راية الإصلاح ـ دار الفضيلة للنشر
2.93K subscribers
2.69K photos
806 videos
124 files
1.09K links
قناة دينية تعليمية تابعة لموقع راية الإصلاح ودار الفضيلة للنشر والتوزيع بالجزائر
للتواصل معنا : 92 99 06 (0559) (نقال - تيليجرام)
Download Telegram
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
جديد الخطب:
عنوان الخطبة: وظائف شهر شعبان
الخطيب: الشيخ عمر الحاج مسعود حفظه الله
تاريخ الإلقاء: 02 شعبان 1443 هـ الموافق لـ 04 مارس 2022 مـ
مكان الإلقاء: مسجد الرحمة العتيق ـ برج الكيفان ـ الجزائر العاصمة

https://youtu.be/DmtIbJ3dayQ
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
جديد الخطب:
عنوان الخطبة: ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان
الخطيب: الشيخ عز الدين رمضاني حفظه الله
تاريخ الإلقاء: 02 شعبان 1443 هـ الموافق لـ 04 مارس 2022 مـ
كان الإلقاء: مسجد أنس بن مالك ـ درارية ـ الجزائر العاصمة

https://youtu.be/MO3Zq9v1KwM
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
جديد الخطب:
عنوان الخطبة: التقرب إلى الرحمن في شعبان
الخطيب: الشيخ عمر الحاج مسعود حفظه الله
تاريخ الإلقاء: 06/08/1442 هـ الموافق لـ 19/03/2021 مـ
مكان الإلقاء: مسجد الرحمة العتيق ـ برج الكيفان ـ الجزائر العاصمة

https://bit.ly/3f9ZEoK
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 وسطيَّة أهل السُّنَّة السَّلفيِّين في جميع أبواب الدِّين
💢 عباس ولد عمر
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 وسطيَّة أهل السُّنَّة السَّلفيِّين في جميع أبواب الدِّين
💢 عباس ولد عمر
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح

👇👇👇

من الأمور الَّتي يُستدلُّ بها على الحقِّ كونُه وسطًا بين غيره ممَّا يخالفه ويضاهيه؛ لأجل ذلك كان دين الإسلام وسطًا بين غيره من الأديان، وكانت أمَّة محمَّد ﷺ وسطًا بين غيرها من الأمم، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143].
وكما أنَّ أمَّة الإسلام وسط بين غيرها من الأمم؛ فإنَّ أهل السُّنَّة منها ـ وهم الفرقة النَّاجية والطَّائفة المنصورة أتباع السَّلف الصَّالح وأهل الحديث ـ وسط بين غيرهم من الطَّوائف.
قال الإمام البخاري بعد ذكره للآية السَّابقة: «هم الطَّائفة الَّتي قال النَّبيُّ ﷺ: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ»»(1).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن أهل السُّنَّة: «بل هم الوسط في فِرَق الأمَّة كما أنَّ الأمَّة هي الوسط في الأمم»(3)، وقال: «والسُّنَّة في الإسلام كالإسلام في الملل»(2).
وقال ابن القيِّم: «وكذلك لا تجد أهل الحقِّ دائمًا إلاَّ وسطًا بين طَرَفَيْ الباطل، وأهل السُّنَّة وسط في النِّحل كما أنَّ المسلمين وسط في الملل»(4).
وبيان ذلك أنَّ: دينَ الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، وما أمر الله بأمرٍ إلاَّ وللشَّيطان فيه نزغتان: إمَّا إلى جفاءٍ وتفريطٍ، وإمَّا إلى غلوٍّ وإفراطٍ، فهو سنَّةٌ بين بدعتين، وهدًى بين ضلالتين، كالوادي بين جبلين.
وكما قال الشاعر:
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد // كلا طرفي قصد الأمور ذميم.
فالوسط بين طرفين ذميمين، وكما أنَّ الجافي عن الأمر مضيِّعٌ له؛ فالغالي فيه كذلك مضيِّعٌ له، هذا بتقصيره عن الحدِّ، وهذا بمجاوزته للحدِّ.
والآفات إنَّما تتطرَّق إلى الأطراف، وأمَّا الأوساط فهي محميَّةٌ بأطرافها، لذلك كان خيارُ الأمور أوساطَها(5).
وعدوُّ الله إبليس قد أخذ على نفسه أن يغوي بني آدم ويصرفهم عن الصِّراط المستقيم، كما ذكر ذلك عنه ربُّنا سبحانه: ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيم * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين ﴾ [الأعراف: 16ـ17].
فلذلك لا يبالي بأيِّ الأمرين ظفر، ولا يهمُّه أنَّى يكون مصرعُ ابنِ آدم، في جانب التَّقصير أو في جانب الاعتداء.
والوسط لا يكون إلاَّ عدلاً؛ ولهذا كان أهل السُّنَّة السَّلفيُّون هم الشُّهداء على غيرهم والحاكمون عليهم، ولهذا قال ﷺ: «يَحْمِلُ هَذَا العِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ؛ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الغَالِينَ وَتَأْوِيلَ الجَاهِلِينَ وَانْتِحَالَ المُبْطِلِينَ»(6).
فهم المعيار لمعرفة الحقِّ؛ لأنَّ مَنْ دونهم مقصِّر، ومَنْ فوقهم مُفْرط، لقد قصَّر دونهم أناسٌ فجفَوْا، وطمح آخرون فغلَوْا، وإنَّهم فيما بين ذلك لعلى هدًى مستقيم.
وهذا الَّذي قد قرَّره العلماء من كون السَّلفيِّين وسطًا، وغيرهم إمَّا مفْرط أو مفرِّط؛ أمرٌ في غاية الاطِّراد، وهو شامل لجميع أبواب الدِّين، لم يشذَّ منه شيءٌ؛ ففي باب الأسماء والصِّفات هم وسط بين أهل التَّعطيل وأهل التَّشبيه، وفي باب القدر هم وسط بين القدريَّة والجبريَّة، وفي باب الوعد والوعيد والأسماء والأحكام هم وسط بين الوعيديَّة والمرجئة، وفي باب الصَّحابة هم وسطٌ بين الرَّوافض والنَّواصب، وفي باب السُّلوك هم وسط بين أهل الابتداع وأهل الفجور، والأمر كذلك في سائر الأبواب(7)، وإليك تفاصيل هذه القضيَّة:

========1 ـ أسماء الله وصفاته:
قال ابن تيمية مقرِّرًا معتقَد أهلِ السُّنَّة في هذا الباب: «ومذهب سلف الأمَّة وأئمَّتِها أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ؛ ولا تكييف ولا تمثيل.
فلا يجوز نفي صفات الله تعالى الَّتي وصف بها نفسه، ولا يجوز تمثيلُها بصفات المخلوقين؛ بل هو سبحانه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير ﴾ [الشورى: 11]، ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله... ومذهب السَّلف بين مذهبين، وهدًى بين ضلالتين: إثبات الصِّفات ونفي مماثلة المخلوقات، فقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ردٌّ على أهل التَّشبيه والتَّمثيل، وقوله: ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير ﴾ ردٌّ على أهل النَّفي والتَّعطيل؛ فالممثِّل أعشى والمعطِّل أعمى: الممثِّل يعبد صنمًا والمعطِّل يعبد عدمًا»( 8 ).
وقد لخَّص المقريزي مذهبَ السَّلف في عبارة موجزة فقال: «أثبتوا بلا تشبيهٍ، ونزَّهوا من غير تعطيل»(9)، فجمعوا بذلك بين الحسنيين: الإثبات مع التَّنزيه، وسلِموا بفضل الله من الضَّلالتين: التَّشبيه والتَّعطيل، ذلك أنَّ أهلَ التَّشبيه حملهم عليه طلبُ الإثبات لكنَّهم أهملوا التَّنزيه، وأمَّا أهلُ التَّعطيل فوقعوا فيه لأنَّهم طلبوا التَّنزيه ولكن لم يسلكوا معه مسلك الإثبات.
قال شيخ الإسلام: «ومذهبُ السَّلف بين التَّعطيل والتَّمثيل؛ فلا يمثِّلون صفاتِ الله بصفات خلقه، كما لا يمثِّلون ذاتَه بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله؛ فيعطِّلُوا أسماءَه الحسنى وصفاته العليا، ويحرِّفوا الكلم عن مواضعه ويلحدوا في أسماء الله وآياته»(10).

========2 ـ رؤية الله

من عقيدة أهل السُّنَّة أنَّ المؤمنين يروْنَ ربَّهم سبحانه في الجنَّة كما دلَّت عليه النُّصوص، ويقولون ـ أيضًا ـ إنَّه لا يُرَى في الدُّنيا، فهم بذلك وسط بين منكري الرُّؤية في الآخرة من الجهميَّة والمعتزلة ومن تبعهم، وبين من يقول برؤية الله في الدُّنيا من المتصوِّفة.
قال ابن تيمية: «ودين الله وسطٌ بين تكذيب هؤلاء بما أخبرَ به رسوله ﷺ في الآخرة؛ وبين تصديق الغالية بأنَّه يُرى بالعيون في الدُّنيا؛ وكلاهما باطل»(11).

