#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 الجزء المسلسل بالأوَّلِيَّة، والكلامُ عليه، لعلاء الدين أبي الحسن عليّ بن إبراهيم بن داود العطّار الدمشقي
تلميذِ الإمام النووي، المتوفَّى سنة (724هـ)
💢 قرأه وعلق عليه: عمار تمالت
💢 منشور في العدد (36) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك:
👇👇👇
💢 الجزء المسلسل بالأوَّلِيَّة، والكلامُ عليه، لعلاء الدين أبي الحسن عليّ بن إبراهيم بن داود العطّار الدمشقي
تلميذِ الإمام النووي، المتوفَّى سنة (724هـ)
💢 قرأه وعلق عليه: عمار تمالت
💢 منشور في العدد (36) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك:
👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 الجزء المسلسل بالأوَّلِيَّة، والكلامُ عليه، لعلاء الدين أبي الحسن عليّ بن إبراهيم بن داود العطّار الدمشقي
تلميذِ الإمام النووي، المتوفَّى سنة (724هـ)
💢 قرأه وعلق عليه: عمار تمالت
💢 منشور في العدد (36) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك:
👇👇👇
إنَّ من الأحاديثِ النَّبويَّةِ الشَّريفةِ الَّتي اعتنى بها العلماءُ غايةَ الاعتناء، وتواصَوْا بحفظِها وتبليغِها، وجعلوها في أوَّلِ مسموعاتِهم ومروِيَّاتِهم، وعَقَدُوا لها مجالسَ السَّماعِ وحِفْظِ سِلْسِلَةِ الأسانيد: حديثَ «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُم الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ في الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ في السَّمَاءِ»، وقد عُرِفَ عندهم وتواطؤوا على تسميتِه بالحديث المُسَلْسَلِ بالأوَّلِيَّة؛ لتواطؤ رجالِ إسناده على جَعْلِه أوَّلَ ما يسمعون من الحديث على شيوخهم.
وحُقَّ له ذلك، فيا له من حديثٍ شريفٍ قويِّ المبنى!، بالغ المعنى!، صدرَ من مشكاةِ الوحي حاملاً المقصدَ الَّذي شُرِعَ من أجله الإسلام، وبُعث به الأنبياءُ عليهم السَّلام جميعًا وآخرُهم نبيُّنا ﷺ، ألا وهو رحمةُ الخلق، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين﴾ [الأنبياء: 107]، فدينُ الإسلام ورسالتُه إلى العالمين هي تحقيقٌ لهذا المقصد الشَّريف، وما من شعيرة من شعائر الإسلام الشَّريف والدِّين الحنيف إلاَّ ويظهرُ في معانيها وصفُ الرَّحمة والتَّراحم.
والرَّحمةُ كما هي كمالٌ في طبيعة البشر، فإنَّها تحصُلُ للمؤمنين المهتدين بحسب هُداهم، فكلَّما كان نصيبُ العبدِ من الهُدى أتمَّ كان حظُّه من الرَّحمة أوفرَ.
ورحمةُ الله تُستجلبُ بطاعتِه وطاعةِ رسوله، والاستقامةِ على الإسلام، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [آل عمران: 132]، كما تُستجلبُ بتقوى الله ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الحجرات: 10]، ومن أعظمِ ما تُستجلبُ به رحمةُ الله: الرَّحمةُ بعباده، كما في حديث هذا المقال.
والرَّحمةُ ليست مجرَّدَ حنانٍ لا عقلَ معه، وليست شفقةً تتنكَّرُ للعدلِ والنِّظام، كلاَّ! بل إنها خُلُقٌ يرعى الحقوقَ كلَّها؛ فقد تأخذُ الرَّحمةُ صورةَ الحَزْم حين يُؤخذُ الصَّغيرُ إلى المدرسة إلزامًا من أجل التَّربيةِ وطلبِ العلم، والطَّبيبُ يمزِّقُ اللَّحمَ ويهشمُ العظمَ ويبترُ العضوَ وما فعلَ ذلك إلاَّ رحمةً بالمريض وطلبًا لشفائه، ناهيكَ ـ أخي القارئ ـ بإقامةِ الحدود، والأخذِ على أيدي السُّفهاء، وأَطْرِهم على الحقِّ أَطْراً، فهي الرَّحمةُ في مآلاتها، والحياةُ في كمالاتها، ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [البقرة: 179].
وقد عقدَ بعضُ العلماءِ لحديثِ الرَّحمةِ أجزاء ومؤلَّفاتٍ، منهم: إسماعيل ابن السَّمرقندي (ت 536 هـ)، وعبد المؤمن الدِّمياطي (ت 705 هـ) وغيرهما، ومنهم الإمام علاءُ الدِّين ابنُ العَطَّار.
فقد أسندَ ابنُ العطَّار هذا الحديث من عدَّة طرق، وتفنَّنَ في صياغة أسانيده وتشجيرها، ثمَّ تكلَّمَ على معانيه في أربع فوائد جليلة.
وابنُ العطَّار هو(1): الإمامُ الفقيهُ علاءُ الدِّين أبو الحسن علي بن إبراهيم ابن داود الدِّمَشْقي.
وُلِدَ يومَ عيد الفطر سنة 654هـ، وبدأ تعليمَه في الكُتَّاب، فحفظَ القرآنَ الكريمَ في صغره، وسمع الحديثَ الشَّريفَ على جماعةٍ من الحُفَّاظ كعادة أهل عصره، ثمَّ لازمَ الإمام محيي الدِّين النَّووي (ت 676هـ) ملازمةً شديدةً، فإنَّه لم يكدْ يبلغ سنَّ الخامسة عشر من عمره حتَّى اختصَّ به، ونهلَ من علمه الكثير، ولُقِّبَ بـ«مختصر النَّووي».
ثمَّ رحلَ إلى عدَّة بلدان، وأخذَ العلمَ عن أهلها، منها: مكَّة المكرَّمة، والمدينة النَّبويَّة، وبيت المقدس، ونابلس، والقاهرة.
وعاد ـ رحمه الله ـ إلى بلده دمشق، وتفرَّغَ للإفتاءِ والتَّدريسِ، والجمعِ والتَّصنيفِ، ونسخَ الكتبَ والأجزاءَ، وولِيَ مشيخةَ عدَّة دور للعلم؛ منها: دار الحديث النُّوريَّة، والقليجيَّة وغيرهما.
وكان ـ رحمه الله ـ على منهج السَّلف في الاعتقاد، وعلى طريقتهم في إثباتِ صفات الله إثباتًا يليقُ بجلاله وعظمته، وتنزيهِها عن مشابهةِ صفات المخلوقين، وعدمِ تعطيلها وتأويلِها كما هو مذهبُ الجهميَّة ومَن وافقَهم، وقد أبان عن ذلك في رسالته «الاعتقاد الخالص من الشكِّ والانتقاد».
له عدَّةُ مؤلَّفاتٍ تدلُّ على وافر علمه، طُبع منها جملةٌ كـ: «الاعتقاد»، و«تحفة الطَّالبين في ترجمة الإمام محيي الدِّين»، وبقي بعضٌ منها مخطوطًا كـ: «العُدَّة في شرح العمدة»(2).
توفي الإمام ابن العطَّار بدمشق سنة (724هـ).
💢 الجزء المسلسل بالأوَّلِيَّة، والكلامُ عليه، لعلاء الدين أبي الحسن عليّ بن إبراهيم بن داود العطّار الدمشقي
تلميذِ الإمام النووي، المتوفَّى سنة (724هـ)
💢 قرأه وعلق عليه: عمار تمالت
💢 منشور في العدد (36) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك:
👇👇👇
إنَّ من الأحاديثِ النَّبويَّةِ الشَّريفةِ الَّتي اعتنى بها العلماءُ غايةَ الاعتناء، وتواصَوْا بحفظِها وتبليغِها، وجعلوها في أوَّلِ مسموعاتِهم ومروِيَّاتِهم، وعَقَدُوا لها مجالسَ السَّماعِ وحِفْظِ سِلْسِلَةِ الأسانيد: حديثَ «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُم الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ في الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ في السَّمَاءِ»، وقد عُرِفَ عندهم وتواطؤوا على تسميتِه بالحديث المُسَلْسَلِ بالأوَّلِيَّة؛ لتواطؤ رجالِ إسناده على جَعْلِه أوَّلَ ما يسمعون من الحديث على شيوخهم.
وحُقَّ له ذلك، فيا له من حديثٍ شريفٍ قويِّ المبنى!، بالغ المعنى!، صدرَ من مشكاةِ الوحي حاملاً المقصدَ الَّذي شُرِعَ من أجله الإسلام، وبُعث به الأنبياءُ عليهم السَّلام جميعًا وآخرُهم نبيُّنا ﷺ، ألا وهو رحمةُ الخلق، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين﴾ [الأنبياء: 107]، فدينُ الإسلام ورسالتُه إلى العالمين هي تحقيقٌ لهذا المقصد الشَّريف، وما من شعيرة من شعائر الإسلام الشَّريف والدِّين الحنيف إلاَّ ويظهرُ في معانيها وصفُ الرَّحمة والتَّراحم.
والرَّحمةُ كما هي كمالٌ في طبيعة البشر، فإنَّها تحصُلُ للمؤمنين المهتدين بحسب هُداهم، فكلَّما كان نصيبُ العبدِ من الهُدى أتمَّ كان حظُّه من الرَّحمة أوفرَ.
ورحمةُ الله تُستجلبُ بطاعتِه وطاعةِ رسوله، والاستقامةِ على الإسلام، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [آل عمران: 132]، كما تُستجلبُ بتقوى الله ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [الحجرات: 10]، ومن أعظمِ ما تُستجلبُ به رحمةُ الله: الرَّحمةُ بعباده، كما في حديث هذا المقال.
والرَّحمةُ ليست مجرَّدَ حنانٍ لا عقلَ معه، وليست شفقةً تتنكَّرُ للعدلِ والنِّظام، كلاَّ! بل إنها خُلُقٌ يرعى الحقوقَ كلَّها؛ فقد تأخذُ الرَّحمةُ صورةَ الحَزْم حين يُؤخذُ الصَّغيرُ إلى المدرسة إلزامًا من أجل التَّربيةِ وطلبِ العلم، والطَّبيبُ يمزِّقُ اللَّحمَ ويهشمُ العظمَ ويبترُ العضوَ وما فعلَ ذلك إلاَّ رحمةً بالمريض وطلبًا لشفائه، ناهيكَ ـ أخي القارئ ـ بإقامةِ الحدود، والأخذِ على أيدي السُّفهاء، وأَطْرِهم على الحقِّ أَطْراً، فهي الرَّحمةُ في مآلاتها، والحياةُ في كمالاتها، ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [البقرة: 179].
وقد عقدَ بعضُ العلماءِ لحديثِ الرَّحمةِ أجزاء ومؤلَّفاتٍ، منهم: إسماعيل ابن السَّمرقندي (ت 536 هـ)، وعبد المؤمن الدِّمياطي (ت 705 هـ) وغيرهما، ومنهم الإمام علاءُ الدِّين ابنُ العَطَّار.
فقد أسندَ ابنُ العطَّار هذا الحديث من عدَّة طرق، وتفنَّنَ في صياغة أسانيده وتشجيرها، ثمَّ تكلَّمَ على معانيه في أربع فوائد جليلة.
وابنُ العطَّار هو(1): الإمامُ الفقيهُ علاءُ الدِّين أبو الحسن علي بن إبراهيم ابن داود الدِّمَشْقي.
وُلِدَ يومَ عيد الفطر سنة 654هـ، وبدأ تعليمَه في الكُتَّاب، فحفظَ القرآنَ الكريمَ في صغره، وسمع الحديثَ الشَّريفَ على جماعةٍ من الحُفَّاظ كعادة أهل عصره، ثمَّ لازمَ الإمام محيي الدِّين النَّووي (ت 676هـ) ملازمةً شديدةً، فإنَّه لم يكدْ يبلغ سنَّ الخامسة عشر من عمره حتَّى اختصَّ به، ونهلَ من علمه الكثير، ولُقِّبَ بـ«مختصر النَّووي».
ثمَّ رحلَ إلى عدَّة بلدان، وأخذَ العلمَ عن أهلها، منها: مكَّة المكرَّمة، والمدينة النَّبويَّة، وبيت المقدس، ونابلس، والقاهرة.
