً "قلب ياسين"بيد رقية!
===================================================================
وقفت علي باب غرفته مترددة...
ثم طرقتها حتي سمعت إذنه بالدخول...
فتحت الباب لتدخل فظهرت المفاجأة علي وجهه للحظة...
قبل أن يتجه نحوها ليضمها بلهفة هامساً:
_حبيبتي!

استسلمت للأمان الذي يدعوها بين ذراعيه ...
لعله يخفف من قلقها وتوترها...
لكنه شعر بتشنج جسدها فربت علي رأسها وهو يتنهد هامساً:
_اهدئي يا حبيبتي!

رفعت رأسها إليه وهي تهمس بتردد:
_هل ستفعلونها حقاً يا حذيفة؟!
مط شفتيه في استياء وهو يشيح بوجهه....
فأردفت بذعر :
_هل ستقتلونها؟!

زفر بقوة وهو يبتعد عنها ليقول بضيق:
_ماذا تنتظرين منا أن نفعل بها؟!!!لقد مرغت شرفنا في الوحل!

هتفت بقوة:
❤17👍2
_هل عرفت ماذا حدث لتحكم عليها بهذا الحكم القاسي؟!!! هل تأكدت أنها فرطت حقاً في شرفها؟!!!
التفت نحوها ليهتف بانفعال:
_ما الذي كانت تفعله وحدها في بيت هذا الرجل طيلة هذه الشهور؟!!!!لا تثيري جنوني يا ساري...أنا أكاد أحترق وأنا أتصور أن ذلك الوغد قد صبر طوال هذا الوقت ليحقق انتقامه بهذه الخسة والدناءة.

هزت رأسها في عدم تصديق وهي تهمس :
_إنها آسيا يا حذيفة....آسيا التي تربت معك منذ صغرها...كيف تصدق فيها هذا؟!!!

أشاح بوجهه وهو يقول بضيق:
_عندما يغلق باب واحد علي رجل وامرأة فلا صوت يعلو فوق رغبة الجسد.

اتسعت عيناها في ارتياع وهي تسمعه يتحدث عن شقيقتها بهذه الطريقة...
فهتفت بحدة وهي تلوح بسبابتها في وجهه:
_أنت تقول هذا لأنك تظن الناس كلها مثلك...أنا أعرف شقيقتي وأثق أنها لن تسمح للخطيئة بتلويثها....

كز علي أسنانه وهو يقول بغضب مكتوم:
_هل ستعودين لهذا الحديث ثانية؟!!

أعماها غضبها وحميتها علي شقيقتها فعادت تهتف بصوت أكثر حدة:
_من أنت لتحاسبها علي أفعالها؟!!! وهل حاسبك أحد علي أفعالك؟!!! ألم تفكر أنه حتي لو كان هذا الرجل أغواها...فإنه ذنبك الذي رُد إليك في أهل بيتك؟!!!

ضم قبضته بقوة وهو يشعر بغضب حارق....
لكنها لم تكن أقل منه غضباً وهي تردف بنفس الحدة:
_ذق عذاب الاعتداء علي الشرف....هذه بضاعتك رُدّت إليك!

كانت عيناه في هذه اللحظة كجمرتين مشتعلتين ....
لكنه اقترب منها وهو يمسك ساعديها بقوة حتي تأوهت ...ثم قال ببرود يخفي براكين صدره:
_لن أسمح لكِ بالتحدث معي بهذا الأسلوب ثانية....هذا هو تحذيري الثاني والأخير!

شعرت بقشعريرة في جسدها ...
وهي تشعر بأن غضبه تجاوز الحد هذه المرة...
جسده كله يرتج انفعالاً وكأنه يبذل مجهوداً خارقاً للسيطرة علي انفعاله...
وعيناه عادتا لقسوتهما القديمة...
وكأنهما ما امتلأتا بحبها يوماً!!!

أغمضت عينيها في ألم...
ثم حررت ساعديها من ذراعيه...
لتغادر غرفته بخطوات منهزمة...

تابع انصرافها بوجه بارد يكتم غضباً يعصف بكيانه كله...
ساري لن تتغير...
ستبقي دوماً تذكره بتاريخه الأسود وذنوبه التي يشهد الله أنه يجاهد نفسه للتوبة عنها....
سيبقي بعينيها آثماً مخطئاً يستحق العقاب!!!

توجه نحو شرفة غرفته....
لعل الهواء البارد يخفف عنه بعضاً من لهيب صدره...
لكنه لمحها تخرج مندفعة من باب المنزل وهي تمسح دموعها المنهمرة كالسيل!!!

نظر لساعته بحنق...
أين ستذهب هذه الحمقاء في هذه الساعة من الليل؟!!!

تناول هاتفه وميدالية مفاتيحه ليغادر المنزل لاحقاً بها...
لكنها كانت قد انطلقت بسيارتها...
ركب سيارته بسرعة وانطلق خلفها...

كانت تنطلق بسرعة رهيبة وكأنها تهرب...
بل إنها فعلاً كانت كذلك...
كل هذه الأحداث كانت تضغط علي أعصابها...
لا تريد أن تصدق أن حذيفة قد يقتل آسيا...
كيف يمكنها أن تبقي في حياته لو فعلها؟!!!

لكن من سيسمح لها بالاعتراض؟!!!
حتي لو دهست قلبها تحت قدميها وتجاهلت حبه...
سيدفعون بها إليه في النهاية...
فهي ليست في عرفهم سوي جارية...
لا تملك حق تحديد المصير!!!

قطعت أفكارها عندما وجدته يقطع الطريق عليها بسيارته...
فتوقفت مرغمة وهي تنتبه فجأة للطريق المقفر الذي تسير فيه...

زفرت بقوة وهي تسند رأسها علي مقود السيارة ...
وكأنها تستجمع قوتها أمامه للحظات...
عندما شعرت به يفتح الباب جوارها ....
ثم جذبها من ذراعها بقوة وهو يهتف:
_انزلي!

ترجلت من السيارة فسحبها من ذراعها خلفه حتي فتح باب سيارته ليدفعها بداخلها...
ثم دار ليجلس مكانه وهو يصفق الباب بعنف هاتفاً بجنون:
_ألن تكفي عن أفعالك الطائشة هذه؟!!!! كيف تخرجين وحدك في هذه الساعة من الليل؟!!

ارتعش جسدها بقوة ...
لا تدري برداً أم انفعالاً....
أغمضت عينيها وهي تشعر بطنين في أذنها....
لا تريد أن تسمعه ولا أن تراه...!!!!
رغم أن كل جوارحها تحتاج إليه الآن...!!!!!
ولولا كبرياؤها...لطلبت منه أن يضمها بقوة ...
حضنه الآن وحده هو ما تحتاجه...
وما تخشاه!!!!
لا فائدة!!!
حذيفة سيبقي وجع قلبها الأزلي...
ولعنة روحها العالقة في مشاعرها المتناقضة معه!!!

بينما كان هو يراقبها بغضب يمتزج بالقلق...
ارتعاشة جسدها والألم الواضح علي ملامحها...
مع هذا الصمت الذي لا يقلقه مثله...
فهو يعرف أن صمتها في هذه الحالة أقوي كثيراً من الصراخ!!!

خبط بقبضته علي مقود السيارة وهو يشعر بالعجز....
ثم ظل يخبط بها عدة مرات لعله يفرغ شحنة غضبه....
لكنها كانت غائبة عنه في عذابها -اللا منقطع- به....

التفت نحوها أخيراً ليجد نفسه دون وعي يجذبها لصدره...
ضمها بقوة وكأنه يحاول تخليص رأسها من كل هذه الهواجس التي تملؤها نحوه...
وكأنه يخبرها دون كلمات أنهما صارا كياناً واحداً...
ثم شدد بقوة من ضمته العنيفة قاصداً حتي تأوهت بضعف فهمس في أذنها بعتاب:
_هذا لتعلمي أن الحضن وطن...لكنه قد يؤلم لو ضغط علينا أكثر!!
❤19👍2
رفعت عينيها إليه وهي تفهم مغزي عبارته لتهمس بألم:
_كلما ظننت أن الحواجز بيننا قد زالت...يرتفع بيننا واحد جديد!!

ألصق جبينه بجبينها وهو يهمس :
_لا تعنيني كل هذه الحواجز فأنا قادر عليها جميعاً...لكن تبقين أنتِ أكبر الحواجز التي لن أقوي علي تخطيها...لن أستطيع تحمل لومك وإهاناتك في كل مرة نختلف فيها...
ثم ابتعد برأسه ليهمس بعينين مشتعلتين:
_حذيفة النجدي لن يقبل أن تعامله امرأته بهذه الطريقة.

أغمضت عينيها للحظة...
ثم عادت تفتحهما وهي تهمس بين دموعها:
_أنا آسفة.

اختفي الغضب من عينيه فجأة ...
وكأنها أطفأت ببرد كلمتها نيران غضبه بلحظة...!!!!
لتفيض عيناه حناناً وهو يمسح دموعها بشفتيه....
ثم أعاد رأسها لصدره وهو يضمها لكن برفق هذه المرة...!!

عندما سمعا صوتاً خارج السيارة يهتف بسخرية:
_يا له من عرض مثير!!
انتفضت ساري بعنف وهي تنظر للرجل الغريب الذي كان واقفاً خارج السيارة....
ومعه رجلان آخران يمسكان هراوات ثقيلة....
شهقت بخوف وهي تشعر بالذعر!!!!

فيما كان حذيفة يكز علي أسنانه وهو يتعرف علي هوية الرجل...
إنه الرجل الذي تشاجر معه من قبل ...
لأن حذيفة كان علي علاقة بشقيقته...
وتطور الشجار بينهما حتي ضربه الرجل بزجاجة مكسورة علي وجهه...

هتف حذيفة بحدة:
_ماذا تريد؟!

ابتسم الرجل ابتسامة صفراء وهو يقول بلهجة مقيتة:
_أريد رد معروفك يا "شهريار العصر".....لقد كنت أراقبك حتي تسنح لي الفرصة بالانتقام.
ثم فتح باب السيارة المجاور لساري وسحبها من ذراعها لينزلها قسراً من السيارة هاتفاً:
_المرأة بالمرأة....والبادي أظلم!
================================================================
❤30👍3
الفصل التاسع عشر:

_المرأة بالمرأة والبادي أظلم!!

هتف بها الرجل وهو يسحب ساري من ذراعها خارج السيارة...
فدفع حذيفة بابه ليخرج ويتوجه نحوه هاتفاً بغضب مشتعل:
_لا تلمسها أيها الحقير....خذ ثأرك مني أنا!

ابتسم الرجل بسخرية مقيتة وهو يقول بتشفٍ واضح:
_ومن قال أنني لن أفعل؟!!!لكنني سأجعلك تدرك أولاً عذاب أن يعتدي أحد علي عرضك.

قالها ثم جذب ياقة قميص ساري بعنف ممزقاً إياه...
صرخت بفزع وهي تداري جسدها بذراعيها...
فاندفع حذيفة نحوه لكن الرجلين كبلا ذراعيه بقوة بينما تعلق بصره بغضب هادر بجسدها الذي كان يتلوي بعنف وهي تقاوم ذاك الحقير...
غلي الدم في عروقه وهو يشعر بأنه يحترق...
فانثني بجذعه فجأة في حركة سريعة ليضرب أحد الرجلين بكوعه في معدته....
تأوه الرجل بقوة وهو يبتعد عن حذيفة لتتحرر إحدي قبضتيه فيلكم الآخر في أنفه...
ثم اندفع بسرعة نحو "تابلوه" السيارة ليستخرج مسدسه ويصوبه نحوهم بسرعة خاطفة....
عدة رصاصات كانت كافية ليسقطوا أرضاً...

فاندفع بسرعة نحو ساري التي كانت تنتفض بشدة وهي تراقبهم بملامح مصدومة ....
الهلع يبدو واضحاً علي وجهها الذي شحب تماماً وهي عاجزة عن التنفس...
ضمها إليه بقوة يداري جسدها الذي انكشف بعضه بين ذراعيه وهو يهتف بانفعال:
_أنتِ بخير؟!
كانت عاجزة عن الرد وكل خلاياها تئن ألماً وخوفاً...
فربت علي ظهرها برفق وهو يكاد يعتصرها بين ذراعيه هامساً بندم:
_أنا آسف...آسف بحق!!
أبعدها عنه قليلاً ليخلع سترته ويضعها عليها...
دون أن ينتبه لأحد الرجال الذي استل مدية من جيبه ليقذفها بعنف نحوه ...
تأوه حذيفة بقوة والمدية تصيب كتفه...
لكنه أدارها هي ليخفيها خلف ظهره ثم صوب مسدسه ثانية نحو الرجل ليبادره بطلقة في كتفه...
صرخت ساري وهي تتلفت حولها بصدمة لا تصدق أن كل هذا حقيقي...
فجذبها حذيفة من ذراعها بسرعة نحو السيارة التي استقلت هي كرسي القيادة فيها...
لتبتعد بسرعة عن هذا المكان المشئوم...
التفتت نحو حذيفة الذي كان يضغط علي أسنانه بألم واضح...
فنظر إليها ليهمس بصعوبة:
_سامحيني يا ساري...سامحيني...

ظل يرددها وسط تأوهاته الخافتة فتمالكت نفسها بصعوبة وهي تحاول التماسك علي الأقل حتي تصل به لأقرب مشفي...
وبعد وصولهما ودخوله إلي غرفة الطوارئ...
وجدت القوة أخيراً لتتصل بفريدة وتخبرها بما حدث كي تطلب من أبناء عمومتها نجدة قريبة....
ثم انهارت جالسة علي كرسيها تضع رأسها بين كفيها وهي عاجزة عن تصديق كل ما حدث....
لقد كانت علي وشك الضياع هذه الليلة....
بسبب حذيفة!!!!

من يدريها أن ما حدث الليلة لن يتكرر...؟!!!!!
من يدريها أنه سيكون متواجداً كل مرة لينقذها...؟!!!!!
بل...من يدريها أنه قد تاب حقاً ولن يعود لعبثه من جديد؟!!!!
التمعت عيناها بتصميم وقرار واحد يملأ رأسها بقوة....
ثم رفعت رأسها نحو باب الغرفة الذي اختفي وراءه ليعود قلقها عليه يغلب عقلها وهي تهمس بتضرع:
_نجّه يارب....واحفظه لي....وليكن بعدها ما يكون....
=========================================================================
_لا أصدق أن جسار تزوج بهذه السرعة!!!
هتفت بها فوزية خالة سمية في ضيق واضح...
لقد علمت عن زواجه من آسيا منذ قليل ولازالت لا تصدق أنه فعلها بهذه السرعة....
أين ذهب إذن حبه لسمية الذي كان الجميع يشهد عليه؟!!!

