راية الإصلاح ـ دار الفضيلة للنشر
2.93K subscribers
2.69K photos
806 videos
124 files
1.09K links
قناة دينية تعليمية تابعة لموقع راية الإصلاح ودار الفضيلة للنشر والتوزيع بالجزائر
للتواصل معنا : 92 99 06 (0559) (نقال - تيليجرام)
Download Telegram
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 فوائد من آية ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ﴾
💢 عمر الحاج مسعود
💢 منشور في العدد (36) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك:
رابط نسخة بدف:
👇👇👇
﴿ يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ﴾ [التوبة: 32].
في هذه الآية المباركة بيانٌ لعداوة الكفَّار ـ على تباين عقائدهم ـ للمسلمين، وسعيِهم الدَّائمِ لإطفاء نور الله، وصدِّهم عن سبيله، وفيها تأكيد أنَّ الله تعالى يأبى إلاَّ أن يتمَّ نورَه ويعليَ كلمته، وينصرَ أولياءَه ويخذلَ أعداءَه، ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾ [غافر: 51].
وفي هذه المقالة تفسيرٌ لهذه الآية وبيانٌ لأهمِّ فوائدها، وبالله التَّوفيق.

💢 تفسير المفردات: ================
🔹 ﴿يريدون﴾ الإرادة: المشيئة والقصد إلى الشَّيء، والضَّمير يرجع إلى اليهود والنَّصارى المذكورين قبل هذه الآية، ويدخل فيه جميعُ الكفَّار، فهم جميعًا يريدون إطفاء نور الله.
🔹 ﴿أن يطفئوا﴾ المصدر المسبوك من (أنْ) والفعل في محلِّ نصب، إي: إطفاءَ، والإطفاءُ: إخماد النُّور وإزالة الضَّوء بالنَّفخ أو إراقة الماء عليه، أو نحو ذلك، والمقصود هنا طعن الكافرين وافتراؤهم ومحاربتهم لنور الله.
🔹 ﴿نور الله﴾ النُّور الضَّوء، ونورُ الله القرآن والإسلام ودعوة محمد ﷺ، قال السُّدِّي: «يريدون أَنْ يُطْفِئُوا الإِسْلام بِكَلامهم»(1).
🔹 ﴿بأفواههم﴾ الأفواه جمع الفوه، وتقول هذا فوهه، لكن لما كان اجتماع الهاءين في الإضافة ثقيلاً، قالوا: هذا فوه وفو زيد.
🔹 ﴿ويأبى الله﴾ الإباء والإباية: أشدُّ الامتناع من الفعل، فهم يريدون ويسعون، والله يأبي ما يريدون، ويبطل ما يمكرون.
🔹 ﴿إلا أن يتم﴾ أتمَّ أكملَ، «﴿ويأبى الله﴾ أي لا يريد ﴿إلا أن يتم نوره ﴾ بإعلاء كلمته ونصرة دينِه، وإنَّما صحَّ الاستثناء المفرَّغ، ـ المفرَّغ: النَّاقص الَّذي لم يذكر فيه المستثنى ـ والفعل موجب لأنَّه في معنى النَّفي.
والتَّقدير ويأبى الله كلَّ شيء إلاَّ أن يتمَّ نوره، فـ «أبى» يضارع النَّفي، أي: لا يريد شيئًا من الأشياء إلاَّ إتمامَ نورِه(2).
والتَّمام: هو حصول جميع ما للشَّيء من كيفيَّة أو كمِّيَّة، فتمام النُّور: حصولُ أقوى شعاعه(3).
🔹 ﴿ولو﴾ حرف وصل يؤتى به لتقوية المعنى، ووصل الكلام بعضه ببعض، مثل قوله تعالى: ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى﴾ [الأنعام: 152].
🔹 ﴿كره﴾ ضدُّ أحبَّ، وجوابُ «لو» محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه، أي لا يريد الله إلاَّ إتمامَ نورِه، ولو كرَهِ الكافرون ذلك.
🔹 ﴿الكافرون﴾ الكافر لغةً: هو الَّذي يستر الشَّيء ويغطِّيه، ومنه سمِّي اللَّيلُ «كافرًا»؛ لأنَّه يستر الأشياء، والزَّارع كافرًا؛ لأنَّه يغطِّي الحبَّ في الأرض، كما قال تعالى: ﴿أعجب الكفار نباته﴾ [الحديد: 20](4).
وشرعًا: هو الَّذي يغطِّي ويستر بكفره الإيمان ونِعَم الله وعبادته.
و﴿الكافرون﴾ هم جميع الكافرين بالإسلام من المشركين وأهل الكتاب وغيرهم.
💢 فوائد الآية: ================
💢 إرادة أعداء الله من اليهود والنَّصارى وغيرهم إطفاء نور الله، واجتهادهم في محاربة الإسلام وإيقاف رحمته وعدله.
ولقد حاول اليهود ذلك في عهد النَّبيِّ ﷺ فأخرجهم من المدينة وفرض عليهم الجزية، يعطونها عن يدٍ وهم صاغرون، ثمَّ طردهم أمير المؤمنين عمر ـ رضي الله عنه ـ من جزيرة العرب فتفرَّقوا في الأرض شَذَرَ مَذَرَ.
وكذلك فعل النَّصارى في الحروب الصَّليبيَّة المعروفة، ويومَ دخلوا بيت المقدس ذبحوا (70) ألف مسلم في المسجد الأقصى.
والعجيب أنَّ الَّذي كان يحرِّض ملوك أوربا وشعوبَها على قتال المسلمين هم الباباوات.
فهذا البابا كاليكستيوس الثَّالث الَّذي ارتقى كرسيَّ البابويَّة وهو في العقد الثَّامن من عمره، لم يكن له همٌّ إلاَّ تحريض النَّصارى على إبادة المسلمين، ففي سنة 1456م بنى أسطولاً بحريًّا، فيه خمس وعشرون سفينة حربيَّة، ودعا ملوكَ النَّصارى للالتحاق به وشنِّ الغارَّات على بلاد الإسلام(5).
وفرض النَّصارى على مسلمي بلاد الأندلس حين سقوطها تركَ الإسلام، ومنعوهم استخدامَ اللُّغة والأسماء العربيَّة، ولُبسَ اللِّباس العربي الإسلامي، وكلُّ من يخالف يُعذَّب ويمزَّق ويقتَّل ويُحرَّق، وأنشأوا لذلك ما يسمى بـ «تداوين التَّفتيش».
ولا يخفى ما فعله الاستعمار الفرنسي الصَّليبي في هذا البلد الطَّيِّب الجزائر، وكذلك ما يُفعَل اليوم بالمسلمين في فلسطين والعراق وأفغانستان وبورما، وغيرها من البلدان، تقتيل وتدمير، وتخريب وتشريد.
فالكفَّار ـ على اختلاف نحلهم وتباين عقائدهم ـ اتَّفقوا على شيء واحد، وهو محاولة إطفاء نور الله عز وجل.