وعاد ـ رحمه الله ـ إلى بلده دمشق، وتفرَّغَ للإفتاءِ والتَّدريسِ، والجمعِ والتَّصنيفِ، ونسخَ الكتبَ والأجزاءَ، وولِيَ مشيخةَ عدَّة دور للعلم؛ منها: دار الحديث النُّوريَّة، والقليجيَّة وغيرهما.
وكان ـ رحمه الله ـ على منهج السَّلف في الاعتقاد، وعلى طريقتهم في إثباتِ صفات الله إثباتًا يليقُ بجلاله وعظمته، وتنزيهِها عن مشابهةِ صفات المخلوقين، وعدمِ تعطيلها وتأويلِها كما هو مذهبُ الجهميَّة ومَن وافقَهم، وقد أبان عن ذلك في رسالته «الاعتقاد الخالص من الشكِّ والانتقاد».
له عدَّةُ مؤلَّفاتٍ تدلُّ على وافر علمه، طُبع منها جملةٌ كـ: «الاعتقاد»، و«تحفة الطَّالبين في ترجمة الإمام محيي الدِّين»، وبقي بعضٌ منها مخطوطًا كـ: «العُدَّة في شرح العمدة»(2).
توفي الإمام ابن العطَّار بدمشق سنة (724هـ).
وهذا الجزء الَّذي أُحقِّقُه وأُتحفُ به قرَّاءَ هذه المجلَّة الغرَّاء ثابتُ النِّسْبة له بلا شكٍّ، فهو ـ وإن لم يصرِّحْ بتسميته مَن ترجَمَ له ـ داخلٌ ضمنَ عموم قولِ ابن كثير في ترجمته(3): « وله مصنَّفات وفوائد، ومجاميع، وتخاريج»، ثمَّ وجودُ خطِّه عليه أكبرُ دليلٍ على نسبته إليه.
وقد عثرتُ بفضلِ الله على نسخته الخطِّيَّة أثناء تصفُّحي لبعض مجاميع المكتبات التُّركيَّة، وهي محفوظة بالمكتبة الوطنيَّة بمدينة أنقرة تحت رقم: (FB 145/1).
تقعُ النُّسخةُ في أربع ورقات، وكُتبت بخطِّ نسخٍ، بيد محمَّد بن سَلْمان بن داود الجَوْهَري الشَّافعي، وتاريخُ كتابتها هو تاريخُ السَّماع المثبت عليها: 712 هـ، وعليه تصحيحُ ابن العطَّار بخطِّه، وهذا نصُّه:
«سمعَ هذا الجزءَ على مؤلِّفِه الشَّيخِ الإمامِ الحافظِ المُتْقِنِ علاء الدِّين أبو الحسن علي بن إبراهيم العطَّار أثابه الله الجنَّةَ: الشَّيخ شمس الدِّين أبو عبدالله محمَّد بن الشَّيخ يوسف ابن وَهْب المَوْصِلي خادمُ المصحف العثماني، والشَّيخ شهاب الدِّين أحمد بن علي ابن عِمْران الصَّنْعاني اليماني، والشَّيخ عمر ابن محمَّد بن عمر اليماني، وكاتب الجزء محمَّد بن سَلْمان بن داود الجَوْهَري الشَّافعي، وجمال الدِّين داود أخو الشَّيخ المخرِّج(4)، وذلك في مجلسٍ واحدٍ بعد صلاة الجمعة تاسعَ عشر جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وسبعمائة.
صحيحٌ ذلك، كتبه مخرِّجُه ابن العطَّار عفا الله عنهما».
💢💢💢
✅ وهذا نصُّ الجزء:
الجزء المسلسل بالأوَّلِيَّةِ،
والكلامُ عليه.
تخريج: شيخِنا الشَّيخِ الإمامِ العالِمِ العامِلِ الزَّاهد العابد الحافظ المتقِن، بقيَّة السَّلف قُدوة الخلف علاء الدِّين أبي الحسن علي بن إبراهيم بن داود العَطَّار الدِّمشقي أعلى الله درجتَه، ونفعَنا ببركتِه، آمين؛ الحمد لله ربِّ العالمين.
باسم الله الرحمن الرحيم
قال شيخُنا الشَّيخُ الإمامُ العالمُ المفتي الحافظُ المحقِّقُ الضَّابطُ، علاءُ الدِّين أبو الحسن علي بنُ إبراهيم بنِ داود العَطَّار الدِّمشقي الشَّافعي ـ أثابه الله الجنَّةَ ـ، وأخبرنا به يومَ الأربعاء ثاني جمادى الأولى سنةَ اثنتيْ عشرة وسبعمائة بدار الحديث النُّوريَّة(5) ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعناه منه مُسْنَداً ـ:
أخبرنا الشيخُ الإمامُ أبو الحسن علي بنُ أحمد بنِ عبد الواحد بن أحمد المقدسي(6) ـ رحمه الله ـ قراءةً عليه وأنا أسمعُ في يوم الأربعاء سادس عشر شهر رمضان سنةَ سبعٍ وستِّين وستِّمائة ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ.
وحدَّثنا الإمامان المفتيان أبَوَا محمَّدٍ أبو الفَرَج عبد الرَّحمن بنُ الشَّيخ القدوة أبي عُمَر محمَّد بنِ أحمد بنِ قُدامة المقدسي وابنُ سَلْمان(7) بنِ سعيدٍ البغداديُّ ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من لفظهما ـ.
قالوا: أنا أبو اليُمْن زَيْد بنُ الحسن ابنِ زَيْد الكِنْدي اللُّغَوي قراءةً عليه ونحن نسمعُ، قال: ثنا الإمامُ أبو بكر محمَّد ابنُ عبد الباقي بنِ محمَّد الفَرَضي البَزَّاز ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من لفظه، وذلك في ثاني عشر صفر من سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة ببغداد ـ، حدَّثني القاضي الشَّيخ أبو الحسن علي بن المُفَرِّج بن عبد الرَّحمن الصِّقِلِّي ـ رحمه الله ـ من لفظه بمكَّة في المسجد الحرام تُجاهَ الكعبة في بُكرة يومِ الخميس تاسع عشرين ذي الحجَّة من سنة ثلاثٍ وسبعين وأربعمائة ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ.
(ح) (8) وحدَّثنا الإمامُ المفتي المحدِّث أبو زكريَّا يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح الحرَّاني ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من لفظه ـ يومَ عيدِ الفطر سنةَ ثمانٍ وستِّين وستِّمائة، أخبرنا شيخُنا الإمام الحافظ ثقة الحفَّاظ أبو محمَّد عبد الرَّحمن بن عُمَر بن أبي نصر بن علي بن عبد الدَّائم المعروف بابن الغَزَّال الحنبلي ـ رحمه الله ـ بقراءتي عليه في منزله بالقَطيعَة(9) في يومِ السَّبت تاسع صفر سنةَ خمسَ عشرةَ وستِّمائة.
(ح) وحدَّثنا الإمام الحافظُ أبو الحسن علي بنُ بَلْبان المُشَرِّف ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من لفظه ـ، حدَّثنا الشَّيخُ أبو طالب عبد اللَّطيف بنُ محمَّد بنِ علي بن حمزة بنِ القُبَّيْطِي الحَرَّاني نزيلُ بغداد ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من لفظه ـ سنةَ ثلاثٍ وثلاثين وستِّمائة في جمادى الأولى.
قالا(10): حدَّثنا أبو بكر أحمد بنُ المُقَرَّب بن الحسين الكَرَجي ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعناه منه، قال ابنُ القُبَّيْطِي: وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من لفظه ـ، حدَّثنا أبو محمَّد جعفر ابن أحمد بنِ الحسين السَّرَّاج ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ.
وقد عثرتُ بفضلِ الله على نسخته الخطِّيَّة أثناء تصفُّحي لبعض مجاميع المكتبات التُّركيَّة، وهي محفوظة بالمكتبة الوطنيَّة بمدينة أنقرة تحت رقم: (FB 145/1).
تقعُ النُّسخةُ في أربع ورقات، وكُتبت بخطِّ نسخٍ، بيد محمَّد بن سَلْمان بن داود الجَوْهَري الشَّافعي، وتاريخُ كتابتها هو تاريخُ السَّماع المثبت عليها: 712 هـ، وعليه تصحيحُ ابن العطَّار بخطِّه، وهذا نصُّه:
«سمعَ هذا الجزءَ على مؤلِّفِه الشَّيخِ الإمامِ الحافظِ المُتْقِنِ علاء الدِّين أبو الحسن علي بن إبراهيم العطَّار أثابه الله الجنَّةَ: الشَّيخ شمس الدِّين أبو عبدالله محمَّد بن الشَّيخ يوسف ابن وَهْب المَوْصِلي خادمُ المصحف العثماني، والشَّيخ شهاب الدِّين أحمد بن علي ابن عِمْران الصَّنْعاني اليماني، والشَّيخ عمر ابن محمَّد بن عمر اليماني، وكاتب الجزء محمَّد بن سَلْمان بن داود الجَوْهَري الشَّافعي، وجمال الدِّين داود أخو الشَّيخ المخرِّج(4)، وذلك في مجلسٍ واحدٍ بعد صلاة الجمعة تاسعَ عشر جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وسبعمائة.
صحيحٌ ذلك، كتبه مخرِّجُه ابن العطَّار عفا الله عنهما».
💢💢💢
✅ وهذا نصُّ الجزء:
الجزء المسلسل بالأوَّلِيَّةِ،
والكلامُ عليه.
تخريج: شيخِنا الشَّيخِ الإمامِ العالِمِ العامِلِ الزَّاهد العابد الحافظ المتقِن، بقيَّة السَّلف قُدوة الخلف علاء الدِّين أبي الحسن علي بن إبراهيم بن داود العَطَّار الدِّمشقي أعلى الله درجتَه، ونفعَنا ببركتِه، آمين؛ الحمد لله ربِّ العالمين.
باسم الله الرحمن الرحيم
قال شيخُنا الشَّيخُ الإمامُ العالمُ المفتي الحافظُ المحقِّقُ الضَّابطُ، علاءُ الدِّين أبو الحسن علي بنُ إبراهيم بنِ داود العَطَّار الدِّمشقي الشَّافعي ـ أثابه الله الجنَّةَ ـ، وأخبرنا به يومَ الأربعاء ثاني جمادى الأولى سنةَ اثنتيْ عشرة وسبعمائة بدار الحديث النُّوريَّة(5) ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعناه منه مُسْنَداً ـ:
أخبرنا الشيخُ الإمامُ أبو الحسن علي بنُ أحمد بنِ عبد الواحد بن أحمد المقدسي(6) ـ رحمه الله ـ قراءةً عليه وأنا أسمعُ في يوم الأربعاء سادس عشر شهر رمضان سنةَ سبعٍ وستِّين وستِّمائة ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ.
وحدَّثنا الإمامان المفتيان أبَوَا محمَّدٍ أبو الفَرَج عبد الرَّحمن بنُ الشَّيخ القدوة أبي عُمَر محمَّد بنِ أحمد بنِ قُدامة المقدسي وابنُ سَلْمان(7) بنِ سعيدٍ البغداديُّ ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من لفظهما ـ.
قالوا: أنا أبو اليُمْن زَيْد بنُ الحسن ابنِ زَيْد الكِنْدي اللُّغَوي قراءةً عليه ونحن نسمعُ، قال: ثنا الإمامُ أبو بكر محمَّد ابنُ عبد الباقي بنِ محمَّد الفَرَضي البَزَّاز ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من لفظه، وذلك في ثاني عشر صفر من سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة ببغداد ـ، حدَّثني القاضي الشَّيخ أبو الحسن علي بن المُفَرِّج بن عبد الرَّحمن الصِّقِلِّي ـ رحمه الله ـ من لفظه بمكَّة في المسجد الحرام تُجاهَ الكعبة في بُكرة يومِ الخميس تاسع عشرين ذي الحجَّة من سنة ثلاثٍ وسبعين وأربعمائة ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ.
(ح) (8) وحدَّثنا الإمامُ المفتي المحدِّث أبو زكريَّا يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح الحرَّاني ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من لفظه ـ يومَ عيدِ الفطر سنةَ ثمانٍ وستِّين وستِّمائة، أخبرنا شيخُنا الإمام الحافظ ثقة الحفَّاظ أبو محمَّد عبد الرَّحمن بن عُمَر بن أبي نصر بن علي بن عبد الدَّائم المعروف بابن الغَزَّال الحنبلي ـ رحمه الله ـ بقراءتي عليه في منزله بالقَطيعَة(9) في يومِ السَّبت تاسع صفر سنةَ خمسَ عشرةَ وستِّمائة.