لكن نغم ربتت علي كتفها وهي تقول بحزن:
_لا تتعجلي الحكم عليه يا أمي....سمية رحمها الله هي التي كانت تدبر لهذا الأمر بنفسها...لقد كانت تخشي عليه انهياره بعدها...وأنا رأيت بنفسي كم كان يحسن معاملتها رحمها الله...
هزت والدتها رأسها وهي تقول بشرود:
_رحمها الله كانت ملاكاً بحق...

أومأت نغم برأسها ثم عادت إلي غرفتها مغلقة بابها خلفها وهي تفكر بشرود...
هل تحطم تمثال الحب الذي كان في خيالها لسمية وجسار؟!!!
هل أخطأ جسار عندما بدأ حياته من جديد بعد وفاتها؟!!!
أم أنها سنة الحياة كما يقولون؟!!!

دمعت عيناها وهي تتذكر وصية سمية لها أن تعتني بجسار والصغير...
بعدما اختارت له آسيا بنفسها ليستكمل معها حياته...
عظيمة كانت سمية...
وأعظم منها كان هذا الحب الذي جمع بينها وبين جسار...
كم تتمني لو تكتب لها الأقدار حباً مثل هذا ...
لا ينتهي حتي آخر نفس من أنفاسها!!!!

ورغماً عنها تسللت صورة جسار لذهنها......
هل تراه أحب آسيا حقاً كي يقدم علي الزواج منها بهذه السرعة؟!!!
هل تراه نسي سمية كما تزعم أمها بهذه البساطة؟!!!
لا...هي لا تظن هذا أبداً...
الأمر يبدو وكأنه هناك لغز ما خلفه...
تري ....ما هو؟!!!
==================================
جذب جسار الصغير من كفه وهو يهرول إلي الغرفة التي تقيم فيها آسيا...
دخل الغرفة بسرعة ليهوله منظرها ...
جسدها كان يرتعش بقوة ووجهها كان شديد الاحمرار...
لكن جسدها كان بارداً كالثلج...
شفتاها لم تكفا عن الارتجاف وهي تهذي بنفس العبارة:
_سأموت يا أمي.
❤18👍2
ظلت تردد هذه الجملة بلا انقطاع بصوتها المرتجف...
فسقط قلبه بين قدميه وهو يربت علي وجنتها بقوة هاتفاً:
_آسيا...أفيقي...

لكنها كانت غائبة عن الوعي تقريباً...
لا تفعل شيئاً سوي ترديد جملتها المشئومة...
صرخ الصغير بفزع:
_هل ستموت مثل أمي؟!

التفت إليه جسار بحدة ثم هتف بضيق:
_لا يا ياسين...إنها مريضة فقط.

قالها وهو يتناول هاتفه بسرعة...
لكن أنامله المرتجفة خانته ليسقط الهاتف من يده من فرط توتره...
عاد يتناوله ليتصل بالطبيب...
لكنه لم يرد بالطبع في هذا الوقت من ليل رمضان...

ألقي الهاتف في حركة عصبية وهو يزفر بقوة...
عندما دخل العم كساب ليفاجأ بمظهر آسيا المريع...
فهتف بجزع:
_ما الأمر يا جسار؟!

قام جسار من جوارها وهو يقول بخوف واضح:
_تبدو مريضة للغاية يا عمي...سأذهب لإحضار الطبيب لها.

قالها وهو يندفع نحو باب الغرفة ثم توقف مكانه وقد راوده هاجس مظلم...
ودعاؤها علي نفسها بالموت يعاوده ويكاد يصم أذنه...
ماذا لو تركها الآن ليعود فيجدها قد....؟!!!
أغمض عينيه بقوة يقاطع فكرته المشئومة....
لا لا...!!!!

ثم عاد لعمه قائلاً بضيق:
_لن أتمكن من القيادة ...أعصابي مشدودة .

نظر العم كساب لأنامله المرتجفة فقال بتفهم:
_سأذهب أنا بالسيارة لإحضار الطبيب...ابق أنت معها...

نظر جسار لياسين الصغير الذي كان يراقب آسيا بذعر...
ثم قال له بأقصي ما امتلكه من رفق:
_ياسين سيذهب مع العم كساب في رحلته بالسيارة.

نظر الصغير لآسيا ثم قال بحزن طفولي:
_أخشي أن أذهب فأعود ولا أجدها مثل أمي.

دمعت عينا جسار رغماً عنه وهو يستعيد لحظات وفاة سمية القاسية...
ثم امتلك زمام مشاعره بصعوبة ليقول له :
_ستكون بخير ...أعدك يا صغيري.

نظر لها الصغير بتردد لكن العم كساب توجه نحوه ليجذبه من كفه قائلاً بمرح مصطنع:
_هيا لنذهب بنزهة بالسيارة.

لم ينتبه جسار لرحيلهما وقد تعلقت عيناه بجسدها الذي لم يتوقف عن الانتفاض...
فاندفع ليحضر لها كمادات مثلجة...
جلس جوارها علي طرف الفراش...
ثم بدأ بوضع الكمادات علي جبينها برفق...
وهو يدعو الله بخوف أن تكون مجرد نزلة برد عادية...

لكن الوقت مر...
ولازال جسدها علي انتفاضته المحمومة...
وشفتاها تتمتمان بنفس الجملة التي كانت تقتله ببطء...

لم يدر كم مر من الوقت حتي جاء العم كساب مع الطبيب الذي تفحصها بسرعة...
شعر جسار بالضيق عندما كشف الطبيب عن بعض ملابسها ليتفحصها...
أشاح بوجهه وهو يشعر بحنق غير مبرر...
لم يشأ الاعتراف بأنها غيرة...
لكنها كانت كذلك!!!

أنهي الطبيب فحصه بسرعة ليقول له بقلق واضح:
_هل تتعامل المريضة مع أي نوع من الحيوانات هنا؟!

عقد بدر حاجبيه وهو يقول بتوتر:
_الخيل أحياناً...لكن الحيوانات هنا في المزرعة كلها تخضع للكشف الدوري بانتظام...ولم نتبين أي حالات إصابة غريبة في الحيوانات أو في البشر.
عدل الطبيب نظارته ليقول بحرج:
_أخشي أنها مصابة بفيروس (........)..إنه منتشر جدا هذه الأيام...هذه الأعراض تنطبق علي ما أعرفه عن هذا المرض...لهذا أوصي بنقلها للمشفي...فالمرض خطير وقد...
قاطعه جسار وهو يتذكر ما تتداوله وسائل الاعلام عن هذا الفيروس الخطير ليهتف بحدة:
_لن تغادر هذا البيت...انظر ما تحتاجه من امكانيات وسأحضره لها هنا...لو طلبت تحويل هذا المنزل لمركز طبي فسأفعل.

أجفل الطبيب من حدته فقال بتوتر:
_أنا مقدر لقلقك يا سيد بدر...لكن ...
قاطعه جسار قائلاً:
_لا يوجد لكن...زوجتي لن تغادر المزرعة.

هز الطبيب رأسه بتفهم ثم قال باستسلام:
_حسنا...لكن أولاً لا تدعها في غرفة واحدة مع الصغير لأجل العدوي...وسأخبرك بباقي التعليمات...

ازدرد جسار ريقه ببطء وهو،يقول:
_سأنقلها لغرفة أخري.

قالها وهو يفكر أنه سينقلها إلي غرفته مؤقتاً...
هذه الغرفة صغيرة ولن يتمكن من المبيت فيها معها...
وهو لن يقوي علي تركها لحظة واحدة بعد الآن...
لكن...
هل سيسمح أن تدخل غرفة سمية؟!!!
أن تنام علي فراشها؟!!!
هز رأسه بعنف وهو ينفض عنه هذه الفكرة...
لا وقت لهذا الترف من المشاعر...
حياتها الآن علي المحك...
وهو لن يسامح نفسه للحظة لو أصابها مكروه!!!

قطع الطبيب أفكاره وهو يقول :
_لو انخفضت حرارتها عند الصباح فربما لن نحتاج لنقلها للمشفي...لكنني سأحتاج لبعض التحاليل...

تناول منه جسار الورقة التي كتب فيها التحاليل والدواء...
ثم شكره مودعاً علي لقاء قريب في الصباح...
ذهب العم كساب ليوصل الطبيب ويحضر الدواء...

فيما وقف جسار يراقب ملامحها بخوف شديد...
لم يعرف أنها تحمل هذه المكانة في قلبه إلا الآن...
إنه يشعر بروحه تكاد تتمزق من أجلها..
توجه نحوها ليحملها برفق...
ثم سار بها حتي أرقدها علي فراشه...
دثرها بالغطاء وهو يتحسس وجنتها بأنامله في حنان يمتزج بالقلق..
❤21👍1
ثم جلس جوارها علي طرف الفراش...
ظل يضع لها الكمادات الباردة حتي عاد عمه بالدواء فأعطاه لها...
ربت العم كساب علي كتفه وهو يلاحظ خوفه الواضح ليقول مطمئناً:
_لا تقلق يا جسار...ستكون بخير.
ثم أردف بخشوع:
_دعنا نصل الفجر وندعو الله لها...

أدي جسار صلاته ثم عاد إليها ليجلس جوارها علي طرف الفراش...
وهو يلاحظ هدوء جسدها أخيراً من انتفاضته...
لكن حرارتها ظلت علي عدم استقرارها....
و شفتاها كانتا ترتجفان ولازالت تهذي بنفس العبارة:
_سأموت يا أمي!

ربت علي وجنتها برفق وقد بدت له كطفلة بائسة تنادي أمها بخوف...
مد أنامله ببطء ليشبك أصابعه بأصابعها الباردة كالثلج...
ثم اقترب من وجهها ليهمس بحنان يغلفه خوفه الواضح:
_لا تخافي يا آسيا...سأكون دوماً معك...
ثم دمعت عيناه وهو يعاود همسه بتوتر:
_قاومي مرضك لأننا كلنا نحتاجك...ياسين يحتاجك...ووالدتك تحتاجك...

ثم اقترب من أذنها وهو يهمس بما كان دوماً يخشي الاعتراف به:
_وأنا .....أحتاجك !!!

قالها ثم ابتعد بوجهه ليعاود التطلع لملامحها الشاحبة...
هز رأسه في يأس وهو يراها لا تزال علي حالها ...
فمال علي وجهها ليلصق جبينه بجبينها هامساً بألم:
_لا تتركيني أنتِ الأخري يا آسيا...
=======================================================================

جلس حمزة علي حاسوبه متردداً أمام بريدها الاليكتروني...
هي لا ترد علي رسائله رغم أنه موقنٌ أنها تقرؤها...
ومع هذا يجد نفسه ضعيفاً أمام نداء قلبه في كل مرة...
قلبه الذي يلومه بحق علي تفريطه فيها....
خاصة بعدما تصالح مع عقله أخيراً بشأنها...
مارية الآن هي حلم قلبه الذي طالما تمناه ...
لكن يبدو أنه سيتعب كثيراً كي يصالح كبرياءها الذي خدشه دون قصد...
لكنه مستعد لأي ترضية...
فقط لو تمنحه فرصة جديدة...
وهو ما يشعر أنها ستفعله...
قلب مارية الطفولية البريئة لن يتلوث بحقد عليه بعدما امتلأ بحبه....!!!!

لهذا تغلب علي تردده...
وامتدت أنامله تكتب لها علي بريدها الاليكتروني:
_عزيزتي مارية...لو تعلمين كم افتقدتك...افتقدت مشاكساتنا معاً...اتساع عينيكِ انبهاراً بما أقول....ضحكة عينيكِ التي تفضح قلباً لم يعرف لؤماً ولا غدراً...روحكِ التي تشبه طفلة لا تزال تعدو حافية في حقول الورد...وكلامكِ الذي يعرف طريقه لقلبي دون استئذان...أعرف أنكِ غاضبة مني...لكنني واثقٌ أنكِ ستفهمينني لو شرحت لكِ...فهل تمنحينني فرصة...أم تكون هذه آخر رسائلي لكِ؟!!!
لو منحتِني فرصتي فسأخبركِ بمفاجأة قد تكون سارة بالنسبة إليكِ...ولو اخترتِ أن تكون هذه هي رسالتي الأخيرة فلن أزعجك ِ بعد سأبتعد متمنياً لكِ كل الخير...
ضغط زر الإرسال ثم جلس مترقباً وهو يشعر أنها ستجيبه هذه المرة....
لكنه عاد يشعر بالخيبة والدقائق تمضي ببطء دون أن يصله ردها....!!!!

وعلي سريرها كانت مارية تقرأ رسالته ودموعها علي خديها....
قلبها يتوسلها أن تجيبه....
أن تسمع منه...
أن تعرف مفاجأته التي يحكي عنها...
لكن كبرياءها يمنعها...
هو تخلي عنها...
هو جرحها في أنوثتها يوم رفض حبها...
وبينهما كان عقلها حائراً لا يدري هل كان حمزة مخطئاً حقاً عندما رفض حبها بهذه الطريقة....؟!!!!
أم أنه فعلها لكي يكون دافعها نحو التغيير نابعاً من نفسها هي...
وليس من أجل عاطفة أو شخص؟!!!!

تنهدت في حرارة ثم ضغطت علي شفتيها لتهمس بعدها بشوق:
_افتقدتك يا حمزة...افتقدتك جداً...
ورغماً عنها استجابت أناملها لنداء قلبها لتجد نفسها تكتب له :
_حمزة!

ابتسم في حنين جارف وهو يقرأ كلمتها اليتيمة....!!!!
حمزة ...هكذا فقط؟!!!!
كلمة واحدة لكنها جعلت قلبه يتقافز بين ضلوعه بجنون...
وهو يتخيل كيف كانت تهمس بها بطريقتها المميزة فتكاد تذيبه من فرط حلاوتها من بين شفتيها....
اتسعت ابتسامته وهو يشعر بكلمتها تفضح شعورها الآن...
نعم...ماريته غاضبة...لكنها لا تريد أن تفقده...
لا تريد أن تحدثه...فاكتفت بكلمة تفتح له الطريق دون وعود...!!!!
كلمة واحدة...لكنها تكفيه...!!!

لهذا كتب لها بسرعة:
_شكراً يا ماريتي...هي كلمة واحدة لكنها تكفيني...مفاجأتي لن أخبركِ بها بل سأجعلكِ ترينها بنفسكِ...لكن أخبريني أولاً...هل عمكِ متواجدٌ غداً في المنزل؟!! سأرسل إليه شيئاً في الثامنة مساء بالضبط...