📌 ولهم في ذلك وسائل متنوِّعة وطرق كثيرة، منها:
ـ التَّبديل والتَّحريف والكذب على الله، كقول اليهود: «عزير ابن الله» وقول النصارى «المسيح ابن الله».
ـ الصَّدُّ عن سبيل الله و الطَّعن في دينه، قال عز وجل: ﴿ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ﴾ [النساء: 46].
ـ المقاتلة والمحاربة، قال عز وجل: ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ﴾ [البقرة: 217].
ـ إعانة المناوئين للإسلام والدُّخول تحت صفوفهم.
ـ نشر الأخبار والعقائد الباطلة الموجودة في كتبهم المحرَّفة.
ـ نشر البدع و بثُّ أسباب الفرقة بين المسلمين.
قال الأوزاعي ـ رحمه الله ـ: «أوَّل من نطق في القدر ـ أي نفي القدر ـ رجل من أهل العراق يقال له: سَوْسَن، كان نصرانيًّا فأسلم، ثمَّ تنصَّر فأخذ عنه مَعبَدٌ الجهني، وأخذ غَيلان عن مَعبَد»(6).
وقام عبد الله بن سبأ اليهودي يثير الفتنة، ويتحزَّب لعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وينادي بألوهيَّته وعصمته، فظهرت بسبب فتنته وإلحاده فرقة الشِّيعة.
لقد كان لليهود والنَّصارى أثرٌ بيِّن في ظهور بعض الفرق الضَّالَّة كالباطنيَّة والإسماعيليَّة وكان للاستعمار الصَّليبي دور خطير في نشر الخرافات وبناء القباب وتشييد المشاهد.
ـ إشاعة الفواحش ونشر الموبقات، وتشجيعها والمكافأة عليها، مثل السِّحر والكهانة، والرِّبا والزِّنا والغناء، والاختلاط والتَّبرُّج والعري.
ـ الاستيلاء على وسائل الإعلام المختلفة، واستغلالها بقوَّة لتحقيق مرادهم وإطفاء نور الله.
💢 محاولتهم إطفاءَ نور الله دائمة غير متوقِّفة ومستمرَّة غير منقطعة، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ﴾ [البقرة: 217]، ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]، ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33]، «أي يسعون في إبطال الإسلام، وذلك من أعظم الفساد»(7).
فالآية «تُشْعِرُ بِأَنَّ هَؤُلاءِ الْكَافِرِينَ الْكَارِهِينَ لَهُ سَيُحَاوِلُونَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِطْفَاءَ هَذَا النُّورِ، كَمَا حَاوَلُوا ذَلِكَ فِي عَصْرِ مَنْ أَتَمَّهُ وَأَكْمَلَهُ بِوَحيِه إِلَيْهِ وَبَيَانِه له»( 8 )، فلا يفترون ولا ييأسون.
💢 سمَّى الله دينه نورًا؛ لأنَّه يستنار به في ظلمات الشِّرك والجهل والباطل والبدع والفواحش، قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: 122]، فالحقُّ يُشَبَّه بالنَّور، والباطل بالظُّلمة.
و«الْمَعْنَى الْجَامِعُ بَيْنَ النُّورِ الْحِسِّيِّ وَالنُّورِ الْمَعْنَوِيِّ هُوَ أَنَّهُ الشَّيْءُ الظَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُظْهِرُ لِغَيْرِهِ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنَّ النُّورَ الْمَعْنَوِيَّ لِلْبَصِيرَةِ كَالنُّورِ الْحِسِّيِّ لِلْبَصَر»(9).
💢 أضاف الله ـ عز وجل ـ النُّور؛ إلى نفسه لأنَّه هو الَّذي أنزله وشرعه وأمر به، فهو إذًا الحقُّ والحكمة، والعدل والرَّحمة، ﴿ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾ [المائدة: 50].
💢 الإسلام واضحةٌ أدلَّتُه قاطعةٌ براهينُه مقنعة حُججُه، فهي كضوء الشَّمس ونور القمر، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا ﴾ [النساء: 174].
💢 تشبيه المعقول بالمحسوس، فيشبَّه محاولو إبطال دين الله بمريدي إطفاء النُّور، ويشبه الإرجاف والتَّكذيب بالنَّفخ، ومن الرَّشاقة أن آلة النَّفخ وآلة التَّكذيب واحدة وهي الأفواه(10).
💢 مثلُ هؤلاء الكافرين كمثل من يريد أن يطفئ شعاعَ الشَّمس أو نور القمر بفيه، وهذا مستحيل، فكذلك من يريد إطفاء نور الله.
💢 افتراء الكفَّار وطعنهم في دين الإسلام، لذا قال تعالى: ﴿بأفواههم﴾ أي بأقاويلهم الباطلة الخارجة عنها من غير أن يكون لها مصداق تنطبق عليه أو أصل تستند إليه، بل هي أشبه شيء بالمهملات(11).
💢 استحالة الوصول إلى مرادهم، فسعيهم في ذلك عبث يشبه فعل من يريد إطفاء نور عظيم ـ كنور الشَّمس ـ بفيه، فكما أنَّ هذا مستحيل، فكذلك ذلك مستحيل، فمرادهم باطل، وإتمام الله نورَه إبطال لمرادهم إطفاءَه، فهو «النور الباهر، الَّذي لا يمكن لجميع الخلق لو اجتمعوا على إطفائه أن يطفئوه، والَّذي أنزله جميعُ نواصي العباد بيده، وقد تكفَّل بحفظه من كلِّ من يريده بسوء»(12).
💢 الحقُّ يعلو ويظهر، فالله يريد إتمام نوره حالاً ومآلاً، وهم يريدون إطفاءَه، ولا يكون إلاَّ ما يريده الله، قال ـ عز وجل ـ: ﴿ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِين * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُون﴾ [الأنفال: 7 ـ 8].
قال الطَّبري (11/421): «﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره﴾ يَعْلُو دِينُهُ وَتَظْهَرُ كَلِمَتُه، وَيُتِمُّ الْحَقَّ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ، وَلَوْ كَرِهَ إِتْمَامَ الله إِيَّاهُ الْكَافِرُون، يعني جاحديه المكذّبين به».
💢 هناك فرق دقيق بين قوله تعالى في سورة الصَّفِّ: ﴿والله مُتِمُّ نوره﴾، وبين قوله في سورة التوبة: ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره﴾ فـ«الأَوَّلُ: يُفِيدُ أَنَّهُ مُتِمُّهُ بِالْفِعْلِ فِي الْحَال، وَالثَّانِي: وَعْدٌ بِأَنْ يُتِمَّهُ فِي الِاسْتِقْبَالِ، فَيَجْتَمِعُ مِنْهُمَا إِثْبَاتُ هَذَا الْإِتْمَامِ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، فَهُوَ النُّورُ التَّامُّ الْكَامِلُ الَّذِي لا يَنْطَفِئُ بِالْقِيلِ وَالْقَالِ، بَلْ يَبْقَى مُشْرِقًا إِلَى أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِهَذَا الْعَالَمِ بِالزَّوَال»(13).
