لمحاة_من_حياة_بقي_بن_مخلد_ـ_رضا_بوشامة.pdf
5.4 MB
لمحاة من حياة بقي بن مخلد ـ رضا بوشامة
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌 قال يحيَى بن أبي كثير رحمه الله:
«خيْرُ الإخوَانِ الَّذِي يقُولُ لصاحبِه: تعَالَ نَصُومُ قبْلَ أنْ نمُوتَ، وشَرُّ الإخوانِ الَّذِي يقُولُ لأخيهِ: تعَالَ نأْكُلُ ونشْرَبُ قبْلَ أنْ نمُوتَ» [«حلية الأولياء» لأبي نعيم (٣/ ٧١)]
📌 قال يحيَى بن أبي كثير رحمه الله:
«خيْرُ الإخوَانِ الَّذِي يقُولُ لصاحبِه: تعَالَ نَصُومُ قبْلَ أنْ نمُوتَ، وشَرُّ الإخوانِ الَّذِي يقُولُ لأخيهِ: تعَالَ نأْكُلُ ونشْرَبُ قبْلَ أنْ نمُوتَ» [«حلية الأولياء» لأبي نعيم (٣/ ٧١)]
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
✅ المادة: شرح متن الأخضري
✅ الشارح: د.حسن بن داود بوقليل
✅ الدرس: رقم (9)
✅ الشارح: د.حسن بن داود بوقليل
✅ الدرس: رقم (9)
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال ابن تيمية رحمه الله:
«الصِّدقُ مِفْتَاحُ كلِّ خيرٍ، كمَا أنَّ الكذِبَ مِفْتَاحُ كلِّ شَرٍّ» [«الاستقامة» (١/ ٤٦٧)]
📌قال ابن تيمية رحمه الله:
«الصِّدقُ مِفْتَاحُ كلِّ خيرٍ، كمَا أنَّ الكذِبَ مِفْتَاحُ كلِّ شَرٍّ» [«الاستقامة» (١/ ٤٦٧)]
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 فتوى في حدِّ الكبائر لشيخ الإسلام ابن تيمية (728هـ)
💢 قرأها وعلق عليها: عمار تمالت
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
💢 فتوى في حدِّ الكبائر لشيخ الإسلام ابن تيمية (728هـ)
💢 قرأها وعلق عليها: عمار تمالت
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 فتوى في حدِّ الكبائر لشيخ الإسلام ابن تيمية (728هـ)
💢 قرأها وعلق عليها: عمار تمالت
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
هذه فتوى صدرت عن أحد كبار علماء الإسلام ومحقِّقيهم، وهو شيخُ الإسلام وعَلَمُ الأعلام تقيُّ الدِّين أبو العبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام الحرَّاني الدِّمشقي المشهور بابن تيمية، المولود بحرَّان سنة 661هـ، المتوفَّى بدمشق الشَّام سنة 728هـ، تضمَّنت الفتوى جوابَه ـ رحمه الله ـ على سؤالٍ رُفع إليه، حول تحديدِ الضَّابطِ الَّذي به تُعرف الذُّنوبُ الكبائر ـ أعاذنا الله والمسلمين منها ـ.
ولمَّا كانت هذه المسألةُ من مسائل الإسلام الكبار الَّتي اختلفت أقوالُ العلماءِ فيها وتعدَّدت، فقد حقَّقها شيخُ الإسلام ودقَّق فيها النَّظر، وسَبَرَ مجملَ ما وَرَدَ فيها من أقوال، ثمَّ ناقشَها واختارَ منها أجمَعَها وأَوْفَقَها للدَّليلِ من الكتاب والسُّنَّة.
وتلك عادةُ شيخ الإسلام ابن تيميَّة مع كلِّ المسائلِ المختلف فيها، سواء كانت في العقيدة أو الفقه أو غيرهما من علوم الدين، أنْ يجمعَ الأقوالَ والمذاهب، ويبحثَ في أدلَّتها، ثم يرجِّح منها ما ظهرتْ دلالتُه، وسَلِمَ عن القدح والمُعارضة، وقد وُفِّقَ ـ رحمه الله ـ ـ لصِدْقِه وإخلاصِه وقوَّةِ علمه ـ إلى الصوابِ في كثيرٍ من المسائل التي ناقَشها، بشهادةِ علماءِ عصره قبل مَنْ أتى بعده.
وضمَّنَ شيخُ الإسلام فتواه هذه قواعدَ نفيسةً في الاعتقاد، مستنبطةً من فهم السَّلف الصَّالح، لا يستَغني عنها طالبُ العلم.
وهذه الفَتوى سبق لها أنْ طُبعت ضمن «الفتاوى الكُبرى» (5/130 ـ 135) لشيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ، إلَّا أنِّي عثرتُ ـ بفضل الله ـ على نسخةٍ خطِّيَّة جيِّدةٍ لها، تقعُ ضمن مجموعٍ يحوي بعضَ رسائل شيخ الإسلام وفتاويه، محفوظ بمكتبة آيا صوفيا بتركيا تحت رقم (1596).
وعند المقابلة بين النُّسخة الخطِّيَّة والمطبوع، وجدتُ في المخطوطة زياداتٍ مهمّةً، وبينها وبين المطبوع فوارقُ عدَّةٌ، تدلُّ على أخطاءٍ وتصحيفاتٍ وقعت في النُّسخة المطبوعة، وقد أثبتُّ أهمَّ تلك الفوارق، كما لم تخلُ النُّسخةُ المخطوطة من أخطاءٍ أصلحتُها في محلِّها.
وهذه الفتوى كُتبت ـ كسائر رسائل المجموع المذكور ـ بخطِّ محمَّد بن موسى ابن إبراهيم الحرَّاني الحنبلي.