اتسعت عيناها في ترقب وهي تقرأ ما يكتبه....
أي مفاجأة سيرسلها لعمها في الثامنة...؟!!!
التمعت عيناها بفرح وهي تهتف بالانجليزية دون وعي:
_أووووه!!! حمزة سيبقي مشاكساً كعهده!

لكنها كلماتها ناقضت شعورها المشتعل وهي تكتب له باقتضاب:
_سأنتظر مفاجأتك.
اتسعت ابتسامته وهو يقرأ ردها المقتضب يتخيلها تزم شفتيها كطفلة غاضبة...ثم كتب أخيراً:
_تصبحين علي خير يا ماريتي.

رفعت هاتفها المحمول لشفتيها تقبله بعنف عدة مرات متتابعة...
ثم ألقت ظهرها علي الفراش تتطلع للسقف هامسة بهيام:
_أحبك يا حمزة....أحبك...أحبك....
❤23👍1
بينما عاد هو بظهره للوراء يتأمل كلماتها المقتضبة وهو يشعر بسعادة لا متناهية...
برغم أنها لم تبح بشئ لكنه يكاد يتنفس عبير اشتياقها عبر حروفها القصيرة...
لكنه مشبعٌ برحيق كبريائها هذه المرة...
وما أروعه من مزيج...!!!!
مزيج خاص بطفلة تعرف متي وكيف تحمل سحر أنوثة امرأة....!!!!

طرقات عنيفة علي باب غرفته قطعت أفكاره...
فانتفض من مكانه ليفتح الباب فتواجهه فريدة هاتفة بجزع:
_أدرك حذيفة يا بنيّ!
====================================================================
تململت جوري في نومها وهي تشعر بالأرق...
كم اشتاقت نومتها جواره...
وهمساته العاشقة التي تدغدغ كيانها كله....
لكنها -للأسف-مضطرة للابتعاد عنه حتي تتحسن صحة النجدي الكبير...
ساعتها سيفاتحه عمار في أن تعود إليه لأجل الطفل....
تنهدت في حرارة وهي تتطلع لسرير ساري الخالي...
تري أين ذهبت حتي هذه الساعة...؟!!!
لاريب أنها مع حذيفة...
فقد رأته يخرج خلفها بسيارته....
ساري وحذيفة عاشقان كما هي وعمار!!!

ابتسمت ابتسامة حالمة عندما وصلت أفكارها إلي هذه النقطة...
ثم اتسعت ابتسامتها لتحمل شقاوة لذيذة وهي تنفض غطاءها...
ثم تسللت من غرفتها ببطء لتخرج إلي صالة المنزل...
فتحت الباب بحذر لتعيد إغلاقه ببطء شديد...
ثم صعدت السلالم بخفة نحو شقتهما التي يقيم فيها وحده الآن...
رنت الجرس رنة قصيرة وهي تدعو الله أن يكون مستيقظاً مثلها في هذه الساعة...

وعلي فراشهما كان عمار غارقاً في شروده فيها....
رغم سعادته بمشاعرها الجديدة نحوه وبطفلهما المنتظر...
لكنه يشعر أن ثمة شئ ما خطأ...
ربما فعلتها القديمة والتي لا يعلم حتي الآن مع من كانت ستنفذها....
وربما عدم ثقته في صحة شعورها المستحدث نحوه....
وربما هو خوفه من تداعيات الأمور لو رفض قاسم النجدي عودته إليها..
قام من فراشه وهو يزفر بقوة ثم ضم قبضته قائلاً بغلظته المعهودة:
_أنتِ لي يا جوري ولو حاربت الدنيا كلها لآخر نفس!

سمع صوت الرنة القصيرة للجرس فقام يفتح الباب مترقباً ليجدها أمامه...
ابتسم رغماً عنه وهو يري ارتباكها اللذيذ وكأنها فتاة مراهقة خرجت للقاء عشيقها...
خاصة عندما همست بصوت خفيض:
_هل كنت نائماً...هل أزعجت.....؟!!!
قطع عبارتها وهو يسحبها من ذراعها بقوة ليعتصرها بين ذراعيه مغلقاً الباب خلفها...
أخفت وجهها في صدره بينما زاد هو من قوة ضمه لها وهو يدفن أنفه في شعرها...
فهمست بدلال:
_عمار...أنت توجعني!

رفع ذقنها إليه لينظر لعينيها حبيبتي صباه وشبابه ...
بل حبيبتي عمره كله ...
نظراته حملت عاطفة بكراً نقية لم ولن يعرفها إلا لها...
ولأنها كانت كذلك اخترقت قلبها بقوة قاهرة مثله ليدق بعنف داخل صدرها...
خاصة عندما همس هو بعتاب خشن:
_طالما أوجعتني يا جوريتي.!!!

مدت أناملها ببطء تتلمس شفتيه وهي تهمس برقتها الفطرية:
_اشتقت لهمسات العشق من شفتيك هاتين تحملني لدنيا أخري...
رفع أنامله تحتضن كفها الملامس لشفتيه ...
ثم قبل أطراف أناملها بهيام....
وعيناه في عينيها تأبيان مغادرة سجنهما القديم فيهما....
لا يصدق أنها هنا معه...
هي التي جاءته بقدميها....
تقول أنها اشتاقته بهذه الطريقة وبهذا الإحساس....!!!!
اقترب بوجهه من وجهها ليهمس أمام عينيها بصوت متهدج:
_جوري أنتِ حقاً هنا؟!! جئتني وحدكِ دون ضغط ودون قيد....جئتني لأنكِ....

عجز عن إتمام عبارته مع كل هذا الطوفان من المشاعر الذي كان يكتسحه وقتها....
والذي شعرت هي به فأحاطت وجهه بكفيها وهي تهمس بحنان:
_نعم...يا عمار...بإرادتي ودون ضغوط...أتيتك لأني....

صمتت لحظة شعرت فيها أن قلبه يكاد يرجوها أن تكملها...
قلبه الذي تكاد تسمع صوت دقاته الهادرة الآن...
ولم تكن لتخيب رجاءه أبداً...
ابتسمت في خجل وهي تردف بدلال يمتزج بعاطفتها:
_أحبك يا عمار.

اتسعت عيناه للحظة قبل أن يغمضهما بقوة...
وقدكان هذا آخر ما وعته هي...
قبل أن يميل بشفتيه علي شفتيها فيغرقها في طوفان عاطفته المجنون الذي افتقدته...
لتتواري كل أفكارها ويغيب عنها الإدراك....
مأخوذة بدفء لمساته التي حملتها للعالم الوردي الذي طالما تخيلته في أحلامها....
والآن تجده معه أجمل وأجمل!!!

وبعدها بدقائق طويلة كان هو جوارها علي فراشهما يتطلع لوجهها الذي كان يصلح الآن كصورة مجسدة للسعادة والخجل...
اتكأ علي جانبه ليشرف علي وجهها من علوّ...
ثم داعبت أنامله شعرها وهو يهمس بخفوت:
_شعر جوري الذي يشبه لونه ليل أيامي دونها...
انتقلت أنامله لعينيها اللتين أسبلتهما في خجل فلامسهما بخفة مروراً برموشها الكثيفة ليردف بنفس النبرة:
_وعيناها اللتان أجادتا احتلالي حتي ما عدت أطمع في حريتي بعيداً عنهما....
❤28👍3
فتحت عينيها ببطء وابتسامة هانئة ترتسم علي شفتيها اللتين انتقلت إليهما أنامله وهو يردف:
_وشفتاها اللتان أقرأ عليهما أقدار عذابي...وأقدار فرحي....
مدت كفها تتناول أنامله لتضعها علي وجنتها هامسة :
_هل تدري قيمة أن تقول -أنت-لي هذا الكلام؟!!!! عمار الغليظ تغير لأجلي...عمار صار يجيد الغزل لأجل جوريته...
دمعت عيناها في عبارتها الأخيرة...
فمال بوجهه يلصق جبينه بجبينها وهو يتأوه قائلاً:
_ولمن سواكِ أفعلها أنا؟!!!

اتسعت ابتسامتها الهانئة وهي تشعر بزغاريد قلبها تدغدغ ضلوعها برقة...
أين كنت أنا غافلة عن فيض حبك هذا يا عماري؟!!!
أين كنت؟!!!!

قطعت أفكارها عندما سمعت صوت الجرس فشهقت بقوة وهي تهمس بخوف:
_من ؟!!!
ربت علي وجنتها برفق ثم قام بسرعة ليقول بصوت عادت إليه خشونته:
_لماذا خفتِ هكذا؟!!! أنتِ هنا مع زوجك.
تشبثت بغطائها وهي تهمس بارتباك:
_لكن...ألم نتفق أن نخفي الأمر حتي يتحسن جدي؟!!! أرجوك يا عمار...
أشاح بوجهه في ضيق ثم قال لها بغلظة:
_ابقي هنا حتي أري من الطارق.

توجه نحو الباب يفتحه ليطالعه وجه حمزة القلق:
_حذيفة وساري في المشفي....هيا لنذهب إليهما...
====================================================================

فتح حذيفة عينيه أخيراً ليراقب الوجوه المجتمعة حوله بنظرات زائغة.....
فهتفت فريدة بلهفة:
_حمداً لله علي سلامتك يا بني.
دار بعينيه باحثاً عنها لكنها لم تكن هناك....
كل العائلة كانت حوله عداها هي !!!
حتي قاسم النجدي تحامل علي نفسه ليقوم من رقدته ويطمئن عليه...!!!!!
وهي لم تفعل!!!
ازدرد ريقه الجاف بصعوبة وهو يهمس:
_أين ساري؟!
ربتت فريدة علي كفه وهي تقول بحنانها المعهود:
_ساري بخير يا بني ....لا تقلق...هي فقط ...قلبها لم يطاوعها أن تراك في هذه الحالة....
تلعثمت في عبارتها الأخيرة فأدرك حذيفة أن في الأمر سراً....
التفت نحو جده الذي تقدم نحوه ليقول بصوته المسيطر:
_استرد عافيتك وبعدها سيكون لنا حديث طويل عما حدث هذه الليلة....

أغمض حذيفة عينيه وهو يشعر بالاختناق...
كل أحداث الليلة الفائتة لم تغادر مخيلته ...
ساري كادت تضيع بسببه...
بسبب خطايا ماضيه الأسود...
فكيف ستكون ردة فعلها تجاه الأمر؟!!!!
قد يتحمل غضب جده وقسوة لومه...
وقد يتحمل عتاب العمة فريدة الصامت...
لكن كيف سيحتمل النظر في عيني ساري بعد....؟؟!!!
ساري التي يبدو أنها لن تمرر الأمر بسهولة كعادتها...
ويحق لها أن تفعل!!!

لكن كيف استطاعت تركه في هذه الظروف؟!!!
هل غلب كبرياؤها قلبها هذه المرة حتي قويت علي التخلي عنه في هذا الوقت؟!!!!
لن يلومها لو فعلت...
أي امرأة مكانها كانت ستطرده من حياتها بعد هذه الحادثة!!!!

لكن...ساري ليست كأي امرأة...
ساري تحبه...بل تعشقه...
فهل يشفع حبه لديها كي تتجاوز عن الأمر هذه المرة؟!!!!
هو لا يدري...
لكن قلبه يوشك علي الاحتراق بذنبه وترقبه ولوعته!!!!

وعلي أرجوحتها القديمة علي السطح كانت هي تجلس شاردة...
تضم دميته إلي صدرها وهي تسترجع كل ذكرياتهما...
قلبها يستحلفها أن تذهب وتطمئن عليه...
نظرة واحدة من خلف الباب وبعدها تعود دون أي كلمة.....
لكن عقلها كان يعنفها بهيمنة مسيطرة في هذه اللحظات...
كفاكِ تعلقاً بحبال واهية أيتها الغافلة...!!!!!
هذا هو حذيفة....وهذه هي حياته....
عالم أسود من الخطايا لم يكتفِ فيه بنفسه...
بل وجدتِ نفسكِ عالقة معه...
ولولا ستر الله بالأمس لكنتِ الآن في أسوأ حال يمكنكِ تخيله...!!!

حذيفة النجدي لا يصلح لكِ...
حتي لو امتلك قلبكِ بقبضة من حديد...
لكنه سيبقي القطب المضاد لمبادئك وأخلاقك وعقلك....
حمقاء أنتِ لو ظننتِ الحب يكفي...
لا يا صغيرة...
إنه حقاً لا يكفي وحده دون رصيد كافٍ من احترام واهتمام وثقة...
وقبلهما غطاء من اقتناع عقلكِ بدقات قلبك العاشق!!!!

عذراً يا حذيفة...!!!
ما عاد لي طاقة في إكمال هذا الطريق معك...
لن أنسي هذه الليلة أبداً...
ليلة بدأتها تتوعد شقيقتي بالقتل تزعم أنك تحافظ عن شرفك...
وأنهيتها تدافع عن شرفي الذي كاد ينتهك بسببك...
فيالظلمك يا حذيفة!!!!!
لقد تآمر عليك ماضيك ليفضح ازدواجية فكرك...
ويريني أنك لن تتغير...
وأن صورتي عنك ستبقي كما كانت...
أنت وجع قلبي وعقلي يا حذيفة...
لكنني لن أسمح لك أن توجع كبريائي بعد!!!!!
==================================================================
غادر ياسين المشفي بعد زيارته لحذيفة متجهاً لفيللا عاصم الهاشمي حيث لازال يقيم مع رقية...
استقبلته رقية بلهفة وهي تسأله بقلق:
_ما الأخبار يا ياسين؟!!!
ضمها إليه بقوة وقد عجز عن الحديث...
الأحداث اشتعلت فجأة والعائلة كلها علي صفيح ساخن...
❤20👍1🥰1
رفعت رأسها إليه تتأمل ملامحه المنهكة...
هي تشعر الآن بما يدور برأسه...
الحرب أعلنت في جميع الجبهات ولن يستطيع أحد سد كل تلك الثغرات...
في البداية كانت كارثة جوري وعمار الذي طلقها بعدما عادت إليها الذاكرة والنطق...
ثم فضيحة آسيا التي استوجبت عودة حمزة ليفصل بنفسه في الأمر الذي رآه قاسم النجدي حقاً شخصياً له...
ثم حادثة ساري التي كادت تتعرض للاغتصاب بسبب عبث حذيفة ومجونه وهو ما لن يمرره قاسم النجدي بسهولة...
ومن يدري ما الذي تخبئه لهم الأيام بعد؟!!!!
جذبته من كفه لتجلس علي الأريكة وتضم رأسه إلي صدرها بذراعيها هامسة بحنانها الممتزج بقوتها:
_لا بأس يا يا سين...صدقني ستمر الأمور بخير...قليل من الحكمة فقط هو ما تحتاجه العائلة لتجاوز هذه الأزمة...لقد أحسن جدك عندما أوكل الأمور لحمزة...عقلية قاسم النجدي بتسلطها لن تصلح لحل الأمور....