========3 ـ حق النبي ﷺ

أهل السُّنَّة هم أشدُّ النَّاس تعظيمًا للنَّبيِّ ﷺ، فيعرفون له قدره ويؤمنون بما ثبت من فضله، ويحرصون على متابعته في سنَّتِه، خلافًا لما يشنِّع به عليهم خصومُهم، فيقولون: هو سيِّد ولد آدم وأفضل الخلق وأكرمهم على الله تعالى، ويقولون: هو عبد الله ورسوله، لا يستحقُّ أن يعبد، وليس له شيءٌ من خصائصِ الرَّبِّ سبحانه، فلا يعلم الغيبَ ولا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلاَّ ما شاء الله، ويعتقدون أنَّ تمام تعظيمِه إنَّما يكون بالعمل بسنَّته والاقتداء به في هديه، وهم بذلك ممتثلون أمره كما في الحديث الَّذي رواه البخاري (3445): «لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا: عَبْدُ الله ورَسُولُهُ»، وهم وسط في ذلك بين من يغلو فيه فيجعله ندًّا لله تبارك وتعالى؛ يستغيث به في الملمَّات، ويقصده لقضاء الحاجات، ويزعم أنَّه يعلم المغيَّبات، ويتصرَّف في الأرض والسَّماوات، تعالى الله عمَّا يقول الظَّالمون علوًّا كبيرًا؛ ومن يجفو في حقِّه ﷺ فلا يعظِّمُهُ ولا يُوَقِّرُهُ وَيسيء الأدب معه(12).

========4 ـ القضاء والقدر

من أصول الإيمان السِّتَّة الإيمان بالقدر خيره وشرِّه، وأهل السُّنَّة يعتقدون أنَّ للعبد مشيئةً لكنَّها خاضعةٌ لمشيئة الرَّبِّ كما قال سبحانه: ﴿ لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيم * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين ﴾ [التكوير: 28ـ29]. وهم بذلك وسط بين القدريَّة والجبريَّة، أمَّا القدريَّة فهم الَّذين ينكرون القدر ويثبتون للعبد المشيئة المطلقة، بل يجعلونه خالقًا لفعله، وهم مجوسُ هذه الأمَّة، وأمَّا الجبريَّة فهم الَّذين يسلبون العبد مشيئتَه، ويجعلونه كالرِّيشةِ في مهبِّ الرِّيح لا قصدَ له ولا اختيار، ولازم مذهبهم أن الله يعذِّب ويثيب على ما ليس من كسب العبيد(13).

========5 ـ الوعد والوعيد والأسماء والأحكام
الَّذي عليه أهل السُّنَّة أنَّ وعدَ الله منجزٌ وأنَّ وعيده على الذُّنوب الَّتي دون الشِّرك راجعٌ إلى مشيئته إن شاء عذَّب وإن شاء عفا، ويعتقدون أنَّ أهل الكبائر مسلمون، فلا يسلبونهم مطلقَ الإيمان ولا يثبتون لهم الإيمان المطلقَ، ولا يشهدون لأحد من أهل القبلة بجنَّةٍ ولا نارٍ، بل يرجون للمحسن، ويخافون على العاصي، ويقولون بما دلَّت عليه النُّصوص أنَّ النَّبيَّ ﷺ يشفع في أهل الكبائر من أمَّته، وهم بهذا وسطٌ بين الوعيديَّة والمرجئة.
أمَّا الوعيديَّة ـ وهم الخوارج والمعتزلة ـ فيقولون بخلود أهل الكبائر من الأمَّة في النَّار وينكرون الشَّفاعة فيهم، وقد اختلفوا في حكم الدُّنيا، فالخوارج تكفِّرهم والمعتزلة تقول هم في منزلة بين الكفر والإيمان، وأمَّا المرجئة فيخرجون العمل من مسمَّى الإيمان، ويقولون لا يضرُّ مع الإيمان ذنبٌ لمن عمله، وأنَّ الإيمانَ لا يزيد ولا ينقص، بل هو شيءٌ واحدٌ وأهله فيه سواءٌ، فتعلَّقوا بنصوص الوعد وعطَّلوا نصوص الوعيد، كما أنَّ الوعيديَّة تعلَّقوا بنصوص الوعيد وعطَّلوا نصوصَ الوعد، وأهل السُّنَّة فيما بين ذلك أسعد النَّاس بالدَّليل(14).

========6 ـ الصحابة وآل البيت

أهل السُّنَّة في هذا الباب وسط بين الشِّيعة الرَّوافض والنَّواصب وهم الَّذين ينصبون العداء لآل البيت، قال شيخ الإسلام في «الواسطيَّة» «ويتبرَّؤون من طريقة الرَّوافض الَّذين يبغضون الصَّحابة ويسبُّونهم، ومن طريقة النَّواصب الَّذين يؤذون أهلَ البيت بقولٍ أو عملٍ».
وقال ـ أيضًا ـ: «وأمَّا أهل السُّنَّة فيتولَّوْنَ جميعَ المؤمنين ويتكلَّمون بعلمٍ وعدلٍ، ليسوا من أهل الجهل ولا من أهل الأهواء، ويتبرَّؤون من طريقة الرَّوافض والنَّواصب جميعًا، ويتولَّوْنَ السَّابقين والأوَّلين كلَّهم، ويعرفون قدر الصَّحابة وفضلَهم ومناقبهم، ويرعون حقوق أهل البيت الَّتي شرَعها الله لهم»(15).

========7 ـ الموقف من الكرامات والأولياء

أهل السُّنَّة كذلك وسط في هذا الباب بين من ينكر الكرامات من المعتزلة ومن يبالغ في إثباتها من المتصوِّفة، وبين من يعادي أولياءَ الله الصَّالحين ومن يغلو فيهم فيعبدهم مع الله ـ عز وجل ـ (16)، يقول ابن تيمية: «وكرامات الأولياء حقٌّ باتِّفاق أئمَّة أهل الإسلام والسُّنَّةِ والجماعةِ، وقد دلَّ عليها القرآن في غير موضع، والأحاديث الصَّحيحة والآثار المتواترة عن الصَّحابة والتَّابعين وغيرهم، وإنَّما أنكرها أهل البدع من المعتزلة والجهميَّة ومن تابعهم، لكنَّ كثيرا ممَّن يدَّعيها أو تُدَّعى له يكونُ كذَّابًا أو ملبوسًا عليه، وأيضًا فإنَّها لا تدلُّ على عصمة صاحبها ولا على وجوب اتِّباعه في كلِّ ما يقوله»(17).

========8 ـ طاعة ولاة الأمر

من أصول أهل السُّنَّة السَّمع والطَّاعة لولاة الأمر المسلمين في المعروف، ومناصحتهم في السِّرِّ، وأداء العبادات معهم من جمعةٍ وجماعةٍ وحجٍّ وجهادٍ أبرارًا كانوا أم فجَّارًا، ولا يطيعونهم في المعصية، ولا ينزعون يدًا من طاعة، ولا يفرِّقون الجماعةَ، ويدعون لهم بالصَّلاح والهداية، وينكرون المنكر بما تقتضيه الضَّوابط الشَّرعيَّة، من غير تهييج للرَّعيَّة، كما دلَّت على ذلك النُّصوص والأخبار النَّبويَّة، وهم بهذا وسط بين طائفتين، أولاهما الخوارج ومن سلك مسلكهم ممَّن يدْعون إلى الإنكار العلني ويؤلِّبون الرَّعيَّة للخروج عليهم، فيوقعون الأمَّة في الفتن العظيمة والشُّرور المستطيرة، تسفك فيها الدِّماء وتنتهك الأعراض، وتنقطع السُّبل، ويعمُّ في الرُّبوع الفزع.
وأمَّا الطَّائفة الثَّانية فهم الَّذين يزيِّنون لحكَّامهم الباطلَ، ويمدحونهم بما ليس فيهم، ويفتونهم بما تهواه نفوسهم، ويحرِّفون دين الله ابتغاءَ مرضاتهم، وطريقة أهل السُّنَّة وسطٌ بين هؤلاء وأولئك(18).

========9 ـ التكفير

أهل السُّنَّة في هذا الباب وسط بين غلاة التَّكفير الَّذين يكفِّرون أهل الإسلام بالظُّنون والأوهام، وبين أهل الإسراف ممَّن يجادل عن أهل الكفر والإشراك، فأهل السُّنَّة يكفِّرون من كفَّره الله ورسوله ممَّن ثبتَ مروقُه من الدِّين بيقين، وأمَّا المسلم تعرِضُ له الشُّبهة فيقع في بعض صور الكفر الَّتي قد تخفى مع مراعاة الزَّمان والمكان واحتمال التَّأويل فلا بدَّ حينئذٍ من إقامة الحجَّة والبيان، قال شيخ الإسلام: «و كذلك التَّكفير حقٌّ لله، فلا يكَفَّرُ إلاَّ من كفَّره الله و رسوله، وأيضًا؛ فإنَّ تكفير الشَّخص المعيَّن وجواز قتله موقوفٌ على أن تبلغه الحجَّة النَّبويَّة الَّتي يكفر من خالفها، وإلاَّ فليس كلُّ من جهل شيئًا من الدِّين يكَفَّر»(19).

========10 ـ باب السلوك
هم وسط بين أهل الابتداع الَّذين يتعبَّدون بما لم يأذن به الله ولم ينزِّل به سلطانًا، وبين أهل الفجور من متَّبِعي الشَّهوات؛ فالأوَّلون مجاوزون للحدِّ، والآخرون مضيِّعون للأمر والنَّهي.
قال شيخ الإسلام: «وهي وسط بين هذين الصِّنفين: أصحاب البدع وأصحاب الفجور؛ أهل الإسراف والتَّقشُّف الزَّائد... فـالقسم الأوَّل أهل الفجور: وهم المُتْرَفون المنعَّمون، أوقعهم في الفجور ما هم فيه، والقسم الثَّاني: المترهِّبون، أوقعهم في البدع غلوُّهم وتشديدهم؛ هؤلاء استمتعوا بخلاقهم، وهؤلاء خاضوا كما خاض الَّذين من قبلهم»(20).