=/=/=/=/=/=
* وهذا نصُّها:
=/=/=/=/=/=
باسم الله الرحمن الرحيم
=/ صورةُ سؤالٍ سألَه الشيخُ أبو عبد الله ابن رُشَيِّق(1):
ما قولُ العلماءِ ـ رضي الله عنهم ـ(2) في الذنوبِ الكبائرِ المذكورةِ في القرآنِ والحديثِ، وهل لها حدٌّ تُعرفُ به؟ وهل قولُ مَنْ قال: إنها سبعةٌ أو سبعة عشر صحيحٌ؟ أو قولُ مَنْ قال: إنّها ما اتّفقت فيه الشرائعُ ـ أعني على تحريمها؟ ـ، أو إنّها ما سَدَّ بابَ المعرفة بالله؟ أو إذهابُ(3) الأموال أو الأبدان؟ أو إنّها إنما سُمِّيَت كبائر بالنِّسبةِ والإضافةِ إلى ما دونها؟ أو إنّها لا تُعْلَمُ أصلًا وأُبْهِمَتْ كلَيْلَةِ القَدْر؟ أو ما يُحْكى عن بعض السلف(4) أنَّها إلى السَّبعين(5) أقربُ؟ أو كلُّ ما نَهَى الله عنه فهو كبيرةٌ؟ أو قولُ مَنْ قال: إنَّها ما تَرَتَّبَ عليها حدٌّ، أو ما تُوُعِّدَ عليها بالنَّار؟
الجوابَ في ذلك مبسوطًا بالدَّليل ـ رحمكم الله تعالى ـ.
=/=/=/=/=/=
=/ فأجاب شيخُ الإسلام تقيُّ الدِّين أبو العبَّاس ابن تيميَّة الحرَّاني ـ رضي الله تعالى عنه ورحمه ـ:
الحمد لله ربِّ العالمين، أَمْثَلُ الأقوال في هذه المسألة القولُ المأثورُ عن ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ، وذكره ابن عُيَيْنَة(6) والإمامُ أحمد بن حنبل وغيرهما، وهو: أنَّ الصَّغيرة ما دون الحدَّيْن: حدِّ الدُّنيا، وحدِّ الآخرة(7)، وهو معنى قولِ مَنْ قال: ما ليس فيها حدٌّ في الدُّنيا ولا وعيدٌ في الآخرة، وهو معنى قولِ القائل: كلُّ ذنبٍ خُتِمَ بلعنةٍ أو غضبٍ أو نارٍ فهو من الكبائر.
ومعنى قولِ القائل: ليس فيها حدٌّ في الدُّنيا ولا وعيدٌ في الآخرة أي: وعيد خاصٌّ، كالوعيد بالنَّار والغضب واللَّعْنة، وذلك لأنَّ الوعيدَ الخاصَّ في الآخرة كالعقوبة الخاصَّة في الدُّنيا، فكما أنَّه يُفَرَّقُ في العقوبات المشروعة للنَّاس بين العقوباتِ المُقَدَّرَة كالقتلِ والقطعِ وجلدِ مائةٍ أو ثمانين، وبين العقوباتِ الَّتي ليست مُقَدَّرَةً وهي التَّعزير، فكذلك يُفَرَّقُ في العقوبات الَّتي يجزي الله بها العبادَ ـ من غير أمرٍ للعباد بها ـ بين العقوبات المُقَدَّرَة كالغضبِ واللَّعنةِ والنَّارِ، وبين العقوباتِ المطلقة.
💢 فتوى في حدِّ الكبائر لشيخ الإسلام ابن تيمية (728هـ)
💢 قرأها وعلق عليها: عمار تمالت
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
هذه فتوى صدرت عن أحد كبار علماء الإسلام ومحقِّقيهم، وهو شيخُ الإسلام وعَلَمُ الأعلام تقيُّ الدِّين أبو العبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام الحرَّاني الدِّمشقي المشهور بابن تيمية، المولود بحرَّان سنة 661هـ، المتوفَّى بدمشق الشَّام سنة 728هـ، تضمَّنت الفتوى جوابَه ـ رحمه الله ـ على سؤالٍ رُفع إليه، حول تحديدِ الضَّابطِ الَّذي به تُعرف الذُّنوبُ الكبائر ـ أعاذنا الله والمسلمين منها ـ.
ولمَّا كانت هذه المسألةُ من مسائل الإسلام الكبار الَّتي اختلفت أقوالُ العلماءِ فيها وتعدَّدت، فقد حقَّقها شيخُ الإسلام ودقَّق فيها النَّظر، وسَبَرَ مجملَ ما وَرَدَ فيها من أقوال، ثمَّ ناقشَها واختارَ منها أجمَعَها وأَوْفَقَها للدَّليلِ من الكتاب والسُّنَّة.
وتلك عادةُ شيخ الإسلام ابن تيميَّة مع كلِّ المسائلِ المختلف فيها، سواء كانت في العقيدة أو الفقه أو غيرهما من علوم الدين، أنْ يجمعَ الأقوالَ والمذاهب، ويبحثَ في أدلَّتها، ثم يرجِّح منها ما ظهرتْ دلالتُه، وسَلِمَ عن القدح والمُعارضة، وقد وُفِّقَ ـ رحمه الله ـ ـ لصِدْقِه وإخلاصِه وقوَّةِ علمه ـ إلى الصوابِ في كثيرٍ من المسائل التي ناقَشها، بشهادةِ علماءِ عصره قبل مَنْ أتى بعده.
وضمَّنَ شيخُ الإسلام فتواه هذه قواعدَ نفيسةً في الاعتقاد، مستنبطةً من فهم السَّلف الصَّالح، لا يستَغني عنها طالبُ العلم.
وهذه الفَتوى سبق لها أنْ طُبعت ضمن «الفتاوى الكُبرى» (5/130 ـ 135) لشيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ، إلَّا أنِّي عثرتُ ـ بفضل الله ـ على نسخةٍ خطِّيَّة جيِّدةٍ لها، تقعُ ضمن مجموعٍ يحوي بعضَ رسائل شيخ الإسلام وفتاويه، محفوظ بمكتبة آيا صوفيا بتركيا تحت رقم (1596).
وعند المقابلة بين النُّسخة الخطِّيَّة والمطبوع، وجدتُ في المخطوطة زياداتٍ مهمّةً، وبينها وبين المطبوع فوارقُ عدَّةٌ، تدلُّ على أخطاءٍ وتصحيفاتٍ وقعت في النُّسخة المطبوعة، وقد أثبتُّ أهمَّ تلك الفوارق، كما لم تخلُ النُّسخةُ المخطوطة من أخطاءٍ أصلحتُها في محلِّها.
وهذه الفتوى كُتبت ـ كسائر رسائل المجموع المذكور ـ بخطِّ محمَّد بن موسى ابن إبراهيم الحرَّاني الحنبلي.