رفع ياسين رأسه إليها وهو يقول بصوت متعب:
_كل الأمور الآن متشابكة...هل تعلمين أنها المرة الأولي التي أشفق فيها علي جدي؟!!!!
ربتت علي رأسه وهي تقول بأسف:
_لقد فعل كل هذا للحفاظ علي أحفاده....والآن يجد حبات العقد كلها انفرطت من يده....

أومأ برأسه إيجاباً ثم قال لها بحزم لا يخلو من رجاء:
_حان وقت عودتنا لبيت العائلة....لم أعد قادراً علي تركهم في هذه الظروف....
أومأت برأسها إيجاباً وهي تقول بحنان:
_معك حق...هيا لنذهب معاً...

وبعدها بقليل كان يفتح باب شقتهما ليدخل ويده في يدها...
أغلق الباب برفق ثم استوقفها لينظر في عينيها هامساً بعاطفة صادقة:
_اليوم تدخلين لبيتي عروساً بحق...عروساً امتلكت قلبي بعدما احتلت حصون روحي كلها...

ابتسمت في خجل وهي تطرق برأسها ...
فانحني ليحملها بين ذراعيه وعيناه معلقتان بعينيها وكأن بينهما رباط لن ينفصم أبداً...
سار بها حتي وصل إلي خزانة ملابسها فأنزلها برفق...
ثم فتح الخزانة ليستخرج ثوب زفافها أمام عينيها المترقبتين...
فضه من غلافه ثم قال لها برجاء:
_أعرف أن التوقيت ليس مناسباً...لكنني أحتاج أن أراكِ اليوم عروساً بحق...

ابتسمت في خجل وهي تومئ برأسها إيجاباً...
ربما في ظروف أخري ما كانت لتخلع الأسود حداداً علي والدها أبداً ...
لكنها تشفق علي ياسين...
ياسين الذي تدرك الآن حجم الضغوط عليه...
تدرك أنه يحتاج إليها الآن لتكون فرحة قلبه التي تسنده في مواجهة كل هذا...
وهي أبداً لن تخذله!!!

خرجت إليه بعد دقائق لتجده ينتظرها في صالة الشقة ...
تلقاها بين ذراعيه يتأملها بثوبها الأبيض الذي بدت فيه كنجمة ماسية ....
وضع كفيه علي خصرها فتعلقت بعنقه وتلك الأنغام الخافتة تنبعث من مكان ما ...
فهمست بدهشة:
_أليست هذه...؟!!!!
أومأ برأسه إيجاباً وهو يهمس أمام عينيها:
_نفس الأنغام التي رقصنا عليها أول مرة....عندما وعدتكِ أن أعترف لك بحبي اعترافاً يليق بكِ...

ابتسمت وهي تشعر بقلبها يكاد يتوقف ....
عندما جثا علي أحد ركبتيه أمامها ليهمس بحب:
_هل تقبلين حبي يا سيدتي؟!!

اتسعت عيناها في دهشة للحظة...
ثم جذبته من كفه ليقف أمامها من جديد وهي تهمس بانفعال يمتزج بعاطفتها:
_لا تفعلها ثانية يا ياسين...ياسين النجدي لا يليق به هذا...
ابتسم في حنان وهو يضمها إليه ليهمس أمام شفتيها بعشق جارف:
_لأجل رقية الهاشمي فقط أفعلها....رقية التي تستحق أن تنحني لها الجبال وتتوقف من أجلها مدارات النجوم...رقية التي يوزن قلبها بمثاقيل الذهب والألماس...رقية التي سحرتني بقوتها قبل حنانها...وبروحها التي تشبه الملائكة في رقتها...ويغار من نعومتها الورد....
عضت علي شفتيها في خجل...
فاقترب بشفتيه من وجهها يتلمس بشرتها بقبلات خفيفة هامساً بين كل قبلة وأخري:
_رقية حبيبتي...
أغمضت عينيها بقوة وهي تشعر بنفسها تكاد تذوب بين ذراعيه...
ثم رفعت كفها لتضعه علي صدره هامسة بحنان:
_ياسين...حبيبي.
ابتسم في سعادة وهو يرفعها من خصرها ليدور بها هاتفاً بفرحة عاشق:
_أخيراً يا رقية....أخيراً سمعتها منكِ بأذني!!

ضحكت في خجل وهي تتشبث به هامسة باعتراضٍ واه:
_أنزلني يا يا سين.
ظل يدور بها وهو يهمس في أذنها برقة:
_أبداً حتي تقوليها ثانية.

ألصقت خدها بخده مغمضة عينيها وهي تكاد تقسم أنها لم تشعر بهذه السعادة من قبل ....
لتهمس بقلب غارق في نشوة حبه:
_حبيبي يا ياسين!!
=====================================================================
لم يدر كم مر من الوقت عليه وهو جالس جوارها علي الفراش...
يشبك أنامله بأناملها وكأنه يتشبث بها خوفاً من أن تتركه وترحل...
ورغماً عنه وجد نفسه يغوص في بحر ذكرياته معها...
منذ رآها أول مرة خائفة وحيدة في الطريق...!!!

وكيف دخلت حياته بمحض صدفة لتكون هدية القدر له ولسمية...
فخبرتها الطبية رغم أنها محدودة ...
لكنها كانت أكثر من كافية في تلك الأيام التي كانت تحتاجها فيها سمية...
كما أنها رفعت عن كاهلهما حمل ياسين الصغير الذي تعلق بها ....
فكانت تشده لدنياها بعيداً عن الجو الكئيب للمنزل ...!!
❤21👍1
وحتي بعد وفاة سمية...
كانت تستمع لشكواه بصبر ....
وتشاركه حزنه علي تلك التي اعتبرتها شقيقتها وليست مجرد صديقة عابرة!!
وازدادت عنايتها بالصغير وكأنها استشعرت أن دورها معه قد تعاظم لتكون هي له أماً بعد أمه!!

دمعت عيناه وهو يشعر لأول مرة بعظم الدور الذي قامت به لأجله ولأجل صغيره..
لكنه -هو-لم يرد لها شيئاً من معروفها بعد!!!

حتي عندما تزوجها لأجل أن يحميها...
فوجئ باعترافها بحبه لعمه فجعله هذا يعاملها بقسوة وجفاء...
وهي التي كانت أحوج ما تكون لعطفه وتفهمه في وحدة روحها هنا!!!

ضغط علي أناملها أكثر وهو يهمس بحزن:
_كم تحملتِ الكثير يا صغيرة...اعذريني لأنني تركتك تعانين وحدك طوال هذا الوقت...
ثم رفع أناملها المشتبكة بأصابعه ليقبلها هامساً بصدق:
_لن أتركك وحدك بعد يا صغيرتي...

ربت علي جبينها بكفه الحر...
ثم تنفس الصعداء ...
لقد استقرت حرارتها أخيراً لعل هذا يعني خطأ تشخيص الطبيب...

لم يكد يتم فكرته حتي سمع طرقات خفيفة علي الباب...
ثم دخل العم كساب ومعه الطبيب الذي تفحص آسيا باهتمام...
ثم قال بارتياح:
_لقد كذب ظني...لكنني لن أتأكد تماماً إلا بعد رؤية تحاليلها كلها....لكن الوضع الآن تقريباً مطمئن.

تنهد العم كساب في ارتياح وهو يحمد الله بصوت مسموع....
فيما ظل جسار عاقداً حاجبيه بقلق...
لن يطمئن حتي تفتح عينيها وتفيق من هذيانها هذا...
لن يطمئن حتي يعود صوتها العذب يداعب أذنه برقته الآسرة...

لهذا سأل الطبيب بتوتر:
_لماذا لم تفق إذن؟!

هز الطبيب رأسه برفق وهو يقول بهدوء:
_مسألة وقت...لا تقلق.

ظل جالساً جوارها حتي أذان الظهر...
قام ليؤدي صلاته ثم عاد إليها ليشبك أنامله بأناملها من جديد...
شعر بألم حاد في ظهره فهو لم ينم ليلته السابقة كلها....
لكنه نسي ألمه كله عندما رآها تفتح عينيها ببطء ثم تتأوه بضعف....
فهتف بلهفة:
_آسيا...أنتِ بخير؟!

عادت تتأوه بقوة أكثر...
وهي تهمس بألم:
_رأسي يؤلمني...جسدي كله يؤلمني.

ربت علي وجنتها برفق وهو يهمس بإشفاق:
_لا بأس...ستكونين بخير.

نظرت حولها في دهشة ثم همست بخفوت:
_أين أنا؟!

عاد يربت علي وجنتها بكفه الحر وهو يهمس بحنان:
_أنتِ في غرفتي.

عقدت حاجبيها وهي ترفع كفها الذي اشتبك بكفه ...
ثم نظرت إليه طويلاً...
وكأنها تطالبه بتفسير...!!!!
لكنه ظل علي احتضانه لأناملها بأنامله وهو يملأ عينيه من ملامحها بعدما كاد يقتله خوفه عليها...
ثم همس برفق:
_استريحي ولا تفكري بشئ...أنتِ متعبة وتحتاجين للراحة.

أغمضت عينيها من جديد وكأنها كانت تنتظر كلمته...
لتهمس بخفوت:
_شكراً.

قالتها وعادت لسباتها العميق....
فابتسم في حنان وهو يشعر أنه قد اطمأن عليها...
لكن آلام ظهره عادت تزعجه بشدة...
فقام من جوارها ليترك كفها مجبوراً...
ثم سحب الأريكة الجانبية برفق ليضعها جوار سريرها...
تمدد علي الأريكة وهو يتأوه بضعف...
لكنه عاد يبتسم في ارتياح وهو يشعر أن هماً كبيراً قد أزيح من علي ظهره...
مد كفه ليمسك كفها المستلقي علي السرير...
ثم أغمض عينيه أخيراً ليسقط في نوم عميق...
كانت هي فيه بطلة أحلامه دون منازع!!
=======================================================================
جلست مارية في صالة منزل عمها تترقب الباب ...
عقارب الساعة تعاندها وتسير ببطء شديد منذ ليلة الأمس...
وهي تترقب مفاجأته التي سيرسلها لها...
تري ماذا ستكون؟!!!!
قلبها يكاد يتوقف قلقاً وترقباً...
لكنها لا تنكر سعادتها بكل هذا...
حمزة عاد لحياتها ومعه كل الألوان التي افتقدتها أيامها الباهتة دونه.....
ورغم غضبها منه...
وتوعدها الدائم له...
لكنها لا تنكر اشتياقاً يكتسحها بقوة....
وحباً يتملكها بجنون!!!!

رن الجرس أخيراً فانتفضت من مكانها وهي تعدل حجاب رأسها لتفتح الباب...
شهقت بعنف وهي تراه أمامها مبتسماً...
تجمدت مكانها بعدها للحظة...
لا تصدق أنه هنا حقاً....
حمزة الحبيب...هنا؟!!!!
معها؟!!!!

همست باسمه دون صوت تقريباً....
ثم لم تتمالك نفسها وهي تندفع دون أي تفكير لتلقي نفسها علي صدره....
وهي تضمه بذراعيها بقوة....!!!!!

ضم كفيه جواره مقاوماً رغبته في احتضانها هو الآخر...
ورغم مفاجأته السعيدة بما فعلته ابتسم في حنان وهو يبعدها عنه هامساً بصوته الآسر:
_ليس بعد يا ماريتي...عندما يكون من حقي أن أزرعك في ضلوعي فلن أتركك أبداً!!

انتبهت بدهشة لما فعلته بعدما تراجعت صدمتها...
لتتخضب وجنتاها بحمرة قانية وهي تتمتم بارتباك:
_عفواً ....كيف جئت؟!! أعني لماذا؟!....أنا....

كادت تهمس باشتياق أنها افتقدته...
لكنها تراجعت وهي تشعر بالخجل من اندفاعها الأحمق هذا....
لكنه قرأها في عينيها الصادقتين....
فنظر إليها هامساً بحب تراه في عينيه لأول مرة:
_وأنا افتقدتكِ أكثر !!
ثم أردف بسعادة واضحة وقد أدرك الأمر -لتوه-:
_لقد صرتِ تتحدثين العربية كأهلها....
❤24👍1🥰1
أطرقت برأسها في خجل فعاد يهمس بافتتان وعيناه تدوران علي ملامحها التي يحتضنها حجابها برقة:
_ماريتي تبدو ملكة بحجابها...لا تتصوري سعادتي وأنا أراكِ به لأول مرة...
لم تستطع رفع وجهها إليه وهي تشعر بقلبها يكاد يسبقها إليه...
تأمل شكلها -الجديد-عليه بإعجاب واضح...
مارية اختارت طريقها وحدها...
ليس كي تسترضي عاطفته...
ولا كي تجرب شيئاً جديداً بدافع المغامرة....
بل فعلتها اقتناعاً به ...
وهذا ما رفعها بعينيه أكثر...
الآن يتصالح قلبه وعقله بشأنها...
فما عاد من صراع بينهما....
الآن يحارب الدنيا من أجلها....
نعم...معركته لأجل الشقراء الأجنبية لن تكون سهلة مع قاسم النجدي الذي لازال يطمح في زواجه بآسيا عندما يعيدها....
هذا الأمر الذي تأجل بسبب حادث ساري وحذيفة...
لكنه لن يحتمل التأجيل أكثر....
يجب أن يذهب بنفسه لجسار القاصم...
ليسترد ابنة عمه بأقل خسائر ممكنة....
هو يعلم أن المواجهة قد تكون دامية...
لكنه سيحاول أن يجنح للسلم قدر المستطاع!!!!

نفض أفكاره البائسة عن آسيا وصراعها مؤقتاً...
ثم اتسعت ابتسامته الحنون وهو يهمس لها بمرحه المشاكس كعادته:
_هل ستتركينني هكذا واقفاً علي الباب؟!!! أريد مقابلة عمك فلديّ حديث معه....

رفعت إليه عينين خجلتين ثم فردت له ذراعها لتغمغم بارتباك:
_تفضل...سأخبر عمي...
دلف إلي الداخل بخطوات ثابتة حتي جلس علي أحد الأرائك منتظراً رياض.....
صافحه رياض بحرارة عندما علم من مارية أنه كان زميلها في لندن مع الدكتور آدم...
وبعد عبارات الترحيب المعتادة...
دخل حمزة في الموضوع مباشرة ليقول بتهذيب واضح:
_أنا تقدمت لخطبة مارية من والدها....لكنه أرجع الأمر كله إليها...لهذا جئت إلي هنا لكي أطلب يدها من جديد ...

