راية الإصلاح ـ دار الفضيلة للنشر
2.93K subscribers
2.69K photos
806 videos
124 files
1.09K links
قناة دينية تعليمية تابعة لموقع راية الإصلاح ودار الفضيلة للنشر والتوزيع بالجزائر
للتواصل معنا : 92 99 06 (0559) (نقال - تيليجرام)
Download Telegram
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
قال ابن باديس رحمه الله:
«إنَّ الغايةَ الَّتي يسعَى إليها كلُّ عاقلٍ هي السَّعادةُ الحقَّةُ، وإنَّ التَّكاليفَ الإسلاميَّة كلَّها شُرِعت لسَوْقِه إليها» [«آثار ابن باديس» (1/ 226)]
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
قال ابن تيمية رحمه الله:
«ليسَ في الكائناتِ ما يسْكُن العبدُ إليه ويطمئنُّ به، ويتنعَّمٰ بالتَّوجُّه إليه؛ إلَّا الله سُبحانه» [«مجموع الفتاوى» (١/ ٢٤)]
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
ـ قال ابن باديس رحمه الله:
«إنَّ التَّساهُلَ في الأعمالِ السَّيِّئة ـ ولو كانت في نظَرنا طفيفَةً ـ يُفضِي بنا إلى استعصَاءِ داءِ الرَّذيلة، وإنَّ القيامَ بالأعمال الحسنةِ ـ ولو كانت طفيفَةً ـ يبلُغُ بنا إلى رسُوخ الفضيلَة» [«الآثار» (2/285)]
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 بين اللَّوم والتَّغاضي
💢 عمر الحاج مسعود
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 بين اللَّوم والتَّغاضي
💢 عمر الحاج مسعود
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح
نسخة بدف:
👇👇👇

إنَّ من أخطائنا في المعاملة والمعاشرة والمصاحبة اللَّومَ لأوَّل زلَّةٍ، والتَّأنيبَ لأَتْفَه هفوةٍ، فطغى على معاملاتنا كثرةُ العتاب والمحاسبة والتَّشديد والتَّدقيق.
يكثُر هذا بين الأزواج والأولاد والأصحاب والشُّركاء والأجراء، عند الخطأ أو النِّسيان أو التَّأخُّر؛ فإذا تأخَّر الطَّعام أو انكسر الماعون أو بكى الأطفال يلوم زوجته ويؤنِّبها، وربَّما يُسمعها السَّبَّ واللَّعن، وإذا تأخَّر عن الموعد سمع من صاحبه ما يكره، وكذا إذا نسي فعلَ شيءٍ أو لم يفهم كلامَ مخاطِبِه أو تأوَّله، وسبَّبت الاتِّصالات الهاتفيَّة كثيرًا من هذا العتاب واللَّوم وسوءِ الظَّنِّ.
فأنتج كلُّ هذا الحرج والضيق والغلظة وأحدث النفور والتباغض والقطيعة، إذ إن أكثر الناس يكرهون من يبادرهم بالعتاب ويبغضون من يقابلهم بالعذل.
فدعِ العتابَ فَرُبَّ شَرَر // هــاجَ أوَّلُـــه الـــعــتــــابُ
هناك من يريد إخوةً وأصحابًا لا يخطئون ولا يَنْسوْن ولا يَغفُلون، وهذا مَرامٌ لشيءٍ مُعجِزٍ وأمرٍ مُعوِزٍ، فأيُّ عالِم لا يَهْفُو، وأيُّ صارِم لا ينْبو، وأيُّ جواد لا يكْبو؟!
قَال بعضهم: «مَنْ حَاوَلَ صَدِيقًا يَأْمَنُ زَلَّتَهُ وَيَدُومُ اغْتِبَاطُهُ بِهِ، كَانَ كَضَالِّ الطَّرِيقِ الَّذِي لَا يَزْدَادُ لِنَفْسِهِ إتْعَابًا إلاَّ ازْدَادَ مِنْ غَايَتِهِ بُعْدًا»(1).