💢 الإتمام أبلغ من البقاء، ففيه معنى الزِّيادة والانتشار، والعلو والقهر، ولذا لم يقل: (ويأبى الله إلا أن يُبقي نورَه)، بل قال: ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره﴾(14).
💢 أكَّد الله ـ عز وجل ـ هذا الإتمام بكونه لا يريد شيئًا من الأشياء إلاَّ إتمامَ نورِه، «ولَمَّا كَان هَذَا الْوَعْدُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ الْمَغِيبِ عَنْ عِلْمِ الْخَلْقِ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَرْتَابَ فِيهِ النَّاسُ، أَكَّدَهُ اللهُ تَعَالَى بِمَا لَمْ يُؤَكِّدْ بِهِ الْخَبَرَ الأَوَّل لأَنَّ صِدْقَهُ مُشَاهَدٌ لا يَحْتَاجُ إِلَى التَّأْكِيدِ، وَنَاهِيكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره﴾ أَيْ: إِنَّهُ لا يَرْضَى وَلا تَتَعَلَّقُ إِرَادَتُهُ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ إِلاَّ شَيْئًا وَاحِدًا، وَهُوَ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ فَلا يَجْعَلُ فِي قُدْرَةِ أَحَدٍ أَنْ يُطْفِئَهُ»(15).
💢 يكره الكفَّارُ ظهورَ نور الله، ويحسُدون ويُبغضون المسلمين، قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109]، ويَغيظهم ظهورُ الإسلام وقوَّةُ المسلمين واجتماعُهم وتمكُّنُهم، ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: 29].
💢 الآية بشارة للمؤمنين، فهذا الدِّين سيبلغ تمامَه، ويكمُل انتشارُه، ويظهر على سائر الأديان، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾ [الصف: 9]، والله متمٌّ نورَه وناصرٌ دينَه ومعزٌّ أولياءَه رُغم أنوف الكافرين وكيدِ المجرمين، قال رسول الله ﷺ: «واللهِ لَيُتمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إلاَّ اللهَ، أو الذِّئْبَ على غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» رواه البخاري (3612)، وقال: «ليَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلاَ يَتْرُكُ الله بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ الله هَذَا الدِّين، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيل، عِزًّا يُعِزُّ الله به الإسلاَم، وَذُلاًّ يُذِلُّ الله بِهِ الْكُفْرَ» رواه أحمد (16957) وسنده صحيح.
وقد أخبر ﷺ أنَّ المسلمين يفتحون القُسطنطينيَّة مدينة هرقل أوَّلاً، ثمَّ روميَّة(16)، والقسطنطينيَّة فتحها محمَّد الفاتح العثماني ـ رحمه الله ـ: فتحًا أوَّليًّا سنة (853 هـ)، وطهَّرها من النُّفوذ البيزنطي، وكلُّ ذلك تمهيد للفتح الأعظم الَّذي أخبر به الصَّادق المصدوق ﷺ، كما في «صحيح مسلم» (2920).
وأمَّا روميَّة ـ وهي روما عاصمة إيطاليا ـ، فيها الفاتيكان مقرُّ البابا، فستفتح بإذن الله، ﴿وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون﴾ [يوسف: 21].
وهذه بشارة عظيمة لأهل الإسلام والتَّوحيد، وتثبيت لقلوبهم، ورفع لهممهم، وإنَّ غدًا لناظره لقريب.
💢 إنَّ البَاطِل سيزْهَق ويذهَبُ جُفَاءً، ويُكسَر ويُدمَغ، وذلك بإتمام نور الله، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81]، وقال: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَال﴾ [الرعد: 17]، وقال: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُون﴾ [الأنبياء: 18]، «ودلَّ حرف المفاجأة على سرعة محقِ الحقِّ الباطلَ عند وروده؛ لأنَّ للحقِّ صولةً، فهو سريع المفعول إذا ورد ووضح»(17).
فالواجب على المسلمين ـ حكَّامًا ومحكومين ـ الرُّجوع إلى دينهم الحقِّ، والاستمساك به والدَّعوة إليه والجهاد في سبيله، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز﴾ [الحج: 40].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه الطَّبري (11/421).
(2) انظر «تفسير القرطبي» (8/121) وأبي السُّعود (3/163) و«مغني اللَّبيب» (ص886).
(3) انظر «التَّحرير والتَّنوير» (28/170).
(4) «تفسير ابن كثير» (4/136).
(5) «حاضر العالم الإسلامي» (3/208 ـ 217).
(6) رواه اللاَّلكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (4/827).
(7) قاله القرطبي (6/241).
( 8 ) «تفسير المنار» (10/388).
(9) «تفسير المنار» (10/334).
(10) انظر «التَّحرير والتَّنوير (10/72).
(11) انظر «روح المعاني» (5/85).
(12) «تفسير السَّعدي» (ص355).
(13) «تفسير المنار» (10/388).
(14) انظر «التَّحرير والتَّنوير» (10/73).
(15) «تفسير المنار» (10/388).
(16) رواه أحمد (6645)، وصحَّحه الألباني «الصَّحيحة» (1/8).
(17) «التَّحرير والتَّنوير» (17/26).
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
✅ شرح كتاب العلم من صحيح البخاري 07 ـ الشيخ عبد الغني عوسات
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال بكر بن عبد الله المُزني رحمه الله:
«لا يكونُ الرَّجلُ تقيًّا حتَّى يكونَ بطيءَ الطَّمَع، بطيءَ الغَضَب».
[«حلية الأولياء» لأبي نعيم (٢/ ٢٢٤)]
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
🎉 التعليق على المهذب من رسالة الشرك ومظاهره 06 | الشيخ د.حسن بن داود بوقليل
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
✅ شرح كتاب العلم من صحيح البخاري 08 ـ الشيخ عبد الغني عوسات
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
✅ شرح كتاب العلم من صحيح البخاري 09 ـ الشيخ عبد الغني عوسات
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌 قال العلامة السِّعدي رحمه الله:
«إنَّ أعظمَ علاماتِ الإيمانِ: محبَّةُ الخَير، والرَّغبةُ فيه، والسُّرُور بفعلِه» [«بهجة قلوب الأبرار» (ص٢١٥)]
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
✅ شرح كتاب العلم من صحيح البخاري 10 ـ الشيخ عبد الغني عوسات
صدر بحمد الله العدد (76) من #مجلة_الإصلاح
📞 رقم التوزيع: 0667164279
تجدونها على مستوى مكتبات الجزائر العاصمة (باب الوادي، الصنوبر البحري والبريد المركزي)
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 شيخ الإسلام ابن تيمية بين علماء الجزائر وبوروبي
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (54) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك:

👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 شيخ الإسلام ابن تيمية بين علماء الجزائر وبوروبي
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (54) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك:

👇👇👇


إنَّ شيخَ الإسلام أبا العبَّاس تقيَّ الدِّين أحمد ابنَ تيميَّة ـ رحمه الله ـ (728هـ) أحد عُلماء الأمَّة الكبَار، وأحد مفاخِر المسلمين العِظام، شهد بفضلِه وتبحُّره في العلم القاصِي والدَّاني، والموافقُ والمخالفُ؛ كما شهد بسَعَة علمِه وفرطِ ذكائِه كثيرٌ مِن مُنصِفي الغَرب من غير المسلمين، واعتَنَوا بمُصنَّفاتِه الَّتي أبهَرَتْهُم، وعدُّوه من أذكياء العالَم، ونوابغ الإسلام.