شهقت مارية للمفاجأة وهي تضع كفها علي شفتيها ....
بينما عقد رياض حاجبيه بضيق....
لقد كان يخطط لزواج مارية من زياد عندما يعود....
وظهور حمزة يربك مخططه هذا....

لكن حمزة لم ينتبه لضيقه وهو يقول بأسف:
_لدي بعض الأمور العائلية المرتبكة تجعلني غير قادر علي إتمام الأمر الآن....لهذا فسأضطر لتأجيل زيارة عائلتي....أنا فقط أردت إبلاغكم برغبتي .
ازداد انعقاد حاجبي رياض وهو يشعر بعدم الارتياح...
الشاب يبدو طيباً ويبعث علي الارتياح...
لكنه كان يريدها لزياد...
صفية ستجنّ لو علمت أنها ستضيع من يده....
وفوق كل هذا حديث حمزة عن عائلته لا يبشر بخير...
لكن مارية قطعت حيرته وهي تهتف بقوة:
_أنا لا أوافق!

نظر إليها حمزة مصدوماً...
بينما نقل رياض بصره بينهما بحيرة وهو لا يفهم ما الذي يجري بالضبط...
فقالت مارية لرياض برجاء:
_دعني مع الدكتور قليلاً يا عمي من فضلك.

تركهما رياض وحدهما مستسلماً لرغبتها...
فالتفت لها حمزة قائلاً بعتاب:
_لماذا يا مارية؟!!

سالت دموعها علي خديها وهي تهمس بانفعال:
_لأنني لست لعبة في يدك...أنت تخليت عني...ورفضت حبي...أنت...

قاطعها قائلاً بحزم يمتزج بحنانه المعهود:
_افهميني يا مارية...أنا لست الرجل الذي يسير خلف قلبه بعيداً عن نداء واجبه وعقله....أما عن عقلي فأنتِ تعلمين أنني قابلتكِ في حالة كنتِ فيها أنتِ نفسكِ مشتتة....تائهة...أنا أشرت لكِ علي الطريق لكنني لم أشأ أن أكون المكافأة الوحيدة التي تنتظركِ في آخره...بل أردت أن تختاريه باقتناع بعيداً عن أي ضغوط...وأما عن نداء واجبي فأنا التقيتكِ في أسوأ ظروفي...ربما لا تتفهمين ما أقول لكن واجب العائلة في عرفنا يعلو علي كل شئ...

عقدت حاجبيها في تساؤل...
فاندفع يحكي لها كل شئ...
بداية من الثأر الذي هرب لأجله...
ومروراً برغبة جده في تزويجه من آسيا...
ثم قصة انتحارها المزعوم بعدها...
وانتهاء باكتشافهم لوجودها في منزل غريمهم والذي هو كارثة وحدها يعلم الله كيف ستنتهي...

هزت رأسها بذهول وهي تهمس :
_هل تعني أنك ستستعيدها من بيت هذا الرجل لتتزوجها كي ترضي عائلتك؟!!!

نظر إليها طويلاً ثم قال بحزم:
_ربما لو لم تكوني أنتِ لكنت استجبت لرغبة جدي وفعلت هذا....لكنني الآن لن أتخلي عنكِ مهما حدث...حتي لو وقفت ضد رغبة جدي...
أطرقت برأسها وهي عاجزة عن الرد...
تتابع الأحداث السريع هذا صدمها...
رغم سعادتها بعودة حمزة وطلبه لخطبتها...
لكنها ممزقة الآن بين قلقها عليه بسبب موضوع الثأر هذا....
وخوفها من أن يجبره جده علي الزواج بابنة عمه...

وأمامها كان هو صامتاً مراعياً حيرتها...
ينتظر قرارها الذي يترقبه قلبه بلهفة...
حتي رفعت رأسها إليه تسأله بحيرة عاتبة:
_لماذا عدت إليّ يا حمزة؟!!
كانت تنطق اسمه بهذه الطريقة التي يعرفها عندما تبدل الحاء هاء.....
فرفع أحد حاجبيه وهو يقول بمشاكسته المعهودة كما كان يقولها لها دوماً:
_لو نطقتِها صحيحة فسأخبرك...
❤24👍2
وقفت لتتوجه نحوه فقام واقفاً ليقابلها بوجه يمتلئ بعاطفة صادقة...
نظرت لعينيه طويلاً ثم ضغطت علي حروفها وهي تعيد سؤالها ناطقة اسمه بطريقة صحيحة...
صحيحة تماماً...!!!!!
ارتفع حاجباه في دهشة للحظة...
ثم ابتسم هامساً في تأثر:
_أنتِ نطقتِها صحيحة يا ماريتي؟!!!

ابتسمت وسط دموعها لتهمس برقتها الآسرة:
_لأجلك تعلمتها يا حمزة....والآن أخبرني لماذا عدت؟!

رفع ذراعيه نحوها بلهفة وكأنه سيهم باحتضانها...
ثم جمدهما مكانهما في آخر لحظة...
ليهز رأسه بانفعال واضح هامساً بعشق فياض :
_لأني أحبك يا ماريتي...لأني أحبك...!!!!
❤31👍2
الفصل العشرون:

استيقظت من نومها لتجده ينظر إليها في هيام...
عيناه ترويان حكايا طويلة من غرامٍ صادق...
فابتسمت برقة وهي تهمس بصوت ناعس:
_حبيبي ياسين!!
مال علي وجهها يغمرها بقبلات ناعمة ...
فضحكت بخجل ثم ضمته إليه بذراعيها هامسة :
_هل استيقظت قبلي بكثير؟!

ضمها إليه هو الآخر وهو يتخلل شعرها بأنامله هامساً جوار أذنها:
_هذا هو سري الصغير معك...أنا أحب مراقبتكِ نائمة...ليس اليوم فقط...بل في كل يوم كنت تنامين فيه جواري وأنا عاجز حتي عن ملامستكِ...سلطانتي رقية جعلتني أقع في أسر حبها دون أن تحتاج سلاحاً....فقط قلبها الملكيّ كان يكفي كي أسقط أمامه كأسير حرب...

انطلقت منها ضحكة عالية حملت إليه سعادتها كاملة....
فاقترب بوجهه من وجهها يكاد يلاصقه وهو يهمس بحنانه المعهود:
_السلطانة رقية راضية عني؟!!

داعبت أنفه بأنفها وهي تهمس بسعادة خالصة لم تعرفها منذ زمن بعيد:
_تمام الرضا أيها السلطان ياسين!!!

ضحك بمرح هو الآخر ...
ليضمها إليه أكثر وهو يغرقها في طوفان عاطفة خاصة جرفتهما معاً....
ليزداد شعور كل منهما بأنه حقاً يعشق صاحبه...
عشقاً جارفاً بلا أول ولا آخر...
بلا قيود ولا سدود...
عشق لن يذوي ولن يموت...
لأنه بدأ بتصديق العقل قبل أن تنصاع له الروح...
ويذوب في نيرانه القلب....!!!

وبعدها بقليل...
قامت من جواره لتقول بلهفة:
_لقد سرقنا الوقت...لم يتبق سوي القليل علي آذان الفجر...

قام بدوره ليقول بمرح :
_لا تقلقي يا سلطانتي...السحور جاهز علي التسخين...أنا أعددته ...

أمسكت كفه وهي تتوجه معه نحو المطبخ حيث تعاونا في نقل الأطباق...
كادت تجلس علي كرسيها لكنه جذبها ليجلسها علي ساقيه هامساً بحنان أمام عينيها:
_حتي تأتينني بطفلة جميلة مثلك...سيكون هذا مكانكِ دوماً...

ابتسمت بخجل وهي تهمس باعتراض:
_لن تتمكن من الأكل هكذا....اتركني يا ياسين...

ضمها إليه أكثر...
ثم تأوه بقوة ليهمس بعدها بعاطفة أشعلتها:
_أتركك؟!!! ومن ذا يقوي علي ترككِ بعدما صرتِ بكل هذا القرب؟!!! أبداً لن أترككِ يا سلطانتي...

لا تدري لماذا دمعت عيناها وهي تسمع هذا منه....
رغم أنها تصدقه...
بكل جوارحها توقن بحبه...
لكن شيئاً ما يقبض قلبها...
ينزع منها سعادتها -الكاملة -بعاطفته...
ربما هو خوفها من عودة آسيا....
وربما هو شعورها بمرارة الفقد التي ذاقتها بعد رحيل عاصم الهاشمي...
وربما سبب آخر لا تعلمه...
لكنه يخدش روحها بقسوة ويحرمها تلذذها بقربه....

لمح الدموع في عينيها...
مع سؤالها الذي همست به في رجاء يتعارض وقوتها المعهودة:
_هل هذا وعدٌ يا ياسين؟!!!

أحاط وجهها براحتيه ثم قبل جبينها بعمق...
ففتحت عينيها ثم عادت تسأله بنفس النبرة...
نظر إليها طويلاً...
ثم هز رأسه نفياً...
فاتسعت عيناها بصدمة...
ليهمس هو بعدها في حزم حنون:
_ليس وعداً يا رقية...ولا ميثاقاً...بل ولا حتي قسماً...الوعد يُخلَف...والميثاق يُكسر..والقسم يحنثون أحياناً به...لكنه هذا...

قالها وهو يضع كفها علي صدره...
ليردف بعدها بيقين وكأنه ينقش كلماته علي جدران معابدها....
:
_هذا القلب الذي لن تكذبكِ دقاته...ولن يخدعكِ نبضه...هذا القلب الذي صرتِ أنتِ حياته...ودونكِ يموت وأموت أنا معه...
أسندت رأسها علي صدره تضع أذنها علي قلبه وكأنها تجرب كلامه....
قلب ياسين صادقٌ مثله...
طالما وعدها فلن يخلف وعده....
ستكون حياته....كما هو حياتها....!!!!
ظلت هكذا علي صدره وهو يربت علي رأسها...
حتي سمعا صوت الأذان....
فانتفضت لتهز رأسها هامسة بأسف لا يخلو من مرح:
_ضاع السحور يا ياسين!!!
=======================================================================

فتح حذيفة عينيه فربتت راجية علي كتفه وهي تقول بحنان:
_أنت اليوم أفضل يا بني؟!!
أشاح حذيفة بوجهه وهو يشعر بالاختناق...
هذا هو يومه الثاني هنا وساري لم تقم بزيارته...
بل إنها حتي لم تهاتفه...
قلبه يخبره أن صمتها هذا وراؤه كارثة...
لهذا التفت نحو فريدة التي كانت جالسة بعيداً ترمقه بشفقة واضحة...
ثم همس بصوت متعب:
_أريد ساري يا عمتي.

تنهدت فريدة وهي تتبادل مع راجية نظرات غامضة...
فعاد يهمس بألم:
_هي غاضبة مني؟!!! صدقيني ما حدث كان رغماً عني...

قالت فريدة بحنانها المعتاد:
_أنا أعرف ذلك يا بني...لكن ساري لازالت في مرحلة صدمة...
تأوه بخفوت ثم عاد يهمس برجاء:
_دعيني أكلمها فقط ...أريد أن أسمع صوتها...

هزت فريدة رأسها في استسلام...
ثم تناولت هاتفها لتتصل بساري ...
أعطته الهاتف فتناوله بأنامل مرتجفة...
فتحت ساري الاتصال لتقول بلهفة:
_نعم يا أمي...حذيفة بخير؟!!

لم يصلها رد للحظات...
فعادت تهمس بقلق وقلبها يخفق بين ضلوعها بقوة :
_أرجوكِ يا أمي قولي أنه بخير...
❤20👍2
صمت للحظات أخري وهو يستشعر قلقها الصادق عليه ليهمس بصوت ضعيف:
_مادمتِ قلقةً هكذا...فلماذا لم تأتِ لتطمئني بنفسك؟!!
وضعت كفها علي صدرها ودموعها تملأ عينيها بينما عجز لسانها عن الرد...
من كان يخبرها أنه سيأتي يوم يكون هو فيه في المشفي بينما هي ترفض رؤيته....؟!!!
من كان يخبرها أنها ستكون بكل هذه القسوة معه؟!!!
وبكل هذا التجاهل؟!!!
من كان يخبرها أن قلبها الذي فاض بحبه منذ وعت علي هذه الدنيا سيخذله في صراعه مع عقلها وكبريائها؟!!!!

تمالكت نفسها لتقول بصوت تصنعت بروده:
_لقد اطمأننتُ عليك ...الجميع يقولون أن جرحك سطحي وأنك ستعود للمنزل غداً...

أغمض عينيه في ألم...
صوتها رغم برودته يكوي صدره بسهام حارقة...!!!!
ساري لن تسامحه...
ستظل تجلده بهذا الذنب وربما أعدمت حبهما لأجله...!!!

همس بعد لحظات من الصمت والعتاب يحتوي همساته المختنقة:
_الجميع ؟! الجميع حولي عداكِ أنتِ !!!
سالت دموعها الحبيسة علي خديها وعبارته تصيب قلبها في الصميم...
لكنها تشبثت بآخر أسوار مقاومتها وهي تقول بنفس البرود:
_حمداً لله علي سلامتك ...اعتنِ بنفسك...

قالتها وأغلقت الاتصال بسرعة...
وقرارها الأخير الذي اتخذته يتملك رأسها أكثر...
غداً...عندما يعود لمنزل العائلة ستبلغه به...

وعلي سريره أغمض هو عينيه بحسرة...
لن يلومها رغم كل شئ ....
هو دوماً يخذلها...
إن لم يكن بإرادته فرغماً عنه...
حتي بعدما قرر أن يتغير ويرمي تاريخه الأسود كله خلف ظهره ليبدأ معها من جديد....
عادت ذنوب ماضيه تطارده لتقف حائلاً بينه وبينها...
وكأن القدر يعاقبه بقلبه...!!!
قلبه الذي طالما كفر بالحب والإخلاص...
والذي تغير بين يديها ليصير ناسكاً في محراب حبها...
الآن ...تطرده هي خارج أسوار مدينتها !!!!
==========================================================================
فتحت آسيا عينيها لتجده جوارها مشبكاً أنامله بأناملها...
ابتسمت بشحوب وهي تتأمل ملامحه المرهقة...
منذ سقطت ضحية هذا المرض وهي تجده هكذا كلما أفاقت من نومها ...
يحتضن أناملها بكفه وكأنه يخشي أن تضيع منه...
وصلها صوته الحنون يغازل أذنها بعاطفته:
_كيف حالكِ الآن؟!