من ذا الَّذي تُرْضَى سجاياه كلُّها // كفـى المــرءَ نُبــلاً أن تُعَــدَّ معايـبُه
من كان مُعاتِبًا إخوانَه على الكبير والصَّغير، مُحاسِبًا لهم على الجليل والحقير، ولا يقبل منهم عذرًا ولا يلتمس لهم مخرجًا؛ فإنَّه يعيش ثقيلَ الظِّلِّ، ضيِّقَ العَطَن، كثيرَ الهمِّ، مشتَّتَ البال، يجتنبه النَّاسُ وينفرون منه، ويلتمسون جميع الحِيَل والوسائل للخلاص منه والابتعاد عنه، وصارَ وحيدًا منبوذًا، قال ابن حِبَّان في «روضة العقلاء» (72): «مَنْ لم يعاشِرِ النَّاسَ على لزوم الإغضاء عمَّا يأتون من المكروه، وتركِ التَّوقُّع لما يأتون من المحبوب؛ كان إلى تكدير عيشه أقربَ منه إلى صفائه، وإلى أن يدفعَهُ الوقتُ إلى العداوةِ والبغضاءِ أقربَ منه إلى أن ينالَ منهم الوِداد وتَرْكَ الشَّحناء»، ومن منثور الحكمة: «لا صديقَ لمن أراد صديقًا لا عيب فيه».
إنَّ خُلُقَ التَّغاضي والمسامحةِ رفعةٌ ومحبَّةٌ ووصلٌ ووئامٌ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» رواه مسلم (1469)، والفِرْك ـ بكسر الفاء وسكون الرَّاء ـ البُغْض، يعني لا يُبْغِضْ.
ففي هذا الحديث إرشادٌ إلى معاملة الزَّوجة وكلِّ من كانت بينَك وبينه صلةٌ من قريبٍ أو جارٍ أو صديقٍ أو شريكٍ بالإغضاء عن أخطائه وهَفَوَاتِه، حتَّى تتمَّ بينكما الصُّحبةُ والمحبَّةُ ويتواصل الوئام والمودَّةُ.
قال أيُّوب السَّخْتِيَانِيُّ ـ رحمه الله ـ: «لاَ يُسَوَّدُ العَبْدُ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَصْلَتَانِ: اليَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، والتَّغَافُلُ عَمَّا يَكُونُ مِنْهُمْ»(2).
وكان محمَّد الأمين الشَّنقيطي ـ رحمه الله ـ كثيرَ التَّغاضي عن حقِّ نفسه، وإذا سئل قال:
ليس الغبيُّ بـسيِّـدٍ في قـومِه // لكنَّ سيِّد قَوْمه الـمـتغَابي(3)
قال بعضهم: «مَنْ عاشرَ إخوانَه بالمسامحة دامت له مودَّتُهم».
هذا هو هدي النبي ﷺ الذي أمره به الله تعالى في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين﴾ [الأعراف: 199]، يعني: خذِ العفوَ من أخلاقهم وأعمالهم مثلَ التَّجاوزِ وقبولِ الاعتذار، والتَّغاضي والصَّفحِ.
قال أنس ـ رضي الله عنه ـ: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي: أُفًّا قَطُّ، وَلاَ قَالَ لِي لِشَيءٍ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَهَلاَّ فَعَلْتَ كَذَا» رواه البخاري (6038) ومسلم (2309)، و«كَانَ يَقُولُ عِنْدَ المَعْتَبَةِ مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُه» رواه البخاري (6046)، ترب جبينه: كلمةٌ تجري على اللِّسان ومعناها خرَّ لوجهه فأصاب التُّرابُ جبينَه.
ومعاملته ﷺ هذه هي نهايةُ الصَّبرِ والحِلْم، وغايةُ السَّماحة والتَّغاضي.
ولـمَّا تكلَّم معاويةُ بن الحكم السُّلمي ـ رضي الله عنه ـ في الصَّلاة وهو لا يدري، قال: «فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ـ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي ـ مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ مَا كَهَرَنِي وَلاَ ضَرَبَنِي وَلاَ شَتَمَنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» رواه مسلم (537)، فلم يلمه ﷺ ولم يعنفه، وإنما علمه وأرشده.
وفي حديث أمِّ زَرْعٍ: «قَالَتِ الخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ وَلاَ يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ» رواه البخاري (5189) ومسلم (2448).