(ح) وحدَّثنا الإمام الحافظُ أبو الحسن علي بنُ بَلْبان المُشَرِّف ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من لفظه ـ، حدَّثنا الشَّيخُ أبو طالب عبد اللَّطيف بنُ محمَّد بنِ علي بن حمزة بنِ القُبَّيْطِي الحَرَّاني نزيلُ بغداد ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من لفظه ـ سنةَ ثلاثٍ وثلاثين وستِّمائة في جمادى الأولى.
قالا(10): حدَّثنا أبو بكر أحمد بنُ المُقَرَّب بن الحسين الكَرَجي ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعناه منه، قال ابنُ القُبَّيْطِي: وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من لفظه ـ، حدَّثنا أبو محمَّد جعفر ابن أحمد بنِ الحسين السَّرَّاج ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ.
قالا(11): حدَّثنا أبو نصر عُبَيْد الله بنُ سعيد بنِ حاتِم الحافظ السِّجْزي ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعنا منه ـ، حدَّثنا أبو يَعْلَى حمزة بنُ عبد العزيز المُهَلَّبي ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ،(ح) وحدَّثنا أبو زكريَّا يحيى بن أبي منصور الفقيه ـ وهو أوَّل حديث سمعته منه ـ قال: حدَّثني الإمامُ الزَّاهدُ شيخُ الشُّيوخ أبو نصر عُمَر ابنُ محمَّد السَّهْرَوَرْدي ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ، ثنا عمِّي أبو النَّجيب عبد القاهر بنُ عبد الله بنِ محمَّد القُرَشي التَّيْمي(12) ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ.
(ح) وأخبرنا الإمامُ المحدِّثُ الزَّاهدُ العابدُ أبو اليُمْن عبد الصَّمد بنُ عبد الوهَّاب بنِ الحسن بنِ محمَّد بنِ عساكِر الدِّمشقي ثمَّ المكِّي ـ رحمه الله ـ ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ في يومِ الثُّلاثاء سادس عشر ذي الحجَّة سنةَ ثلاثٍ وسبعين وستِّمائة بمنزله بأَجْياد من مكَّة ـ زادها الله تشريفًا وتعظيمًا ـ، قال: حدَّثنا والِدي أبو الحسن عبد الوهَّاب ـ نَضَّرَ الله وجهَه ـ من لفظه وحِفْظِه في ربيعٍ الأوَّل سنةَ سبعٍ وعشرين وستِّمائة ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ، حدَّثني والدي أبو البركات الحسن ابن محمَّد المُلَقَّب بالسَّجَّاد سنةَ ستٍّ وتسعين وخمسمائة ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ، حدَّثني عمِّي الحافظ أبو القاسم علي ابنُ الحسن بنِ هبة الله الشَّافعي(13) ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ.
قالا(14): حدَّثنا أبو القاسم زاهر ابنُ طاهر بنِ محمَّد الشَّحَّامي قراءةً عليه ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعناه منه ـ، حدَّثنا أبو صالح أحمد بن عبدالملك المؤذِّن ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعناه منه ـ، حدَّثنا أبو طاهر محمَّد بنُ محمَّد بنِ مَحْمِش الزِّيادي ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ.
قالا(15): حدَّثنا أبو حامد أحمد بنُ محمَّد بنِ بلال ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعناه منه ـ، حدَّثنا عبد الرَّحمن بنُ بِشْر ابنِ الحَكَم العَبْدي ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ، وفي كتابي عن أبي زكريَّا من رواية السَّهْرَوَرْدي: محمَّد بن بِشْر، وهو غَلَط، قال: حدَّثنا سفيان بن عُيَيْنَة الهِلالي ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ، عن عَمْرو بنِ دينار، عن أبي قابوس مَوْلَى عبدالله بن عَمْرو بنِ العاصي، عن عبد الله ابن عَمْرٍو ـ رضي الله عنهما ـ: قال رسولُ الله ﷺ:
«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُم الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُم مَن في السَّمَاءِ».
ولفظُ ابنِ عساكر: «ارْحَمُوا مَنْ في الأَرْضِ»، والباقي سواء.
وحدَّثنا الفقيه أبو محمَّد أحمد ابنُ أبي بكر بنِ خليل القُرَشي العثماني العَسْقَلاني المَكِّي في يوم السَّبت تاسع عشر ذي الحجَّة سنةَ ثلاثٍ وسبعين وستِّمائة تُجاه الكعبة المُعَظَّمة ـ زادَها الله تشريفًا ـ والمحدِّثُ الصَّالحُ أبو عُمَر عثمان بن محمَّد بن عثمان المالِكي يومئذٍ ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منهما من لفظهما ـ، قالا: حدَّثنا أبو الفَرَج عبد اللَّطيف بنُ عبد المنعم بنِ علي الحرَّاني ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعناه منه ـ.
(ح) وكتبَ إليَّ أبو الفَرَج الحرَّاني به قبل ذلك ـ وهو أوَّلُ حديثٍ كتبتُه عنه ـ، قال: حدَّثنا الإمام أبو الفَرَج عبدالرَّحمن بنُ علي ابن الجَوْزي ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ، حدَّثنا أبو سَعْد إسماعيل بنُ أبي صالح أحمد بنِ عبدالملك المؤذِّن النَّيسابوري ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ، أخبرنا والدي الإمامُ أبو صالحٍ ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ، حدَّثنا الأستاذُ الإمامُ أبو طاهر محمَّد بنُ محمَّد ابنِ مَحْمِش الزِّيادي، حدَّثنا أبو حامد أحمد بنُ محمَّد بنِ يحيى بنِ بلال البَزّاز، حدَّثنا عبد الرَّحمن بنُ بِشْر بنِ الحَكَم، حدَّثنا سفيان بنُ عُيَيْنَة، عن عَمْرو ابنِ دينار، عن أبي قابوس مَوْلَى عبدالله ابنِ عَمْرو بنِ العاص، عن عبدالله بن عَمْرو ـ رضي الله عنهما ـ: أنَّ رسول الله ﷺ قال:
«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ـ تَبَارَكَ وتَعَالَى ـ، ارْحَمُوا مَنْ في الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ في السَّمَاءِ».
قال عبد الرَّحمن بنُ بِشْر بنِ الحَكَم: هذا أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من سفيان ابنِ عُيَيْنَة.
وقال أبو حامد بنُ بلال: هذا أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من عبد الرَّحمن بنِ بِشْر ابنِ الحَكَم.
وقال أبو طاهر محمَّد بنُ محمَّد ابنِ مَحْمِش الزِّيادي الإمام: هذا أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من أبي حامد أحمد بنِ محمَّد ابنِ يحيى بنِ بلال البَزَّاز.
وقال الشَّيخ الإمام والدي أبو صالح أحمد بن عبدالملك المؤذِّن الحافظ: هذا أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من الإمام أبي طاهرٍ محمَّد ابنِ محمَّد بنِ مَحْمِش الزِّيادي ـ رحمه الله ـ.
هذا حديثٌ غريب، لم يرْوِه غيرُ عَمْرو ابنِ دينار عن أبي قابوس، تفرَّدَ به سفيان ابنُ عُيَيْنَة عن عَمْرو.
ورواه أبو داود في الأدب(16)، عن أبي بكر ومُسَدَّد عن سفيان بن عُيَيْنة عن عَمْرٍو عن أبي قابوس به.
(ح) وأخبرنا الإمامُ المحدِّثُ الزَّاهدُ العابدُ أبو اليُمْن عبد الصَّمد بنُ عبد الوهَّاب بنِ الحسن بنِ محمَّد بنِ عساكِر الدِّمشقي ثمَّ المكِّي ـ رحمه الله ـ ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ في يومِ الثُّلاثاء سادس عشر ذي الحجَّة سنةَ ثلاثٍ وسبعين وستِّمائة بمنزله بأَجْياد من مكَّة ـ زادها الله تشريفًا وتعظيمًا ـ، قال: حدَّثنا والِدي أبو الحسن عبد الوهَّاب ـ نَضَّرَ الله وجهَه ـ من لفظه وحِفْظِه في ربيعٍ الأوَّل سنةَ سبعٍ وعشرين وستِّمائة ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ، حدَّثني والدي أبو البركات الحسن ابن محمَّد المُلَقَّب بالسَّجَّاد سنةَ ستٍّ وتسعين وخمسمائة ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ، حدَّثني عمِّي الحافظ أبو القاسم علي ابنُ الحسن بنِ هبة الله الشَّافعي(13) ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ.
قالا(14): حدَّثنا أبو القاسم زاهر ابنُ طاهر بنِ محمَّد الشَّحَّامي قراءةً عليه ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعناه منه ـ، حدَّثنا أبو صالح أحمد بن عبدالملك المؤذِّن ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعناه منه ـ، حدَّثنا أبو طاهر محمَّد بنُ محمَّد بنِ مَحْمِش الزِّيادي ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ.
قالا(15): حدَّثنا أبو حامد أحمد بنُ محمَّد بنِ بلال ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعناه منه ـ، حدَّثنا عبد الرَّحمن بنُ بِشْر ابنِ الحَكَم العَبْدي ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ، وفي كتابي عن أبي زكريَّا من رواية السَّهْرَوَرْدي: محمَّد بن بِشْر، وهو غَلَط، قال: حدَّثنا سفيان بن عُيَيْنَة الهِلالي ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ، عن عَمْرو بنِ دينار، عن أبي قابوس مَوْلَى عبدالله بن عَمْرو بنِ العاصي، عن عبد الله ابن عَمْرٍو ـ رضي الله عنهما ـ: قال رسولُ الله ﷺ:
«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُم الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُم مَن في السَّمَاءِ».
ولفظُ ابنِ عساكر: «ارْحَمُوا مَنْ في الأَرْضِ»، والباقي سواء.
وحدَّثنا الفقيه أبو محمَّد أحمد ابنُ أبي بكر بنِ خليل القُرَشي العثماني العَسْقَلاني المَكِّي في يوم السَّبت تاسع عشر ذي الحجَّة سنةَ ثلاثٍ وسبعين وستِّمائة تُجاه الكعبة المُعَظَّمة ـ زادَها الله تشريفًا ـ والمحدِّثُ الصَّالحُ أبو عُمَر عثمان بن محمَّد بن عثمان المالِكي يومئذٍ ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منهما من لفظهما ـ، قالا: حدَّثنا أبو الفَرَج عبد اللَّطيف بنُ عبد المنعم بنِ علي الحرَّاني ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعناه منه ـ.
(ح) وكتبَ إليَّ أبو الفَرَج الحرَّاني به قبل ذلك ـ وهو أوَّلُ حديثٍ كتبتُه عنه ـ، قال: حدَّثنا الإمام أبو الفَرَج عبدالرَّحمن بنُ علي ابن الجَوْزي ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ، حدَّثنا أبو سَعْد إسماعيل بنُ أبي صالح أحمد بنِ عبدالملك المؤذِّن النَّيسابوري ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ، أخبرنا والدي الإمامُ أبو صالحٍ ـ وهو أوَّلُ حديثٍ سمعتُه منه ـ، حدَّثنا الأستاذُ الإمامُ أبو طاهر محمَّد بنُ محمَّد ابنِ مَحْمِش الزِّيادي، حدَّثنا أبو حامد أحمد بنُ محمَّد بنِ يحيى بنِ بلال البَزّاز، حدَّثنا عبد الرَّحمن بنُ بِشْر بنِ الحَكَم، حدَّثنا سفيان بنُ عُيَيْنَة، عن عَمْرو ابنِ دينار، عن أبي قابوس مَوْلَى عبدالله ابنِ عَمْرو بنِ العاص، عن عبدالله بن عَمْرو ـ رضي الله عنهما ـ: أنَّ رسول الله ﷺ قال:
«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ـ تَبَارَكَ وتَعَالَى ـ، ارْحَمُوا مَنْ في الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ في السَّمَاءِ».
قال عبد الرَّحمن بنُ بِشْر بنِ الحَكَم: هذا أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من سفيان ابنِ عُيَيْنَة.
وقال أبو حامد بنُ بلال: هذا أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من عبد الرَّحمن بنِ بِشْر ابنِ الحَكَم.