اتسعت ابتسامتها وهي تومئ برأسها هامسة:
_الحمد لله.
قالتها وهي تحاول النهوض لكنه وضع كفه الحر علي كتفها هامساً:
_ابقيْ مستريحة!!

دارت بعينيها في الغرفة وهي تهمس بدهشة:
_لماذا أنا هنا؟!

ربت علي وجنتها برفق وهو يملأ عينيه من ملامحها هامساً بحنان:
_حتي أستطيع العناية بكِ ...
خفق قلبها بقوة لعبارته...
مضي وقت طويل...طويل جداً...
منذ شعرت بأن أحداً ما يهتم لأجلها...
وكم تحتاج هذا الشعور الآن...
وبالتحديد منه هو...
هو الذي تشعر أنها ...!!!!
هزت رأسها تحاول نفض هذه الفكرة عنها....
ثم همست بخجل وهي تسبل جفنيها بعيداً عن عينيه المتفحصتين:
_هل كنت مريضة إلي هذا الحد؟!!

عاد يربت علي وجنتها ثم أغمض عينيه ليقول بصوت متهدج:
_الحمد لله!

اتسعت عيناها بدهشة للحظة وهي تنتبه لنبرة صوته المتهدجة...
ثم توجهت ببصرها لكفه الذي يحتضن كفها بقوة...
ما باله جسار؟!!!
لماذا تشعر أنه تغير معها؟!!!
لا...ليس الأمر مجرد شفقة...
شئ ما في نظرة عينيه قد تغير...
شئ ما يتواري خلف ستار حنانه المعهود...
شئ يشبه ال....!!!!

عادت تهز رأسها وهي تؤنب نفسها بقوة...
حمقاء يا آسيا...
حمقاء كعادتك!!!
جسار لن يراكِ سوي مجرد واجب ثقيل...
وبقاؤكِ هنا لن يزيد عن كونه صنيع معروف...
بل...من يدري...؟!!!
ربما عندما تتعافين من مرضك وينتبه أنكِ قد دخلتِ غرفة سمية يعود لسابق عهده من القسوة معك...

قطعت أفكارها عندما سمعت صوت طرقات خافتة علي الباب...
بعدها دخل العم كساب مبتسماً يقول لها بأبوته الصادقة:
_إذن فقد أفاقت الغالية......حمداً لله علي سلامتكِ يا ابنتي.

ابتسمت آسيا في خجل وهي تحاول سحب كفها من كف جسار حياءً من عمه...
لكنه تشبث به وهو يومئ لها برأسه في إشارة موحية...
نظرت إليه في حيرة وهي عاجزة عن الفهم...
بينما نقل العم كساب بصره بينهما في رضا...
وهو يشعر بشرارات جديدة من المشاعر بينهما...
ثم قال لآسيا بمرح:
_لقد كتب لكِ عمر جديد كما قال الطبيب...استغليه إذن في بداية جديدة...وكفاكِ خوفاً وحزناً..

التفتت إليه آسيا تتفكر في كلماته...
إنها تشعر فعلاً أنها قد كتب لها عمر جديد...
شئ ما بنفسها قد تغير فجأة ولا تدري ما السبب...
لم تعد تشعر بنفس الحزن والألم الذي كان يخنق روحها قبل سقوطها تحت سطوة مرضها هذا...
بل -للعجب-تشعر برغبة هائلة في الحياة...
في المواجهة...
في الدفاع عن حقوقها ضد ظلم أي أحد...!!!!!

ما الذي غيرها هكذا؟!!!
❤26👍1
لا تدري...
هل هو شعورها بأنها كان من الممكن أن تموت وأن الحياة أهدتها فرصة أخري لتغير مسارها...؟!!!
أم أنها ملت من طول ضعفها وانكسارها أمام صفعات القدر...؟!!!
أم هو إحساسها -الجديد-بالأمان مع جسار...
جسار الذي تشعر أنه سيكون سندها حقاً في كل معاركها القادمة؟!!!
أم هو قلبها الذي عاد ينبض بحب جديد يختلف تماماً عن حبها القديم لياسين...
حب يستحق أن تقوم من عثرتها لتدافع عنه؟!!!!

لا تعرف...
هي حقاً لا تعرف...
لكنها موقنة فقط من أنها تغيرت...
ستكون (آسيا) جديدة أقوي كثيراً مما كانت...!!!!

لهذا ابتسمت ابتسامة جديدة عليها...
مزجت قوتها برقتها وهي تهمس بصلابة:
_معك حق يا عمي.
ثم التفتت لجسار لتهمس بنفس النبرة:
_يبدو أن فرسك الذي أرهقك ترويض ضعفها ستبدأ في الاستجابة ....
================================================================
وقف قاسم النجدي أمام صور أبنائه يتأملها بحزن قصم ظهره...
لقد تقطعت خيوط العائلة وانفلت الزمام من يده...
لم يعد يستطيع السيطرة علي الأمور التي خرجت من يده....
آسيا التي هربت بفعلتها ومن يدري ما الذي فعله بها جسار القاصم...
جوري التي آذاها عمار الذي اختاره لها بنفسه فكان بئس الاختيار...
وأخيراً ساري التي كادت تضيع وينتهك شرفها بسبب عبث حذيفة...!!!

لقد ظن أنه يمنحهن السعادة والأمان جوار أبناء عمومتهن...
لكنه الآن يشعر أنه -ربما-كان مخطئاً!!!
وشعوره بالذنب يتخلل أعماقه رغماً عنه!!!
ولعل هذا ما دفعه لإعادة حمزة من غربته...
ليفصل في شأن آسيا...
لو كان قد عالج الأمر بعقليته القديمة فربما كان ذهب إلي جسار هذا بقوة من عائلته وأشعلها حرباً جديدة بين العائلتين...
لكنه أمسك لجام غضبه هذه المرة خوفاً علي آسيا....
لعل حمزة يتمكن بفكره -المختلف-من حل الأمر بصورة أخري تضمن سلامتها...

قطعت أفكاره عندما سمع طرقات خافتة علي باب غرفته..
فتح الباب ليبدو وجه راجية تقول له بخفوت:
_لقد عاد حذيفة من المشفي...هو الآن بغرفته...

أومأ برأسه إيجاباً...
ثم ذهب إلي غرفة حذيفة بخطوات بطيئة...
جلس علي كرسيه أمام فراشه...
فرمقه حذيفة بنظرات مترقبة...
قبل أن يقول بألم:
_صدقني يا جدي أنا نادم حقاً علي كل الماضي...أنا تغيرت...ساري جعلتني أتغير...أنا أعرف أنها كادت تضيع بسببي...لكنني...

قاطعه قاسم بإشارة من كفه وهو يتفحص ملامحه بدقة...
هو يعرف أحفاده جيداً...
يحفظ تعابير وجوههم كخطوط كفه...
وهذا الرجل أمامه ليس كاذباً ولا مدّعياً...
بل إنه صادق!!!
نعم...حذيفة نادم حقاً...
بل إنه يكاد يقسم أنه تغير...
يبدو أنه كان يحتاج ل"قرصة أذنٍ" كهذه كي يفيق من غفلته....
كي يدرك قيمة جوهرة ك"ساري" لن يجد مثلها كثيراً...
لهذا سيمنحه فرصة جديدة معها...
هذا الألم الممزوج بندمه في عينيه يستحق أن يمنحه محاولة جديدة!!!!

طرقات رقيقة علي الباب جعلته يلتفت...
ثم يقول بصوته المسيطر والذي شابه الآن مسحة من حنان:
_تعالي يا ساري.

التفت حذيفة نحوها وهو يكاد يقوم من مكانه ليضمها لصدره...
فلا يسمح لها بالإفلات أبداً...
لو يعوضها بكل ما تطلب وما لا تطلب عن قسوة اللحظات التي عاشتها بسببه...
لو يظل يصرخ باعتذاراته وتوسلاته أن تسامحه...
لو يقسم لها بأغلظ الأيمان أنه تغير...
فقط لأجلها...
نعم...هي صنعت المعجزة...
هي جلت الصدأ عن معدنه...
وغسلت الوحل عن قلبه...
ليولد في حبها من جديد...
طاهراً نقياً كما يليق بها!!!

لكنها حتي لم تنظر إليه وهي تتوجه نحو جدها فتقبل يده كما العادة...
ثم تقول بحسم :
_أرجوك يا جدي...لي لديك مسألةٌ فلا تردني.
أومأ قاسم برأسه وهو يتأمل ملامحها بترقب...
فأخذت نفساً عميقاً ثم قالت بصلابة تدعيها ببراعة كعادتها:
_لا أريد هذه الزيجة....هذا رجل لا أئتمنه علي نفسي.

أغمض حذيفة عينيه بألم وعبارتها تخترق صدره كطلقة غادرة....
لن يكترث لجرحها لكرامته بهذه العبارة...
لكن ماذا عساه يفعل بقلبه الذي تفتت من قسوتها...؟!!!
لا تأتمنه علي نفسها؟!!!!
هل هذا حقاً ما تشعر به؟!!!!
لكن لماذا يتعجب وهي التي طالما أشعرته بهذا...
ساري تحبه لكنها لا تحترمه...
هو هينٌ في عينيها...
تراه مجرد رجل ضعيف...
هذه ليست أول إهاناتها...
لكنه سيجعلها الأخيرة!!!

أفاق من بركان أفكاره علي صوت قاسم النجدي الذي قال بجفاء:
_ماذا تعنين بهذا؟!!! ألم يكن هذا اختيارك؟!!! أنتِ الوحيدة التي منحتها حق الاختيار والآن تتراجعين ؟!!!

ضغطت علي شفتيها تقاوم رغبتها العارمة في البكاء ...
لا تصدق أنها هي تقف الآن في وجه النجدي الكبير تعارضه في زواجها من حذيفة...
حب قلبها الذي لن يعرف قبله ولا بعده...
لكن ما حيلتها...
لقد نفد صبرها كله...
لم تعد تحتمل زلاته وخطايا ماضيه....
لقد امتلأ الكأس عن آخره حتي فاض ليغرق روحها بطوفانٍ من الألم...
لهذا عادت تقول بتماسك مصطنع:
_أخطأتُ الاختيار يا جدي...كدتُ أضيع بسببه...فهل ترضاها لي؟!!
❤22👍1
كان حذيفة لازال مغمضاً عينيه وكلماتها تجلده جلداً...
هل هذه التي كانت تقول أنها تراهن نفسها عليه وستربح رهانها؟!!!
هل هذه التي كانت تزعم أنها أحبته قبل أن تعرف حتي ما هو الحب؟!!!
هل هذه التي كانت تقول أنها أبداً ستكون له وليس لأي رجل آخر؟!!!
هل هذه حقاً ساري؟!!!!!

وصله صوت جده يهتف بحدة:
_انزعي من رأسكِ هذا الكلام الفارغ...حذيفة تغير...لن نجلده بخطايا ماضيه طوال عمره...هو يستحق فرصة أخيرة...

انتحبت ساري بقوة وهي تهتف برجاء:
_لا أريده يا جدي...أرجوك لا تجبرني...
قام النجدي الكبير من مكانه ليهتف بسخط:
_أنا الذي كنت أظنكِ أكثر أخواتكِ عقلاً...ماذا جري لكنّ يا بنات فريدة؟!!!

_ساري محقة يا جدي!
هتف بها حذيفة بصوته المنهك...
فالتفت إليه قاسم النجدي بغضب...فيما أطرقت ساري برأسها تخفي دموعها....
لكن حذيفة نظر إليها ثم قال بحزم :
_أنتِ طالق يا ساري!!

أغمضت عينيها بقوة لا تصدق أنه نطقها هكذا ببساطة....
لكن...ألم تكن هذه رغبتها؟!!!
ألم يكن هذا قرارها؟!!!
حسناً...هي ليست نادمة...
طالما استمعت لصوت قلبها معه فخذلها...
والآن حان الوقت لتستمع لصوت عقلها...
لعله لا يخذلها هو الآخر!!!!

بينما كان قاسم النجدي جوارها ينتفض غضباً وهو يهتف بحدة :
_هل تتحداني يا ولد؟!!! كيف تطلقها دون أن ترجع إليّ؟!!!! هل جننت؟!!!

أطرق حذيفة برأسه وهو يقول بصوت ذبيح:
_حاشا لله يا جدي...لكنها حياتي أنا...وأنا أيضاً لم أعد...أريدها!!
تهدج صوته في كلمته الأخيرة وكأنه ينطقها خارج سلطان قلبه...
وقد كان هذا صحيحاً...
الآن هو يسبح ضد تيار قلبه الذي يعشقها...
وعقله الذي لم يتمنَ امرأة كما تمناها...
لكنه يفعلها ليس فقط لأجل كبريائه الذي طالما حذرها من أن تخدشه....
ولكن لأجلها هي أيضاً...
هي التي لا تستحق أن تعيش تجربة أخري كالتي عاشتها معه...
تقول أنها لم تعد تأتمنه علي نفسها...
والواقع أنها لم يعد يأتمن نفسه عليها أيضاً...!!!

هتف قاسم بوعيد صارم وهو يلوح بسبابته في وجهه:
_لم يجرؤ أحد قبلك علي مخالفة أمري علانية كما فعلت أنت...لهذا سيكون عقابك صارماً...عندما تستعيد عافيتك ستخرج من هذا البيت مع شقيقك البائس ولن تعود إليه أبداً ما دمتُ أنا علي قيد الحياة...وسأحرمك من كل قرش من مالي....ستبدأ من الصفر....هل تفهم؟!!!

قالها ثم أزاح ساري من طريقه بعنف...
فنظرت إلي ظهره المنصرف بذهول...
حذيفة تحدي قاسم النجدي علانية لأول مرة في تاريخ العائلة...
وخسر كل ما امتلكه يوماً...
قاسم النجدي سيطرده من بيته وتجارته...
حذيفة سيفقد كل شئ!!!

التفتت نحو وجهه الذي كان مطرقاً لتهمس بصدمة:
_لماذا فعلت هذا؟!
رفع وجهه لسقف الغرفة للحظات...
ثم قال ببرود يخفي جرحه:
_لقد حررتكِ من لعنة عمركِ كما كنتِ تقولين عني...الآن أرضيتُ كبرياءكِ وكبريائي معاً...غداً أغادر هذا المنزل للأبد ...
ثم التفت إليها ليقول بصوت خانه ليخرج مهزوزاً متألماً:
_غداً تصلكِ ورقة طلاقكِ يا ابنة عمي!!
======================================
كانت جالسة علي فراشها تعقد ساعديها علي صدرها وهي تشعر بالاستسلام...
لكنه ليس استسلام ضعف...
بل استسلام من علم أنه لا مفر من المواجهة ليسترد حقه المسلوب....
فإما عاد به ...وإما هلك دونه!!!!
فتح الباب فابتسمت برقة عندما تقدم نحوها ليشبك أنامله بأناملها كعادته مؤخراً قبل أن يقبل جبينها هامساً بحنان طاغٍ:
_كيف حالكِ الآن؟!!!