هذا مدحٌ بليغٌ، حيث وصفته ـ إذا دخل البيتَ ـ بكثرة النَّوم والغفلةِ عن تَعَهُّدِ ما ذَهَب من متاعِه وما بقي، وشبَّهَتْه بالفهد لكثرة نومه، يُقَال: أَنْوَمُ من فَهْدٍ، وهو معنى قولها «ولا يَسْأَلُ عمَّا عَهِدَ»، أي لا يسأل عمَّا كان عهِدَه في البيت من ماله ومتاعه، بل يتغاضى عنه اجتنابًا للتَّحريج، وإذا خرج أَسِد، أي إذا صار بين النَّاس أو خالط الحَربَ كان كالأسد، وهذا وصفٌ له بالشَّجاعة(4).
واعلم أنَّ الخطأَ في حقِّكَ قد يكون سببُه الجهلَ أو الغفلةَ أو النِّسيانَ أو التَّأويلَ أو قلَّةَ الفهمِ أو ضعفَ البصيرةِ، والنَّاسُ أصنافٌ وأنواعٌ، وأشكالٌ وأوزاعٌ.
قال بعضهم: «ليس من العَدْل سرعة العَذْل» يعني اللَّوم، والمقصود التَّريُّث ومحاولة معرفةِ العذرِ.
لــــــعــــلَّ لـه عـــــــذرًا وأنـــــت تــلــوم // ورُبَّ امـــرئٍ قـــد لام وهــــو مُــلِــيــمُ
إنَّ العاقل الحكيم يُرَاعِي فهومَ النَّاس وعقولَهم وطِباعَهم، ويعذر ويستر دون أن يترُكَ واجبًا أو يُهمِلَ حقًّا أو يرتكبَ مُحرَّمًا أو يُشِيعَ باطلاً.
بهذا الخلق النَّبيل تستقيمُ أمور النَّاس، وتَحسُنُ أحوالُهم، ويدوم تَوادُّهم، ويستقرُّ جمعُهم.
قال بعضُ الحُكَمَاءِ: «وَجَدتُّ أَكْثَرَ أُمُورِ الدُّنْيَا لاَ تَجُوزُ إلاَّ بِالتَّغَافُلِ».
وَقَالَ آخر: «مَنْ شَدَّدَ نَفَّرَ، وَمَنْ تَرَاخَى تَأَلَّفَ، وَالشَّرَفُ فِي التَّغَافُلِ»(5).
ومن دُرَر كلام الإمام الشَّافعي: «اللَّبيب العاقلُ هو الفَطِنُ المتغافِلُ»(6).
وقال الإمام أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «العَافِيَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ كُلُّهَا في التَّغَافُلِ»(7).
فما أجدرَ بالزَّوج مع زوجته، والأب مع أولاده، والشَّيخ مع طلبته، والمُعَلِّم مع تلامذته، والإمام مع مأموميه، والمسؤول مع رعيَّته، والمدير مع موُظَّفيه أن يتَحَلَّوْا بالتَّغاضي عن الهفوات التي لا تسبب الشر والفتنة، والتَّغافل عن الزَّلاَّت الَّتي لا تخدشُ الدِّين والسُّنة.
ويتأَكَّدُ هذا مع مَنْ عُرِفَ فضلُه وتأكَّدَت مودَّتُه، وصحَّت عقيدتُه وسَلِمَ منهجُه.
ولا يعني ما سبق ذكرُه تركَ الأمرِ بالمعروف والنَّهيِ عن المُنْكَرِ، أو أنَّنا لا نستعمل التَّوبيخَ والزَّجر ورُبَّما الهجر، فهناك طائفةٌ من المبتدعة والمجرمين والمجاهرين لا ينفع معهم إلاَّ هذا، لكن غالبًا ما يكون التَّغاضي والمسامحةُ في حقِّ العِبَادِ وحظِّ النَّفس، والله المستعان وعليه التُّكلان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «أدب الدُّنيا والدِّين» للماوردي (ص225).
(2) «حلية الأولياء» (3/5).
(3) ترجمته لعطيَّة سالم «أضواء البيان» (10/297)، والبيت لأبي تمام الطَّائيّ.
(4) انظر «شرح مسلم» للنَّووي (15/214).