وقال أبو طاهر محمَّد بنُ محمَّد ابنِ مَحْمِش الزِّيادي الإمام: هذا أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من أبي حامد أحمد بنِ محمَّد ابنِ يحيى بنِ بلال البَزَّاز.
وقال الشَّيخ الإمام والدي أبو صالح أحمد بن عبدالملك المؤذِّن الحافظ: هذا أوَّلُ حديثٍ سمعتُه من الإمام أبي طاهرٍ محمَّد ابنِ محمَّد بنِ مَحْمِش الزِّيادي ـ رحمه الله ـ.
هذا حديثٌ غريب، لم يرْوِه غيرُ عَمْرو ابنِ دينار عن أبي قابوس، تفرَّدَ به سفيان ابنُ عُيَيْنَة عن عَمْرو.
ورواه أبو داود في الأدب(16)، عن أبي بكر ومُسَدَّد عن سفيان بن عُيَيْنة عن عَمْرٍو عن أبي قابوس به.
ورواه التِّرمذي(17) عن محمَّد ابن يحيى بنِ أبي عُمَر العَدَني عن سفيان في البِرِّ أتَمَّ من الأوَّل، وفيه: «الرَّحِمُ شُجْنَةٌ»، وقال: «حسن صحيح».
وهذا الحديثُ مُسَلْسَلٌ بالأَوَّلِيَّة إلى سفيانَ على الصَّحيح، وقد رُوِيَ مُسَلْسَلاً بها إلى النَّبيِّ ﷺ، وإلى عبد الله ابن عَمْرو، وإلى أبي قابوس، وإلى عَمْرو ابن دينار، وكلُّها ضعيفةٌ أو شاذَّةٌ.
وأبو قابوس لا يُعرَفُ إلاَّ بكُنْيته، وحُكِيَ عن أبي الفَرَج ثابت بن محمَّد المَديني(18) الحافظ أنَّ اسمَه المُبَرِّد، وقال الشَّيخ أبو عَمْرو بنُ الصَّلاح ـ رحمه الله ـ: «ليس هذا ممَّا يُركَنُ إليه»، وقابوسُ لا ينصرفُ؛ للعُجْمَة والعَلَمِيَّة، ويَمتنعُ دخولُ الألفِ واللامِ عليه، دون طاوسٍ قَبِلَ العَلَمِيَّةَ وهو اسمُ جنس، قال الشَّيخ أبو عَمْرو بن الصَّلاح: «ويحتملُ جوازُ صَرْفِه على أنَّه منقولٌ من العُجْمَةِ إلى العَلَمِيَّة»، بمعنى النَّقل من القابوس وهو الجميلُ الوجهِ الحسنُ اللَّونِ، لكنَّ الجَزْمَ بامتناعِ صَرْفِه يدلُّ على أنَّه منقول من العُجْمَةِ إلى العَلَمِيَّةِ من غير تردُّدٍ.
ومَحْمِش بفتح الميمِ الأولى وكسر الثَّانية بينهما حاءٌ مهملةٌ ساكنةٌ وآخرُه سينٌ معجمةٌ.
والزِّيادي نسبة إلى مَحَلَّةٍ كان يَنزلُها من نيسابور يسمَّى ميدان زياد ابن عبد الرَّحمن، وهي صحيحةٌ من حيث العربيَّة؛ لأنَّا إذا أردنا أن نَنْسِبَ إلى اسمين أُضيفَ أحدُهما إلى الآخر والثَّاني مسمًّى على انفراده فإنَّا ننسبُ إليه فقط، فالنِّسبةُ إلى أبي طالب طالِبِي، ولهذا قالوا: الطالِبِيُّون في النِّسبة إلى علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ.
والعاصي يقولُه كثيرٌ من أهل الضَّبط بالياء على الجادَّة، والمشهور على ألسنة المحدِّثين كتبُه بلا ياء(19).
وفي هذا الحديث فوائد:
الأولى: قولُه ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» دليلٌ على أنَّ رحمةَ خَلْق الله سببٌ لرحمةِ الله تعالى.
الثَّانية: قوله ﷺ: «يَرْحَمْكُم مَنْ في السَّمَاءِ» ممَّا يجبُ الإيمانُ به، وإجراؤه على ظاهره، مع التَّصريحِ بالتَّنزيهِ والتَّقديسِ، والتَّبَرِّي من التَّحديدِ(20) والتَّشبيهِ والتَّعطيلِ؛ لأنَّه ﷺ أَطْلَقَه ولم يُقَيِّدْه بكيفيَّةٍ، فوجبَ الإيمانُ به على ما ذكرنا، وهذه طريقةُ صدرِ الأمَّة وسادتِها، وهي اختيارُ أئمَّة الفقهاء وقادتِها، وينبغي للعبد ـ مع الإيمانِ بذلك ـ أن لا يُفَكِّرَ في معناه، إلاَّ أنْ يَرِدَ نصٌّ من كتابٍ أو سنَّةٍ به، فإِنْ نَبَغَ نابغةٌ في الكلامِ في ذلك وَجَبَ الرَّدُّ عليه على الطَّريقةِ الَّتي ذكرناها، مع التزامِ التَّبَرِّي من التَّحديدِ والتَّشبيهِ والتَّعطيلِ، فسبحان مَن الوجودُ قائمٌ بوجودِه(21)، لا يُشْبِهُه شيءٌ، ولا يَحُدُّه حدٌّ(22)، أَوْجَدَ الأشياءَ من العَدَم وكان سبحانه ولا شيء معه، وهو الَّذي علَّمَنا ما لم نعلَم وعَرَّفَنا به، لا عِلْمَ لنا إلاَّ ما عَلَّمْتَنا، ولا معرفةَ لنا إلاَّ بتعريفِك إيَّانا، ليس كمثله شيء وهو السَّميع البصير، ذاتُه لا تُشْبِهُ الذَّوات وصفاتُه لا تُشْبِهُ الصِّفات، والتَّصرُّفُ في أدلِّتِها وتأويلِها لا يُشْبِهُ التَّصرُّفات.
الثَّالثة: كما أنَّ الرَّاحِمَ مِنَّا مَرْحُومٌ، كذا غيرُ الرَّاحمِ غيرُ مَرْحومٍ، ويؤيِّدُ ذلك قولُه ﷺ: «مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَم»(23)، وقولُه ﷺ: «لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِن شَقِيٍّ»(24)، وقوله ﷺ: «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ»(25).
ثمَّ إنَّ رحمةَ الله للرُّحَماءِ مِن خَلْقِه المذكورةَ في هذه الأحاديث هي غيرُ الرَّحمةِ الَّتي بَثَّها بين خَلْقِه في الدُّنيا، فإنَّه سبحانه قد جعلها وكانت، وإنَّما هي الرَّحمةُ المَوْعُودُ بها في الآخرة؛ لأنَّ رحمتَه في الدُّنيا لا تَخُصُّ الرَّاحِمَ، بل هي له ولغيره.
ثم إنَّه ﷺ قابَلَ لفظ «الرَّاحِمُونَ» بلفظٍ يدلُّ على المبالغة وهو «الرَّحمن»، مبالغةً في رحمتهم.
ويدلُّ على أنَّ كَوْنَ رحمة الله المذكورةِ في هذا الحديث أنَّها في الآخرة دون الدُّنيا ما ثبتَ في «الصَّحيحين»(26) من رواية أبي هُرَيْرَة ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «خَلَقَ اللهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ، وَأَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً بَيْنَ عِبَادِهِ فِبِهَا يَتَرَاحَمُونَ وبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ جَمَعَ هَذِهِ الرَّحْمَةَ إِلَى التِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ فَفَضَّهَا عَلَى عِبَادِهِ».
قال سُلَيْم ـ رحمه الله ـ(27): «مِنْ رحمةٍ واحدةٍ أصابَنا القرآنُ والإيمانُ وفعلَ وفعلَ، أفلا نرجو من مائة رحمةٍ الجنّةَ؟!».
وهذا الحديثُ مُسَلْسَلٌ بالأَوَّلِيَّة إلى سفيانَ على الصَّحيح، وقد رُوِيَ مُسَلْسَلاً بها إلى النَّبيِّ ﷺ، وإلى عبد الله ابن عَمْرو، وإلى أبي قابوس، وإلى عَمْرو ابن دينار، وكلُّها ضعيفةٌ أو شاذَّةٌ.
وأبو قابوس لا يُعرَفُ إلاَّ بكُنْيته، وحُكِيَ عن أبي الفَرَج ثابت بن محمَّد المَديني(18) الحافظ أنَّ اسمَه المُبَرِّد، وقال الشَّيخ أبو عَمْرو بنُ الصَّلاح ـ رحمه الله ـ: «ليس هذا ممَّا يُركَنُ إليه»، وقابوسُ لا ينصرفُ؛ للعُجْمَة والعَلَمِيَّة، ويَمتنعُ دخولُ الألفِ واللامِ عليه، دون طاوسٍ قَبِلَ العَلَمِيَّةَ وهو اسمُ جنس، قال الشَّيخ أبو عَمْرو بن الصَّلاح: «ويحتملُ جوازُ صَرْفِه على أنَّه منقولٌ من العُجْمَةِ إلى العَلَمِيَّة»، بمعنى النَّقل من القابوس وهو الجميلُ الوجهِ الحسنُ اللَّونِ، لكنَّ الجَزْمَ بامتناعِ صَرْفِه يدلُّ على أنَّه منقول من العُجْمَةِ إلى العَلَمِيَّةِ من غير تردُّدٍ.
ومَحْمِش بفتح الميمِ الأولى وكسر الثَّانية بينهما حاءٌ مهملةٌ ساكنةٌ وآخرُه سينٌ معجمةٌ.
والزِّيادي نسبة إلى مَحَلَّةٍ كان يَنزلُها من نيسابور يسمَّى ميدان زياد ابن عبد الرَّحمن، وهي صحيحةٌ من حيث العربيَّة؛ لأنَّا إذا أردنا أن نَنْسِبَ إلى اسمين أُضيفَ أحدُهما إلى الآخر والثَّاني مسمًّى على انفراده فإنَّا ننسبُ إليه فقط، فالنِّسبةُ إلى أبي طالب طالِبِي، ولهذا قالوا: الطالِبِيُّون في النِّسبة إلى علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ.
والعاصي يقولُه كثيرٌ من أهل الضَّبط بالياء على الجادَّة، والمشهور على ألسنة المحدِّثين كتبُه بلا ياء(19).
وفي هذا الحديث فوائد:
الأولى: قولُه ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ» دليلٌ على أنَّ رحمةَ خَلْق الله سببٌ لرحمةِ الله تعالى.
الثَّانية: قوله ﷺ: «يَرْحَمْكُم مَنْ في السَّمَاءِ» ممَّا يجبُ الإيمانُ به، وإجراؤه على ظاهره، مع التَّصريحِ بالتَّنزيهِ والتَّقديسِ، والتَّبَرِّي من التَّحديدِ(20) والتَّشبيهِ والتَّعطيلِ؛ لأنَّه ﷺ أَطْلَقَه ولم يُقَيِّدْه بكيفيَّةٍ، فوجبَ الإيمانُ به على ما ذكرنا، وهذه طريقةُ صدرِ الأمَّة وسادتِها، وهي اختيارُ أئمَّة الفقهاء وقادتِها، وينبغي للعبد ـ مع الإيمانِ بذلك ـ أن لا يُفَكِّرَ في معناه، إلاَّ أنْ يَرِدَ نصٌّ من كتابٍ أو سنَّةٍ به، فإِنْ نَبَغَ نابغةٌ في الكلامِ في ذلك وَجَبَ الرَّدُّ عليه على الطَّريقةِ الَّتي ذكرناها، مع التزامِ التَّبَرِّي من التَّحديدِ والتَّشبيهِ والتَّعطيلِ، فسبحان مَن الوجودُ قائمٌ بوجودِه(21)، لا يُشْبِهُه شيءٌ، ولا يَحُدُّه حدٌّ(22)، أَوْجَدَ الأشياءَ من العَدَم وكان سبحانه ولا شيء معه، وهو الَّذي علَّمَنا ما لم نعلَم وعَرَّفَنا به، لا عِلْمَ لنا إلاَّ ما عَلَّمْتَنا، ولا معرفةَ لنا إلاَّ بتعريفِك إيَّانا، ليس كمثله شيء وهو السَّميع البصير، ذاتُه لا تُشْبِهُ الذَّوات وصفاتُه لا تُشْبِهُ الصِّفات، والتَّصرُّفُ في أدلِّتِها وتأويلِها لا يُشْبِهُ التَّصرُّفات.