أسبلت جفنيها في حياء واضح وهي تومئ برأسها في إشارة مقتضبة....
فابتسم وهو يتناول صينية الطعام الموضوعة جوارها علي المائدة ليسألها برفق:
_لماذا لم تتناولي طعامكِ حتي الآن؟!!

مطت شفتيها بدلال لا تتكلفه وهي تهمس برقتها الفطرية:
_لا شهية لديّ يا جسار...أرجوك.
رمقها بنظرة عاتبة وهو يهمّ بإطعامها بنفسه....
لكنها أمسكت كفه تمنعه وهي تقول بقوة غريبة علي طبعها:

_لا يا جسار...من الآن فصاعداً أريد الاعتماد علي نفسي في كل شئ...سأكون قوية بما يكفي لتدبر أموري كلها...
ارتفع حاجباه في دهشة للحظة من التغير الذي استشعر أنه قد طرأ عليها...
لتمتزج بعدها بإعجابه الواضح في عينيه ....
ثم رفع كفها الممسك بكفه يقبله هامساً بإعجاب:
_رغم سعادتي بما تقولين....لكن اعتمادك علي نفسك شئ...وتدليلي لكِ شئٌ آخر...

ارتعش جسدها كله بتأثير قبلته لتحمر وجنتاها بشكل زادها فتنة...
أطرقت برأسها وهي تشعر باضطراب لذيذ...
فاتسعت ابتسامته وهو يقول لها بمرح لم يعرفه منذ زمن طويل:
_هيا تناولي طعامكِ بنفسكِ كما زعمتِ وإلا سأكرر عرضي السخي بإطعامك...

بدأت في تناول طعامها بخجل تحت نظراته التي كانت تحتضن ملامحها كلها...
لا يدري متي ولا كيف تعلق بها كل هذا القدر...
ولا يعرف مسمي لشعوره هذا نحوها...
لكن ما هو واثق به تماماً أنه كاد يجن عندما أحس أنه قد يفقدها...
وقد عادت إليه روحه حقاً عندما بدأت تستعيد عافيتها...
❤23👍1
أنهت طعامها لتتناول دواءها بنفسها ...
ثم غمغمت بشرود:
_مللتُ دور المريضة هذا....اشتقت لممارسة الطب...
ضغط علي كفها بين راحتيه وهو يقول بحزم:
_عندما تنتهي هذه الأزمة وأطمئن عليكِ ....أعدكِ أن أكون معكِ علي هذا الطريق حتي تحققي حلمكِ كاملاً...
ابتسمت في امتنان ...
فاقترب بوجهه من وجهها يهمس بثقة :
_آسيا الطبيبة ستكون أشهر من نارٍ علي علم...
هزت رأسها وهي تسأله بشك يختلط بالرجاء:
_هل تظن هذا حقاً؟!!!

ربت علي رأسها بحنان ثم نظر لعينيها هامساً بيقين:
_ومن أكثر قدرة علي مداواة الألم ممن عاشه ؟!!!لقد تعذبتِ كثيراً يا صغيرتي...لكن لعل هذا يصقل قلبكِ أكثر ليجعلكِ أكثر رحمة ...

أومأت برأسها إيجاباً ولازالت تحتجز عينيه بنظرات امتنانها....
ثم شردت ببصرها لتهمس بعاطفة:
_افتقدت ياسين!

عقد حاجبيه بغضب وقد تشنجت عضلة فكه...
ألازالت تفكر فيه...؟!!!
وكيف تجرؤ علي قولها هكذا ببساطة أمامه دون اعتبار لأنه الآن زوجها؟!!!
حتي لو كان زواجاً علي الورق...
لكن يحق له أن تحترمه علي الأقل...

التفتت إليه من شرودها ليروعها الغضب البادي علي وجهه...
فهتفت بجزع:
_ما الأمر يا جسار؟!!! ياسين بخير؟!!! أنا لم أرهُ منذ أفقت من مرضي...

اتسعت عيناه في إدراك للحظة وهو يشعر ببعض الحرج...
لقد كانت تقصد ياسين الصغير وليس ابن عمها هذا...
يالله!!!!
ألم تجد الحياة لابن عمها هذا سوي اسم كاسم ابنه...؟!!!
فيجد نفسه في كل مرة تنطق به يحترق غيرة ...
غيرة؟!!!
هل اعترف أخيراً أنها كذلك؟!!!

قطعت أفكاره عندما نفضت غطاءها لتقوم واقفة وهي تهتف بقلق:
_سأذهب لأطمئن عليه بنفسي.
التفت إليها من شروده ليجدها تضع كفها علي رأسها وهي تترنح مكانها...
فقام بدوره ليضمها إليه قائلاً بحنان:
_لا تخافي يا صغيرتي ..ياسين بخير...
رفعت رأسها إليه في تشكك وهي تهمس برجاء:
_حقاً؟!!!لماذا إذن كنت غاضباً هكذا عندما سألتك عنه؟!!

ضم رأسها إلي صدره ليهمس جوار أذنها:
_كفاكِ قلقاً يا صغيرتي...أما اكتفيتِ من الترقب والخوف؟!!!
دفنت وجهها في صدره للحظات تتنعم بهذا الحنان الذي افتقدته منذ زمن بعيد...
هذا رجلٌ حضنه يحتكر حنان العالم وأمانه معاً...!!!
رفعت رأسها إليه وهي تهمس بصوتها العذب:
_لا تتصور كيف أشعر بالأمان عندما تدعوني "صغيرتي " هكذا...لم ينادِني بها أحد طوال عمري...أبي توفي وأنا صغيرة...وجدي كان يعتقد دوماً أن التدليل سيفسدنا...

خفق قلبه بقوة وهو يشعر بها الآن شعوراً مختلفاً...
بعيداً عن كونها أنثي فاتنة...أو امرأة حنون...
نعم...الآن يراها مجرد طفلة يتيمة فقدت الحنان عمرها كله...
وتشتاقه أرضها الظمأي إليه كي تنبت زروع الأمل بروحها من جديد...
ما أحوجها إليه...
وما أحوجه إليها!!!!
قبل جبينها بعمق ثم همس أمام عينيها:
_من الآن فصاعداً لن أدعوكِ إلا هكذا!!

اتسعت ابتسامتها مع حمرة خفيفة كست وجنتيها وهي تشعر أنها لم تكن يوماً أقرب إليه من الآن...
ليس فقط لجسدها الذي يختبئ بين ذراعيه...
ولكن لقلبها الذي تشعر أنه الآن يجاور قلبه...
شعور فريد بأنها صارت تحمل مكاناً خاصاً لديه...
رفعت عينيها إلي عينيه اللتين طوقتا ملامحها بحنان ثم همست بشرود:
_من كان يقول أن جسار القاصم الذي عشت عمري كله أخشي مجرد اسمه...سيكون يوماً هو أمان دنياي كلها؟!!

ارتفع حاجباه في تأثر للحظة...
ثم ضمها إليه أكثر وهو يربت علي ظهرها قائلاً :
_لا تخافي يا صغيرتي...جسار سيكون دوماً معك...حتي تصلي لبر الأمان...هذا هو وعدي لكِ!

====================================================================
_غداً تصلكِ ورقة طلاقكِ يا ابنة عمي!!

ظلت عبارته تدوي في أذنها وهي جالسة في غرفتها التي لا تدري كيف حملتها قدماها إليها...
لقد انتهي الأمر هكذا بسرعة لم تتخيلها...
الآن لم يعد حذيفة لها...
ولم تعد له!!!
لقد منحها حريتها من سجنه ....
لكنه دفع ثمن هذا غالياً!!!

هزت رأسها بصدمة وهي تسترجع كل ذكرياتها معه...
دميته الحبيبة...ولعبه معها صغاراً علي السطح...
لقطات سريعة من تاريخ طفولتهما المشترك...
كيف كان دوماً يغضبها ثم لا يقوي علي خصامها فيعود ويسترضيها...
كيف كبر وكبرت معه معاناتها بسببه...
ليبتعد عن الصورة التي رسمتها له...
ثم يعود ليقتحم حياتها بقناع جديد من سيطرته وقسوته...
حتي شعرت أنه حقاً تغير...
ابتسمت وسط دموعها وهي تتذكر تصريحه لها بحبه أول مرة...
قبلاته التي زرعت الورد علي بشرة وجهها وهو يبثها عاطفته...
كلمة "حبيبتي" التي كانت تذيب روحها عندما ينطقها...
ثوبه الوردي...
وحديثه الطويل معها في تلك الليلة في ذاك المطعم علي ضوء الشموع...
ضمته الحنون لها وهي تجلس جواره علي الأرجوحة....
وأخيراً جملته القاتلة التي جعلها القدر آخر جملة لهما قبل ذلك الحادث في تلك الليلة...
عندما ضمها إليه بقوة حتي تأوهت ثم قال:
_هذا لتعلمي أن الحضن وطن...لكنه يؤلمنا لو ضغط علينا أكثر!!
❤23👍1
هل ضغطت عليه هي؟!!!
أم أن الظروف هي التي ضغطت عليهما معاً؟!!!!
هل ظلمته وجرحت كبرياءه كما يدعي؟!!!
أم أنها ذبحت نفسها قبل أن تذبحه؟!!!

اقتربت منها فريدة ببطء ثم وضعت كفها علي كتفها...
فارتمت في حضنها وهي تجهش بالبكاء...
ضمتها فريدة بحنان ...
ثم ربتت علي ظهرها وهي تهمس في عجز:
_تسرعتِ يا ساري هذه المرة...لم يكن هذا ظني في عقلك...

زاد نحيبها بين ذراعيها وهي تهتف بصوتها الباكي:
_لا تعاتبيني يا أمي أرجوكِ...كفاني ما أنا فيه!!!

تنهدت فريدة في حرارة وهي تشعر بجروح قلبها تزداد يوماً بعد يوم...
آسيا التي لا تعرف حتي الآن ماذا سيكون مصيرها...
تكاد ترجوهم أن يعيدوها لحضنها بأي طريقة...
لكن ما يطمئنها -نوعاً-أن حمزة بعقله الكبير سينقذ الوضع دون عنف!!!
وجويرية التي طلقها عمار حسب أوامر النجدي الكبير...
والآن ساري التي سعت لطلاقها بنفسها لتحدث هذه الفتنة في العائلة...
ويقف حذيفة في وجه قاسم النجدي هكذا علانية دون خوف!!!!

شعرت بقلبها يكاد يتمزق من هول ما يحمله من هموم...
فرفعت رأسها إلي السماء وهي تهمس بخشوع كعادتها:
_بناتي يا رب!!!
================================================================

خرجت جويرية من الشرفة في شقة جدها حيث كانت واقفة مع حمزة....
لتلتقي عيناها بعيني عمار المشتعلتين بغضب....
ازدردت ريقها ببطء فاقترب منها هامساً بصوت جمدها رعباً:
_الحقي بي في شقتنا حالاً ...

أومأت برأسها إيجاباً فرمقها بنظرة حادة قبل أن يغادر شقة جده متجهاً لشقتهما...
تلفتت حولها في حذر تطمئن أن لا أحد يراها ثم تبعته إلي شقتهما حيث فتح لها الباب ليسحبها من ذراعها بقوة هاتفاً بسخط:
_ماذا كنتِ تفعلين مع حمزة في الشرفة؟!!!

تأوهت بضعف ثم اقتربت منه لتضع كفها علي صدره هامسة بخوف:
_أرجوك يا عمار اهدأ...أنت تكاد تقتلني رعباً عندما تحدثني هكذا...
ضم قبضته بقوة محاولاً تمالك غضبه وهو يرفع رأسه لأعلي للحظات...
ثم عاد ينظر لوجهها الذي اصطبغ بخوفها فزفر بقوة ...
ليضمها بعدها لصدره قائلاً بغضب مكتوم:
_اتكلمي.

ابتسمت رغم خوفها وهي تثبت عينيها في عينيه هامسة برقة:
_هكذا دوماً أجد أماني في حضنك يا عمار...مهما كنت غاضباً مني فلن تؤذيني مادمت بين ذراعيك...
ذاب غضبه كله بلحظة وهو يشعر بعينيها حبيبتيه تروضان كل وحوش غلظته...
فألصق وجنته بوجنتها وهو يهمس بصدق:
_حتي لو لم تكوني بين ذراعيّ يا جوريتي...لا تظني أني قد أؤذيكِ يوماً...

مدت أناملها تداعب خصلات شعره من الخلف لتلصق وجهه بوجهها أكثر ....
ثم همست بحب:
_أحبك عندما تدعوني "جوريتي"....أشعر ساعتها أنني لك ...ملكك...وكم أحب أن أكون ملكك...
أغمض عينيه بقوة وهو يبتعد بوجهه عنها يحاول السيطرة علي مشاعره في هذه اللحظة...
فتطاولت علي أطراف أصابعها لتطبع قبلة علي وجنته...
لكنه تراجع برأسه ثم وضع سبابته علي شفتيها هامساً بحزم:
_أخبريني أولاً ماذا كنتِ تفعلين مع حمزة؟!!!

عضت علي شفتيها بارتباك ثم همست بتوتر:
_كنت أريد أن أعرف ماذا سيفعل بشأن آسيا.....كما أنني كنت أطلب منه أن يحدث جدي بشأننا...
عقد حاجبيه بغضب فأردفت باضطراب:
_لقد تأزمت الأمور كثيراً بعد أمر حذيفة وساري...جدي لم يحتمل صدمة أن يعارضه حذيفة...ظل يردد أن أحفاده يظنونه قد هرم ولم يعودوا طوع أمره حتي ارتفع ضغط دمه وسقط مغشياً عليه....لن يستطيع أحد أن يعارضه بعد ذلك خوفاً علي صحته...لهذا ذهبت إلي حمزة...أنا أعلم أن جدي يحمل له معزة خاصة وطلبت منه أن يتحدث معه بشأننا ....

هتف في وجهها بحدة:
_ماذا؟!!!هل فعلتِ هذا حقاً؟!!! هل عدمتِ زوجاً يدافع عنكِ حتي تذهبي لغيره كي يحل لك مشكلتك؟!!!