=/=/=/=/=/=
* وهذا نصُّها:
=/=/=/=/=/=
باسم الله الرحمن الرحيم
=/ صورةُ سؤالٍ سألَه الشيخُ أبو عبد الله ابن رُشَيِّق(1):
ما قولُ العلماءِ ـ رضي الله عنهم ـ(2) في الذنوبِ الكبائرِ المذكورةِ في القرآنِ والحديثِ، وهل لها حدٌّ تُعرفُ به؟ وهل قولُ مَنْ قال: إنها سبعةٌ أو سبعة عشر صحيحٌ؟ أو قولُ مَنْ قال: إنّها ما اتّفقت فيه الشرائعُ ـ أعني على تحريمها؟ ـ، أو إنّها ما سَدَّ بابَ المعرفة بالله؟ أو إذهابُ(3) الأموال أو الأبدان؟ أو إنّها إنما سُمِّيَت كبائر بالنِّسبةِ والإضافةِ إلى ما دونها؟ أو إنّها لا تُعْلَمُ أصلًا وأُبْهِمَتْ كلَيْلَةِ القَدْر؟ أو ما يُحْكى عن بعض السلف(4) أنَّها إلى السَّبعين(5) أقربُ؟ أو كلُّ ما نَهَى الله عنه فهو كبيرةٌ؟ أو قولُ مَنْ قال: إنَّها ما تَرَتَّبَ عليها حدٌّ، أو ما تُوُعِّدَ عليها بالنَّار؟
الجوابَ في ذلك مبسوطًا بالدَّليل ـ رحمكم الله تعالى ـ.
=/=/=/=/=/=
=/ فأجاب شيخُ الإسلام تقيُّ الدِّين أبو العبَّاس ابن تيميَّة الحرَّاني ـ رضي الله تعالى عنه ورحمه ـ:
الحمد لله ربِّ العالمين، أَمْثَلُ الأقوال في هذه المسألة القولُ المأثورُ عن ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ، وذكره ابن عُيَيْنَة(6) والإمامُ أحمد بن حنبل وغيرهما، وهو: أنَّ الصَّغيرة ما دون الحدَّيْن: حدِّ الدُّنيا، وحدِّ الآخرة(7)، وهو معنى قولِ مَنْ قال: ما ليس فيها حدٌّ في الدُّنيا ولا وعيدٌ في الآخرة، وهو معنى قولِ القائل: كلُّ ذنبٍ خُتِمَ بلعنةٍ أو غضبٍ أو نارٍ فهو من الكبائر.
ومعنى قولِ القائل: ليس فيها حدٌّ في الدُّنيا ولا وعيدٌ في الآخرة أي: وعيد خاصٌّ، كالوعيد بالنَّار والغضب واللَّعْنة، وذلك لأنَّ الوعيدَ الخاصَّ في الآخرة كالعقوبة الخاصَّة في الدُّنيا، فكما أنَّه يُفَرَّقُ في العقوبات المشروعة للنَّاس بين العقوباتِ المُقَدَّرَة كالقتلِ والقطعِ وجلدِ مائةٍ أو ثمانين، وبين العقوباتِ الَّتي ليست مُقَدَّرَةً وهي التَّعزير، فكذلك يُفَرَّقُ في العقوبات الَّتي يجزي الله بها العبادَ ـ من غير أمرٍ للعباد بها ـ بين العقوبات المُقَدَّرَة كالغضبِ واللَّعنةِ والنَّارِ، وبين العقوباتِ المطلقة.
وهذا الضَّابطُ يَسْلَمُ من القوادح الواردة على غيره؛ فإنَّه يَدخلُ فيه كلُّ ما ثبت بالنَّصِّ أنَّه كبيرةٌ، كالشِّرْكِ، والقَتْلِ، والزِّنا، والسِّحْرِ، وقَذْفِ المحصنات الغافلات المؤمنات، ونحوِ ذلك من الكبائرِ الَّتي فيها عقوباتٌ مُقَدَّرَةٌ مشروعةٌ، وكالفِرارِ من الزَّحْفِ، وأَكْلِ مالِ اليتيم، وأَكْلِ الرِّبا، وعُقوق الوالدين، واليمينِ الغَمُوس وشهادة الزُّور؛ فإنَّ هذه الذُّنوبَ وأمثالَها فيها وعيدٌ خاصٌّ، كما قال في الِفرار من الزَّحْف: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير ﴾ [الأنفال: 16]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: 10]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّار ﴾ [الرعد: 25]، وقال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُم * أُوْلَئِكَ [الَّذِينَ] ( 8 ) لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُم ﴾ [محمد: 22 ـ 23]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ (9) وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم ﴾ [آل عمران: 77].
وكذلك كلُّ ذنبٍ تُوُعِّدَ صاحبُه بأنّه لا يَدْخُلُ الجنّةَ أو لا يَشُمُّ رائحةَ الجنَّة، أو قيل فيه: إنّ من فعله فليس منَّا، أو إنَّ صاحبَها ليس بمؤمن، فهذه كلُّها من الكبائر، كقولِه ﷺ: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ»(10) ، وقولِه ﷺ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْر»(11)، وقولِه ﷺ: «مَنْ غَشَّنا فَلَيْسَ مِنَّا»(12)، وقولِه ﷺ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا»(13)، وقولِه ﷺ: «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، ولا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْربُ الخمرَ حيِنَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ وَهُوَ حِينَ يَنْهَبُها مُؤْمِنٌ»(14).
وذلك لأنَّ نَفْيَ الإيمان وكونَه من المؤمنين ليس المرادُ به ما يقولُه المُرْجِئةُ: إنَّه ليسَ مِن خيارنا؛ فإنَّه لو تَرَك ذلك لم يلزمْ أن يكونَ من خيارهم، وليس المرادُ به ما يقولُه الخوارجُ: إنَّه صار كافرًا، ولا ما يقولُه المعتزلةُ: من أنَّه لم يبقَ معه من الإيمان شيءٌ، بل هو مستَحقٌّ للخلود في النَّار لا يخرجُ منها، فهذه كلُّها أقوالٌ باطلةٌ قد بُسِطَ الكلامُ عليها في غير هذا الموضع(15).