========11 ـ الموقف من العقل

العقل عند أهل السُّنَّة من أعظم نعم الله على عباده، فبه فُضِّلَ الإنسان على الحيوان البهيم، وعلى العبد أن يستعمل عقلَه ليصل به إلى الحق، وليفقه خطاب ربِّه، ويدرك أسراره في خلقه وشرعه، ولهذا تكرَّر في كتاب الله قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون ﴾، ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُون﴾، ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُون ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾، وكلَّما كان العبد في العلم أرسخَ كان عقلُه أصحَّ، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُون ﴾ [العنكبوت: 43]، وأهل السُّنَّة بهذا وسط بين من يغلو في العقل فيجعله حاكمًا على الشَّرع كالمعتزلة ومن اتَّبع سبيلهم، ومن عطَّلوا عقولهم من أهل التَّبلُّد والتَّقليد.
فالتَّوسُّط يقتضي أن لا نجادل ولا نعاند ولا نضرب لله الأمثال، وكذلك لا نتعصَّب ولا نتبلَّد ولا نقبل قولَ غير المعصوم من غير برهانٍ، ولابدَّ من التَّنبيه على أنَّ العقل متى كان قويمًا لا يمكنه أن يخالف الشَّرع الصَّحيح، ومتى وقع التَّعارض دلَّ ذلك على فساد في العقل أو خطأ في النَّقل، وإن قُدِّرَ معارضةُ العقل للنَّقل الصَّحيح قُدِّمَ النَّقل؛ لأنَّنا تلقَّيْنَاه عن المعصوم مع احتمال تطرُّق الخطأ إلى العقل، يقول ابن القيِّم: «والسَّمع والعقل هما أصلُ العلم وبهما ينال»(21)، ودليل ذلك قوله سبحانه: ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِير ﴾ [الملك: 10].
وقال ابن تيمية: «فالعقل يدلُّ على صحَّة السَّمع، والسَّمع يبيِّن صحَّة العقل، وأنَّ من سلك أحدهما أفضى به إلى الآخر»(22)، وقد قرَّر شيخ الإسلام أنَّه لا يمكن أن يخالف صريحُ المعقول صحيحَ المنقول، وقد بنى على هذا الأصل مُصَنَّفَهُ الحافل الَّذي لم يطرق العالم له نظير، وهو الموسوم بـ: «درء تعارض العقل والنَّقل» أو «بيان موافقة صريح المعقول صحيحَ المنقول».

========12 ـ التحسين والتقبيح العقلي

هذه المسألة قد وقع فيها خلاف حادٌّ بين المعتزلة والأشاعرة، فالمعتزلة يثبتون ذلك مطلقًا، والأشاعرة ينكرونه، وهما على طرفي نقيض، وأمَّا الحقُّ في هذه المسألة فما هدى الله إليه أهلَ السُّنَّة سواء السَّبيل، ومَثَلُهُ كلَبَنٍ يخرج من بين فَرْث ودم خالصًا سائغًا للشَّاربين.
وحاصل قولهم: إنَّ العقل يحسِّن ويقبِّح لكنَّ ذلك موقوف على إقرار الشَّرع، فلا يثبت الأمر والنَّهي، ولا يترتَّب الثَّواب والعقاب إلاَّ بعد ورود الشَّرع، ولا يلزم أن يدركَ العقل حسنَ أو قبحَ كلِّ ما تأتي به الشَّريعة.
وعلى قول أهل الاعتزال يترتَّب الثَّواب والعقاب على ما حكم به العقل وإن لم يرد به الشَّرع، وأمَّا على قول الأشاعرة فإنَّنا لا يمكن الحكم بقبح الشِّرك والكذب أو حسن التَّوحيد والصِّدق مثلاً قبل ورود الشَّرع(23).

========13 ـ الموقف من القياس

القياس أحد أدلَّة الأحكام الشَّرعيَّة، يكون معتبَرًا بشروطه المعلومة عند العلماء، وأهل السُّنَّة وسطٌ فيه بين المُغَالِين في إثبات الأحكام الشَّرعيَّة به وهم أهل الرَّأي، وبين منكري القياس من أصله وهم الظَّاهريَّة، فوقع أهل الرَّأي في مصادمة النُّصوص الصَّريحة بالأقيسة الفاسدة، ووقع أهل الظَّاهر في إهمال معاني النُّصوص وإلغاء حكم التَّشريع، فأدَّى بهم ذلك إلى التَّفريق بين المتماثلات(24).

========14 ـ الموقف من أقوال العلماء
النَّاس في هذا الباب وسط وطرفان، أحدهما متعصِّبَةُ المذاهب الَّذين يُقَدِّسُون متبوعيهم من الأئمَّة والعلماء، فيجعلون أقوالهم وآراءهم شرعًا يُتَّبَعُ يحرم الخروجُ عليه، وأنَّ مذهبَهم هو المذهب الَّذي لا يسع النَّاس إلاَّ اتِّباعُه والتَّديُّن به، وهو ما أدَّى بهم إلى القول بغلق باب الاجتهاد، وقد بلغ الأمر ببعض أهل التَّعصُّب إلى أن زعم أنَّ كلَّ دليل يخالف قولَ إمامه فإمَّا أن يكون منسوخًا أو ضعيفًا، وقال آخر الأخذ بظواهر الكتاب والسُّنَّة من أصول الكفر.
ويقابل هؤلاء: المتحاملون على الأئمَّة والعلماء الَّذين يُزَهِّدُون النَّاسَ في أقوالهم ويمنعونَهم الاستفادَة منها، وأهل السُّّنَّة متوسِّطون بين غلوِّ أولئك وجفاءِ هؤلاء، فيحترمون الأئمَّة والعلماء، ويَرَوْنَ أنَّ أقوالَهم يستعان بها على التَّفقُّه في الكتاب والسُّنَّة، لكن متى استبانَ لهم حكمُ الله وحكمُ رسوله لم يكونوا لِيَدَعُوه لقول أحدٍ كائنًا من كان.
وقد عقد ابن القيِّم فصلاً بديعًا في بيان الفرق بين تجريد متابعة المعصوم وإهدار أقوال العلماء وإلغائها في كتابه «الرُّوح» فليراجع(25).

========15 ـ باب النقد ورد الأخطاء

من الأصول الَّتي قام عليها دين الإسلام الرَّدُّ على المخالف نصحًا لله ولرسوله ولدينه، ولولا إقامةُ الله من علماء السُّنَّة مَنْ يذبُّ عن شريعته ما وصل إلينا هذا الدِّين نقيًّا صافيًا، ولكن لذلك ضوابط وآداب لا بدَّ من مراعاتها كما بيَّن علماء السُّنَّة(26)، وهذا ما جعلهم وسطًا بين طرفي الإفراط والتَّفريط، أمَّا أهل الإفراط فهم الحدَّادية ومن نحا نحوهم ممَّن يبدِّع بالخطأ، بل بالأوهام والظُّنون، ولا يفرِّقون بين العالم من أهل السُّنَّة إذا أخطأ وصاحب البدعة.
وأمَّا أهل التَّفريط فهم الَّذين ينكرون النَّقد من أصله ولا يجَوِّزُونَ الكلامَ في المشايخ والدُّعاة مهما وقعوا في الأخطاء الشَّنيعة أو تلبَّسوا بالبدع القبيحة، وإذا تكلَّم العالم من أهل السُّنَّة في إمام من أئمَّتهم أو داعيةٍ من دعاتهم اشتدَّ نكيرُهم وعَظُمَ غضبُهم، ولكن لا تَرَى لذلك الغضب أثرًا وهم يرون أستار الشَّريعة تُهْتَك، ومعالمها تُنْقَض من قبل زعمائهم ومتبوعيهم، وقد وقع بعضهم في التَّطاول على صحابة رسول الله ﷺ بل على أنبياء الله عليهم الصَّلاة والسَّلام، ومن عجب أن ترى القوم يفدون عرض إمامهم، ولكن لا يحزنهم القدح في عرض أصحاب رسول الله ﷺ، بل أنبياء الله ورسله، ولو كان عندهم قليل فقه لعلموا أن حراسة الشَّريعة والذَّبَّ عن أعراض خير النَّاس بعد الرُّسل، هو من أفضل ما يقرب إلى ربِّ البريئة.
ثم إنه يقال لمنكري التصنيف، اعلموا أنَّ الدُّنيا لا تستقيم لأهلها إلا بالجرح والتعديل، وهذا مما اتفق عليه العقلاء وإن لم يصرحوا به، فتجد الناس يقولون مثلا: هذا طبيب حاذق وهذا طبيب جاهل، وإذا كان هذا لمصلحة الدنيا، فكيف بدين الله الذي خلق الله لأجله الإنس والجان، وقام له سوق الجنة والنار.