قال الذَّهبي في «المُعجمِ المُختَصِّ» (ص25): «فوالله ما قابلَتْ عيني مثلَه، ولا رأى هُو مثلَ نفسِه، وكانَ إمامًا مُتبحِّرًا في علوم الدِّيانة صحيحَ الذِّهن، سَريعَ الإدراكِ، سيَّالَ الفَهْم، كثيرَ المحاسِن، موصوفًا بفَرطِ الشَّجاعَة والكرم، فارغًا عن الشَّهواتِ؛ المأكلِ، والملبَس، والجمَاع، لا لذَّةَ له في غير نشْر العِلم وتدوينِه والعَمل بمُقتَضاه».
وعاش ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ ناصرًا للسُّنَّةِ، وقامعًا للبدعة، فأحبَّه كلُّ مسلم سُنِّي سليمِ الفِطرة، وعاداه كلُّ مبتَدعٍ وصاحبِ هوى؛ ولقَد صَدَق بهاءُ الدِّين السُّبْكي الشَّافعي ـ رحمه الله ـ في قوله: «والله يَا فُلان؛ مَا يُبغضُ ابنَ تَيْميَّة إلاَّ جَاهِلٌ أو صَاحبُ هوًى؛ فالجاهلُ لا يدْرِي مَا يَقُول، وصَاحبُ الهوى يصُدُّه هوَاهُ عَن الحقِّ بعد مَعْرفَتِه بهِ»(1).
ولمَّا كانَ (بوروبي) متعصِّبًا لطريقَة المتَصوِّفة، وعقيدةِ الأشعريَّةِ المفوِّضَةِ، راحَ يطعنُ في شيخ الإسلام ابنِ تيميَّة، ويصفُه بأوصاف بذيئَةٍ، ويُصدِر في حقِّه أحكامًا جائرةً، تدلُّ على بُغض شديد وحقدٍ دفين، كما هو حالُ أهل البدَع والأهواء الَّذين أحرقَتْهُم شُهُب الحقِّ الَّتي كانَ يرمي بهَا هذا الإمامُ الجليلُ في وجه كلِّ مُبْطِل ومُضلِّل.
ومنَ الإفكِ المبين قولُ (بوروبي) في كتابه «جذور البلاء» (ص498): «هذه الفَوضَى الفلسفيَّة يُسمِّيها ابنُ تيميَّة ومَن قلَّدَه «عقيدةَ السَّلف»، والحقيقَةُ أنَّها فلسفَتُه الَّتي جمعَها مِن شتَات شواذِّ أفكَار الفلاسفَة اليَهُود وغُلاةِ الحشويَّة والمعتَزلة والكرَّاميَّة، مزَجَ الكُلَّ وزادَ مِن كِيسِه وسوَّقَها لتُرَوَّج عند المسلمين كعقيدَةِ السَّلَف».
فهذا هُو وصفُ ابنِ تيميَّة ـ رحمه الله ـ ومكانتُه عند (بوروبي)؛ وأمَّا العلماءُ الَّذين عاصَروا ابنَ تيميَّة ـ رحمه الله ـ من مختَلف المذاهب فمنزلتُه عندهم كمَا قال الذَّهبي ـ رحمه الله ـ: «إنَّ كبارَهُم وأئمَّتَهم خاضعُون لعلومِه وفِقْهِه، معتَرفُون بشُفُوفِه وذَكائِه، مُقِرُّون بنُدُور خَطئِه»(2).
ولَـمَّا لم يكن هذا المعتَدي الجاني من أهل العِلم فلا يمكنُه أن يفهَمَ فهمَهُم، ولا أن يقفَ موقفَهم، ولهذا لا يصلُحُ معَه خطابُ أهلِ العلم؛ كأن يُناظَرَ أو يحاوَرَ أو يُناقَشَ؛ فهو لا يحمل في جعبَتِه سوى المهاتَرات والجهَالات، وأنواعٍ منَ التَّشغيبات والافتراءاتِ؛ ويظنُّ أنَّ مثلَه يمكنُ أن يُسفِّهَ شيخَ الإسلام، ويتطاولَ عليه؛ وهو في الحقيقَة لا يعدُو أن يكونَ مَثَلُه كمَثَلِ الَّذي يبصقُ على الشَّمسِ فيرتدُّ عليه بُصاقُه ليُلطِّخَ وجهَه؛ ولله درُّ من قال:
ولا تتطـــــاولْ إنْ تطَـــاوَلَ أحمَــــقٌ // فرأسُ حمَاقاتِ الرِّجَالِ التَّطاوُلُ
ومن المعلوم أنَّ الإعراضَ عن الحمقَى والجُهلاء من صفَاتِ العُقلاء؛ إذ ليسَ كلُّ كلام يستَوجبُ الرَّد، ولا كلُّ بارقَة سَحَاب يعقُبُها رعد؛ لذا كانَ أنفعَ ردٍّ عليه هو أن أكتَفي بنَقل كلمات مُضيئَةٍ لبَعض عُلمَاء الجزَائر تُبيِّنُ بوضُوحٍ موقفَهم من الإمام ابنِ تيميَّة ـ رحمه الله ـ ومنزلتَه عندهم؛ ليجدَ القارئُ الكريمُ أنَّ موقفَهم على نقيضِ موقفِ هذا المدَّعي الَّذي يحذِّرُ مِن ابنِ تيميَّة ويُنفِّر منه ويدعو النَّاسَ إلى عدم قراءةِ كُتُبِه، ثمَّ للعاقل أن يُقارنَ بينَ كلام العُلماء النَّاصحين، وبين كلام هذا المفتَري، ولينظُرْ أيُّ القَولَيْن أَصدَقُ! وأيُّ الحُكمَيْن أعدَل!
وإنََّ تصديقَه يعني أنَّ علماءَ جمعيَّةِ العلماء المسلمين الجزائريِّين ضلُّوا حينَ تأثَّروا بابنِ تيميَّة ومنهجِه وعقيدتِه تأثُّرًا ظاهرًا باديًا للعيَان؛ واهتَدى (بوروبي) في آخر الزَّمان ونجا مِن بدَع ابن تيميَّة الحَشوي وفلسَفَتِه،... فاشهدوا يا عقلاء؛ واسمَعوا... إنَّه العَجبُ العُجابُ!!