(5) «أدب الدُّنيا والدِّين» (ص227).
(6) «حلية الأولياء» (9/123).
(7) «الآداب الشَّرعيَّة» (2/20).
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌 قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
«الرَّفاهيَّة هي التي تُدمِّر الإنسان؛ لأنَّ الإنسان إذا نَظَر إلى الرَّفاهيَّة وتنعيم جسدِه؛ غفَل عن تنْعيم قلبِه، وصار أكبر همِّه أن يُنَعِّم هذا الجسدَ الذي مآلُه إلى الدِّيدان والنَّتن، وهذا هو البلاء، وهذا هو الذي أضرَّ النَّاسَ اليوم»
[«شرح رياض الصَّالحين» (٢/ ٣٧)]
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
✅ المادة: شرح متن الأخضري
✅ الشارح: د.حسن بن داود بوقليل
✅ الدرس: رقم (8)
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌 قال ابن الجوزي رحمه الله:
«مَنْ أحَبَّ ألَّا يَنْقَطِعَ عمَلُه بعدَ موتِهِ، فلْيَنْشُرِ العلمَ بالتَّدوينِ والتَّعليم».
[«التذكرة في الوعظ» (ص٥٥)]
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال بلال بن سَعْدٍ رحمه الله:
«إِذَا رأيتَ الرَّجلَ لَجُوجًا مُمَارِيًا مُعْجَبًا برأْيه فقَد تمَّت خسارتُه» [«حلية الأولياء» (٥/ ٢٢٨)]
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 التوحيد وأثره فـي تحقيق الأمن
💢 عبد الحميد بوطاعة
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 التوحيد وأثره فـي تحقيق الأمن
💢 عبد الحميد بوطاعة
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح
رابط المنشور على الفيسبوك:
رابط المنشور على التلغرام:
رابط نسخة بدف:
👇👇👇
إنَّ الأمنَ والاستقرار نعمةٌ من أكبر نعم الله على عباده بعد نعمة الإسلام والإيمان، وهذه النِّعمة لا يعرف قدرها إلاَّ من فقدها.
والأمن هو ضدُّ الخوف، ويكون في الدُّنيا بأن يأمن الإنسان على نفسه وأهله وعلى ماله وعلى عقله وعلى فكره، وأبلغ من ذلك الأمن في الآخرة من النَّار ومن العذاب، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون ﴾ [الأنعام: 82].
وقد جاءت الإشارة في القرآن الكريم إلى العلاقة بين الأمن وبين شكر النِّعم حيث قال الله ـ عز وجل ـ: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُون﴾ [النحل: 112]، فبيَّنت الآية أنَّ استقرار الأمن مربوطٌ بشكر النِّعم وانعدامَه وذهابَه مقرونٌ بكفرها، وأنَّ الخوف والجوع إذا اجتمعا كان ذلك من أشدِّ وأعظم دركات الشَّقاء، وأنَّ الأمن والطَّعام إذا اجتمعا كان ذلك من أعظم النِّعم كما قال القائل:
إذا اجتمع الإسلام والقوت للفتى // وأضحى صحيحًا جسمُه وهو في أمن
فـــقــد ملك الدُّنيا جميعًا وحازها // وحُقَّ عـــلــــيــه الشُّــكــر لله ذي الـــمنِّ
كما جاءت الإشارة إلى هذا في سنَّة النَّبيِّ الأمين ﷺ حيث قال: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يُوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»(1).
ولعلَّك أخي تلحظ أنَّ الأمن قُدِّم في الآية والحديث على الرِّزق؛ ففي الآية قال تعالى: ﴿... قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ ﴾، وفي الحديث قال رسول الله ﷺ: «عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ...» الحديث، بعد قوله: «آمنًا في سربه» للدَّلالة على أهمِّيَّته، وأنَّ الحاجة إليه أشدُّ من الحاجة إلى الطَّعام والشَّراب، حيث إنَّ الخائف لا يتلذَّذُ بشيء ولا يستقرُّ لهُ قرار ولذا قدَّمه الخليل ـ عليه السلام ـ على الرِّزق في دعائه لأهل مكَّة كما ذكر ذلك ربُّ العالمين في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِير﴾ [البقرة: 126](2).