========16 ـ الأخذ بالأسباب
أهل السُّنَّة وسط في الأخذ بالأسباب، بين من يُعَطِّلُها ويرى أنَّها تنافي التَّوكُّل، ومن يعلِّق قلبَه بها ويعتقد كفايتها في حصول مقصوده، فلا يعتمد على ربِّه، ولا يفوِّضُ الأمر إلى خالقه، والمذهب الصَّحيح وسطٌ بين هذا وذاك، فيرى أهلُ السُّنَّة أنَّ الأخذَ بالأسباب مطلوبٌ؛ لأنَّ الله تعالى جعلَها مُبَلِّغَةً للمقصود، ولكن لا بدَّ من بقاء القلب معلَّقًا بالرَّبِّ سبحانه، فما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن ولو بذل له ما في الدُّنيا من الأسباب(27).
هذا ما يسر الله جمعه وذكره، فلِلَّهِ الحمدُ والمنَّة وحده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «خلق أفعال العباد» (ص59).
(2) «العقيدة الواسطيَّة»
(3) «الفتاوى» (5/261).
(4) «مفتاح دار السَّعادة» (3/1513).
(5) انظر: «الفتاوى» (3/381)، «مدارج السَّالكين» (2/517 ـ 518)، و«إغاثة اللَّهفان» (1/329 ـ 330).
(6) رواه البزَّار (9423)، والبيهقي (10/209) وقد نقل الخطيب عن الإمام أحمد تصحيحَ هذا الحديث كما في «شرف أصحاب الحديث» (ص29).
(7) ينظر لذلك: «العقيدة الواسطيَّة»، «الوصيَّة الكبرى» ضمن «مجموع الفتاوى» (3/373)، «منهاج السُّنَّة» (5/172)، «جامع المسائل» (3/83)، «الصَّفديَّة» (ص394)، «مفتاح دار السَّعادة» (3/1512).
( 8 ) «الفتاوى» (5/195 ـ 196).
(9) «المواعظ والاعتبار» (2/356).
(10) «الفتاوى» (5/27).
(11) «الفتاوى» (3/391).
(12) انظر: «الفتاوى» (28/613 ـ 614).
(13) انظر: «الفتاوى» (3/374)، «مفتاح دار السَّعادة» (3/1512).
(14) انظر: «الفتاوى» (18/191).
(15) «منهاج السُّنَّة النَّبويَّة» (2/71).
(16) «منهاج السُّنَّة النَّبويَّة» (2/71).
(17) «مختصر الفتاوى المصريَّة» للبعلي.(ص600)
(18) انظر: «جامع المسائل» (3/90).
(19) «الاستغاثة» (ص492).
(20) «الفتاوى» (14/459 ـ 460).
(21) «مفتاح دار السَّعادة» (1/160).
(22) «الفتاوى» (6/245).
(23) ينظر: «الفتاوى» (8/431)، والمسألة حرَّرها ابن القيِّم بما لا يعرف له نظير في «مفتاح دار السَّعادة» (2/877) إلى آخر الكتاب.
(24) انظر: «الاستقامة» (1/6).
(25) «الرُّوح» (2/734).
(26) انظر تأصيل هذه المسألة وتفاصيلها في «الرَّدُّ على المخالف من أصول الإسلام» للشَّيخ بكر أبو زيد، و«منهج أهل السُّنَّة والجماعة في نقد الرِّجال والكتب والطَّوائف» للشَّيخ ربيع المدخلي، و«الرَّدُّ العلمي على منكري التَّصنيف» للشَّيخ عبد السَّلام ابن برجس.
(27) ينظر لذلك «مجموع الفتاوى» (8/169)، و«مفتاح دار السَّعادة» (3/1513).
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله:
«إنَّ صيامَه ـ أي شعبان ـ كالتَّمرين على صيام رمضَان؛ لئلَّا يدخُل في صوم رمضَان على مشقَّة وكُلْفَة؛ بل قد تمرَّنَ على الصِّيام واعتادَه، ووجَد بصيام شعبان قبلَه حلاوةَ الصِّيام ولذَّتَه، فيدخُل في صيام رمضان بقُوَّة ونشاطٍ» [«لطائف المعارف» (ص135)].
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 لمحات من حياة شيخ الإسلام بقيِّ بن مَخْلد الأندلسي
💢 أ.د.رضا بوشامة
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح

👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 لمحات من حياة شيخ الإسلام بقيِّ بن مَخْلد الأندلسي
💢 أ.د.رضا بوشامة
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح

👇👇👇

ممَّا اشتهرَ بين أهل العلم وطلاَّبِه وعامَّة النَّاس أنَّ الأندلسَ والمغربَ بَلَدُ فقهٍ وفروعٍ، لا بَلدُ حديثٍ وإسنادٍ، وأنَّ علماءَه اقْتَدَوا بعلماءِ الشَّرقِ وسَلَكُوا مسالِكَهم، وقلَّدوهم في علومِهم، ولم يكن لَدَيْهم استقلالٌ ولا تَمَيُّزٌ عِلْمِيٌّ، ولذلك لمَّا بلغ أبَا عَمرو بنَ الصَّلاح كتابُ القاضِي عياض «مشارق الأنوار على صحاح الآثار»، وهو في بيان غريبِ أحاديث «الموطَّأ» و«الصَّحيحين» وغير ذلك قال فيه:
مشارقُ أنوارٍ تَـسَـنّت بسَـبتة//وذا عجب كون المشارق بالغرب(1)
ولا عجب في ذلك؛ فلا زالت بلاد المغربِ والأندلسِ دارَ حديثٍ وفقهٍ، برَز فيها علماءُ كثيرون، بل كان في الأندلس طائفةٌ من العلماءِ لا يقِلُّون عن نظرائهم بالعراق وغيرِها من يَنابِيع العلم، كبَقِيِّ بنِ مَخلِد، وقاسم بن أَصْبَغ، وابنِ أَيْمَن، ومحمَّد بن وضَّاح، وابنِ عبد البَرِّ، وأَبي عَلِيٍّ الجَيَّانِي وأبي عليٍّ الصَّدَفِي، والقاضي عياض، وغيرهم، بل كان لأوائلهم فضلُ السَّبْق في العناية بكتب الحديث كـ«موطأ الإمام مالك»، حيث دخل المغرب على يَدِ علي بنِ زياد التُّونسي في رواية، أو إدريس بنِ عبد الله الكامل ـ مؤسِّس دولة الأدارسة بالمغرب ـ في رواية أخرى، وإلى الأندلسِ على يد زِياد بن عبد الرَّحمن شَبْطُون، ثمَّ يحيى بن يحيى اللَّيثي، الَّذي ذاعَ صِيتُه، وانتشرَت روايتُه، وعَوَّل عليها الأئمَّة مِن بعده في شروحاتِهم وتآلِيفِهم على «موطَّأ الإمام مالك».
قال المَقَّرِيُّ: «وأمَّا حالُ أهلِ الأندلسِ في فنونِ العلومِ؛ فتحقيقُ الإنصافِ في شأنِهِم في هذا البابِ أنَّهم أحرَصُ النَّاسِ على التَّمَيُّزِ، فالجاهِلُ الَّذي لَم يوفِّقه اللهُ للعلمِ يَجْهَدُ أن يَتَمَيَّزَ بِصَنْعَةٍ، وَيَرْبَأُ بنفسه أن يُرى فارِغًا عَالَةً على النَّاسِ؛ لأنَّ هذا عندهم في غاية القبح، والعالِمُ عندهم مُعَظَّمٌ مِن الخاصَّةِ والعامَّةِ، يُشار إليه ويُحال عَليه، ويَنْبُهُ قَدْرُه وذِكرُه عند النَّاسِ، ويُكرَمُ في جِوارٍ أو ابْتِياعِ حاجَةٍ، وما أشبَهَ ذلك، ومع هذا فَلَيْسَ لأهلِ الأندلسِ مدارسُ تُعِينُهُم على طَلَب العلمِ، بل يقرؤون جميعَ العلومِ في المساجدِ ـ إلى أن قال ـ: وقراءةُ القرآن بالسَّبعِ، وروايةُ الحديثِ عندهم رَفيعةٌ، وللفقهِ رَوْنَقٌ وَوَجاهَةٌ، ولا مذهب لَهم إلاَّ مذهبُ مالكٍ، وخواصُّهم يَحفظونَ مِن سائِرِ المذاهِبِ ما يُباحثون به بِمَحَاضِرِ مُلوكِهم ذَوِي الهمَمِ في العلوم ..»(2).
وقال ابن حزم الأندلسي: «أُلِّفت عندنا تآليف في غايَة الحُسْن، لنَا خَطَر السَّبَق في بعضِها، فمِنها كتابُ «الهِداية» لعِيسى بن دِينار، وهي أرفَعُ كُتُب جُمعت في معناها على مَذهب مالك وابنِ القاسم... ـ ثمَّ عَدَّد ـ رحمه الله ـ بعضَ كُتُب الفقه ـ ثمَّ قال: وفي تفسير القرآن كتابُ أبي عبد الرَّحمن بَقِيِّ بنِ مَخْلِد فهو الكتابُ الَّذي أَقْطَعُ لا أسْتَثْنِي فيه أنَّه لَم يُؤلَّف في الإسلامِ تفسيرٌ مثلُه، ولا تفسيرُ محمَّد بنِ جرير الطَّبري ولا غيرُه، ومنها في الحديث مصنَّفُه الكبيرُ الَّذي رَتَّبه على أسماءِ الصَّحابة ـ رضي الله عنهم ـ، فرَوَى فيه عن أَلْفٍ وثلاثمائة صاحِبٍ ونَيِّف، ثمَّ رتَّب حَدِيثَ كلِّ صاحبٍ على أسماءِ الفقهِ وأبوابِ الأحكامِ، فهو مُصَنَّفٌ ومسنَدٌ، وما أَعْلَمُ هذه الرُّتبةَ لأحدٍ قَبْلَه، مع ثِقَتِه وإتقانِه واحتِفَالِه في الحديثِ وجَوْدَةِ شيوخِه، فإنَّه رَوَى عن مائتَيْ رَجل وأربعةٍ وثمانينَ رَجلاً ليس فِيهم عشرةُ ضعفاء، وسائرُهم أعلامٌ مشاهير، ومنها مصَنَّفُه في فَتَاوى الصَّحابةِ ومَن دونَهم الَّذي أَرْبَى فيه على «مصنَّفِ» أبي بكر بنِ أبي شيبة و«مصنَّفِ» عبد الرَّزَّاق بن همَّام و«مصنَّفِ» سعيد بنِ منصور وغيرِها، وانْتَظَمَ عِلمًا عظيمًا لَم يَقَعْ في شيءٍ من هذِه، فصارتْ تآليفُ هذا الإمامِ الفاضلِ قواعدَ لِلإسلامِ لا نَظيرَ لها، وكان متخيِّرًا لا يقلِّدُ أحدًا... ومنها في الحديثِ «مصنَّفُ» أبي محمَّد قاسم بنِ أصبغ بنِ يوسف ابنِ ناصح، و«مصنَّفُ» محمَّد بنِ عبد الملك ابن أَيمن، وهما مصنَّفانِ رَفيعَان احْتَوَيَا مِن صحيحِ الحديثِ وغريبِه على ما ليس في كثيرٍ من المصنَّفَاتِ، ولقاسمِ بنِ أصبغ هذا تآليفُ حِسانٌ جدًّا منها «أحكامُ القرآن على أبوابِ كتابِ إسماعيلَ وكلامِه»، ومنها كتابُ «المجتبى على أبوابِ كتاب ابنِ الجارود المنتقى»، وهو خيرٌ منه وأنْقَى حَدِيثًا وأعْلَى سَنَدًا وأكثرُ فائدَةً، ومنها كتابٌ في فضائلِ قريش وكِنانة، وكتابُه في النَّاسخِ والمنسوخ، وكتابُ «غرائِب حديثِ مالك بن أنس مِمَّا ليس في الموطَّأ».
ومنها كتابُ «التَّمهيد» لصاحبِنا أبي عُمر يوسف بن عبد البرِّ، وهو الآن بعدُ في الحياة لَم يَبْلُغ سِنَّ الشَّيخوخَة، وهو كتابٌ لاَ أعلمُ في الكلامِ على فقهِ الحديث مثلَه أَصلاً، فكيفَ أحسَن مِنه، ومنها كتابُ «الاستذكار»، وهو اختصارُ «التَّمهيد» المذكورِ، ولصاحبِنا أبي عمر ابن عبد البرِّ المذكورِ كُتُبٌ لا مَثيلَ لَها ـ ثمَّ ذَكَرَ بعضَ كتبه ـ، ثمَّ قال: ومنها كتابُ شيخِنا القاضي أبي الوليد عبد الله بنِ يوسف بنِ الفَرَضِي في المختلِف والمؤتلِف في أسماءِ الرِّجال، ولَم يَبْلُغْ عبد الغنِيُّ الحافظُ المصريُّ في ذلك إلاَّ كتابيْن، وبَلَغَ أبو الوليد ـ رحمه الله ـ نَحوَ الثَّلاثين لا أعلمُ مثلَه في فنِّه أَلْبَتَّةَ، ومنها «تاريخُ» أحمد بنِ سعيد ما وَضَعَ في الرِّجالِ أَحَدٌ مثلَه إلاَّ ما بَلَغَنَا من «تاريخ» محمَّد بن موسى العُقيلي البغدادي ولَمْ أَرَه... ـ ثمَّ ذكر كتبًا أخرى في الحديثِ والفقهِ واللُّغة والتَّفسيرِ والشِّعر وغيرِ ذلك من العلومِ إلى أن قال ـ: وبَلَدُنا على بُعده مِن ينبوعِ العِلمِ ونَأْيِه مِن مَحَلَّةِ العُلماءِ فقد ذَكَرْنا من تآليفِ أهلِه ما إِن طُلبَ مثلُها بفارسَ والأهوازِ وديارِ مُضَرٍ وديارِ رَبيعةَ واليَمَنِ والشامِ أَعْوَزَ وجودُ ذلك، على قُربِ المسافَةِ فِي هذه البلادِ مِن العراقِ الَّتي هِي دارُ هجرةِ الفَهْمِ وذَوِيهِ، ومرادِ المعارفِ وأربابِها، ونحن إذا ذكرنَا أبا الأجْرَب جَعُونَة ابنَ الصِّمَّة الكلابي في الشِّعر لَم نُباه به إلاَّ جريرًا والفَرَزدَق؛ لكونِه في عصرهما، ولو أُنصف لاستُشهد بشعره، فهو جارٍ على مذهب الأوائل، لا على طريقة المحدَثين، وإذا سَمَّينا بقيَّ بنَ مَخلد لَم نسابِق به إلاَّ محمَّدَ بنَ إسماعيل البخاري ومسلمَ ابنَ الحجَّاج القشيري وسليمانَ بنَ الأشعث السِّجستاني وأحمدَ بنَ شعيبٍ النَّسائي...»، ثمَّ ذكر ـ رحمه الله ـ بعضَ رجالِ الأندلسِ موازِنًا بينَ نُظَرائِهم بالشَّرقِ... إلى آخر كلامه(3).
وفي المقال الَّذي بين يديك ـ أخي القارئ ـ بيان للعَلَم الَّذي أشاد به ابن حزم في رواية الحديث والتَّصنيف فيه، وهو الإمام بقيُّ ابن مَخْلِد، أذكر بعض أخباره مقتصِرًا على ما يهمُّ طُلاَّب الحديث وآثاره دون تطويل مملٍّ ولا تقصير مُخلٍّ، فأقول:
هو بَقيُّ ـ بفتح الباء الموحَّدة ـ بن مَخْلد ابن يزيد أبو عبدالرحمن الأندلسي القرطبي، مولده في حدود (210هـ)، وصفه الذَّهبي في «التَّذكرة» بشيخ الإسلام والحافظ.