⏺️ ⏺️ ⏺️

وإليكَ مواقف بعض عُلماء الجزائر الأعلام من ابن تيميَّةَ شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ:
💢 موقفُ ابنِ باديس ـ رحمه الله ـ من ابن تيمية ـ رحمه الله ـ
1ـ قال: «وقَد أوْصَل الجهلُ بكتَاب الله بعضَ أدعيَاءِ العِلم إلى أن جعَلُوا الدَّعوةَ إلى توحيدِ الله، ونَبْذِ ضُرُوبِ الشِّركِ طريقَةً خاصَّةً بابنِ تيميَّةَ، عَلى معنَى أنَّها بدعَةٌ حصَلَت بعدَ انعقَاد الإجمَاع! فمَن سَلَك هذِه الطَّريقَةَ فقَد عرَّضَ دينَه للخَطَر! ولو نَظَرُوا في كتَاب الله وتأمَّلُوه لوَجَدُوا جُلَّ آياتِه دعوةً إلى التَّوحيدِ ونبذِ الشِّركِ»(3).
2ـ وقال في ثنايا ترجمَة الشَّيخ طاهر الجزائري ـ رحمه الله ـ: «وكانت للشَّيخِ طرقٌ مُبتَكرَةٌ في معنى بثِّ الأفكار الَّتي تُخالف مُعتَقدَ الجمهُور يبثُّها في العقُول بدون جعجَعة ولا مُظاهَرة، ويُقَرِّب منالَها منَ المُستَعْدين لأخْذِ النَّفس بهَا، وذلكَ بتَلقينهم أمَّهاتِ مسائلِها أثناءَ الحديثِ على صورةٍ لا ينفِرون منهَا ولا يخطُر لهم أنَّها بالبدع المُنكرَةِ؛ مثال ذلك: أنَّه أُولِعَ في صِباه بكُتُب شيخ الإسلام ابنِ تيميَّة وكانت جمهرةُ الفُقهاء في عصره تكَفِّر ابنَ تيميَّةَ تعصُّبًا وتقليدًا لمشايِخهم، فلَم يَرَ الشَّيخُ لتَحبِيبِهم بابن تيميَّةَ إلاَّ نَشْرَ كتُبِه بينَهُم مِن حيثُ لا يدرُون؛ فكانَ يستَنْسخُ رسائلَه وكُتُبَه ويُرسِلُها مع مَن يَبيعُها في سوق الورَّاقين بأثمانٍ معتَدلةٍ لتَسْقُط في أيدي بعضِهم فيُطالعُونَها، وبذلكَ وصَل إلى غرَضِه من نَشْر آراءِ شيخ الإسلام الَّتي هي لُبَابُ الشَّريعَة»(4).
فابنُ باديس ـ رحمه الله ـ يرى أنَّ آراء شيخ الإسلام المبثوثة في كتبه هي لُبابُ الشَّريعَة، ولم يُشكِّك في شيءٍ منها؛ وأمَّا (بوروبي) فيقول في «بلائه» (ص183): «كلُّ ما نذكره في كتابنا هذَا من بدع ابن تيميَّة نقصدُ ما هُو منشورٌ مِن كُتُب باسمِه، وما ينشرُه حَشْوِيَّةُ زماننا منسوبًا إليه مُقرِّين لهُ معتَقدين ما فيه.».
فكُتُب ابن تيميَّة الَّتي يتكلَّم عنها ابن باديس والمنشورة في زمانه هي نفسُها الَّتي يتكلَّمُ عنها هذَا المفتَري؛ فهل كان ابنُ باديس حَشْوِيًّا؟!

⏺️ ⏺️ ⏺️

💢 موقف الإبراهيمي ـ رحمه الله ـ من ابن تيميَّة ـ رحمه الله ـ
1ـ قال عند تعريفه بالأستاذ عُمَر ابن البسكري: «الشَّيخُ عُمَر بن البسكري داعيةٌ جهيرُ الصَّوت بالإصلاح، كاتبٌ متينُ القَلم في الدِّينيَّات، سديدُ الرَّأي فيها، قويُّ الحجَّة في مباحثها، كسَبَه ذلكَ قيامُه على كُتُب الفُحُول من فُقَهاء السُّنَّة أمثال ابنِ تيميَّةَ وابنِ القَيِّم والشَّوكَاني، وهي كتُبٌ تُربِّي مَلَكَة البيَان كَما تُربِّي مَلَكةَ البُرهان»(5).
2ـ وقال: «.. وأحمد بنُ تيميَّة رَأى أنَّ ضَلالَ العقَائد، واستِفْحَالَ البدَع، وتسَلُّطَ المبتَدعين على عقُولِ العامَّة قَد طغَت بحارُها، فوقَف منهم طُولَ عُمرِه موقفَ الخصْمِ اللَّدُودِ حتَّى خضَّد شكوتَهم وفَلَّ شُبَاتَهم»(6).
3ـ وقال في كلامه على عوامل نشوء الحركة الإصلاحيَّةِ في الجزائر: «ويُضافُ إلى هذَا العامِل قراءةُ «المنار» على قلَّة قُرَّائِه في ذَلك العَهْد، واطِّلاع بعضِ النَّاس على كُتُب المُصْلِحين القَيِّمة، ككُتُب ابنِ تيميَّة وابنِ القَيِّم والشَّوكَاني.
فهذَا عاملٌ له أثَرُه في التَّمهيد للدَّعوة الإصلاحيَّة»(7).
فلو كان في علم ابن تيميَّة ـ رحمه الله ـ شيءٌ منَ الانحراف، أو في كُتبه شيءٌ منَ التَّبديل والتَّزوير، أكانَ يخفى على مثل هؤلاء؟!