ارتجف جسدها بين ذراعيه وهي تهمس بندم:
_لم أفكر في الأمر هكذا صدقني...لقد أردت فقط أن تمر الأمور بسلام دون مشاكل...العائلة لا تحتمل المزيد من الأحزان...
أشاح بوجهه في غضب ...
فدفنت وجهها في صدره وهي تهمس بألم:
_سامحني يا عمار...أنا لم أقصد التقليل من شأنك...لكنني لا أريد أن يعاقبك جدي كحذيفة ويحرمك من كل شئ...
رفع ذقنها إليه ليقول بانفعال:
_لا أريد شيئاً إلا أنتِ...لا تعنيني كل أموال النجدي...
أومأت برأسها وهي تهمس بحزن:
_وأنا أيضاً...لكن المسألة لم تعد أموالاً فحسب...إنها صحة جدي أيضاً...لن أسامح نفسي لو كنت سبباً في أن يمسه سوء.

أطرق برأسه وقد هزمه منطقها...
ثم رفعه ليقول لها بيأس:
_جدي طلب مني توثيق الطلاق غداً مع حذيفة...
شهقت بعنف وهي تضع كفها علي شفتيها...
فربت علي وجنتها قائلاً برفق:
_لا تخافي...سأسافر غداً باكراً كي أتهرب من أمر توثيق الطلاق هذا ....سأدعي أنه سفر طارئ لأجل العمل...شهر علي الأكثر...وأعود بعدها لأفاتح جدي في الأمر بعدما يكون قد هدأ غضبه نوعاً...
أغمضت عينيها بألم وهي تهمس:
_شهر يا عمار؟!!! شهر بأكمله بدونك؟!!!

ضمها إليه بقوة وهو يدفن وجهه في تجويف رقبتها هامساً:
_لا تزيدي عذابي يا جوري...أنتِ تعلمين أنه لن يكون يسيراً عليّ.
❤25👍1
دمعت عيناها وهي تضمه بكلي ذراعيها...
إنها الآن تدفع ثمن غبائها وتعنتها...
لو لم تكن أقدمت علي فعلتها الشنيعة بالهرب ما كان كل هذا حدث...
لكن من كان يخبرها وقتها أن عمار،سيكون يوماً هو نبض قلبها وحياته؟!!!!

أبعدها عنه أخيراً ليرفع وجهها إليه فيصدمه منظر الدموع في عينيها...
تنهد في حرارة ثم أحاط وجهها بكفيه ليقبل عينيها هامساً:
_لا تبكي يا جوري.....سأهاتفكِ كل يوم ...بل كل ساعة...لن أجعلكِ تشعري بغيابي أبداً...لكن لا تبكي...
أومأت برأسها إيجاباً وهي تحاول كتم دموعها...
فوضع سبابته علي شفتيها هامساً بسيطرة رجولية:
_والآن موعد هديتك المؤجلة!!

ابتسمت في خجل ثم تطاولت علي أطراف أصابعها من جديد لتقبل وجنته بعمق...
فضمها إليه أكثر ليرد لها هديتها أضعافاً مضاعفة....
================================================================
_ماذا تقول يا رياض؟!!!
هتفت بها صفية في سخط عندما علمت عن طلب حمزة الغريب لخطبة مارية....
لقد كانت تهيئ نفسها لأن تكون زوجة ابنها...
بل إنها بالفعل كانت تعتبرها كذلك!!!!
ولعل هذا أكثر ما كان يصبرها علي فراق العزيز زياد...
والآن تشعر أن كل آمالها قد ذهبت أدراج الرياح!!!!

قام رياض من علي كرسيه ليربت علي كتفها قائلاً بتعقل:
_مارية لم توافق بعد...صحيح أنني شعرت بميلها نحو حمزة هذا...لكنني لم أمنحه كلمة أخيرة...
تشبثت بكفه علي كتفها وهي تقول برجاء:
_لا تفعلها يا رياض...لن نجد عروساً لزياد أفضل من مارية...المسكين سافر بعد صدمته في تلك الفتاة التي كان يريد الهرب معها دون علم أهلها...ومن يدري ما الذي حدث بينهما كي تورثه كل هذا الحزن...زياد يستحق أن يفرح ونفرح معه....

عاد رياض يربت علي كتفها وهو يقول باستسلام:
_الكلمة الآن لمارية...ليس في أيدينا شئ...سأنام الآن حتي لا أتأخر علي عملي صباحاً...

قالها ثم توجه نحو فراشهما لينام تاركاً إياها غارقة في قلقها وشرودها....
وخارج غرفتهما استمعت مروة مصادفة لحديثهما....
فابتسمت بعبثها المعتاد...
ثم اندفعت كالصاروخ نحو مارية في غرفتهما تحتضنها قائلة بمرح صاخب:
_خاطبان في يوم واحد يا ست الحسن والجمال!!!! من حمزة هذا الذي يشاغلكِ أيتها الشقراء؟!!!

قرصتها مارية في وجنتها ثم قالت بخجل لتصرفها عن الحديث عن حمزة:
_من هذا الخاطب الثاني؟!!!
هزت مروة رأسها بمرح لتقول بنبرة ممطوطة كمن يقول سراً خطيراً:
_الخاطب الثاني منتدبٌ في بعثة الآن....يقولون أنه ابن عمك!!

شهقت مارية بعنف وهي تضع كفها علي شفتيها هاتفة بالانجليزية:
_أه!! يا إلهي!! زياد يريد الزواج مني؟!!!!

ضحكت مروة بمرح وهي تصفق بكفيها في جذل لتقول:
_أحبكِ عندما تنفعلين فتعودين لأصلكِ أيتها الأجنبية!!!

خبطتها مارية علي كتفها ثم قالت بعتاب حقيقي:
_هذه الأشياء ليست للمزاح يا مروة...من أين جئتِ بحديثكِ هذا عن رغبة زياد في الزواج مني؟!!!
هزت مروة كتفيها ثم حكت لها تفاصيل ما دار بين رياض وصفية منذ قليل...
فزفرت مارية في ضيق وهي تقول لها بأسي:
_لم أكن أريد أن يسبب حبي لحمزة ضيقاً لأي أحد!!!

التمعت عينا مروة وهي تسألها بخبث:
_حبكِ لحمزة؟!!! ...ها قد اعترفتِ بالسر الذي كان يؤرقك طيلة هذه الأيام يا شقراء!!!

ابتسمت مارية رغماً عنها...
ثم احتضنت مروة وهي تتوجه معها نحو فراشهما...
لتروي لها قصتها مع حمزة منذ البداية...
لا تدري لماذا فعلتها...
لكنها كانت تحتاج لهذا الآن....
إنها تحتاج الآن لأن تسترجع كل ذكري لها مع حمزة ...
لعلها تهدئ من قلقها نحو الغد الذي لا تعرف -بعد-كيف سيكون...
قصة الثأر هذه تكاد تقتلها رعباً...
وابنة عمه المفقودة التي يريدون تزويجها له تميتها غيرة....
وبينهما يكاد قلبها -العاشق-يميتها اشتياقاً....
اشتياق لهذا الرجل الذي يتغلغل حبه داخل مسام روحها يوماً بعد يوم....
وساعة بعد ساعة...
خاصة بعدما اعترف لها الليلة بحبه...
لتشعر أنها فجأة قد صارت ملكة هذا الكون...
وكيف لا...
وحمزة النجدي نفسه قد جاءها بقدميه يطلب يدها مصرحاً بحبٍ طالما حلمت به!!!!!

وفي غرفتها كانت صفية تنظر لجسد رياض الذي انتظمت أنفاسه في شرود...
وهي تشعر بضيق حقيقي...
لقد أحبت مارية حقاً...
وتمنتها عروساً لابنها من كل قلبها...
والآن يختفي كل هذا في غمضة عين!!!

جاءها خاطر مفاجئ جعلها تقوم من مكانها لتخرج بعيداً عن رياض...
لا....لم ينتهِ الأمر بعد....
لازال الأوان سانحاً للتغيير....
تناولت هاتفها لتتصل برقم دوليّ هو كل شاغلها الآن...
حتي وصلها صوت زياد الحبيب يهتف بلهفة:
_كيف حالكِ يا أمي؟!!!

صبغت صوتها بنبرة منهكة تعرف جيداً تأثيرها علي ابنها الوحيد....
❤25👍1
ثم قالت بضعف مصطنع:
_مريضة للغاية يا زياد...عد في أول طائرة إلي هنا.!!!
===============================================================
طرق حمزة علي باب غرفة جده حتي سمع إذنه بالدخول....
توجه نحوه بسرعة ليجلس جواره علي طرف الفراش يرمقه بنظرات آسفة....
ثم تناول كفه مقبلاً له باحترام يمتزج بعاطفته....
عاطفة حارة حقيقية....
حمزة كان أكثر أحفاد النجدي حباً له...
ربما لأنه كان كذلك أكثر من فَهِمَه!!!!
ولهذا كان النجدي الكبير يكنّ له معزة خاصة....
وربما أيضاً لأنه قد حرم منه لسنوات طويلة...
هذا بالطبع بعيداً عن خوفه الدائم عليه بسبب قصة الثأر هذه!!!!

لهذا نظر إليه قاسم نظرة طويلة حملت النذر اليسير من الضعف الذي يشعر به الآن ثم قال ببطء:
_اصدقني القول يا حمزة...هل ضيعتُ أنا الأمانة؟!!

ربت حمزة علي كفه وهو يقول بحنانه المختلط بحزمه:
_أنت فعلتَ ما رأيتَه صواباً يا جدي...لكنك أغفلت جانباً هاماً...
قالها وهو يرمقه بنظرة استئذان وكأنه يخشي ما سيقوله بعدها...
فأومأ له قاسم برأسه في إشارة لأن يكمل حديثه...
فتنهد مردفاً:
_أغفلتَ الإرادة الحرة لكلٍ منا في أن يختار ويتحمل نتيجة اختياره...أنتَ أردتَ أن تمنحنا الأمان في كنف العائلة...أن تعطي لكل منا طوق النجاة الذي ينقذه من الغرق في هذه الحياة...لكن البعض نظر لطوق نجاته علي أنه حبل إعدامه...مجرد شعوره بالإجبار جعله كارهاً لحياته....لهذا حدث ما حدث...

أغمض قاسم عينيه بقوة فأردف حمزة بشرود:
_آسيا كرهت فرضي عليها كزوج فهربت كي تفر من أسرها...وجوري كرهت قيدها كذلك فسجنت،نفسها داخل فكرة واحدة...عمار الشبح المخيف...فكرة جعلتها تسئ إليه ويسئ إليها حتي انتهي بهما الأمر هكذا...وأخيراً ساري...ساري هي الأخري محبوسة في فكرة أنها مرغمةٌ علي الزواج من حذيفة...ورغم أنكم تقولون أنه تغير من أجلها...لكنها لازالت سجينة لفكرة مغروسة في عقلها ..أنه أبداً لن يتغير وأنه سيبقي سيئاً طوال عمره...لهذا لم تستطع تجاوز الأمر هذه المرة...اتخذتها ذريعة لتصدق أنه لا يليق بها وأنها ستضيع معه كي تهرب من فكرة أنها مجرد جارية تم تسليمها لسيدٍ فاسد...

فتح قاسم عينيه وهو يعيد التفكر في كلام حمزة الذي يشعر أنه مختلف...
رغم أنه لا يقتنع به تماماً...
لكن من يدري...
ربما كان حمزة مصيباً...
ربما يكون قد أخطأ عندما ربي أحفاده كما تربي هو...
ونسي أنهم خُلقوا لزمانٍ غير زمانه!!!

تنهد قاسم في حرارة وهو يقول بحسرة لم يعد يستطع إخفاءها:
_هل هرم جدك يا حمزة؟!!! هل صار عاجزاً عن حماية عائلته واتخاذ القرار الصحيح؟!!!

عاد حمزة يربت علي كفه وهو يقول بنفس الحنان الحازم:
_أبداً يا جدي...كل يوم يزيد في عمرك هو مكسب حقيقي لهذه العائلة...هذه العائلة التي أنت وتدها وسندها...لكنني فقط أرجوك أن ترخي اللجام قليلاً حول خيولك الجامحة...هل تفهمني يا جدي؟!!

أشاح قاسم بوجهه للحظات...
يتفكر في كلمات حمزة ...
ثم عاد يتوجه ببصره نحوه وقد عاد إليه حزمه مع سيطرة نبراته:
_ماذا ستفعل مع آسيا؟!!! لماذا تتلكأ في هذا الأمر؟!!! أريدها هنا اليوم قبل غد!

هز حمزة رأسه قائلاً بحيرة حقيقية:
_أنا لا أتلكأ يا جدي لكن حادث حذيفة وساري شغلنا جميعاً....ومع هذا أنا لا أريد المزيد من العنف والدماء...قلبي يخبرني أن الأمر لن يُحل بهذه الطريقة...لو كان جسار هذا يريد انتقاماً رخيصاً لكان واجهنا بعد فعلته معها ...ما الذي جعله يصبر طيلة هذه الشهور؟!!!

عقد قاسم حاجبيه بغضب ثم هتف بانفعال:
_كفاك هراءً!!!! أمامك يومان فقط لتصطحب أبناء عمومتك مع بعض الرجال الثقات لتذهب لذاك الوغد في مزرعته وتنتزعها من هناك....

نظر إليه حمزة نظرة طويلة...
ثم قال بهدوء:
_اسمح لي يا جدي...أنت وكلتني في التصرف في هذا الأمر كما أري...آسيا هي عرضي أنا لأنها كان من المفترض أن تكون زوجتي الآن...فدعني -بعد إذنك- أدير الأمر كما أري...

أشاح قاسم بوجهه في غضب...
فصمت حمزة محترماً لغضبته التي يقدر أسبابها...
ليلتفت إليه النجدي الكبير بعد دقائق صمت طويلة ...
ثم يقول بصرامة:
_افعل ما تراه...عساك تثبت لي أن ثقتي فيك كانت في محلها!!!!
==============================================================
وقفت آسيا في نافذة غرفة بدر ترقب الغروب بشرود...
حتي أنها لم تنتبه لدخوله الغرفة...
وضع كفيه علي كتفيها فالتفتت إليه بابتسامة ما عادت تفارق وجهها...
أحاط وجنتها براحته ثم قال بحنان:
_أدام الله لكِ هذه الابتسامة...
اتسعت ابتسامتها الخجول ثم همست بشرود:
_لا أدري سر شعوري بهذه القوة الغريبة التي تملؤني...أنا الآن علي استعداد لمواجهة الجميع ...
❤22👍1