سمع من علماء بلده وما جاورها كما هي عادة المحدِّثين في طلب العلم، فكان من شيوخه يحيى بن يحيى اللَّيثي صاحب الرِّواية المشهورة لـ«موطَّأ» الإمام مالك، ثمَّ ارتحل إلى المشرق مرورًا بإفريقيَّة (المغرب العربي)، حيث سمع من سحنون الإمام بتونس، ودخل الحجاز والشَّام والعراق، فلقي في هذه الفترة تلاميذ الإمام مالك وطبقةَ شيوخ أصحاب الكتب السِّتَّة، كأبي مصعب الزُّهري، ويحيى بن عبد الله بن بكير، وإبراهيم بن المُنذر الحزامي، وأحمد بن السَّرح أبا الطَّاهر، والحارث ابن مِسكين، وهِشَام بن عَمَّار، ومحمَّد بن المثنَّى أبا موسى الزَّمِن، ومُحمَّد بن بشَّار بُنْدَار، وعبد الله بن أبي شَيبة، ومُحمَّد بن عبد الله بنِ نُمَير، وأحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقي، وهارون بن عبد الله الحَمَّال، وزُهيَر بن حَرب أبا خيْثَمة، وأبا ثَور صَاحب الشَّافِعي، ومحمَّد بن عُمر العَدنيَّ وغيرهم كثير من كبار الحُفَّاظ والمُحَدِّثين.
قال عبد الله بن يونس رَاويتُه: «إنَّ عِدَّة الرِّجال الَّذَّين لَقيهم بَقِيٌّ وسَمِعَ منهم: مائتَا رَجُل وأربعةٌ وثمانُون رَجُلاً»(4).
ولا عجب في هذا، فقد ذكر ابن الفَرَضِي في الكتاب السَّابق: «عن أحمد بن أبي خيثمة صاحب «التَّاريخ الكبير» ـ وذكَر بَقِيَّ بن مَخْلِد ـ فقال: ما كُنَّا نُسمِّيه إلاَّ المِكنَسَة».
أي من كثرة جمعه للشُّيوخ وسماعه منهم.
================
دخوله بغداد وسماعه من إمام السُّنَّة أحمد ابن حنبل ـ رحمه الله ـ
================
لا شكَّ في دخول إمامنا مدينةَ العلم وعاصمته، فقد سمع ممَّن كان بها من المحَدِّثين والمسنِدِين، بل كان فيها محترَمًا معظَّمًا، لتَوَسُّعه في طلب العلم وعدم تضييعه للأوقات فيما لا يفيد واجتهاده في ذلك، يبيِّن ذلك هذان القولان المنقولان عن قاسم بن أصبغ الأندلسي.
الأوَّل: قال قاسم: «خرجتُ من الأندلس ولم أَرْوِ عن بقيٍّ شيئًا، فلمَّا دخلتُ العراق وغيرَه من البلدان سمعتُ من فضائله وتعظيمه ما أندمني على ترك الرِّواية عنه وقلت: إذا رجعت لزِمتُه حتَّى أروي جميعَ ما عنده، فأتانا نعيُه ونحن بأطرابلس»(5).
الثَّاني: وقال ـ أيضًا ـ: «وحُدِّثتُ عن بقيٍّ أنَّه قال يومًا لطلبته: أنتم تطلبون العلمَ، أهكذا يُطلب العلم؟! إنَّما أحدُكم إذا لم يكن عليه شغلٌ يقول: أمضي أسمعُ العلم، إنِّي لأعرفُ رجلاً تمضي عليه الأيَّام في وقت طلبه للعلم لا يكون له عيشٌ إلاَّ من وَرَقِ الكرنب الَّذي يُلقيه النَّاس، وإنِّي لأعرف رجلاً باع سراويله غير مرَّةٍ في شِرى كاغَدٍ حتَّى يسوقَ الله عليه من حيث يُخلفها»(6).
والَّذي يهمُّنا في هذه المحطَّة من حياته أمران:
الأوَّل: لماذا لم يُترجِم الخطيب البغدادي لبقيٍّ في «تاريخ بغداد»؟ وهل هو على شرطه؟! كما فعل ابن عساكر لمَّا ترجم له في «تاريخ دمشق» (10/354) وابن يونس في «تاريخ مصر».
بالرُّجوع إلى مقدِّمَة الخطيب نجده استثنى في تراجمه الغُرباء الَّذين وردوا بغداد ولم يحَدِّثُوا بها ولم يستوطنوها فقال:
«ولم أذكر من محدِّثي الغرباء الَّذين قَدِمُوا مدينة السَّلام سوى من صحَّ عندي أنَّه روى العلم بها، فأمَّا من وَرَدَها ولم يُحَدِّثْ بها فإنِّي اطَّرَحْتُ ذكرَه وأهملتُ أمره لكثرة أسمائهم وتعذُّر إحصائهم غيرَ نفرٍ يسيرٍ عددهم عظيمٌ عند أهل العلم محلُّهم ثبت عندي ورودهم مدينتنا ولم أتحقَّق تحديثَهم بها، فرأيت أن لا أُخليَ كتابي من ذكرهم لرفعة أخطارهم وعلوِّ أقدارهم» «تاريخ بغداد» (2/5).
ويا ليت الخطيب ذكره في اليسير على أقلِّ تقديرٍ فكان عاليَ القدر في بغداد كما تقدَّم نقلُ ذلك عن قاسم بن أصبغ وكان ذا خاصَّة من الإمام أحمد كما سيأتي نقل ذلك عن ابن أبي يعلى؛ بل كان في رحلته يُحَدِّثُ بعضَ شيوخه كما فعل مع يحيى بن بكير المصري.
قال: «لمَّا قدمتُ العراقَ على يحيى بن بكير أجلسني إلى جنبه وسمع منِّي سبعةَ أحاديث» «تاريخ علماء الأندلس» (1/108).
الأمر الثَّاني: هل سمع من إمام السُّنَّة أحمد بن حنبل أثناء وجوده ببغداد أم لا؟
ذكر بعض من ترجم له من الأندلسيِّين كابن الفرضي في «تاريخه» (1/107)، والحميدي في «جذوته» (ص177)، وغيرهما، ومن المشارقة ابن عساكر وياقوت الحموي وابن الجوزي في «المنتظم»، وغير هؤلاء أنَّ بقيًّا سمع من أحمد بن حنبل ببغداد، ويُحمل كلامهم على سماعه الحديث فضلاً عن المسائل الفقهيَّة وغيرها.
وفصَّل الذَّهبيُّ في ذلك فذكر أنَّه سمع منه المسائل فقط ولم يسمع منه الحديث، فقال في «تاريخ الإسلام» (6/521): «فسَمِعَ... وببغداد: أَحْمَد بْن حنبل، وطبقته... وقد فتَّشت فِي مُسْنَد بَقِيٍّ لأظفرَ له بحديثٍ عن أَحْمَد بْن حنبل فلم أجد ذلك، وما دخل بغداد إلاَّ سنةَ نيِّفٍ وثلاثين، بعد موت عليِّ بن الجَعْد، وكان أَحْمَدُ قد قطع الحديث في سنة ثمانٍ وعشرين وإلى أن مات.
وقال في «سير أعلام النُّبلاء» (13/285 ـ 286): «وسمع من... وأحمد بن حنبل مسائل وفوائد، ولم يروِ له شيئا مسندا؛ لكونه قطع الحديث».
واشتهرتْ روايةٌ طريفةٌ عنه تدلُّ على عظيم فضله وشدَّة صبره على الطَّلب وسماعه من أحمد بن حنبل الحديث، ذكرها الذَّهبي في «السِّير» نقلاً عن ابن بشكوال، قال: «ونقل بعض العلماء من كتاب لحفيد بقيٍّ عبد الرَّحمن بن أحمد: سمعت أبي يقول: رحل أبي من مكَّة إلى بغداد، وكان رجلاً بغيته ملاقاة أحمد بن حنبل، قال: فلمَّا قرُبتُ بلغتني المحنة، وأنَّه ممنوعٌ، فاغتمَمتُ غمًّا شديدًا، فاحتللت بغداد، واكتريتُ بيتًا في فندق، ثمَّ أتيتُ الجامع وأنا أريد أن أجلسَ إلى النَّاس، فدفعت إلى حلقة نبيلة، فإذا برجل يتكلَّم في الرِّجال، فقيل لي: هذا يحيى بن معين، ففُرِّجت لي فرجةٌ، فقمت إليه، فقلت: يا أبا زكريَّا ـ رحمك الله ـ رجلٌ غريبٌ ناء عن وطنه، يحبُّ السُّؤَال، فلا تستجفني.
فقال: قل، فسألتُ عن بعض من لقيتُه، فبعضًا زكَّى، وبعضًا جرَّح، فسألته عن هشام ابن عمَّار، فقال لي: أبو الوليد، صاحب صلاة دمشق، ثقةٌ، وفوق الثِّقة، لو كان تحت ردائه كبرٌ، أو متقلِّدًا كبرًا، ما ضرَّه شيئًا لخيره وفضله، فصاح أصحاب الحلقة: يكفيك ـ رحمك الله ـ غيرُك له سؤالٌ، فقلت ـ وأنا واقفٌ على قدم ـ: اكشِفْ عن رجلٍ واحدٍ أحمدَ ابنِ حنبل، فنظر إليَّ كالمتعجِّب، فقال لي: ومثلُنا نحن نكشف عن أحمد؟! ذاك إمام المسلمين، وخيرُهم وفاضلهم.
فخرجت أستدلُّ على منزل أحمدَ بنِ حنبل، فدُللت عليه، فقرعتُ بابه، فخرج إليَّ، فقلت: يا أبا عبد الله رجلٌ غريبٌ، نائيَ الدَّار، هذا أوَّل دخولي هذا البلد، وأنا طالب حديث، ومقيِّد سُنَّة، ولم تكن رحلتي إلاَّ إليك، فقال: ادخل الأصطوان ولا يقع عليك عينٌ، فدخلتُ، فقال لي: وأين موضعك؟ قلت: المغرب الأقصى، فقال: إفريقيَّة؟ قلت: أبعدُ من إفريقيَّة، أجوز من بلدي البحرَ إلى إفريقيَّة، بلدي الأندلس، قال: إنَّ موضعَكَ لبعيدٌ، وما كان شيءٌ أحبَّ إليَّ من أن أُحْسِنَ عونَ مثلك، غيرَ أنِّي ممْتَحَنٌ بما لعلَّه قد بلغك، فقلت: بلى قد بلغني، وهذا أوَّل دخولي، وأنا مجهول العين عندكم، فإن أذنتَ لي أن آتي كلَّ يوم في زيِّ السُّؤَّال، فأقول عند الباب ما يقوله السُّؤَّال، فتخرج إلى هذا الموضع، فلو لم تحدِّثني كلَّ يوم إلاَّ بحديثٍ واحدٍ، لكان لي فيه كفايةٌ، فقال لي: نعم، على شرط أن لا تظهر في الخلق، ولا عند المحدِّثين، فقلت: لك شرطُكَ، فكنت آخذُ عصًا بيدي، وأَلُفُّ رأسي بخرقة مُدَنَّسَة، وآتي بابه فأصيح: الأجر ـ رحمك الله ـ والسُّؤَّال هناك كذلك، فيخرج إليَّ، ويغلق، ويحدِّثُني بالحديثين والثَّلاثة والأكثر، فالتزمت ذلك حتَّى مات المُمْتَحِنُ لَهُ، ووُلِّي بعده من كان على مذهب السُّنَّة، فظهر أحمد، وعلَتْ إمامَتُه، وكانت تُضرب إليه آباط الإبل، فكان يعرف لي حقَّ صَبْرِي، فكنت إذا أتيت حلقته فسح لي، ويقصُّ على أصحاب الحديث قصَّتي معه، فكان يناولني الحديث مناولةً، ويقرؤه عليَّ، وأقرؤه عليه، واعتللت في خلق معه، ذكر الحكاية بطولها.