الثَّالثة: كما أنَّ الرَّاحِمَ مِنَّا مَرْحُومٌ، كذا غيرُ الرَّاحمِ غيرُ مَرْحومٍ، ويؤيِّدُ ذلك قولُه ﷺ: «مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَم»(23)، وقولُه ﷺ: «لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِن شَقِيٍّ»(24)، وقوله ﷺ: «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ»(25).
ثمَّ إنَّ رحمةَ الله للرُّحَماءِ مِن خَلْقِه المذكورةَ في هذه الأحاديث هي غيرُ الرَّحمةِ الَّتي بَثَّها بين خَلْقِه في الدُّنيا، فإنَّه سبحانه قد جعلها وكانت، وإنَّما هي الرَّحمةُ المَوْعُودُ بها في الآخرة؛ لأنَّ رحمتَه في الدُّنيا لا تَخُصُّ الرَّاحِمَ، بل هي له ولغيره.
ثم إنَّه ﷺ قابَلَ لفظ «الرَّاحِمُونَ» بلفظٍ يدلُّ على المبالغة وهو «الرَّحمن»، مبالغةً في رحمتهم.
ويدلُّ على أنَّ كَوْنَ رحمة الله المذكورةِ في هذا الحديث أنَّها في الآخرة دون الدُّنيا ما ثبتَ في «الصَّحيحين»(26) من رواية أبي هُرَيْرَة ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «خَلَقَ اللهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ، وَأَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً بَيْنَ عِبَادِهِ فِبِهَا يَتَرَاحَمُونَ وبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ جَمَعَ هَذِهِ الرَّحْمَةَ إِلَى التِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ فَفَضَّهَا عَلَى عِبَادِهِ».
قال سُلَيْم ـ رحمه الله ـ(27): «مِنْ رحمةٍ واحدةٍ أصابَنا القرآنُ والإيمانُ وفعلَ وفعلَ، أفلا نرجو من مائة رحمةٍ الجنّةَ؟!».
الرَّابعة: ينبغي رحمةُ جميعِ مخلوقاتِ الله تعالى والإحسانُ إليهم، على كلِّ حالٍ بحَسَبِه، حتَّى في المؤلمات كالذَّبْحِ واستيفاءِ الحدودِ والجنايات، من تحديدِ آلة الذَّكاة، وعدَمِ سَلْخِ المذبوحِ حتَّى تسكُنَ حركتُه، وكذلك لا تُقامُ الحدودُ في الحَرِّ والبرد الشَّديدين، وكذا لا يُقامُ الحدُّ على حامِلٍ حتَّى تضع، وكذلك لا يُفَرَّقُ بين والدةٍ ووَلَدِها قبل سبع سنين وفيما بعد ذلك خلافٌ، وكذلك مُنِعَ من المُثْلَةِ، وشُرِعَ العفوُ عن القصاص، وشرعيَّة العقوبات والمؤاخذات زَجْرٌ عن الفساد في الأرض وكَفُّ العادِية عن الخَلْق، فهي إذاً مَراحِمُ، والله أعلم.
فسبحان مَنْ أَوْجَدَنا من العَدَم، وخلَقَ فينا أفعالاً وأقوالاً وأحوالاً أثابنا عليها جُودًا وكَرَمًا.
ومَن كان هذا وصفُه فحَقِيقٌ بنا الشَّوْقُ إليه وطَلَبُ الوصولِ إليه، اللَّهم اجْعَلْ شَوْقَنا إليك، فإنَّه لا حول ولا قوَّة إلاَّ بك.
أنشدنا الشَّيخ العارفُ الفاضلُ أبو عبد الله محمَّد ابن بِشْر النَّووي أصلاً ـ رحمه الله ـ(28) في غالب الظَّنِّ بدمشق بحضرة شيخنا الحافظ أبي زكريَّا يحيى ابن شرف النَّووي ـ رحمه الله ـ لنفسه(29):
بشائرُ قلبي يومَ سَيْري إليكم
فيالَ سُروري يومَ سَيْري إليكم
وفي رِحْلَتي يَصْفُو مقامي فَحَبَّذا
مقامٌ به حطَّ الرِّحالُ لديكم
ولا زادَ لي إلاَّ يقيني بأنَّكم
لكم كرمٌ يُغني الوفودَ عليكم
آخرُه، والحمد لله أوَّلاً وآخرًا وباطنًا وظاهرًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلَّى الله على محمَّد وآله وصحبه وسلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عقدَ له الدُّكتور محمَّد السُّليماني ترجمةً حافلةً علميَّةً مميَّزَةً في مقدِّمة تحقيقه لكتابه «أدب الخطيب».
(2) حقَّقَ قسمًا منه أخونا الشَّيخ الدُّكتور عبدالخالق ماضي في أطروحته الَّتي نال بها شهادة الدُّكتوراه.
(3) «البداية والنِّهاية» (18/251).
(4) توفيِّ سنة 752هـ، له ترجمة في «الدُّرر الكامنة في أعيان المائة الثَّامنة» (2/95 ـ 96).
(5) أنشأها السُّلطان نور الدِّين محمود بن زنكي الملقَّب بالملك العادل (511 ـ 569هـ).
(6) هو المعروف بابن البخاري.
(7) يعني: عبد الرَّحمن بن سلمان.
( 8 ) هذا الحرف يستعملُه المحدِّثون لتحويل السَّند.
(9) ناحية بباب الأَزَجِّ ببغداد «معجم البلدان» (1/168).
(10) يعني: ابن الغزَّال وابن القُبَّيْطي.
(11) كُتب على الحاشية: يعني: الصِّقِلِّي والسَّرَّاج.
(12) هو: السَّهروردي المتصوِّف.
(13) هو: الحافظ ابن عساكر صاحب «تاريخ دمشق».
(14) يعني: السَّهروردي وابن عساكر.
(15)كُتب في الحاشية: السِّجزي وابن محمش.
(16) «سنن أبي داود» (4943).
(17) «جامع التِّرمذي» (1924) والحديث في «السِّلسلة الصَّحيحة» (925) وقد صحَّحه الشَّيخ الألباني بالشَّواهد.
(18) نسبتُه إلى المدينة القديمة ويقال لها: شهرستان، توفيِّ سنة 595هـ «التَّكملة لوفيات النَّقلة» (1/331 ـ 332).
(19) انظر: «تهذيب الأسماء واللُّغات» (2/62).
(20) يعني: تحديد حقيقة الصِّفة.
(21) أي أنَّ كلَّ موجود إنَّما يستمدُّ وجودَه من وجودِ الله سبحانه وتعالى.
(22) المراد أن الله لا يحده شيء لأنه أكبر من ذلك، وأما الحد الذي يراد به أنه بائن من خلقه فواجب اعتقاده على أن لفظ الحد لا يثبت فيه شيء لا نفيًا ولا إثباتًا.
(23) أخرجه البخاري (5997) ومسلم (2318) من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ، والبخاري (6013) من حديث جرير بن عبدالله البجلي.
(24) أخرجه أبو داود (4942) والتِّرمذي (1924) والإمام أحمد (8001) وغيرهم من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ، وهو حديث حسن.
(25) أخرجه البخاري (1284) ومسلم (923) من حديث أسامة بن زيد ـ رضي الله عنه ـ.
(26) البخاري (6469) ومسلم (2753).
(27) هو: أبو الفتح سُلَيْم بن أيُّوب بن سُلَيْم الرَّازي، من كبار فقهاء الشَّافعية، توفِّي غريقًا بعد أن حجَّ سنة 447هـ. «سير أعلام النُّبلاء» (17/645 ـ 647).
(28) لم أقف على ترجمته.
(29) الأبيات أوردها السَّخاوي في «المنهل العذب الرَّوي» (37).
فسبحان مَنْ أَوْجَدَنا من العَدَم، وخلَقَ فينا أفعالاً وأقوالاً وأحوالاً أثابنا عليها جُودًا وكَرَمًا.
ومَن كان هذا وصفُه فحَقِيقٌ بنا الشَّوْقُ إليه وطَلَبُ الوصولِ إليه، اللَّهم اجْعَلْ شَوْقَنا إليك، فإنَّه لا حول ولا قوَّة إلاَّ بك.
أنشدنا الشَّيخ العارفُ الفاضلُ أبو عبد الله محمَّد ابن بِشْر النَّووي أصلاً ـ رحمه الله ـ(28) في غالب الظَّنِّ بدمشق بحضرة شيخنا الحافظ أبي زكريَّا يحيى ابن شرف النَّووي ـ رحمه الله ـ لنفسه(29):
بشائرُ قلبي يومَ سَيْري إليكم
فيالَ سُروري يومَ سَيْري إليكم
وفي رِحْلَتي يَصْفُو مقامي فَحَبَّذا
مقامٌ به حطَّ الرِّحالُ لديكم
ولا زادَ لي إلاَّ يقيني بأنَّكم
لكم كرمٌ يُغني الوفودَ عليكم
آخرُه، والحمد لله أوَّلاً وآخرًا وباطنًا وظاهرًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلَّى الله على محمَّد وآله وصحبه وسلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عقدَ له الدُّكتور محمَّد السُّليماني ترجمةً حافلةً علميَّةً مميَّزَةً في مقدِّمة تحقيقه لكتابه «أدب الخطيب».
(2) حقَّقَ قسمًا منه أخونا الشَّيخ الدُّكتور عبدالخالق ماضي في أطروحته الَّتي نال بها شهادة الدُّكتوراه.
(3) «البداية والنِّهاية» (18/251).
(4) توفيِّ سنة 752هـ، له ترجمة في «الدُّرر الكامنة في أعيان المائة الثَّامنة» (2/95 ـ 96).
(5) أنشأها السُّلطان نور الدِّين محمود بن زنكي الملقَّب بالملك العادل (511 ـ 569هـ).
(6) هو المعروف بابن البخاري.
(7) يعني: عبد الرَّحمن بن سلمان.
( 8 ) هذا الحرف يستعملُه المحدِّثون لتحويل السَّند.
(9) ناحية بباب الأَزَجِّ ببغداد «معجم البلدان» (1/168).
(10) يعني: ابن الغزَّال وابن القُبَّيْطي.
(11) كُتب على الحاشية: يعني: الصِّقِلِّي والسَّرَّاج.
(12) هو: السَّهروردي المتصوِّف.
(13) هو: الحافظ ابن عساكر صاحب «تاريخ دمشق».
(14) يعني: السَّهروردي وابن عساكر.
(15)كُتب في الحاشية: السِّجزي وابن محمش.
(16) «سنن أبي داود» (4943).
(17) «جامع التِّرمذي» (1924) والحديث في «السِّلسلة الصَّحيحة» (925) وقد صحَّحه الشَّيخ الألباني بالشَّواهد.
(18) نسبتُه إلى المدينة القديمة ويقال لها: شهرستان، توفيِّ سنة 595هـ «التَّكملة لوفيات النَّقلة» (1/331 ـ 332).
(19) انظر: «تهذيب الأسماء واللُّغات» (2/62).
(20) يعني: تحديد حقيقة الصِّفة.
(21) أي أنَّ كلَّ موجود إنَّما يستمدُّ وجودَه من وجودِ الله سبحانه وتعالى.
(22) المراد أن الله لا يحده شيء لأنه أكبر من ذلك، وأما الحد الذي يراد به أنه بائن من خلقه فواجب اعتقاده على أن لفظ الحد لا يثبت فيه شيء لا نفيًا ولا إثباتًا.
(23) أخرجه البخاري (5997) ومسلم (2318) من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ، والبخاري (6013) من حديث جرير بن عبدالله البجلي.
(24) أخرجه أبو داود (4942) والتِّرمذي (1924) والإمام أحمد (8001) وغيرهم من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ، وهو حديث حسن.
(25) أخرجه البخاري (1284) ومسلم (923) من حديث أسامة بن زيد ـ رضي الله عنه ـ.
(26) البخاري (6469) ومسلم (2753).
(27) هو: أبو الفتح سُلَيْم بن أيُّوب بن سُلَيْم الرَّازي، من كبار فقهاء الشَّافعية، توفِّي غريقًا بعد أن حجَّ سنة 447هـ. «سير أعلام النُّبلاء» (17/645 ـ 647).
(28) لم أقف على ترجمته.