ولكنَّ المؤمنَ المُطْلَقَ في باب الوَعْدِ والوعيد هو المستحقُّ لدخول الجنَّة بلا عقاب، وهو المؤدِّي للفرائض المجتنبُ للمحارم، وهؤلاء هم المؤمنون عند الإطلاق، فمَنْ فَعَلَ هذه الكبائر لم يكن من هؤلاء المؤمنين؛ إذ هو مُتَعَرِّضٌ للعقوبة على تلك الكبيرة، وهذا معنى قولِ مَنْ قال: أراد به نفيَ حقيقةِ الإيمانِ، أو نفيَ كمالِ الإيمان، فإنَّهم لم يريدوا نفيَ الكمال المُسْتَحَبِّ، فإنَّ تَرْكَ الكمالِ المُسْتَحَبِّ لا يوجبُ الذَّمَّ والوعيدَ، والفقهاءُ يقولون: الغسلُ ينقسمُ إلى: كاملٍ ومُجْزِئٍ، ثم مَنْ عَدَلَ عن الغسلِ الكاملِ إلى المجزئِ لم يكن مَذْمُومًا، فمَنْ أراد بقوله نفي كمال الإيمان أنَّه نفي الكمالِ المُسْتَحَبِّ فقد غلط، وهو شبيهٌ بقولِ المرجئةِ، ولكن يقتضي نَفْيَ الكمالِ الواجبِ، وهذا مُطَّرِدٌ في سائر ما نفاه الله ورسوله، مثلُ قوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ إلى قوله ﴿ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ [الأنفال: 2 ـ 4]، ومثلُ الحديث المأثور: «لا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، ولا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ»(16)، ومثلُ قوله ﷺ: «لا صَلاةَ إِلاَّ بأُمِّ القُرْآنِ»(17)، وأمثال ذلك؛ فإنَّه لا يُنْفَى مُسَمَّى الاسمِ إلَّا لانتفاءِ بعضِ ما يجبُ في ذلك، لا لانتفاءِ بعضِ مُسْتَحَبَّاته، فيُفيدُ هذا الكلامُ أنَّ مَن فَعَلَ ذلك فقد تَرَكَ الواجبَ الَّذي لا يَتِمُّ الإيمانُ الواجبُ إلَّا به، وإِنْ كان معه بعضُ الإيمانِ؛ فإنَّ الإيمانَ يَتَبَعَّضُ ويتفاضلُ، كما قال النَّبيُّ ﷺ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَفِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ»(18).
وكذلك كلُّ ذنبٍ تُوُعِّدَ صاحبُه بأنّه لا يَدْخُلُ الجنّةَ أو لا يَشُمُّ رائحةَ الجنَّة، أو قيل فيه: إنّ من فعله فليس منَّا، أو إنَّ صاحبَها ليس بمؤمن، فهذه كلُّها من الكبائر، كقولِه ﷺ: «لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ»(10) ، وقولِه ﷺ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْر»(11)، وقولِه ﷺ: «مَنْ غَشَّنا فَلَيْسَ مِنَّا»(12)، وقولِه ﷺ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا»(13)، وقولِه ﷺ: «لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، ولا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْربُ الخمرَ حيِنَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ وَهُوَ حِينَ يَنْهَبُها مُؤْمِنٌ»(14).
وذلك لأنَّ نَفْيَ الإيمان وكونَه من المؤمنين ليس المرادُ به ما يقولُه المُرْجِئةُ: إنَّه ليسَ مِن خيارنا؛ فإنَّه لو تَرَك ذلك لم يلزمْ أن يكونَ من خيارهم، وليس المرادُ به ما يقولُه الخوارجُ: إنَّه صار كافرًا، ولا ما يقولُه المعتزلةُ: من أنَّه لم يبقَ معه من الإيمان شيءٌ، بل هو مستَحقٌّ للخلود في النَّار لا يخرجُ منها، فهذه كلُّها أقوالٌ باطلةٌ قد بُسِطَ الكلامُ عليها في غير هذا الموضع(15).
ولكنَّ المؤمنَ المُطْلَقَ في باب الوَعْدِ والوعيد هو المستحقُّ لدخول الجنَّة بلا عقاب، وهو المؤدِّي للفرائض المجتنبُ للمحارم، وهؤلاء هم المؤمنون عند الإطلاق، فمَنْ فَعَلَ هذه الكبائر لم يكن من هؤلاء المؤمنين؛ إذ هو مُتَعَرِّضٌ للعقوبة على تلك الكبيرة، وهذا معنى قولِ مَنْ قال: أراد به نفيَ حقيقةِ الإيمانِ، أو نفيَ كمالِ الإيمان، فإنَّهم لم يريدوا نفيَ الكمال المُسْتَحَبِّ، فإنَّ تَرْكَ الكمالِ المُسْتَحَبِّ لا يوجبُ الذَّمَّ والوعيدَ، والفقهاءُ يقولون: الغسلُ ينقسمُ إلى: كاملٍ ومُجْزِئٍ، ثم مَنْ عَدَلَ عن الغسلِ الكاملِ إلى المجزئِ لم يكن مَذْمُومًا، فمَنْ أراد بقوله نفي كمال الإيمان أنَّه نفي الكمالِ المُسْتَحَبِّ فقد غلط، وهو شبيهٌ بقولِ المرجئةِ، ولكن يقتضي نَفْيَ الكمالِ الواجبِ، وهذا مُطَّرِدٌ في سائر ما نفاه الله ورسوله، مثلُ قوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ إلى قوله ﴿ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ [الأنفال: 2 ـ 4]، ومثلُ الحديث المأثور: «لا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، ولا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ»(16)، ومثلُ قوله ﷺ: «لا صَلاةَ إِلاَّ بأُمِّ القُرْآنِ»(17)، وأمثال ذلك؛ فإنَّه لا يُنْفَى مُسَمَّى الاسمِ إلَّا لانتفاءِ بعضِ ما يجبُ في ذلك، لا لانتفاءِ بعضِ مُسْتَحَبَّاته، فيُفيدُ هذا الكلامُ أنَّ مَن فَعَلَ ذلك فقد تَرَكَ الواجبَ الَّذي لا يَتِمُّ الإيمانُ الواجبُ إلَّا به، وإِنْ كان معه بعضُ الإيمانِ؛ فإنَّ الإيمانَ يَتَبَعَّضُ ويتفاضلُ، كما قال النَّبيُّ ﷺ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَفِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ»(18).