نقلها القاسم بن بشكوال في بعض تآليفه، ونقلتها أنا من خطِّ شيخنا؛ أبي الوليد ابن الحاجِّ، وهي منكرةٌ، وما وصل ابن مخلد إلى الإمام أحمد إلاَّ بعد الثَّلاثين ومائتين، وكان قد قطع الحديث من أثناء سنة ثمانٍ وعشرين، وما روى بعد ذلك ولا حديثًا واحدًا إلى أن مات، ولمَّا زالت المحنة سنة اثنتين وثلاثين، وهلك الواثق، واستخلف المتوكِّل، وأمر المحدِّثين بنشر أحاديث الرُّؤْيَة وغيرها، امتنع الإمام أحمد من التَّحديث، وصمَّم على ذلك، ما عمل شيئًا غير أنَّه كان يذاكر بالعلم والأثر، وأسماء الرِّجال والفقه، ثمَّ لو كان بقيٌّ سمع منه ثلاث مائة حديث، لكان طرَّز بها «مسنده» وافتخر بالرِّواية عنه، فعندي مجلَّدان من «مسنده»، وما فيهما عن أحمد كلمةٌ» اهـ.
وهذه الحكاية الَّتي أنكرها الإمام الذَّهبي ورواها بالوجادة ذكرها ـ أيضًا ـ محمَّد ابن حارث الخشني في كتابه «أخبار الفقهاء والمحدِّثين» (ص49) قال: «حكى لي عبد الرَّحمن بن أحمد بن بقي، عن أبيه أحمد ابن بقي، قال: قال لي أبي ـ رحمه الله ـ: أتيت بغداد... القصَّة بنحو ما ذكرها الذَّهبي في «السِّير».
والإسناد صحيح؛ فعبد الرَّحمن بن أحمد ابن بقي بن مخلد قال عنه ابن الفرضي في «تاريخ علماء الأندلس» (1/306): «ضابِطًا لِما كَتَبَ، ثِقَةً فيما رَوى، فَصيح اللِّسان، بَليغَ المَنْطِق، وَقورَ المَجْلس. سمعَ منهُ النَّاس كثيرًا».
وقال عن أبيه أحمد بن بقي (1/44): «قاضِي قُرطبةَ؛ لا أعلمهُ سمعَ من غير أبيه، وكان زاهِدًا فاضِلاً».
وما اعتمد عليه الذَّهبي أنَّ عنده مجلَّدين من «مسند بقي» وما فيهما عن أحمد كلمة، فـ«مسند بقي» أكبر من مجلَّدين، وهو أكثر حديثًا من «مسند أحمد»، ويحتمل أن تكون الأحاديث في المجَلَّدات الأخرى، ويدلُّ على ذلك أنَّ مِن كُتُب بقي الَّتي بقيت كتاب «الحوض»، وقد روى فيه حديثًا عن أحمد بن حنبل وهو الحديث الثَّاني قال: «نا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، قال: نا عَاصِمُ بنُ خَالِدٍ الحَضْرَمِيُّ، قال: نا صَفْوَانُ ابنُ عَمْرٍو، عن سُلَيْمِ بنِ عَامِرٍ الخَبَايِرِيِّ، وأبي اليَمانِ الهَوْزَنِيِّ، عن أبي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ مِنْ أُمَّتِي الجَنَّةَ سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ» الحديث.
فلا يُستبعد صحَّة القصَّة، خاصَّةً أنَّه ذكر عن بقيٍّ أنَّه سمع منه 300 حديث فقط، وهو عدد قليل لسعة المرويَّات في «مسنده».
وذكر ابن أبي يعلى الحنبلي بقيَّ بن مخلد في أصحاب الإمام أحمد ولم يحدِّد ما سمع منه ووصفه بقوله: «كان ذا خاصَّةٍ من إمامنا أَحْمَد»(7).
وقد وقفت على مسألة من مسائله عن أحمد ابن حنبل ذكرها ابن بشكوال في كتابه «الفوائد» (385 ـ بترقيمي): «عن أسلم بن عبد العزيز، قال: سمعت بقي بن مخلد ـ رحمه الله ـ يقول: قلت لأحمد بن حنبل: ما لك لم تأخذ بالرُّخصة والله يقول: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ﴾ [النحل: 106]، وقلت: إنَّ الوعيد كُرْهٌ، والقيدَ كرهٌ، والسِّجن كره؟ فقال: إنِّي كنت عند النَّاس بصفة إمامة، فخشيت إذا أخذت بالرُّخصة أن يقتدي النَّاس من أجلي، فرضيتُ أن أصبرَ ويبقى النَّاسُ على دينهم».
================
رجوعه إلى الأندلس
================
ذكر محمَّد بن حارث الخشني في «تاريخ الفقهاء والمحدِّثين» (ص49) أنَّ بقي بن مخلد كانت له رِحْلَتَان أقام في إحداهما عشرةَ أعوامٍ، وفي الأخرى خمسًا وعشرين سنةً.
وبعد أنِ ارتوى من علوم المشارقة في بلدانٍ كثيرةٍ ـ ذكرها الخشني ومن سمع منهم من أهلها ـ، رجع إلى
ووقعت لصاحبنا بعد رجوعه إلى الأندلس وقائع نقتصر على اثنتين منها تبيِّن إحداهما ما كان عليه علماء الحديث في القديم والحديث من مجاهدةٍ ودعوةٍ للعلم رغم محاولة بعض المقَلِّدَة الصَّدَّ عن سبيلهم وطريقهم، ولم يثنهم هذا عن عزمهم، فما أشبه اللَّيلة بالبارحة، والموقف الثَّاني يبيِّن أنَّ ما يقع بين طلاَّب العلم من التَّنافس قد يؤدِّي إلى التَّناكر، وهذا يستدعي من طالب الحقِّ ألاَّ يَتَكلَّم إلاَّ بما يُرْضِي الله تعالى، ويعلم أنَّ الكلام في الأشخاص ميزته العدل والإنصاف، وكم من كلامٍ قد تكون له مخارج تصرفه عن ظاهره.
= الموقف الأوَّل: =====
كان بقيٌّ ـ رحمه الله ـ أوَّلَ من أدخل «مصنَّف ابن أبي شيبة» إلى الأندلس، قال الحميدي: «لمَّا دخل أبو عبد الرَّحمن بقي بن مخلد بكتاب «مصنف أبي بكر بن أبي شيبة»، وقرئ عليه أنكرَ جماعةٌ من أهل الرَّأي ما فيه من الخلاف واستشنعوه، وبسطوا العامَّة عليه، ومنعوه من قراءته إلى أن اتَّصل ذلك بالأمير محمَّد (أي ابن عبد الرَّحمن) فاستحضره وإيَّاهم، واستحضر الكتاب كلَّه، وجعل يتصفَّحه جزءًا جزءًا، إلى أن أتى على آخره، وقد ظنُّوا أنَّه يوافقهم في الإنكار عليه، ثمَّ قال لخازن الكتب: «هذا كتاب لا تستغني خزانتنا عنه، فانظر في نسخه لنا»، ثمَّ قال لبقي بن مخلد: «انشر علمك، وارْوِ ما عندك من الحديث، واجلس للنَّاس حتَّى ينتفعوا بك» أو كما قال، ونهاهم أن يتعرَّضوا له»( 8 ).
وقال ابن الفرضي: «وأنكر عليه أصحابه الأندلسيُّون: عبد الله بن خالد، ومحمَّد ابن الحارث، وأبو زيد ما أدخله من كُتب الاختلاف وغَرائب الحَديث وأغْرَوْا به السُّلطان وأخافوه به، ثمَّ إنَّ الله بمَنِّه وفَضله أظهره عَليهم، وعَصَمه مِنهم. فنشر حديثه، وقرأ للنَّاس رِوايته. فمِنْ يومئذٍ انتشر الحَديث بالأندلس.
ثمَّ تَلاه ابن وضَّاح فصَارت الأندلُس دار حَديثٍ وإسنادٍ؛ وإنَّما كان الغَالِبُ عليها قبل ذلِك حِفْظ رأي مالك وأصحابه»(9).
وبسط صاحب «البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب» (2/109) هذه القصَّة فقال: «لمَّا قدم بقيُّ بن مخلد من المشرق عن رحلته الطَّويلة بما جمع من العلوم الواسعة والرِّوايات العالية والاختلافات الفقهيَّة، أغاظ ذلك فقهاءَ قرطبة أصحابَ الرَّأي والتَّقليد، الزَّاهدين في الحديث، الفارِّين عن علوم التَّحقيق، المقصِّرين عن التَّوسُّع في المعرفة؛ فحسدوه، ووضعوا فيه القول القبيح عند الأمير، حتَّى ألزموه البدعة، وشنَّؤوه إلى العامة، وتخطَّى كثيرٌ منهم برميه إلى الإلحاد والزَّندقة، وتشاهدوا عليه بغليظ الشَّهادة، داعين إلى سَفكِ دمه؛ وخاطبوا الأمير محمَّدًا في شأنه، يعرِّفونَه بأمره، ويُكثرون عليه بكلِّ ما يرجون به الوصول إلى سفك دمه، ويسألونه تعجيل الحكم فيه، فاشتدَّ خوف بقيِّ ابن مخلد جدًّا، واستتر خوفًا على دمه، وعمل على الفرار عن الأندلس إن أمكنه ذلك، فأرشده الله إلى التَّعلُّق بحبل هاشم بن عبد العزيز، وسؤاله الأخذ بيده؛ وكتب إلى الأمير محمَّد يُنشده الله في دمه، ويسأله التَّثبُّت في أمره، والجمعَ بينه وبين خصومه، وسماع حُجَّته، فيأتي في ذلك بما يوفِّقه الله له. فألقى الله في نفس هاشم الإصغاء إلى شكواه، والاعتناء بأمره؛ فشمَّر له عن ساعده، وأوصل كتابه إلى الأمير محمَّد يشرح حاله؛ فعطف عليه، وإنَّهم السَّاعين به إليه؛ فأمر بتأمين بقيِّ ابن مخلد، وإحضاره مع الطَّالبين له؛ فتناظروا بين يديه؛ فأدلى بقيٌّ بحجَّتِه، وظهر على خصومه؛ واستبان الأميرُ محمَّد حسدَهم إيَّاه لتقصيرهم عن مَدَاه، فدفعهم عنه، وتقدَّم إليه بطأطأة قدمه، ونشر علمه، وأمر بإيصاله إليه في زمرة من الفقهاء، والرَّفع من منزلته؛ فاعتلى ذروة العلم، ولم يزل عظيمَ القدر عند النَّاس وعند الأمير محمَّد إلى أن مات ـ رحمه الله ـ!».