(29) الأبيات أوردها السَّخاوي في «المنهل العذب الرَّوي» (37).
الجزء_المسلسل_بالأولية_والكلام_عليه.pdf
5.8 MB
الجزء المسلسل بالأوَّلِيَّة، والكلامُ عليه، لعلاء الدين أبي الحسن عليّ بن إبراهيم بن داود العطّار الدمشقي
تلميذِ الإمام النووي، المتوفَّى سنة (724هـ)
💢 قرأه وعلق عليه: عمار تمالت
تلميذِ الإمام النووي، المتوفَّى سنة (724هـ)
💢 قرأه وعلق عليه: عمار تمالت
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال ابنُ الجوزي رحمه الله:
«اعلَم أنَّ البابَ الأعظَم الَّذي يدخُل مِنْهُ إبليس علَى النَّاس هُو الجهلُ»
[«تلبيس إبليس» (ص١٢١)]
📌قال ابنُ الجوزي رحمه الله:
«اعلَم أنَّ البابَ الأعظَم الَّذي يدخُل مِنْهُ إبليس علَى النَّاس هُو الجهلُ»
[«تلبيس إبليس» (ص١٢١)]
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
✳️ عنوان الخطبة: مسؤولية تربية الأبناء
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عز الدين رمضاني 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 13 جمادى الأولى 1447 الموافق لـ 14 أكتوبر 2025
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عز الدين رمضاني 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 13 جمادى الأولى 1447 الموافق لـ 14 أكتوبر 2025
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
🎉 التعليق على المهذب من رسالة الشرك ومظاهره 08 | الشيخ د.حسن بن داود بوقليل
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌 قال ابن تيمية رحمه الله:
«مبتدعةُ العُبَّاد طلبُوا القُربَ مِن الله بما ابتَدعُوه في العبادة، فلم يحصُل لهم إلَّا البُعد منه؛ فإنَّه ما ازدادَ مُبتَدعٌ اجتهادًا إلَّا ازدادَ مِن الله تعالى بُعْدًا».
[«منهاج السنة» (٥/ ١٧٠)]
📌 قال ابن تيمية رحمه الله:
«مبتدعةُ العُبَّاد طلبُوا القُربَ مِن الله بما ابتَدعُوه في العبادة، فلم يحصُل لهم إلَّا البُعد منه؛ فإنَّه ما ازدادَ مُبتَدعٌ اجتهادًا إلَّا ازدادَ مِن الله تعالى بُعْدًا».
[«منهاج السنة» (٥/ ١٧٠)]
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
🎉 تفسير سورة الفرقان ـ الآيات الأولى ـ الشيخ عز الدين رمضاني
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 خُلق الرَّحمة وأهميَّته في تربية الطفل
💢 عز الدين رمضاني
💢 منشور في العدد (36) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: https://bit.ly/4i5JnzI
👇👇👇
💢 خُلق الرَّحمة وأهميَّته في تربية الطفل
💢 عز الدين رمضاني
💢 منشور في العدد (36) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: https://bit.ly/4i5JnzI
👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 خُلق الرَّحمة وأهميَّته في تربية الطفل
💢 عز الدين رمضاني
💢 منشور في العدد (36) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: https://bit.ly/4i5JnzI
👇👇👇
إنَّ الأطفالَ أمانةٌ من الله عندنا، وودائع الأمَّة بين أيدينا، سُلِّمُوا إلينا صغارًا لنجعلَهم رجالاً ونساءً، وقُدِّمُوا إلينا مباني لنعمرها بالمعاني، وأوعيةً لنملأها بالفضيلة والعلم، فإنْ أحسنَّا التَّصرُّف وسِرْنا فيهم بسيرة أسلافنا من تربيةٍ فاضلةٍ مستقيمةٍ، ويقظةٍ مستديمةٍ، وعلومٍ بنَّاءةٍ قويمةٍ، كانوا صالحين لأمَّتهم ولأنفسهم، وإن أسأنا التَّصرُّف فيهم وسلكنا بهم أضدادَ المحاسن والفضائل بُنِيَتْ حياةُ الجيل كلِّه على فساد، وساءت آثاره في الأمَّة.
ومن المسلَّمات عند علماء التَّربية أنَّ الأطفال مفطورون على غرائز ناقصة، يزيدها الإهمال وفقدان التَّربية الصَّالحة نقصًا وشناعةً، وتعالجها التَّربية الحكيمة كما تعالج الأمراض والأسقام، فإذا لم تعالج في الصِّغر اندملت نفوسهم عليها كما يندمل الجرح على فساد، وجفَّت كما يجفُّ العود على عوج، والتَّصرُّف السَّليم هو أن نضع أيدينا على تلك النَّقائص، وأن نتعهَّدها بالإصلاح والتَّقويم، أو بالتَّشذيب والتَّعديل، وأن نكون لهم قدوةً صالحةً في الأعمال والأحوال والأقوال، لا يرون منَّا إلاَّ الصَّالح من الأعمال، ولا يسمعون منَّا إلاَّ الصَّادق من الأقوال.
وإنَّ من الأسباب المعينة لضمان تربيةٍ مُثْلَى وفاضلة لأطفالنا هو أخذهم بالرَّحمة والرِّفق في تعاملنا معهم، أمرًا ونهيًا، نصحًا وتأديبًا، ثوابًا وعقابًا، وهذا سبب معين بحقٍّ على تنشئة الأطفال تنشئةً صالحةً موفَّقَةً؛ لأنَّ ضدَّ ذلك ـ والمحاسن تظهر بأضدادها ـ وهو أخذهم بالقسوة والعنف مِعْوَلُ تهديمٍ وأداةُ تحطيمٍ يحمل الأطفال على الكذب والنِّفاق، ويغرس فيهم الجبن والخوف، ويبغِّض إليهم العلم والأدب، وكلُّ ذلك معدودٌ في جنايات المُرَبِّين الجاهلين بأصول التَّربية والتَّأديب.
وإذا كان النَّاس ـ كبارًا وصغارًا ـ مجبولين على حبِّ مَنْ أحسنَ إليهم فهذه الجبلَّةُ عند الصِّغار أظهرُ وأمكنُ، يحبُّون من يتحبَّب إليهم، ويميلون إلى مَنْ يُحْسِنُ إليهم، ويأْنَسُون بمَنْ يعاملهم بالرِّفق ويقابلهم بالبشاشة والبِشْرِ، فمن أراد أن يصل إلى نفوسهم من أقرب طريق، وأن يصلح نزعاتهم بأيسرِ كُلفةٍ، وأن يحملهم على طاعته بأسهل وسيلةٍ؛ فما عليه إلاَّ أن يتحبَّب إليهم، ويقابلهم بوجه متهلِّل، ويبادلهم التَّحيَّة، ويتفقَّد أحوالَهم باهتمام، ويضاحكهم ويمازحهم، ويقبِّلَهم ويحادثَهم بلطفٍ وبشاشةٍ، وما إلى ذلك من مظاهر الرِّفق والرَّحمة الَّتي جاءت النُّصوص الشَّرعيَّة تحثُّ على التَّحلِّي بها وتعتبرها من دعائم حسن المعاملة فيما بين خلق الله تعالى، وتحذِّرُ من المعاملة القاسيةِ، وسلوكات الغِلْظَة والجفاء، وطبائع الرُّعونة والتَّزمُّت لما لها من آثار سلبيَّةٍ تعود على الأطفال بالخيبة والخسران وفساد الطَّويَّة.
وفي طليعة هذه النُّصوص نجد الوصيَّة النَّبويَّة برحمة البنات والإشفاق عليهنَّ وتخصيصهنَّ بمزيد عنايةٍ واهتمامٍ، حيث ضمن ـ عليه الصَّلاة السَّلام ـ أغلى سلعة عند الله ـ وهي الجنَّة ـ لمن ساق رحمته إلى بناته، وأحسن إليهنَّ وكفاهُنَّ فقال ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ ثَلاَثُ بَنَاتٍ؛ يُؤْوِيهِنَّ وَيَكْفِيهِنَّ ويَرْحُمُهُنَّ، فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ البَتَّةَ»، فقال رجل من بعض القوم: وثنتين يا رسول الله! قال: «وَثِنْتَيْنِ». [البخاري في «الأدب المفرد» (78) وهو حسن] وقال ﷺ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا فَلَيْسَ مِنَّا»(1).
وإنَّ من العجائب ـ والعجائب جمَّةٌ ـ أن نرى آثار رحمة الوالدين تصل الغريبَ ويُحْرَمُ منها القريبُ، وينتفع بها ابن الجار، ويضيق لها ابن الدَّار، وهذا سلوك مذموم وخلق مركوم يجب أن يتنزَّه عنه كل مربٍّ، فيحرص المسلم على أن تكون البداءة في الخير بنفسه وأهله كما في هذا الحديث الَّذي يتَّضح فيه هذا الخلق الرَّفيع والسُّلوك الحميد، فقد جاء في «الأدب المفرد» (89)،ومعناه في «صحيح مسلم» (2630) من طريق أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: جاءت امرأة إلى عائشة ـ رضي الله عنها ـ فأعطتها عائشة ثلاث تمرات، فأعطت كلَّ صبيٍّ لها تَمْرَةً، وأمسكت لنفسها تمرَةً، فأكل الصِّبيان التَّمرتَيْن، ونظرَا إلى أمِّهِمَا، فعمدت إلى التَّمْرَة فشقَّتها، فأعطت كلَّ صبيٍّ نصفَ تَمْرَةٍ، فجاء النَّبيُّ ﷺ فأخبرته عائشة ـ رضي الله عنها ـ فقال ﷺ: «أَوَمَا يُعْجِبُكِ مِنْ ذَلِكَ!، لَقَدْ رَحِمَهَا اللهُ بِرَحْمَتِهَا صِبْيَيْهَا».
💢 خُلق الرَّحمة وأهميَّته في تربية الطفل
💢 عز الدين رمضاني
💢 منشور في العدد (36) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك: https://bit.ly/4i5JnzI
👇👇👇
إنَّ الأطفالَ أمانةٌ من الله عندنا، وودائع الأمَّة بين أيدينا، سُلِّمُوا إلينا صغارًا لنجعلَهم رجالاً ونساءً، وقُدِّمُوا إلينا مباني لنعمرها بالمعاني، وأوعيةً لنملأها بالفضيلة والعلم، فإنْ أحسنَّا التَّصرُّف وسِرْنا فيهم بسيرة أسلافنا من تربيةٍ فاضلةٍ مستقيمةٍ، ويقظةٍ مستديمةٍ، وعلومٍ بنَّاءةٍ قويمةٍ، كانوا صالحين لأمَّتهم ولأنفسهم، وإن أسأنا التَّصرُّف فيهم وسلكنا بهم أضدادَ المحاسن والفضائل بُنِيَتْ حياةُ الجيل كلِّه على فساد، وساءت آثاره في الأمَّة.
ومن المسلَّمات عند علماء التَّربية أنَّ الأطفال مفطورون على غرائز ناقصة، يزيدها الإهمال وفقدان التَّربية الصَّالحة نقصًا وشناعةً، وتعالجها التَّربية الحكيمة كما تعالج الأمراض والأسقام، فإذا لم تعالج في الصِّغر اندملت نفوسهم عليها كما يندمل الجرح على فساد، وجفَّت كما يجفُّ العود على عوج، والتَّصرُّف السَّليم هو أن نضع أيدينا على تلك النَّقائص، وأن نتعهَّدها بالإصلاح والتَّقويم، أو بالتَّشذيب والتَّعديل، وأن نكون لهم قدوةً صالحةً في الأعمال والأحوال والأقوال، لا يرون منَّا إلاَّ الصَّالح من الأعمال، ولا يسمعون منَّا إلاَّ الصَّادق من الأقوال.
وإنَّ من الأسباب المعينة لضمان تربيةٍ مُثْلَى وفاضلة لأطفالنا هو أخذهم بالرَّحمة والرِّفق في تعاملنا معهم، أمرًا ونهيًا، نصحًا وتأديبًا، ثوابًا وعقابًا، وهذا سبب معين بحقٍّ على تنشئة الأطفال تنشئةً صالحةً موفَّقَةً؛ لأنَّ ضدَّ ذلك ـ والمحاسن تظهر بأضدادها ـ وهو أخذهم بالقسوة والعنف مِعْوَلُ تهديمٍ وأداةُ تحطيمٍ يحمل الأطفال على الكذب والنِّفاق، ويغرس فيهم الجبن والخوف، ويبغِّض إليهم العلم والأدب، وكلُّ ذلك معدودٌ في جنايات المُرَبِّين الجاهلين بأصول التَّربية والتَّأديب.