والمقصودُ هنا أنَّ نَفْيَ الإيمانِ أو الجنَّةِ أو كونِه مِن المؤمنين، لا يكونُ إلَّا عن كبيرةٍ، فأمَّا الصَّغائرُ فلا تَنْفِي هذا الاسمَ والحُكْمَ عن صاحبها بمجرَّدِها، فيُعْرَفُ أنَّ هذا النَّفيَ لا يكونُ لتركِ مُسْتَحَبٍّ ولا لفعلِ صغيرةٍ، بل لفعلِ كبيرةٍ.
وإنَّما قُلنا: إنَّ هذا الضَّابطَ أوْلَى مِن سائر تلكَ الضَّوابط المذكورة لوجوه:
أحدها: أنَّه هو المأثورُ عن السَّلف، بخلاف تلك الضَّوابط فإنَّها لا تُعرَفُ عن أحدٍ من الصَّحابة والتَّابعين والأئمَّة، وإنَّما قالها بعضُ مَنْ تكلَّمَ في شيءٍ من الكَلامِ أو التَّصوُّفِ أو الفقهِ بغَير دليلٍ شرعيٍّ، وأمَّا مَنْ قال منَ السَّلف: إنَّها إلى سبعين أقربُ منها إلى سبعٍ، فهذا لا يخالفُ ما ذكرناه، وسنتكلَّمُ عليها إن شاءَ الله واحدًا واحدًا.
الثَّاني: أنَّ الله تعالى قال: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا ﴾ [النساء: 31]، فقد وَعَدَ مجتنبِي الكبائر بتكفير السَّيِّئاتِ واستِحقاقِ الوَعْدِ الكَريمِ، وكلُّ مَنْ وُعِدَ بغَضب الله أو لَعْنتِه أو نارِه أو حِرْمانِ جنَّتِه أو ما يقتَضي ذلك فإنَّه خارجٌ عن هذا الوَعْد، فلا يكونُ من مجتنبي الكبائر، وكذلك مَن استحقَّ أَنْ يُقامَ عليه الحدُّ لم تكنْ سيِّئاتُه مُكَفَّرَةً عنه باجتنابِ الكبَائر؛ إذ لو كان كذلك لم يكنْ له ذَنْبٌ يستحقُّ أَنْ يُعاقَبَ عليه، والمستحِقُّ أَنْ يُقامَ عليه الحدُّ له ذَنْبٌ يَسْتحِقُّ العقوبةَ عليه.
الثَّالث: أنَّ هذا الضَّابطَ مَرْجِعُه إلى ما ذكره الله ورسولُه من الذُّنوب، فهو حَدٌّ يُتَلَقَّى من خطابِ الشَّارع، وما سوى هذَا ليس مُتَلَقًّى مِن كلام الله ورسوله؛ بل هُو قولٌ برأي القائل وذَوْقِه من غير دليلٍ شرعي، والرَّأيُ والذَّوْقُ بدون الدَّليل الشَّرعي لا يجوزُ أن يُعْتَمَدَ عليه في الدِّين.
الرَّابع: أنَّ هذا الضَّابطَ يمكنُ الفرقُ به بين الكبائرِ والصَّغائرِ، وأمَّا تلك الأمور فَلا يمكنُ الفرقُ بها بين الكبائر والصَّغائر؛ لأنَّ تلكَ الصِّفاتِ لا دليلَ يدلُّ عليها؛ لأنَّ الفرقَ بين ما اتَّفقتْ فيه الشَّرائعُ واختلفتْ لا نعلمُه إنْ لم نكن عالمين بتلك الشَّرائع على وجهها، وهذَا غيرُ معلومٍ لنا، وكذلكَ ما يَسُدُّ بابَ المعرفَة هو من الأمورِ النِّسبيَّةِ والإضافيَّةِ، فقَد يَسُدُّ بابَ المعرفة على زَيْدٍ ما لا يَسُدُّ على عَمْرو، وليس لذلك حدٌّ محدود.
الخامس: أنَّ تلك الأقوالَ فاسدةٌ:
فقولُ مَنْ قال: إنَّها ما اتَّفقت الشَّرائعُ على تحريمِه دون ما اختلفتْ فيه، يوجبُ أن تكون الحبَّةُ مِنْ مالِ اليتيم ومِن السَّرقةِ والخيانةُ والكَذْبةُ الواحدةُ (ونقضُ الإجارة الخفيفُ)(19) ونحو ذلك كبيرةً، وأن يكونَ الفرارُ من الزَّحْف ليس منَ الكبائر؛ إذ الجهادُ لم يجبْ في كلِّ شريعةٍ، وكذلك يقتضي أن يكونَ التَّزوُّجُ بالمحرَّمات بالرَّضاعةِ والصِّهْرِ وغيرهما ليس من الكبائر؛ لأنَّه ممَّا لم تتَّفق عليه الشَّرائع، وكذلك تزوُّجُ الخامسة، وكذلك إمساكُ المرأةِ بعدَ الطَّلاق الثَّلاث ووطؤُها بعد ذلكَ مع اعتقادِ التَّحريم.
وكذلك مَنْ قال: إنَّها ما سَدَّ بابَ المعرفةِ، أو ذهاب النُّفوس أو الأموال، يوجب أن يكونَ القليلُ من الغَضبِ والجنايةِ(20) كبيرةً، وأن يكونَ عقوقُ الوالدين، وقطيعةُ الرَّحِمِ، وشربُ الخمر، وأكلُ الميتة والدَّم ولحم الخنزير، وقذفُ المحصَنات الغافلات المؤمنات ونحو ذلك، ليس من الكبائر.
ومَنْ قال: إنَّها سُمِّيَتْ كبائرَ بالنِّسبة إلى ما دونَها، أو أنَّ كلَّ ما عُصِيَ الله به فهو كبيرةٌ، فإنَّه يوجبُ أن لا تكونَ الذُّنوبُ في نفسها تنقسمُ إلى صغائر وكبائر، وهذا خلافُ القُرآن، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ ﴾ [النجم: 32]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُون ﴾ [الشورى: 37]، وقال تعالى: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾، (وكذلكَ قَد يُسْتَدَلُّ بقوله)(21): ﴿ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ [الكهف: 49]، وقولِه: ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَر ﴾ [القمر: 53]؛ والأحاديثُ في تسميةِ كثيرٍ من الذُّنوب كبائرَ كثيرةٌ.
ومَنْ قال: هي سبعة عشر، فهو قولٌ بلا دليل.