والأمن إذا تحقَّق في أيِّ مجتمع من المجتمعات أمِن النَّاس على أموالهم ودمائهم وأعراضهم وأبدانهم وحُفظ لهم دينهم وحينها تنتشر بينهم المودَّة والمحبَّة وتسود روح الأخوَّة والتَّعاون، فيصبح المجتمع كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الأعضاء بالحمَّى والسَّهر، ومن ثَمَّ تتحقَّقُ كثير من المقاصد الدِّينيَّة والدُّنيويَّة وعلى رأسها عبادة الله وحده لا شريك له الَّتي لأجلها خلق الله الخليقة فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُون * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين ﴾ [الذاريات: 56ـ58].
كما أنَّ الأمن إذا وجد وتحقَّق وُجِدَت السَّكينة والطُّمأنينة وحينها يؤدِّي المسلم صلاته ـ الَّتي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشَّهادتين ـ خاشعًا لله؛ لأنَّه آمنٌ على نفسه آمنٌ على عرضه آمنٌ على ماله.
ويخرج زكاته ـ إن كان من المزكِّين ـ طيَّبَةً بها نفسه ويفعل الخير ويتسابق إليه لأنَّه لا يَخْشَى صولةً من أحد، ولا يخاف أن يُصَدَّ على دينه ولا أن يصادر ماله.
والسُّؤال المطروح:
كيف يحصل هذا الأمن الَّذي بتحقُّقِه يتحقَّق ما أشرنا إليه سابقًا وبانعدامه وذهابه تحلُّ الفوضى ويسودُ الرُّعبُ وتكْثُرُ الجرائمُ؟
والجواب ـ ولله الحمد والمنَّةُ ـ سهلٌ وميسورٌ جاءت الإشارة إليه في نحو قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ [النور: 55]، فبالإيمان بالله تعالى والعمل الصَّالح وتحقيق التَّوحيد يتحقَّق الأمن، وبصفةٍ عامَّةٍ إنَّما يتحقَّق الأمن الشَّامل للمجتمع في ظلِّ الإسلام الَّذي جاء به نبيُّنا محمَّد ﷺ حيث يُحكَّمُ شرع الله ويتحاكم النَّاس إلى شريعة الله ويكون الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ويطاع أولياء الأمور في طاعة الله وتجتمع الكلمة ويتوحَّد الصَّفُّ؛ فيحصل الأمن والأمان كما حصل في الصَّدر الأوَّل من هذه الأمَّة؛ حيث مكَّنَ الله لهم وحصل لهم الأمن التَّامُّ لتحقيقهم التَّوحيد واجتنابهم للشِّرك، حتَّى كان الرَّاكب يسير من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاَّ الله والذِّئبَ على غنمه، فالأمن إذًا إنَّما يتحقَّق بتحقيق التَّوحيد والاستقامة على دين الله ـ عز وجل ـ ولبيان هذا أقول:
لقد ورد ذكر الأمن في القرآن الكريم مقرونًا بالتَّوحيد في أكثر من موضع تنويهًا به وبيانًا لأهمِّيَّته؛ من ذلك ما جاء في ذكر حال قريش كما في قول الله تعالى: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْش * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْف * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْت * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف﴾ [قريش: 1ـ4]، وقريشٌ كما هو معلوم كانوا من سكَّان الحرم يعيشون في أمنٍ وأمانٍ بينما يُتخطَّف النَّاس من حولهم قتلاً وأسرًا وسَلْبًا ونهبًا كما قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُون ﴾ [العنكبوت: 67]، فذكَّرهم الله بهذه المنَّة وأرشدهم إلى شكره عليها بعبادته وحده لا شريك له حيث قال: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْت ﴾، فطلب منهم توحيده بالعبادة كما جعل لهم حرَمًا وبيتًا مُحَرَّمًا آمنًا يأمنون فيه على أنفسهم وأموالهم، جاء في «تفسير ابن كثير» ـ رحمه الله ـ ما نصُّه: «أيْ: تفضَّل عليهم بالأمن والرُّخص (أي في المعيشة) فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له ولا يعبدوا من دونه صنمًا ولا ندًّا ولا وثنًا، ولهذا من استجاب لهذا الأمر جمع الله له بين أمن الدُّنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سَلَبهُما منه كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُون﴾ [النحل: 112]»(3).