ثمَّ يأتي (بوروبي) ليقول للنَّاس: لا تقرؤُوا في كُتُب شيخ الاسلام ابن تيميَّة ـ رحمه الله ـ؛ ويزعُم دون حياءٍ أو خجلٍ أنَّ ابنَ تيميَّةَ تابَ ورجع عن عقيدتِه السَّلفيَّةِ؛ فيقول في كتابه «جذور البلاء» (ص179): «ولكنَّ أتباعَه ينشرون له اليوم كتُبًا ومقَالاتٍ تابَ منها، وعقيدةً رجَع عنها،... ويُنفقُون الملايين لنشر كُتب لا أحَدَ يعلمُ صحَّةَ نسبَتها له، وهل تابَ منها أم لا، وهل ألَّفَها قبل توبته أم بعدَها، بل لا سنَدَ لها يتَّصل به، وبعضُ كتُبه طبعُوها وأحرقُوا أصولَها المخطوطَة، حتَّى لا يتحقَّقَ أحدٌ من صحَّتها، وبعضُها اقتَطَعُوها من مجموعة مؤلَّفات وشكَّلوا منها كتابًا جديدًا لم يسمع به ابنُ تيميَّة نفسُه؛ ويهدفُ حشويةُ العَصر إلى فرضِ زعامتِه على العالم الإسلامي بأسره لأهدافٍ سياسيَّةٍ استعماريَّةٍ خالصَةٍ»
فأيُّ إفكٍ أَعظَمُ من هذه الفِرَى القَبيحة والكذبات الشَّنيعة، كلامٌ بعيدٌ كلَّ البُعد عن التَّحقيق العلمي ومناهج البحث؛ فكُتُب ابن تيميَّة لها أزيَد من قَرن وهي تُطبع وتُنشَر وتُوزَّع في العالم كلِّه ولم نجد عالمًا من علماء المسلمين زعمَ هذه المزاعم أو ادَّعى هذه الدَّعاوى؛ نعَم تتفاوتُ درجَاتُ تحقيقها، لكنَّ أغلبَها محقَّقٌ تحقيقًا علميًّا دقيقًا، يكفي أن ترجع إلى مقدِّمة التَّحقيقِ لكلِّ كتاب مِن هذهِ الكُتب لتَعرفَ أنَّه لا يخلو واحدٌ منها مِن فصل بعُنوان إثبات نسبة الكتاب إلى مؤلِّفِه، ويذكُر المحقِّقُ تحتَه حشدًا من الأدلَّة المختلفَة؛ لإثبات صحَّة نسبته إلى شيخ الإسلام ابن تيميَّة؛ ثمَّ إنَّه لا يمكنُ أن يقالَ عن الكتَاب أنَّه محقَّقٌ إلاَّ إذَا اعتُمِد في إخراجهِ على نسخةٍ خطِّيَّةٍ أصليَّةٍ أو أكثر.
وقد فرحَ العلماءُ بظُهور مؤلَّفاتِ ابن تيميَّة مطبوعةً منذ بداية القَرن الماضي، وقبلَه بقَليل؛ فقَرؤُوها ونقَلُوا منها، وأوصَوا بالاستفَادة منها؛ فالتَّشكيكُ في نسبة هذه الكتب إلى شيخ الإسلام ضرْبٌ منَ الجهل الَّذي لا يصدُر إلاَّ ممَّن لا علاقةَ له بكُتُب العلم ولا خبرةَ له بمناهج تحقيق التُّراث؛ وحتَّى الكُتب الَّتي قام على طباعتها فرج الله الكردي البهائي الَّذي زعَم هذا الزَّاعمُ الجاني أنَّه طبعها بإيعازٍ من المحفل الماسُوني؛ فقد أطبقَ العُلماء على صحَّة تلكَ الكُتب؛ بعد أن تتبَّعوها ونخَلوها فلم يجدُوا فيها تزويرًا ولا تحريفًا؛ لأنَّ صاحبَ هذه المطبعة كان تاجرًا بالدَّرجة الأولى، فلِمَ التَّلبيسُ والتَّدليسُ على النَّاس أيُّها الزَّاعم للنُّصح!!( 8 ).
ثمَّ أيُعقَل ألا يَنتَبِهَ ابنُُ باديس والإبراهيمي لأمر كهذا، مع علمهمَا الواسِع واطِّلاعِهما الكَبير، وقَد عرفتَ أيُّها القارئ الكريم رأيهما في كتب ابن تيميَّة، وما يعتقدانه فيها وفي ابن تيميَّة نفسِه ومدحَهما له وثناءَهمَا عليه؛ «وناهِيكَ بهَذَيْنِ ثَنَاءً علَى هذَا، وهُمَا هُمَا»(9).
فهُما على نقيض ما يزعمُه (بوروبي) تمامًا؛ فانظُرْ مَن يُريدُ أن يُناطح هذَا المسكينُ!!! فهَل يُمكنُ أن يُصدِّقَهُ عاقلٌ يا تُرى؟!
ثمَّ يتجرَّأ على السَّلفيِّين في «بلائه» (ص148) ويقول عنهم: «وقَد استَعصَى عليهم ابنُ باديس، وعِوَضَ أن يهتَدُوا بعِلمِه ونُورِه وفكرِه، ويترَبَّوا على يَدِه، منَعَهُم التَّعنُّت والصَّلافَة، عمِلُوا على جرِّ ابنِ باديس للفِكر الحَشوي، ووقَفُوا عاجزين وهيَ كرامَةٌ له رضيَ اللهُ عنه».
وأقول: ها هُو علمُ ابنِ باديس في ابن تيميَّة الَّذي وجدنَاه، قَد أرَيْنَاكَه، فأرِنَا أنتَ أينَ وجدتَّ ابنَ باديس يُوافقُكَ على هذَا الهذَيان والبُهتَان!! وإنَّنا نقطعُ جازمين أنَّك أنتَ الَّذي لم يهتَدِ بعلمِ ابنِ باديس ونُوره وفكرِه؛ لأنَّكَ لستَ على مَشرَبِه ولا على منهَجه؛ فأنتَ على طريقَة مَن حاربَهُم ابنُ باديس في زمانِه وهُم أصحاب الطُّرق الصُّوفيَّة المنحَرفين؛ فاربَأْ بنفسِك؛ ودَعِ التَّلبيسَ ...

⏺️ ⏺️ ⏺️

💢 موقف الشَّيخ مبارك الميلي ـ رحمه الله ـ(10) من ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
قال ـ رحمه الله ـ في «رسالة الشِّرك ومظاهره» (ص97):
«وأمَّا ابنُ تيميَّةَ، فلَم يبتَدِعْ ضلالةً، وإنَّما أحيَا السُّنَّةَ، ودعَا إلى الهُدى، واجتَهد في النُّصْح، وليسَت الدَّعوةُ إلى التَّوحيدِ بمذهَب خاصٍّ، ولكنَّه دينُ الله العامُّ».
وأمَّا (بوروبي)؛ فيقول عن ابن تيميَّة في كتابه (ص172) تحت عنوان: ابن تيمية الحرَّاني... فيلسوف الحشويَّةِ بلا منازع: «أكثر الحشويَّة تأليفًا وأخطرُهُم بدعةً، ورث الحشْوَ عن أسلافِه منَ الحنَابلة...، وكانَ له الفَضلُ في عقْلَنَةِ الحشو بعد اشتغَاله بالفَلسَفَة، فجمَع بين بدع الحشوية وبدع الفلاسفَة...»(11).
ويقول عنه في (ص498) تحت عنوان: بدعة تيميَّةٌ خالصةٌ: «هذه العقيدة في كلام الله تعالى بدعةٌ خالصةٌ من اختراع ابنِ تيميَّة لم يسبِقْه إليها أحد...» إلى آخر هُرائه.
فانظُرْ أيُّها القَارئُ اللَّبيبُ كيفَ يرى العلاَّمةُ المباركُ الميلي ابنَ تيميَّة، وكيفَ يراه (بوروبي)، ولك أن تحكُمَ!!