ومَنْ قال: إنَّها مُبْهَمَةٌ أو غيرُ معلومةٍ، فإنَّما أَخْبَرَ عن نفسه أنَّه لا يعلمُها.
ومَنْ قال: إنَّها ما تُوُعِّدَ عليه بالنَّار، قد يُقال: إنَّ فيه تقصيرًا؛ إذ الوعيدُ قد يكونُ بالنَّار وقَد يكونُ بغَيرها، وقَد يُقال: إنَّ كلَّ وعيدٍ فلا بدَّ أن يستَلزمَ الوعيدَ بالنَّار.
وإنَّما قُلنا: إنَّ هذا الضَّابطَ أوْلَى مِن سائر تلكَ الضَّوابط المذكورة لوجوه:
أحدها: أنَّه هو المأثورُ عن السَّلف، بخلاف تلك الضَّوابط فإنَّها لا تُعرَفُ عن أحدٍ من الصَّحابة والتَّابعين والأئمَّة، وإنَّما قالها بعضُ مَنْ تكلَّمَ في شيءٍ من الكَلامِ أو التَّصوُّفِ أو الفقهِ بغَير دليلٍ شرعيٍّ، وأمَّا مَنْ قال منَ السَّلف: إنَّها إلى سبعين أقربُ منها إلى سبعٍ، فهذا لا يخالفُ ما ذكرناه، وسنتكلَّمُ عليها إن شاءَ الله واحدًا واحدًا.
الثَّاني: أنَّ الله تعالى قال: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا ﴾ [النساء: 31]، فقد وَعَدَ مجتنبِي الكبائر بتكفير السَّيِّئاتِ واستِحقاقِ الوَعْدِ الكَريمِ، وكلُّ مَنْ وُعِدَ بغَضب الله أو لَعْنتِه أو نارِه أو حِرْمانِ جنَّتِه أو ما يقتَضي ذلك فإنَّه خارجٌ عن هذا الوَعْد، فلا يكونُ من مجتنبي الكبائر، وكذلك مَن استحقَّ أَنْ يُقامَ عليه الحدُّ لم تكنْ سيِّئاتُه مُكَفَّرَةً عنه باجتنابِ الكبَائر؛ إذ لو كان كذلك لم يكنْ له ذَنْبٌ يستحقُّ أَنْ يُعاقَبَ عليه، والمستحِقُّ أَنْ يُقامَ عليه الحدُّ له ذَنْبٌ يَسْتحِقُّ العقوبةَ عليه.
الثَّالث: أنَّ هذا الضَّابطَ مَرْجِعُه إلى ما ذكره الله ورسولُه من الذُّنوب، فهو حَدٌّ يُتَلَقَّى من خطابِ الشَّارع، وما سوى هذَا ليس مُتَلَقًّى مِن كلام الله ورسوله؛ بل هُو قولٌ برأي القائل وذَوْقِه من غير دليلٍ شرعي، والرَّأيُ والذَّوْقُ بدون الدَّليل الشَّرعي لا يجوزُ أن يُعْتَمَدَ عليه في الدِّين.
الرَّابع: أنَّ هذا الضَّابطَ يمكنُ الفرقُ به بين الكبائرِ والصَّغائرِ، وأمَّا تلك الأمور فَلا يمكنُ الفرقُ بها بين الكبائر والصَّغائر؛ لأنَّ تلكَ الصِّفاتِ لا دليلَ يدلُّ عليها؛ لأنَّ الفرقَ بين ما اتَّفقتْ فيه الشَّرائعُ واختلفتْ لا نعلمُه إنْ لم نكن عالمين بتلك الشَّرائع على وجهها، وهذَا غيرُ معلومٍ لنا، وكذلكَ ما يَسُدُّ بابَ المعرفَة هو من الأمورِ النِّسبيَّةِ والإضافيَّةِ، فقَد يَسُدُّ بابَ المعرفة على زَيْدٍ ما لا يَسُدُّ على عَمْرو، وليس لذلك حدٌّ محدود.
الخامس: أنَّ تلك الأقوالَ فاسدةٌ:
فقولُ مَنْ قال: إنَّها ما اتَّفقت الشَّرائعُ على تحريمِه دون ما اختلفتْ فيه، يوجبُ أن تكون الحبَّةُ مِنْ مالِ اليتيم ومِن السَّرقةِ والخيانةُ والكَذْبةُ الواحدةُ (ونقضُ الإجارة الخفيفُ)(19) ونحو ذلك كبيرةً، وأن يكونَ الفرارُ من الزَّحْف ليس منَ الكبائر؛ إذ الجهادُ لم يجبْ في كلِّ شريعةٍ، وكذلك يقتضي أن يكونَ التَّزوُّجُ بالمحرَّمات بالرَّضاعةِ والصِّهْرِ وغيرهما ليس من الكبائر؛ لأنَّه ممَّا لم تتَّفق عليه الشَّرائع، وكذلك تزوُّجُ الخامسة، وكذلك إمساكُ المرأةِ بعدَ الطَّلاق الثَّلاث ووطؤُها بعد ذلكَ مع اعتقادِ التَّحريم.
وكذلك مَنْ قال: إنَّها ما سَدَّ بابَ المعرفةِ، أو ذهاب النُّفوس أو الأموال، يوجب أن يكونَ القليلُ من الغَضبِ والجنايةِ(20) كبيرةً، وأن يكونَ عقوقُ الوالدين، وقطيعةُ الرَّحِمِ، وشربُ الخمر، وأكلُ الميتة والدَّم ولحم الخنزير، وقذفُ المحصَنات الغافلات المؤمنات ونحو ذلك، ليس من الكبائر.
ومَنْ قال: إنَّها سُمِّيَتْ كبائرَ بالنِّسبة إلى ما دونَها، أو أنَّ كلَّ ما عُصِيَ الله به فهو كبيرةٌ، فإنَّه يوجبُ أن لا تكونَ الذُّنوبُ في نفسها تنقسمُ إلى صغائر وكبائر، وهذا خلافُ القُرآن، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ ﴾ [النجم: 32]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُون ﴾ [الشورى: 37]، وقال تعالى: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾، (وكذلكَ قَد يُسْتَدَلُّ بقوله)(21): ﴿ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا ﴾ [الكهف: 49]، وقولِه: ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَر ﴾ [القمر: 53]؛ والأحاديثُ في تسميةِ كثيرٍ من الذُّنوب كبائرَ كثيرةٌ.