= الموقف الثَّاني: =====
ويتمثَّل في قصَّتيْن وقعتا له، يُسْتَخْلَصُ منهما أنَّ كلام الأقران بعضهم في بعض قد يكون لأسباب خارجةٍ عن الجرح والتَّعديل، فينبغي مراعاةُ ذلك في التَّضعيف والتَّوثيق، وقد ذكرتُ ضوابط ذلك في رسالة سمَّيتها: «كلام الأقران والمتعاصرين بعضهم في بعض ضوابط قبوله وردِّه».
القصَّة الأولى: قال محمَّد بن علي الخشني في «أخبار الفقهاء والمحدِّثين» (129 ـ 130): «ذكر بعض أهل العلم قال: أقام محمَّد ابن وَضَّاح بالكوفة ثمانيةَ عشر يومًا فسمع فيها من ابن أبي شيبة «مسنده» في تلك الأيَّام، فلمَّا قدم قرطبة وذكر ذلك أنكر ذلك بقيُّ بن مخلد، وقال لأصحابه: إنَّه ليس كانَ يتمُّ «المسند» عند ابن أبي شيبة إلاَّ في عام كاملٍ، فطعنوا بذلك على ابن وضَّاح، قال بعض الرُّواة: فتذاكرتُ ذلك مع محمَّد بن قاسم فقال لي: سمعت أبا جعفر الحضرمي محمَّد بن عبد الله بن سليمان الثِّقة المأمون بالكوفة يقول ـ رحمه الله ـ: ...أبا بكر ابن أبي شيبة فإنَّه كان يحدِّث احتسابًا من وقت صلاة الغداة إلى أن يُصَلِّيَ العشاء الآخرة على تأخير أهل بلدنا لصلاة العشاء، وربَّما يؤتى بفطره بإثر صلاة المغرب بلبنٍ أو حسوٍ فيحسوه عند السُّرُج، وكتب الرَّجلُ ما شاء، وكان له منْ يَكْتُبُ له لمضيِّ قراءةٍ عليه، فقلت له: إنَّ بعضَ من سمع منه من بلدنا يذكر أنَّ «المسند» و«المصنَّف» و«التَّفسير» كان يُقرأ عليه في سنة، فقال: صَدَقَ، قراءةً من لفظه، إنَّما كان يقرأ ذلك على تقدير الفراغ منه في سنةٍ، وسائر النَّهار عرض عليه، فيمضي نحوًا من ألفيْ حديث أو أكثر أو أقلَّ كلَّ يوم، وكان إذا صلَّى الصُّبحَ ابْتُدِئَ بالقراءَةِ عليه إلى وقت يبتدئ هو بالقراءة من لفظه، ثمَّ يُقْرَأُ عليه إلى آخر النَّهار، وإلى صلاة العشاء الآخرة.
قال محمَّد بن قاسم: فقلت له: بعض من عندنا يقول: إنَّه سمع «المسند» في ثمانية عشر يومًا، فقال: صَدَقَ، وفي أقلَّ من ذلك لمنْ قَرَأَ عليه، وسمع القراءة عليه، وسمع من لفظه.
فصدق بَقيٌّ فيما قال، وصدق ابن وضَّاح فيما قال؛ لأنَّ بقيًّا كان سمع من لفظه، ولابن وضَّاح جمْعُ السَّماع من لفظه، ومن القراءة عليه، وما سمع يُقرأ عليه».
القصَّة الثَّانية: روى القاضي عياض وابن بشكوال بسنديهما عن أسلم بن عبد العزيز قال: «قال بقيُّ بن مخلد: «لمَّا وضعت «مسندي» جاءني عبيد الله وإسحاق ابنا يحيى بنِ يحيى فقالا لي: بلغنا أنَّك وضعتَ كتابًا قدَّمتَ فيه أبا مصعب الزُّهري ويحيى بنَ بكير، وأخَّرت أبانا، فقلت لهما: أمَّا تقديمي لأبي مصعب فلقول رسول الله ﷺ: «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلاَ تَقَدَّمُوهَا»، وأمَّا تقديمي لابن بكير فلسِنِّه، وقد قال رسول الله ﷺ: «كَبِّرْ كَبِّرْ»، ولأنَّه سمع «الموطَّأ» من مالك سبع عشرةَ مرَّة، وأباكما لم يسمع منه إلاَّ مرَّةً واحدةً، فخرجا من عنده، وخرجا معه إلى حدِّ العداوة»(10).
================
مصنَّفاته، ما بقي منها وما اندثر
================
الإمام بقيُّ بن مخلد جمع بين علم الرِّواية والدِّراية، وصنَّف مصنَّفاتٍ تدلُّ على سعة علمه وكثرة مرويَّاته ودقَّته، وتقدَّم ثناءُ ابنِ حزم على مصنَّفاته وأنَّها تعادل مصنَّفات الأئمَّة الكبار؛ كالبخاري ومسلم في الحديث، بل فاقت مصنَّف ابن جرير الطَّبري في التَّفسير.
حيث قال: «وفي تفسير القرآن كتابُ أبي عبد الرَّحمن بَقِيِّ بنِ مخلد فهو الكتابُ الَّذي أَقْطَعُ لا أسْتَثْنِي فيه أنَّه لَم يُؤلَّف في الإسلامِ تفسيرٌ مثلُه، ولا «تفسير محمَّد بنِ جرير الطَّبري» ولا غيرُه».
روى ابن بشكوال وغيره عن طاهر ابن عبد العزيز، يقول: «حملت مع نفسي جزءًا من «مسند أبي عبد الرَّحمن بقي بن مخلد» إلى المشرق، فأريتُه محمَّد بن إسماعيل الصَّائغ، فقال: ما اغترف هذا إلاَّ من بحر علم، وعجب من كثرة علمه».
فمن مصنَّفاته «المسند الكبير»، ولابن حزم جزءٌ في بيان عدد ما لكل واحدٍ من الصَّحابة من الحديث في «مسند بقيِّ» وهو مطبوع بتحقيق د. أكرم ضياء العمري، ووصل عددهم (1013 صحابي وصحابيَّة)، وتقدَّم قوله الَّذي نقله المقَّري: «ومنها في الحديث «مصنَّفُه الكبيرُ» الَّذي رَتَّبه على أسماءِ الصَّحابة ـ رضي الله عنهم ـ، فرَوَى فيه عن أَلْفٍ وثلاثمائة صاحِبٍ ونَيِّف، ثمَّ رتَّب حَدِيثَ كلِّ صاحبٍ على أسماءِ الفقهِ وأبوابِ الأحكامِ، فهو مُصَنَّفٌ ومسنَدٌ، وما أَعْلَمُ هذه الرُّتبةَ لأحدٍ قَبْلَه».
ومن مصنَّفاته «التَّفسير» وقدَّمه ابن حزم على تفسير ابن جرير.
وله «المصنَّف» الَّذي جمع فيه أقاويل الصَّحابة والتَّابعين، قال ابن حزم: «مصَنَّفُه في فَتَاوى الصَّحابةِ ومَن دونَهم الَّذي أَرْبَى فيه على «مصنَّفِ أبي بكر ابنِ أبي شيبة» و«مصنَّفِ عبد الرزاق ابن همَّام» و«مصنَّفِ سعيد بنِ منصور» وغيرِها، وانْتَظَمَ عِلمًا عظيمًا لَم يَقَعْ في شيء من هذِه».
«الحوض والكوثر»: وهو من مصنَّفات الإمام في العقيدة السَّلفيَّة، وهو ما تبقَّى من مصنَّفاته، طُبِعَ بتحقيق: عبد القادر عطا.
وقد فُقِدَتْ مصنَّفات هذا الإمام العظيم، ولم يبقَ إلاَّ أن يبحث الباحثون في فهارس المكتبات الخاصَّة والعامَّة لعلَّ أن يظفر أحدٌ بمصنَّف من مصنَّفاته أو جزءٍ منها، وهذا المأمول.
وأقلُّ من ذلك أن يجمع الباحثون مرويَّات هذا الإمام في الحديث والتَّفسير من كتب الحديث المختلفة للمغاربة خاصَّة ككتب ابن عبد البرِّ وابن بشكوال وابن الفرضي وغيرهم؛ إذ لم يروِ المشارقة كتبَ هذا الإمام خاصَّة المتقدِّمين منهم كابن عساكر وغيره.
===============
هذه لمحة موجَزَةٌ عن حياة هذا الإمام الَّذي تُوُفِّيَ سنة 286هـ وقيل 273، ولم أستقص أخباره إذ المقام لا يتَّسِع لذلك، فمن أراد معرفة أخباره وسيرته وعبادته وزهده وورعه وثناء العلماء عليه فعليه بكتب التَّراجم، ويكفي مقولة الذَّهبي فيه في «تذكرة الحُفَّاظ» (2/630): «كان إمامًا عَلَمًا قدوةً مجتهدًا لا يُقلِّدُ أحدًا ثقةً حجَّةً صالحًا عابدًا متَهَجِّدًا أوَّاهًا عديمَ النَّظير في زمانه».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «المعجم في أصحاب أبي علي الصَّدَفي» (296).
(2) «نفح الطِّيب» (1/220).
(3) انظر: «نفح الطِّيب» (3/167 ـ 179).
(4) «تاريخ علماء الأندلس» لابن الفَرَضِي (1/108).
(5) «معجم الأدباء» لياقوت (2/748).
(6) المصدر السَّابق.
(7) «طبقات الحنابلة» (1/320).
( 8 ) «جذوة المقتبس» (11).
(9) «تاريخ علماء الأندلس» (1/108).
(10) «الغنية» (98)، «الصِّلة» (1/82).