فدلَّ هذا على أنَّ الأمنَ لا يتحقَّق إلاَّ بتحقيق التَّوحيد وشكر الله على نعمه، وأنَّ عبادة الله ـ عز وجل ـ هي سبب الخير والأمن والسَّعادة في الدُّنيا والآخرة وأنَّ العابدَ لله يحصل له الأمن النَّفسي والفكري ويعيش مطْمَئِنًّا لا يخاف على نفسه ولا على ماله ولا على عرضه؛ حيث أمَّنهُ الله القائل: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْت * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف ﴾ [قريش: 3ـ4]، وهذه بلا شكٍّ هي النِّعمة العظمى والمنَّة الكبرى.
كما ورد ذكرُ الأمنِ ـ أيضًا ـ فيما ذكره الله عن نبيِّه وخليله إبراهيم ـ عليه السلام ـ عندما حاجَّه قومه وناقشوه وخوَّفوه، فقال رادًّا عليهم بما ذكره الله في سورة الأنعام: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون ﴾ [الأنعام: 81]، فحكم الله سبحانه بينهما بأحسن حكم فقال: ﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُون ﴾ [الأنعام: 82].
يقول العلاَّمة ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ: «فتأمَّل هذا الكلام وعجيبَ موقعه في قطع الخصوم وإحاطته بكلِّ ما وجب في العقل أن يَرُدَّ به ما دَعوْه إليه وأرادوا حمله عليه وأخذه بمجامع الحجَّة الَّتي لم تُبْقِ لطاعن مطعنًا ولا سؤالاً»(4).
ويتَّضح من خلال سياق هذه الآيات أنَّ أهل التَّوحيد والعبادة والإخلاص لله ـ عز وجل ـ ـ الَّذين لم يخلطوا إيمانهم بشرك ـ هم الآمنون يوم القيامة من عذاب الله وهم المهتدون في الدُّنيا والآخرة، وأمَّا أهل الشِّرك والمعاصي فهم الأولى بالخوف وعدم الأمن في الدُّنيا والآخرة.
جاء في «تفسير ابن كثير» (3/60) ـ رحمه الله ـ: «أي هؤلاء الَّذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له ولم يشركوا به شيئًا هم الآمنون يوم القيامة المهتدون في الدُّنيا والآخرة»، ثمَّ ساق الأحاديث الَّتي تدلُّ على أنَّ المقصود بالظُّلم المذكور في الآية هو الشِّرك.
فبان بهذا ـ أيضًا ـ أنَّ الأمن الحقيقي لا يتَحَقَّق إلاَّ بتحقيق التَّوحيد، وأنَّ التَّوحيد سبيل لإحلال الأمن والشِّركَ سبيلٌ لانحلال الأمن، يقول الشيخ صالح آل الشَّيخ ـ حفظه الله ـ: «وكلَّما زاد التَّوحيد كُلَّما محا من الذُّنوب بمقدار عِظَمِه، وكلَّما زاد التَّوحيد كلَّما أمن العبد في الدُّنيا وفي الآخرة بمقدار عظمه، وكُلَّما زاد العبد في تحقيق التَّوحيد كلَّما كان متَعَرِّضًا لدخول الجنَّة على ما كان عليه من العمل».
وتحقيق التَّوحيد لا يكون بالتَّمنِّي ولا بالدَّعاوى الخالية من الحقائق ولا بالشِّعارات الزَّائفة ولا بالاقتراب من الرَّافضة ولا بالتَّساهلِ في بناء القبور وتشييدها؛ وإنَّما يكون بما وقَرَ في القلوب من عقائد الإيمان وحقائق الإحسان وصدَّقته الأخلاق الجميلة والأعمال الجليلة(5).