ومَنْ قال: هي سبعة عشر، فهو قولٌ بلا دليل.
ومَنْ قال: إنَّها مُبْهَمَةٌ أو غيرُ معلومةٍ، فإنَّما أَخْبَرَ عن نفسه أنَّه لا يعلمُها.
ومَنْ قال: إنَّها ما تُوُعِّدَ عليه بالنَّار، قد يُقال: إنَّ فيه تقصيرًا؛ إذ الوعيدُ قد يكونُ بالنَّار وقَد يكونُ بغَيرها، وقَد يُقال: إنَّ كلَّ وعيدٍ فلا بدَّ أن يستَلزمَ الوعيدَ بالنَّار.
وأمَّا مَنْ قال: كلُّ ذَنْبٍ فيه وعيدٌ، فهذا يندرجُ فيما ذكرَه السَّلف؛ فإنَّ كلَّ ذَنْبٍ فيه حَدٌّ في الدُّنيا ففيه وعيدٌ، مِنْ غير عكسٍ؛ فإنَّ الزِّنا والسَّرقةَ وشربَ الخَمر وقذفَ المحصَنات ونحوَ ذلك فيها وعيدٌ؛ فمَنْ قال: إنَّ الكبيرة ما فيها وعيدٌ فقد وافقَ ما ذكره السَّلف؛ والله تعالى أعلم.
الحمد لله ربِّ العالمين وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدِّين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هو: أبو عبدالله محمَّد بن عبدالله بن أحمد سبط ابن رُشَيِّق المالكي، أحد تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية، كان بصيرًا بخطِّ شيخ الإسلام، متتبِّعًا لمصنَّفاته، توفي سنة (749هـ)؛ انظر: «الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيميَّة» (ص11).
(2) سقط من المطبوع ذكر السَّائل، والموجود فيها مباشرة: مسألة في الذُّنوب، الخ.
(3) في المطبوع: أو أنَّها تذهب.
(4) في المطبوع: ما يحكي بعضهم.
(5) في المطبوع: على التسعين، والمثبت هو الصواب كما سيأتي.
(6) يعني: سفيان بن عيينة، ووقع في المطبوع: أبو عبيدة، وهو تصحيف.
(7) ذكر هذا القول ابن جرير في «تفسيره» (22/67).
( 8 ) الكلمة ساقطة من النُّسخة المخطوطة.
(9) في المخطوط: بعهدهم الله.
(10) أخرجه البخاري (5984) ومسلم (2556) من حديث جبير بن مطعم ـ رضي الله عنه ـ.
(11) أخرجه مسلم (91) من حديث عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنهما ـ.
(12) أخرجه مسلم (101) من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
(13) أخرجه البخاري (6874) ومسلم (98) من حديث عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
(14) أخرجه البخاري (2475) ومسلم (57) من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
(15) ككتاب شيخ الإسلام «الإيمان الكبير»، وله: «الأوسط» و«الصغير».
(16) أخرجه الإمام أحمد (12383)، وابن حبَّان (194) من حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ، وأورده الألباني في «صحيح الجامع» (7179).
(17) أخرجه البخاري (756) ومسلم (394) من حديث عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ.
(18) أخرجه بنحوه البخاري (44) ومسلم (193) من حديث طويلٍ عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ.
(19) في المطبوع تحريف للعبارة بين القوسين حيث كُتب: وبعض الإحسانات الخفية.
(20) في المطبوع: الخيانة.
(21) العبارة بين القَوسين ساقطة من المطبوع، وفيه بدلها لفظ: «وقال».
الحمد لله ربِّ العالمين وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدِّين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هو: أبو عبدالله محمَّد بن عبدالله بن أحمد سبط ابن رُشَيِّق المالكي، أحد تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية، كان بصيرًا بخطِّ شيخ الإسلام، متتبِّعًا لمصنَّفاته، توفي سنة (749هـ)؛ انظر: «الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيميَّة» (ص11).
(2) سقط من المطبوع ذكر السَّائل، والموجود فيها مباشرة: مسألة في الذُّنوب، الخ.
(3) في المطبوع: أو أنَّها تذهب.
(4) في المطبوع: ما يحكي بعضهم.
(5) في المطبوع: على التسعين، والمثبت هو الصواب كما سيأتي.
(6) يعني: سفيان بن عيينة، ووقع في المطبوع: أبو عبيدة، وهو تصحيف.
(7) ذكر هذا القول ابن جرير في «تفسيره» (22/67).
( 8 ) الكلمة ساقطة من النُّسخة المخطوطة.
(9) في المخطوط: بعهدهم الله.
(10) أخرجه البخاري (5984) ومسلم (2556) من حديث جبير بن مطعم ـ رضي الله عنه ـ.
(11) أخرجه مسلم (91) من حديث عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنهما ـ.
(12) أخرجه مسلم (101) من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
(13) أخرجه البخاري (6874) ومسلم (98) من حديث عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ.
(14) أخرجه البخاري (2475) ومسلم (57) من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ.
(15) ككتاب شيخ الإسلام «الإيمان الكبير»، وله: «الأوسط» و«الصغير».
(16) أخرجه الإمام أحمد (12383)، وابن حبَّان (194) من حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ، وأورده الألباني في «صحيح الجامع» (7179).
(17) أخرجه البخاري (756) ومسلم (394) من حديث عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ.
(18) أخرجه بنحوه البخاري (44) ومسلم (193) من حديث طويلٍ عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ.
(19) في المطبوع تحريف للعبارة بين القوسين حيث كُتب: وبعض الإحسانات الخفية.
(20) في المطبوع: الخيانة.
(21) العبارة بين القَوسين ساقطة من المطبوع، وفيه بدلها لفظ: «وقال».