⏺️ ⏺️ ⏺️
💢 موقف الشَّيخ أبي يعلى الزَّواوي ـ رحمه الله ـ(12) من ابن تيميَّة ـ رحمه الله ـ:
1ـ قال ـ رحمه الله ـ في مقال له بعنوان: «الوهَّابيُّون سُنِّيُّون (ليسوا بمعتزلةٍ كما يقولون هُنا عندنا بالجزائر): «إنَّ عبدَ الوهَّاب حنبليٌّ، وإنَّما هو عالمٌ إصلاحيٌّ، وأتباعُه السُّلطان ابن سعودٍ ورعيَّتُه وإمارتُه النَّجديَّة إصلاحيُّون سلفيُّون سنِّيُّون حقيقيُّون على مذهب أحمَد الإمام، وعلى طريقةِ الإمامِ تقيِّ الدِّين ابنِ تيميَّة في الإصلاح والعناية التَّامَّة بالسُّنَّة، وابن تيميَّة ـ رحمه الله ـ مشهورٌ كثيرًا عند الإصلاحيِّين من أهل العصر عمومًا».
2ـ وقال ـ رحمه الله ـ في المقال نفسه: «والَّذي ظهر لنا أنَّ الخلافَ والنِّزاعَ القائمَيْن بين ابنِ تيميَّة وبين خصومِه العُلماء والقُضاة السُّبكيِّين في القضيَّةِ أنَّ هؤلاء كانوا مع الحكومة فغلبوه بالحكومة وقهروه بها، فزُجَّ في السِّجنِ ومات فيه، وما أشبهَه عندي بالعالم الإيطاليِّ القائل بدوران الأرض، فسَجنوه وقتلوه، تشبيهًا على طريق المشاكلة، ولم يُغلَبِ ابنُ تيميَّة بالحجَّةِ، فلذلك جدَّد أتباعُه الكَرَّة فانتَصَرُوا، فإن لم ينتَصروا كادوا، ولله في خلقه شؤونٌ يُبديها ولا يَبتديها، ويأبى اللهُ إلاَّ أن يُتمَّ نورَه.
ولنُورِد الآنَ جملةً صغيرةً برهانًا على أنَّ تقيَّ الدِّين شيخ الإسلام ابن تيميَّة سُنِّيٌّ سلفيٌّ محضٌ، وأنَّه بسبب ذلك أوذي في الله، ولأنَّه فضَّل مالكًا وأصحابَ المدينة من التَّابعين في الحديث والعمل على الحنفيَّةِ القائلين بالرَّأي والقياسِ، وكانت الحكومة وعلماؤها القضاة السُّبكيُّون حنفيَّةً(13)، فكَبُرَ في صدورهم ما اختار ابنُ تيميَّة ورجَّحه بأدلَّةٍ»(14).
فانظُرْ وتأمَّلْ أيُّها القَارئُ الحبيبُ ـ، وقارن بينَ وصفِ هؤلاء العُلماء الأعلام الجزائريِّين لابن تيميَّة، وبينَ وصفِ (بوروبي) له، وسجِّلْ عليه حقدَه وتعصُّبَه المقيت على رجُل من عظماءِ الإسلام، ومِن كبار المصلحين في تاريخ الأنام.
ثمَّ يخرج في وسائل الإعلام يتباكى ويصرخ أنَّ السَّلفيِّين يطلبون من الشَّعب الجزائري أن يخرج من عقيدته وينتقل إلى عقيدةٍ أخرى؛ ولسنا ندري من أين يأتي بمثل هذا الهُراء؛ فها قد سقنا للقارئ الكريم كلامَ صفوة علماء الجزائر الَّذين لا يمكنُ لأحد أن يُنكر مرتبتهم في العلم، أو يطعنَ في جزائريَّتهم، ومِن موقِفِهم من ابنِ تيميَّة، فهؤلاء يمثِّلون بحقِّ المرجعيَّةَ الدِّينيَّةَ للجزائر؛ والنَّتيجة يا (بوروبي) أنَّكَ أنتَ مَن يُخالف عقيدةَ الجزائريِّين الموافقةَ للشَّرع والعَقل والفطرةِ؛ وتُريد منهُم أن يعتَنقوا عقيدتَك الفاسدةَ وتصوُّراتِك الباطلَة؛ فأفِقْ مِن رقدتِك، وعُد إلى رُشدِك، وتُبْ إلى ربِّك، واعلَمْ أنَّ الجزائريِّين ليسُوا سُذَّجًا كي يُصدِّقوا أكاذيبَك وضلالاتِك العالقةَ برأسك، الَّتي تُريد تَرويجها وتسويقها عبر وسائل الإعلام، وإيَّاك أن تظنَّ أنَّ احتفاءَ بعضِ من يُعادي السَّلفيَّة بكَ، وتبسُّمَهم في وجهك، هو تصديقٌ لك أو ثقتهم بكَ أو اعترافهم بكفاءتكَ؛ فأنتَ دون ذلك بمَفاوز، والحقيقَة أنَّهم وجدوا فيكَ شخصًا يصلُحُ للإثارة الإعلاميَّة بالتَّشغيب والتَّهويل والتَّهريج ليُواجهُوا بكَ السَّلفيِّين، لمَّا عجزُوا عن مواجهتهم بالعلم والحجَّة والبُرهان؛ وإلاَّ فكثيرٌ مِن أولئكَ المحيطين بكَ يُدركون في قَرارةِ أنفُسِهم أنَّك لستَ الرَّجُلَ المناسب، لكنَّهم يُؤازرونك من باب العصبيَّة العميَاء، وعلى نمط قَول ذاكَ الجاهلي لمسيلمَة الكذَّاب: «أشهدُ أنَّك كذَّاب، وأنَّ محمَّدًا صادقٌ، ولكنَّ كذَّابَ ربيعةَ أحبُّ إلينا من صادقِ مُضَر».
إنَّ موقفَك السَّلبي من شيخ الإسلام ابن تيميَّة يدلُّ دلالةً واضحة أنَّكَ لستَ موفَّقًا، وأنَّك من أهل الجهل والهوى، وبالضَّرورة فأنتَ لستَ أهلاً للكتابة؛ ويصدُق فيكَ قول من قال:
دع عنك الكتابةَ لستَ منها // ولو سوَّدْتَ وجـهَــك بالـمــدَاد
فلهذا لا تُصدِّعْ رؤوسَ الجزائريِّين مرَّةً أخرى بدعوتهم لقراءة ما سوَّدتَه في كتَابك «البلاء»؛ فالأوقاتُ أنفسُ من أن تُنفَقَ في مطالعة كلام لا تستسيغُه العُقولُ السَّويَّةُ، ولا تقبلُه الفِطَرُ السَّليمةُ، ولا يمتُّ بصلةٍ إلى مناهج العلم وقواعد الكتابة الصَّحيحة.