ومن خلال ما تقدَّم ذكرُه ونقله يتبيَّن لكلِّ ذي عقل وبصيرة أنَّ الأمن بكلِّ أنواعه بدءًا من الأمن النَّفسي إلى الأمن الفكري ـ بأن نؤَمِّنَ عقولنا وعقول أبنائنا من الأفكار السَّيِّئة والآراء الضَّالَّة ـ إلى الأمن الاجتماعي إلى الأمن الاقتصادي، كلُّ هذه الأنواع من الأمن ونحوها لا تكون ولا تتحقَّق إلاَّ بتحقق التَّوحيد والعبادة والبعد عن الشِّرك بكلِّ أنواعه، والاستقامة على دين الله ـ عز وجل ـ وتطبيق شرع الله والتَّحاكم إلى شريعة الله والبعد عن المعاصي.
وأنَّ النَّاس متى أخلُّوا بشيءٍ من هذا نالهم من اختلال الأمن ما نالهم بحسب ما لديهم من تقصيرٍ في التَّوحيد أو ركوب لبعض ما حرَّم الله والجزاء من جنس العمل، وما يحصل الآن في كثيرٍ من المجتمعات هو أكبر دليل على صحَّة هذا التَّقرير، ولن يعود الأمن الحقيقيُّ ولن تعود السَّكينة والطُّمأنينة إلاَّ إذا عاد النَّاس إلى الإسلام وإلى التَّوحيد والعقيدة الصَّحيحة.
هذا وقد كان النَّاس قبل بعثة نبيّنا محمَّد ﷺ على حال سيِّئة للغاية؛ سواء من النَّاحية الدِّينيَّة أو الاجتماعيَّة حيث كانوا يعبدون الأصنام ويتقرَّبون إليها بأنواع القرابين وكانت الفوضى تسود المجتمع والاضطراب يحلُّ محلَّ الهدوء وكان الأقوياء يتسلَّطون على الضُّعفاء والأغنياء يستعبدون الفقراء وكانت الحروب تقوم بينهم لأتفه الأسباب، إلى أن منَّ الله عليهم ببعثة خاتم الأنبياء والرُّسل ـ عليهم السلام ـ كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين﴾ [آل عمران: 164]، وكما قال: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِين ﴾ [الجمعة: 2]، فتحوَّلت حالهم وتبدَّلت من مجتمع ينتشر فيه الظُّلم إلى مجتمع يَسُوده العدل، ومن مجتمع تسوده الفوضى والاضطراب إلى مجتمع يسوده الأمن والهدوء، ومن مجتمع توجِّهه العادات والأعراف إلى مجتمع توجِّهُه العقيدة والإيمان، ومن مجتمع يئدُ البنات وهنَّ أحياء إلى مجتمع يكرِّم المرأة ويعتبرها شقيقة للرَّجل، كلُّ هذا التَّحوُّل نتيجةٌ لما جاء به رسول الله ﷺ ودعا إليه من عبادة الله وحده لا شريك له وإخلاص الدِّين له وتحريم الظُّلم وتحريم أكل أموال النَّاس بالباطل وتحريم الفواحش ما ظهر منها وبطن وغير ذلك ممَّا هو معلومٌ في شرع الله تعالى ودينه؛ فتحوَّلت الأمور وصلُح الحال وحصل الأمن والأمان؛ ذلك لأنَّ الفرد الموحِّد في المجتمع المؤمن يأخذ ما له ويترك ما ليس له ويؤدِّي ما عليه استجابةً لعقيدته وإيمانه بربِّه ـ عز وجل ـ، والفرد في المجتمع الموحِّد ـ الَّذي يدين لله بمقتضى لا إله إلا الله محمَّد رسول الله ﷺ ـ يأخذ ما أحلَّ الله له ويترك ما حرَّم الله عليه امتثالاً لما يُملِيه عليه إسلامه ومقتضيات كلمة التَّوحيد، والفرد في المجتمع الموحِّد يكفُّ عن الظُّلم والاعتداء ويبتعد عن كلِّ ما من شأنه أن يُؤَدِّيَ إلى زعزعة الأمن والاستقرار؛ فلا يخرِّبُ الممتلكات، ولا يقطع الطُّرقات ولا يمشي في مسيرات سلميَّةٍ كانت أو غير سلميَّةٍ، ولا يُحدِث اعتصامات ولا إضرابات وإنَّما يسمع ويطيع في طاعة الله كما يُمليه عليه دينه.