وإذا كان النَّاس ـ كبارًا وصغارًا ـ مجبولين على حبِّ مَنْ أحسنَ إليهم فهذه الجبلَّةُ عند الصِّغار أظهرُ وأمكنُ، يحبُّون من يتحبَّب إليهم، ويميلون إلى مَنْ يُحْسِنُ إليهم، ويأْنَسُون بمَنْ يعاملهم بالرِّفق ويقابلهم بالبشاشة والبِشْرِ، فمن أراد أن يصل إلى نفوسهم من أقرب طريق، وأن يصلح نزعاتهم بأيسرِ كُلفةٍ، وأن يحملهم على طاعته بأسهل وسيلةٍ؛ فما عليه إلاَّ أن يتحبَّب إليهم، ويقابلهم بوجه متهلِّل، ويبادلهم التَّحيَّة، ويتفقَّد أحوالَهم باهتمام، ويضاحكهم ويمازحهم، ويقبِّلَهم ويحادثَهم بلطفٍ وبشاشةٍ، وما إلى ذلك من مظاهر الرِّفق والرَّحمة الَّتي جاءت النُّصوص الشَّرعيَّة تحثُّ على التَّحلِّي بها وتعتبرها من دعائم حسن المعاملة فيما بين خلق الله تعالى، وتحذِّرُ من المعاملة القاسيةِ، وسلوكات الغِلْظَة والجفاء، وطبائع الرُّعونة والتَّزمُّت لما لها من آثار سلبيَّةٍ تعود على الأطفال بالخيبة والخسران وفساد الطَّويَّة.
وفي طليعة هذه النُّصوص نجد الوصيَّة النَّبويَّة برحمة البنات والإشفاق عليهنَّ وتخصيصهنَّ بمزيد عنايةٍ واهتمامٍ، حيث ضمن ـ عليه الصَّلاة السَّلام ـ أغلى سلعة عند الله ـ وهي الجنَّة ـ لمن ساق رحمته إلى بناته، وأحسن إليهنَّ وكفاهُنَّ فقال ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ ثَلاَثُ بَنَاتٍ؛ يُؤْوِيهِنَّ وَيَكْفِيهِنَّ ويَرْحُمُهُنَّ، فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ البَتَّةَ»، فقال رجل من بعض القوم: وثنتين يا رسول الله! قال: «وَثِنْتَيْنِ». [البخاري في «الأدب المفرد» (78) وهو حسن] وقال ﷺ: «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا فَلَيْسَ مِنَّا»(1).
وإنَّ من العجائب ـ والعجائب جمَّةٌ ـ أن نرى آثار رحمة الوالدين تصل الغريبَ ويُحْرَمُ منها القريبُ، وينتفع بها ابن الجار، ويضيق لها ابن الدَّار، وهذا سلوك مذموم وخلق مركوم يجب أن يتنزَّه عنه كل مربٍّ، فيحرص المسلم على أن تكون البداءة في الخير بنفسه وأهله كما في هذا الحديث الَّذي يتَّضح فيه هذا الخلق الرَّفيع والسُّلوك الحميد، فقد جاء في «الأدب المفرد» (89)،ومعناه في «صحيح مسلم» (2630) من طريق أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: جاءت امرأة إلى عائشة ـ رضي الله عنها ـ فأعطتها عائشة ثلاث تمرات، فأعطت كلَّ صبيٍّ لها تَمْرَةً، وأمسكت لنفسها تمرَةً، فأكل الصِّبيان التَّمرتَيْن، ونظرَا إلى أمِّهِمَا، فعمدت إلى التَّمْرَة فشقَّتها، فأعطت كلَّ صبيٍّ نصفَ تَمْرَةٍ، فجاء النَّبيُّ ﷺ فأخبرته عائشة ـ رضي الله عنها ـ فقال ﷺ: «أَوَمَا يُعْجِبُكِ مِنْ ذَلِكَ!، لَقَدْ رَحِمَهَا اللهُ بِرَحْمَتِهَا صِبْيَيْهَا».
ولقد أرسل الله محمَّدًا ﷺ رحمةً للعالمين، وغمر قلبه بالعلم والحلم، وجعل في خلقه من الإيناس والبرِّ، وفي طبعه من السُّهولة والرِّفق، وفي يده من السَّخاوة والنَّدى ما جعله أزكى عباد الله رحمةً، وأوسعَهم عاطفةً، وأرحبَهم صدرًا، ولذلك قال الله فيه: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضول من حولك﴾ [آل عمران: 159]
وقد لازمته هذه الفضائل السَّمحة مع أولاد بناته حتَّى في ساعات المناجاة ومواطن الخشوع؛ ليعلِّمَ أمَّته كيف تكون الرِّعايةُ والتَّربيةُ السَّليمةُ وأنَّ طريقَها المعاملة الرَّحيمة، وأنَّ القسوةَ في الإنسان دليلُ نقصٍ كبيرٍ، وفي سياسة أمَّةٍ دليلُ فسادٍ خطيرٍ، روى البخاري (5996) ومسلم (543) عن أبي قتادة قال: «خرج علينا النَّبيُّ ﷺ وأمامةُ بنتُ أبي العاص على عاتقه فصلَّى، فإذا ركع وضعها وإذا رفع رفعها».
ففي هذا الحديث عظمُ قدر رحمة الولد؛ لأنَّه تعارض ـ حينئذٍ ـ المحافظةُ على المبالغة في الخشوع والمحافظة على مراعاة خاطر الولد فقدَّم الثَّاني، وفيه بيان تواضعه ﷺ وشفقته على الأطفال وإكرامه لهم جبرًا لهم ولوالديهم.
وقد تكرَّر هذا الخلق الرَّحيم منه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ مرَّاتٍ وفي صلاة الفريضة حيثُ كان يصلِّي بالنَّاس إمامًا، فقد ارتحله الحسن ابن ابنته فاطمة، فأطال السُّجود، فلمَّا فرغ قالت الصَّحابة: «يا رسول الله أطلت السُّجود»، فقال ﷺ: «ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ»(2).
وفي «البخاري» (3749) ومسلم (2422) عن البراء قال: رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ والحسن بن علي على عاتقه يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ»، وكان يقول عن الحسن والحسين: «هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا»(3)، والمعنى أنَّهما ممَّا أكرمني الله وحباني به؛ لأنَّ الأولاد يُشَمَّونَ ويُقَبَّلُونَ فكأنَّهم من جملة الرَّياحين.
وكم هي عديدةٌ تلك المواطن الَّتي يَجْمُلُ بالمربِّي أن يجرِّبَ رحمتَهُ بأولاده ليحسَّ بقربهم منه وبقربهم منه.
فمِنْ مواطِنِ الرَّحمة بالأولاد تقبيلُهم ومعانقَتُهم لا سيَمَا إذا كانوا صغارًا، وقد جاءت في ذلك نصوصٌ قوليَّةٌ وفعليَّةٌ فقد روى البخاري (5998) ومسلم (2317) عن عائشة أنَّها قالت: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: تُقبِّلون الصِّبيان فما نقبِّلُهم، فقال النَّبيُّ ﷺ: «أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟» وهذا استفهامٌ إنكاري، ومعناه النَّفي، أي: لا أَمْلِكُ ولا أقدر أن أجعل الرَّحمةَ في قلبك بعد أن نزعها الله منك.
وأطرف من هذا ما رواه البخاري ـ أيضًا ـ (5997) ومسلم (2318) من طريق أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قبَّل الحسن بنَ علي وعنده الأقرع بن حابس التَّميمي جالسًا، فقال الأقرع: إنَّ لي عشرةً من الولد ما قبَّلتُ منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثمَّ قال: «مَنْ لاَ يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ».
وقد بلغ من رحمة النَّبيِّ ﷺ بأولاد بناته إلى صرف بعض أوقاته ليجلس إليهم، وربَّما قطع بعض أشغاله لأجلهم وليضمَّهم إلى صدره الفائض بالحنان والرِّقَّة، فعن يعلى بن مُرَّةَ أنَّه قال: «خرجنا مع النَّبيِّ ﷺ ودُعِينَا إلى طعام، فإذا حسين يلعب في الطَّريق، فأسرع النَّبيُّ ﷺ أمامَ القوم ثمَّ بسط يديْه، فجعل الغلام يفرُّ هاهنا وهاهنا ويضاحكه النَّبيُّ ﷺ حتَّى أخذَه، فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى في رأسه ثمَّ اعتنقه، ثمَّ قال النَّبيُّ ﷺ: «حُسَيْنُ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْن، أَحَبَّ اللهُ مَنْ أَحَبَّ، حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنَ الأَسْبَاطِ»(4).
ومن مواطن الرَّحمة بالأولاد مضاحكتهم ومداعبتهم والمزاح معهم؛ لأنَّ ذلك يجلبهم كثيرًا ممَّا يدع مجالاً للوالدين لأنْ يُرَبُّوهم ويعلمُّوهم، والمداعبة ممَّا يحتاج إليها الطِّفلُ كحاجته إلى المأكل والمشرب، فإن حُرِمَ منها عاد ذلك عليه بالملل والاكتئاب والانزواء والانطواء، وهي آفات نفسيَّة وخيمة تورث الطِّفل عُقدًا يصعب حلُّها مستقبلاً، ولقد كان ﷺ يراعي هذا الجانب الحسَّاس في نفوس أصحابه الكبار حتَّى لا يملُّوا فضلاً عن الصِّغار حتَّى كانوا يقولون له: «يا رسول الله! إنَّك تداعبنا!» فكان يقول لهم: «إِنِّي لاَ أَقُولُ إِلاَّ حَقًّا»(5)، وكذلك كان أصحابه يتبادحون بالبِطِّيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرِّجال [«الأدب المفرد» (266)].
وثبت عنه ﷺ كما في «الصَّحيحين» عن أنس بن مالك قال: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ليخالطنا حتَّى يقول لأخ لي صغير: «يا أَبَا عُمَيْر! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» وهذا الحديث ذكر بعض أهل العلم أنَّ فيه أكثر من ستِّين فائدة من وجوه الفقه وفنون الأدب، ومن فوائده: جواز الممازحة وتكرير المزاح، وأنَّها إباحة سنَّة لا رخصة، وأنَّ ممازحةَ الصَّبيِّ الَّذي لم يميِّز جائزةٌ، وتكرير زيارة الممزوح معه.
وقال ابن مسعود: «خالط النَّاس ودينَكَ لا تكلِمَنَّه، والدِّعابة مع الأهل»(6).
وقد لازمته هذه الفضائل السَّمحة مع أولاد بناته حتَّى في ساعات المناجاة ومواطن الخشوع؛ ليعلِّمَ أمَّته كيف تكون الرِّعايةُ والتَّربيةُ السَّليمةُ وأنَّ طريقَها المعاملة الرَّحيمة، وأنَّ القسوةَ في الإنسان دليلُ نقصٍ كبيرٍ، وفي سياسة أمَّةٍ دليلُ فسادٍ خطيرٍ، روى البخاري (5996) ومسلم (543) عن أبي قتادة قال: «خرج علينا النَّبيُّ ﷺ وأمامةُ بنتُ أبي العاص على عاتقه فصلَّى، فإذا ركع وضعها وإذا رفع رفعها».
ففي هذا الحديث عظمُ قدر رحمة الولد؛ لأنَّه تعارض ـ حينئذٍ ـ المحافظةُ على المبالغة في الخشوع والمحافظة على مراعاة خاطر الولد فقدَّم الثَّاني، وفيه بيان تواضعه ﷺ وشفقته على الأطفال وإكرامه لهم جبرًا لهم ولوالديهم.
وقد تكرَّر هذا الخلق الرَّحيم منه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ مرَّاتٍ وفي صلاة الفريضة حيثُ كان يصلِّي بالنَّاس إمامًا، فقد ارتحله الحسن ابن ابنته فاطمة، فأطال السُّجود، فلمَّا فرغ قالت الصَّحابة: «يا رسول الله أطلت السُّجود»، فقال ﷺ: «ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ»(2).