وجملةُ القول: أنَّ هذا الشَّخصَ لا يُعتَدُّ بنَقْله ولا بفهمِه ولا بدينه؛ وما نقلنَاه من موقفِه من شيخ الإسلام ابن تيميَّة يمكنُكَ أن تسحَبَه على جملةٍ أخرى من علماء السُّنَّةِ وأعلام الأمَّة، الَّذين لم يسلَمُوا من طعونِه وسبَابه وشتائمِه، ولا يتوانى عن تسميَتهم بالحشويَّة؛ ورماهُم بثالثة الأثافي وهو أنَّهم مشبِّهةٌ ومجسِّمةٌ على عقيدة اليهود نسألُ اللهَ السَّلامةَ ـ، وذنبُهم الوحيد عنده أنَّهم أثبتوا لله ما أثبته لنفسه من الصِّفاتِ، ونفَوْا عنه سبحانه ما نفاه عن نفسِه؛ وأَجْرَوْا صفاتِ الله تعالى على ظاهرِها، من غير تأويلٍ ولا تعطيلٍ، ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ؛ وهذا الموقفُ منه هو ثمرةُ جهلِه وتعصُّبِه وهواه، ومَن كانَ جاهلا لقَدْره فهُو بقَدْر غيرِه أجهَل، وهذا ما جرَّأه على الكلام في شيخ الإسلام بهذا الأسلوب السَّاقطِ، وإلاَّ فلو كانَ على شيءٍ منَ العلم والفَهم، أو معَه شيءٌ منَ العقل والأدب لأدرَكَ أنَّ ابنَ تيميَّةَ ـ رحمه الله ـ أكبَر وأجلُّ مِن أن يتَطاول عليه شخصٌ مثلُه؛ لكن لمَّا غلب عليه الحُمقُ رضيَ لنفسِه أن يقفَ هذا الموقف المُخزي الشَّنيع، وأن يكون حاملا لهذا «البلاء» الفَظيع، وقد يتوَّهم المسكينُ أو يوهمُه بعضُ شياطين الإنسِ أنَّ ما يقومُ به هو ضربٌ من الشَّجاعة في نُصرَة الدِّيانة وحفظ المرجعيَّة، وهو في الحقيقة يعمَلُ على نقش اسمِه في سجلِّ الحماقَة وما على وزنها منَ الجهَالة والسَّفاهَة والسَّخافَة والوقَاحة والغَباوة، ورحمَ الله مَن قال:
لكــلِّ داء دواءٌ يُستَــطـــبُّّ بـــه // إلاَّ الحمَاقَة أعيَت مَن يُداويهَا
وأخيرًا أقول: «لو كانَ هذا الرَّجُل ممَّن يتَّقي اللهَ، ويُبالي خزيَ الدُّنيا ويومَ الحساب، لما رضيَ لنفسِه هذا الموقفَ الشَّاذَّ الَّذي وقفَهُ مِن حمَلَة القُرآن، ودُعاةِ السُّنَّة وحُماتِها، ولما استَباحَ لنفسِه الكذبَ في التَّاريخ والتَّجنِّي على أئمَّة الدِّين، ومفَاخِر المسلمين في كلِّ العُصُور»(15).

💢💢💢

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «الرد الوافر» (ص24).
(2) «الدرر الكامنة» للحافظ ابن حجر (1/ 176).
(3) «آثار ابن باديس» (2/ 321)
(4) «آثار ابن باديس» (4/ 156 ـ 157)
(5) «آثار الإبراهيمي» (1/ 367)
(6) «آثار الإبراهيمي» (5/ 195)
(7) «آثار الإبراهيمي» (1/ 181)
( 8 ) وإلا فليطعن في جميع ما طبعه فرج الله؛ وقد طبع جملةً من كتب ابن عربي والرازي وغيرهما.
(9) قاله ابن كثير في «البداية والنهاية» (17/ 591) عن ابن تيميَّة والمزِّي لمَّا أثنيَا على أحد العُلماء.
(10) قَال عنه الشَّيخ أبو يعلَى الزَّواوي في «البصائر» العدد (91): «..الأستاذ مؤرِّخ الجزائر الشَّيخ مبارك الميلي الَّذي لو كُنْتُ مِنَ الدَّائنين بالحلول لقلتُ: إنَّ شيخ الإسلام ابن تيميَّة قد حلَّ فيه! ولكن أدينُ أنَّ الله تعالى لا يحتاجُ إلى روح ابن تيميَّة ليجعلها في دماغ الميلي، ولا أن يغرسَها في قَلبه، بل يخلقُ ما يشَاء»؛ فانظر مدى تأثُّرهم بابن تيميَّة !!
(11) قال محمَّد بهجة البَيطار في كتابه «الكوثري وتعليقاته»: «وتلقيب شيخ الإسلام بالحشوي من الحشو الَّذي لم يقَع له نظير، ومن التَّقليد المميت للعَقل والشُّعور، بل منَ التَّعصُّب الشَّنيع الَّذي لا يرضَاه لنفسِه إلاَّ ورثة اليَهود البُهت، فإنَّ هذَا الإمام جمعَ في كتَابه بين العَقل والنَّقل جمعًا كمَّ فيه أفواهَ جميع أهل الابتداع والأهواء، وهذا الخوض بالباطل لا يضرُّ شيخَ الإسلام ولا يزيدُ مُريديه إلاَّ بصيرةً في دينهم ورسوخًا، ويأبَى الله للحقِّ إلاَّ أن يظهَر، وللباطِل إلاَّ أن يذلَّ ويُقهَر، وها هيَ ذي كتُب شيخ الإسلام تُطبع وتُنشر، وَتطْردُ بدَوْرها ظلامَ الشُّكُوك والأوهَام ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون﴾» «التنكيل» (1/ 87).
(12) يقول الشيخ العقبي ـ رحمه الله ـ عن أبي يعلى في العدد (95) من «الشهاب»: «كتب كتابات كثيرة؛ ولم يظهر للقرَّاء بها عيبٌ سوى انتقاده الذي وجَّهه إلى كبار العلماء المتقدِّمين..»؛ لكن لم يُنقَل عنه أنَّه عاب على شيخ الإسلام ابن تيمية شيئًا.
(13) كذا قال، والمعلوم أنَّ السُّبكيِّين شافعيَّةُ المذهب.
(14) «الشِّهاب» العدد (98)، وانظر: «الشهاب» (2/ 1090 ـ 1096) دار الغرب الإسلامي.
(15) «التنكيل» للمعلمي (1/ 87)، وهو كلام العلامة محمَّد بهجَة البَيْطار ـ رحمه الله ـ في الكوثري، ويصلح أن يقال في (بوروبي) الَّذي استقى مغالطاته وجهالاته منه؛ فهما في الهوى سواء.
شيخ_الإسلام_ابن_تيمية_بين_علماء_الجزائر_وبوروبي_ـ_توفيق_عمروني.pdf
6 MB
شيخ الإسلام ابن تيمية بين علماء الجزائر وبوروبي ـ توفيق عمروني