وهكذا ينبغي أن يكون الفرد في المجتمع المسلم الموحِّد تحقيقًا للتَّوحيد الَّذي به ـ دون غيره ـ يتحقَّق الأمن والأمان ويشعر النَّاس بالرَّاحة والسَّكينة والطُّمأنينة، يقول العلاَّمة ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ: «التَّوحيد مَفْزَعُ أعدائه وأوليائه، فأمَّا أعداؤه فينجِّيهم من كُرب الدُّنيا وشدائدها: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُون ﴾ [العنكبوت: 65]، وأمَّا أولياؤه فينجِّيهم به من كربات الدُّنيا والآخرة وشدائدها، ولذلك فزع إليه يونس فنجَّاه الله من كلِّ الظُّلمات، وفزع إليه أتباع الرُّسل فنُجُّوا به ممَّا عُذِّب به المشركون في الدُّنيا وما أُعِدَّ لهم في الآخرة»(6).
فالتَّوحيد إذن هو سبيل النَّجاة؛ ولذا بدأ به الأنبياء والرُّسل ودعوا أقوامهم إليه وعلى رأسهم خاتمهم حيث رفع مكانةَ التَّوحيد واهتمَّ بمقامه إلى آخر لحظةٍ من حياته حيث قال ﷺ: «لعنة الله على اليهود
وبتحقيق التَّوحيد وتخليصه ممَّا يَشُوبه يتحقَّق الأمن والاستقرار، ومن ثَمَّ وجب على المسلمين إذا أرادوا الأمن والأمان أن يهتمُّوا بمعرفة التَّوحيد وأن يَدْرُسوه ويُدَرِّسُوه ويحقِّقُوه في أقوالهم وأعمالهم، فنحن أحوجُ من غيرنا لمعرفة التَّوحيد والعقيدة الصَّحيحة، والعالم الإسلامي اليوم ـ إلاَّ ما رحم ربُّك ـ يعاني من فقدان الأمن ويسعى إلى تحقيقه لكن بطرقٍ ووسائل بعيدةٍ عمَّا ذكرناه في هذا المقال؛ لذلك لم يصلوا إلى نتيجة حيث فقدوا شرط تحقيقه الَّذي هو تحقيق التَّوحيد والشَّرط إذا فُقِد فُقِد المشروط.
ومن هنا وجب على كلِّ من يتصدَّى للدَّعوة إلى الله أن يبدأ بالدَّعوة إلى التَّوحيد وإصلاح العقيدة، والبدء بهذا لا يعني من قريبٍ ولا من بعيدٍ إهمال بقيَّة جوانب الحياة الأخرى، وإنَّما هو بدءٌ بالأهمِّ فالأهمِّ.
أسأل الله أن يرزقنا معرفة الحقِّ والعمل به والدَّعوة إليه والصَّبر عليه: ﴿والعصر * إنَّ الإنسان لفي خسر * إلَّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحقِّ وتواصوا بالصبر ﴾ [العصر: 1ـ3].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه التِّرمذي (2346) عن مِحصَن الخطمي، وحسَّنه الألباني في «السِّلسلة الصَّحيحة» (2318).
(2) مستفاد من كلام الشَّيخ الفوزان ـ حفظه الله ـ.
(3) «تفسير ابن كثير» (7/378).
(4) «الصَّواعق المرسلة» (458 ـ 490).
(5) مستفاد من كلام العلاَّمة السَّعدي ـ رحمه الله ـ.
(6) «الفوائد» (44).
(7) البخاري (435) ومسلم (531).
Audio
✳️ عنوان الخطبة: اغتنام مواسم الخيرات منها شهر شعبان
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 27 رجب 1447 ـ 16 جانفي 2026
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال ابن باديس رحمه الله:
«عَلى مَن يُريدُ أن يُرْشِدَ المُسْلِمين ويعمَلَ لإصلاح حالهم أن ينْظُرَ إليْهِم بعَيْن الشَّفَقَة والحنَانَة، لا بعَيْن الزِّرايَة والاحتِقَار؛ فإنَّ الشَّفُوقَ تدفَعُه شفَقَتُه إلى المبالغَة في العناية بتَتبُّع الأدواءِ واستِقْصَاء أنواع العِلاج» [«الآثار» (2/168)]