وفي «البخاري» (3749) ومسلم (2422) عن البراء قال: رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ والحسن بن علي على عاتقه يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ»، وكان يقول عن الحسن والحسين: «هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا»(3)، والمعنى أنَّهما ممَّا أكرمني الله وحباني به؛ لأنَّ الأولاد يُشَمَّونَ ويُقَبَّلُونَ فكأنَّهم من جملة الرَّياحين.
وكم هي عديدةٌ تلك المواطن الَّتي يَجْمُلُ بالمربِّي أن يجرِّبَ رحمتَهُ بأولاده ليحسَّ بقربهم منه وبقربهم منه.
فمِنْ مواطِنِ الرَّحمة بالأولاد تقبيلُهم ومعانقَتُهم لا سيَمَا إذا كانوا صغارًا، وقد جاءت في ذلك نصوصٌ قوليَّةٌ وفعليَّةٌ فقد روى البخاري (5998) ومسلم (2317) عن عائشة أنَّها قالت: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: تُقبِّلون الصِّبيان فما نقبِّلُهم، فقال النَّبيُّ ﷺ: «أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟» وهذا استفهامٌ إنكاري، ومعناه النَّفي، أي: لا أَمْلِكُ ولا أقدر أن أجعل الرَّحمةَ في قلبك بعد أن نزعها الله منك.
وأطرف من هذا ما رواه البخاري ـ أيضًا ـ (5997) ومسلم (2318) من طريق أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قبَّل الحسن بنَ علي وعنده الأقرع بن حابس التَّميمي جالسًا، فقال الأقرع: إنَّ لي عشرةً من الولد ما قبَّلتُ منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثمَّ قال: «مَنْ لاَ يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ».
وقد بلغ من رحمة النَّبيِّ ﷺ بأولاد بناته إلى صرف بعض أوقاته ليجلس إليهم، وربَّما قطع بعض أشغاله لأجلهم وليضمَّهم إلى صدره الفائض بالحنان والرِّقَّة، فعن يعلى بن مُرَّةَ أنَّه قال: «خرجنا مع النَّبيِّ ﷺ ودُعِينَا إلى طعام، فإذا حسين يلعب في الطَّريق، فأسرع النَّبيُّ ﷺ أمامَ القوم ثمَّ بسط يديْه، فجعل الغلام يفرُّ هاهنا وهاهنا ويضاحكه النَّبيُّ ﷺ حتَّى أخذَه، فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى في رأسه ثمَّ اعتنقه، ثمَّ قال النَّبيُّ ﷺ: «حُسَيْنُ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْن، أَحَبَّ اللهُ مَنْ أَحَبَّ، حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنَ الأَسْبَاطِ»(4).
ومن مواطن الرَّحمة بالأولاد مضاحكتهم ومداعبتهم والمزاح معهم؛ لأنَّ ذلك يجلبهم كثيرًا ممَّا يدع مجالاً للوالدين لأنْ يُرَبُّوهم ويعلمُّوهم، والمداعبة ممَّا يحتاج إليها الطِّفلُ كحاجته إلى المأكل والمشرب، فإن حُرِمَ منها عاد ذلك عليه بالملل والاكتئاب والانزواء والانطواء، وهي آفات نفسيَّة وخيمة تورث الطِّفل عُقدًا يصعب حلُّها مستقبلاً، ولقد كان ﷺ يراعي هذا الجانب الحسَّاس في نفوس أصحابه الكبار حتَّى لا يملُّوا فضلاً عن الصِّغار حتَّى كانوا يقولون له: «يا رسول الله! إنَّك تداعبنا!» فكان يقول لهم: «إِنِّي لاَ أَقُولُ إِلاَّ حَقًّا»(5)، وكذلك كان أصحابه يتبادحون بالبِطِّيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرِّجال [«الأدب المفرد» (266)].
وثبت عنه ﷺ كما في «الصَّحيحين» عن أنس بن مالك قال: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ ليخالطنا حتَّى يقول لأخ لي صغير: «يا أَبَا عُمَيْر! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» وهذا الحديث ذكر بعض أهل العلم أنَّ فيه أكثر من ستِّين فائدة من وجوه الفقه وفنون الأدب، ومن فوائده: جواز الممازحة وتكرير المزاح، وأنَّها إباحة سنَّة لا رخصة، وأنَّ ممازحةَ الصَّبيِّ الَّذي لم يميِّز جائزةٌ، وتكرير زيارة الممزوح معه.
وقال ابن مسعود: «خالط النَّاس ودينَكَ لا تكلِمَنَّه، والدِّعابة مع الأهل»(6).
ومن مواطن الرَّحمة بالأولاد فسح مجال اللَّعب لهم حين يحتاجون إلى ذلك، لا سيما مع ظهور الملل والفراغ من الواجبات، قال الغزالي: «ينبغي أن يُؤْذَنَ له بعد الانصراف من الكُتَّاب أن يلعب لعبًا جميلاً يستريح إليه من تعب المكتب بحيث لا يتعب في اللَّعب، فإنَّ منعَ الصَّبيِّ من اللَّعب وإرهاقه إلى التَّعلُّم دائمًا يميت قلبه ويبطل ذكاءَه وينغِّصُ عليه العيشَ حتَّى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسًا».
وقد كان النَّبيُّ ﷺ حريصًا على إعطاء الولد حقَّه في اللَّعب والتَّسلية شريطةَ أن لا يتجاوزَ الحدَّ؛ لأنَّه من الغلط أن يتَّخِذَ اللَّعب حرفةً ـ كما قال الغزالي ـ، وإنَّما يُسْمَحُ به بالقدر الَّذي لا يُفَوِّتُ مصلحةَ العبد في الانتفاع بوقته، فهذه عائشة أمُّ المؤمنين زوجُ نبيِّ الرَّحمة ﷺ تقول: «كُنْتُ أَلْعَبُ بِالبَنَاتِ عند النَّبيِّ ﷺ وَكَانَ لي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَان رسولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي»(7).
وروى البخاري (5993) من طريق أمِّ خالد بنت خالد بن سعيد قالت: «أَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ مع أبي وعليَّ قميصٌ أصفر، قال رسولُ الله ﷺ: «سَنَهْ سَنَهْ» قال عبد الله: «وهي بالحبشيَّة حسنةُ»، قالت: «فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِي أَبِي، قال رَسُولُ الله ﷺ: «دَعْهَا».
وممَّا ينبغي أن يُعْلَمَ أنَّ الرَّحمةَ قد تَأْخُذُ أحيانًا طابعَ القسوة وليست كذلك، فالأطفال عندما يُساقون إلى المدارس كُرْهًا ويحفظون الدُّروسَ زجرًا فذلك رحمة بهم؛ لأنَّهم لو تُركوا وأهواءهم لقتلهم اللَّهو واللَّعب والفراغ، ولشبُّوا لا يحسنون صنعًا، فالرَّحمة بالأولاد ليست لينًا يطلق منها الحبل على الغارب، وليست حنانًا لا عقل معه، أو شفقةً تتنكَّر للعدل والنِّظام، وإنَّما هي عاطفةٌ تَرْعَى هذه الحقوق جميعًا، وسياسة تضع الولد في مأمن من النَّوازع الخاطئة والتَّصرُّفات السِّلبيَّة.
فلْيَنْظُرِ الآباءُ والأمهَّات والمربُّون والمعلِّمُون إلى هذه التَّعاليم النَّبويَّة فيأخذوها مأخذَ الجدِّ والتَّطبيق وليشدُّوا الحيازيم لأداء الأمانة على وجهها، ويجعلُوا من أخلاقهم ومعاملاتهم مرآةً للنَّاشئة وقدوةً صالحةً لهم، لينطبعوا على أخلاق متينةٍ وعزائمَ قويَّةٍ ودينٍ صحيحٍ ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما﴾ [الفرقان: 74].
وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أبو داود (4943)، وصحَّحه الألباني.
(2) النَّسائي (1141).
(3) البخاري (3753).
(4) التِّرمذي (3775).
(5) التِّرمذي (1990).
(6) البخاري معلَّقًا.
(7) البخاري (6130) ومسلم (2440).
وقد كان النَّبيُّ ﷺ حريصًا على إعطاء الولد حقَّه في اللَّعب والتَّسلية شريطةَ أن لا يتجاوزَ الحدَّ؛ لأنَّه من الغلط أن يتَّخِذَ اللَّعب حرفةً ـ كما قال الغزالي ـ، وإنَّما يُسْمَحُ به بالقدر الَّذي لا يُفَوِّتُ مصلحةَ العبد في الانتفاع بوقته، فهذه عائشة أمُّ المؤمنين زوجُ نبيِّ الرَّحمة ﷺ تقول: «كُنْتُ أَلْعَبُ بِالبَنَاتِ عند النَّبيِّ ﷺ وَكَانَ لي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَان رسولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي»(7).
وروى البخاري (5993) من طريق أمِّ خالد بنت خالد بن سعيد قالت: «أَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ مع أبي وعليَّ قميصٌ أصفر، قال رسولُ الله ﷺ: «سَنَهْ سَنَهْ» قال عبد الله: «وهي بالحبشيَّة حسنةُ»، قالت: «فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ، فَزَبَرَنِي أَبِي، قال رَسُولُ الله ﷺ: «دَعْهَا».
وممَّا ينبغي أن يُعْلَمَ أنَّ الرَّحمةَ قد تَأْخُذُ أحيانًا طابعَ القسوة وليست كذلك، فالأطفال عندما يُساقون إلى المدارس كُرْهًا ويحفظون الدُّروسَ زجرًا فذلك رحمة بهم؛ لأنَّهم لو تُركوا وأهواءهم لقتلهم اللَّهو واللَّعب والفراغ، ولشبُّوا لا يحسنون صنعًا، فالرَّحمة بالأولاد ليست لينًا يطلق منها الحبل على الغارب، وليست حنانًا لا عقل معه، أو شفقةً تتنكَّر للعدل والنِّظام، وإنَّما هي عاطفةٌ تَرْعَى هذه الحقوق جميعًا، وسياسة تضع الولد في مأمن من النَّوازع الخاطئة والتَّصرُّفات السِّلبيَّة.
فلْيَنْظُرِ الآباءُ والأمهَّات والمربُّون والمعلِّمُون إلى هذه التَّعاليم النَّبويَّة فيأخذوها مأخذَ الجدِّ والتَّطبيق وليشدُّوا الحيازيم لأداء الأمانة على وجهها، ويجعلُوا من أخلاقهم ومعاملاتهم مرآةً للنَّاشئة وقدوةً صالحةً لهم، لينطبعوا على أخلاق متينةٍ وعزائمَ قويَّةٍ ودينٍ صحيحٍ ﴿ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما﴾ [الفرقان: 74].
وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أبو داود (4943)، وصحَّحه الألباني.
(2) النَّسائي (1141).
(3) البخاري (3753).
(4) التِّرمذي (3775).
(5) التِّرمذي (1990).
(6) البخاري معلَّقًا.
(7) البخاري (6130) ومسلم (2440).
خلق_الرحمة_وأهميَّته_في_تربية_الطفل_ـ_عز_الدين_رمضاني_ـ_نسخة_الموقع.pdf
6.3 MB
خلق الرحمة وأهميَّته في تربية الطفل ـ عز الدين رمضاني ـ نسخة الموقع
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال الإمام الشَّافعي رحمه الله:
«آلاتُ الرِّياسَة خمسٌ: صدقُ اللَّهجَة، وكتمانُ السِّرِّ، والوفاءُ بالعَهْد، وابتداءُ النَّصيحَة، وأداءُ الأمانَة». [«تاريخ دمشق» لابن عساكر (٥١/ ١٤٣)]
📌قال الإمام الشَّافعي رحمه الله:
«آلاتُ الرِّياسَة خمسٌ: صدقُ اللَّهجَة، وكتمانُ السِّرِّ، والوفاءُ بالعَهْد، وابتداءُ النَّصيحَة، وأداءُ الأمانَة». [«تاريخ دمشق» لابن عساكر (٥١/ ١٤٣)]
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
🎉 التعليق على المهذب من رسالة الشرك ومظاهره 09 | الشيخ د.حسن بن داود بوقليل
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
✳️ عنوان الخطبة: علامات تعظيم أوامر اللّه ونواهيه
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عز الدين رمضاني 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 30 جمادى الأولى 1447 الموافق لـ 21 أكتوبر 2025
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عز الدين رمضاني 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 30 جمادى الأولى 1447 الموافق لـ 21 أكتوبر 2025