فتوى_في_حدِّ_الكبائر_لشيخ_الإسلام_ابن_تيمية.pdf
3.3 MB
فتوى في حدِّ الكبائر لشيخ الإسلام ابن تيمية
Audio
✳️ عنوان الخطبة: من أسباب تزكية النفس
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 04 شعبان 1447 ـ 23 جانفي 2026
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 04 شعبان 1447 ـ 23 جانفي 2026
Forwarded from راية الإصلاح ـ دار الفضيلة للنشر
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال الشاطبي رحمه الله:
«لا مفسَدَة في الدُّنيا تُوَازي مفْسَدَةَ إماتَة السُّنَّة» [«الاعتصام» (١/ ٤٦٥)]
📌قال الشاطبي رحمه الله:
«لا مفسَدَة في الدُّنيا تُوَازي مفْسَدَةَ إماتَة السُّنَّة» [«الاعتصام» (١/ ٤٦٥)]
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قالت عائشة رضي الله عنها: كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا عصَفَت الرِّيحُ، قال: «اللَّهمَّ إنِّي أسألُك خيرَها، وخيرَ ما فيها، وخيرَ ما أُرسِلَت به، وأعوذُ بكَ مِن شرِّها، وشرِّ ما فيها، وشرِّ ما أُرسِلَت به» [رواه مسلم (٨٩٩)]
📌قالت عائشة رضي الله عنها: كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا عصَفَت الرِّيحُ، قال: «اللَّهمَّ إنِّي أسألُك خيرَها، وخيرَ ما فيها، وخيرَ ما أُرسِلَت به، وأعوذُ بكَ مِن شرِّها، وشرِّ ما فيها، وشرِّ ما أُرسِلَت به» [رواه مسلم (٨٩٩)]
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 (قصيدة) حثُّ الرِّفاق على دين الحقِّ وحسنِ الأخلاق
💢 عبد الله رحيل
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
💢 (قصيدة) حثُّ الرِّفاق على دين الحقِّ وحسنِ الأخلاق
💢 عبد الله رحيل
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 (قصيدة) حثُّ الرِّفاق على دين الحقِّ وحسنِ الأخلاق
💢 عبد الله رحيل
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
أقول للأسف الباكي على طللٍ // عافٍ رُوَيْدَكَ لا تأسف على الطَّللِ
ولْتَبْكِ عَيْنُك نفسًا قد بُلِيتَ بها //فأنتَ فيها كثيرُ الهمِّ والحيَلِ
ما زِلْتَ تَجْهَدُ في إدراك بغيتها //وليس تفضي إذن إلاَّ إلى العَطَلِ
فانظر بحقٍّ إلى ما ـ الآن ـ قد فَعَلَتْ //منَ الفساد الَّذي بَثَّتْهُ في الدُّوَلِ
بَغْيٌ وظلمٌ وفسقٌ ثُمَّ مَمْحَقَةٌ //للدِّينِ مَعْ فاضلِ الأخلاقِ والمُثُلِ
ومِحْنَةُ المسلمين ـ اليومَ ـ قد عَظُمَتْ //في دينهم ورُمُوا بالحادث الجَلَلِ
مِنَ ذاك ناشئةُ الشُّبَّان أغلبهم //قد صَوَّبُوا صوبَ أهل الكفر والزَّلَلِ
يا وَيْحَهُمْ تَبِعُوا أعدَاءَهُمْ وَرَضُوا //بكُلِّ شَانِئَةٍ مِنْ فَاسِدِ الملَلِ
هذا هو الواقع المرُّ المعيشُ، فإنْ //رُمْنَا خَلاَصًا فيا واهًا لِمُجْتَعِلِ
فلنبتدئ أوَّلاً إصلاحَ أنفسنا //بالعود لله عَوْدَ التَّائِبِ الوَجِلِ
والانقياد لدين الله معْ سُنَنٍ //للمُصْطَفَى كانْقِيَادِ الأَيْنُقِ الذُّلُلِ
وأَنْ نُحَسِّنَ أَخْلاَقَ النُّفُوسِ وَلاَ //نَأْلُو لَهَا ـ جاهِدِين ـ الصَّوْنَ عنْ خَطَلِ
ولْنَسْتَثِرْ هِمَمًا في القَدْرِ عَاليَةً //إلى المَكَارِمِ ثُمَّ العِلْمِ والعمَلِ
بِدَعْوَةٍ معَ صبْرٍ واحْتِمَالِ أَذًى //مَعَ اقْتِفَاءِ خُطَى أَسْلاَفِنَا الأُوَلِ
مَا قِيمَةُ المَرْءِ إِلاَّ بِالحِفَاظِ عَلَى //جَمِيلِ أَخْلاَقِهِ وَالدِّينِ وَالنُّبُلِ
فَإِنََّ مَنْ لَمْ يَصُنْ هَذِي الأُمُورَ هَوَى //وَصَارَ أَهْلاً لِأَنْ يَرْعَى مَعَ الهَمَلِ
يَا إِخْوَتِي اتَّضَحَ المِنْهَاجُ فَابْتَدِرُوا //سُلُوكَهُ كَيْ تَنَالُوا غَايَة َالأَمَلِ
فَإِنََّ أَسْلَافَنَا سَادُوا بِعِلْمِهِمُ //وَالجِدِّ وَالنُّبْلِ لا بِالجَهْلِ وَالكَسَلِ
وَإِنَّ مَنْ طَلَبَ العَلْيَاءَ قَدْ سَهُلَتْ //فِي عَيْنِهِ لابْتِغَاهَا أَوْعُرُ السُّبُلِ
فَجَدِّدُوا لِلعُلَى وَالخَيْرِ هِمَّتَكُمْ //وَاسْعَوْا فَإِنَّ العِدَى يَسْعَوْنَ فِي عَجَلِ
عَجِبْتُ مِنْ مُبْطِلٍ يَسْعَى لِبَاطِلِهِ //سَعْيًا حَثِيثًا وَأَهْلُ الحَقِّ فِي فَشَلِ
فَنَسْأَلُ اللهَ تَوْفِيقًا يَقُودُ إِلَى //رِضْوَانِهِ وَزَكِيِّ القَوْلِ وَالعَمَلِ
وَأَنْ يُجَنِّبَنَا الأَخْلاَقَ سَيِّئَهَا //مَعْ سَتْرِهِ العَيْبَ وَالغُفْرَانِ لِلزَّلَلِ
والحمدُ لله معْ صَلاَتهِ أبدًا //على نَبِيِّ الهُدَى مَعْ سَائِرِ الرُّسُلِ
💢 (قصيدة) حثُّ الرِّفاق على دين الحقِّ وحسنِ الأخلاق
💢 عبد الله رحيل
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
أقول للأسف الباكي على طللٍ // عافٍ رُوَيْدَكَ لا تأسف على الطَّللِ
ولْتَبْكِ عَيْنُك نفسًا قد بُلِيتَ بها //فأنتَ فيها كثيرُ الهمِّ والحيَلِ
ما زِلْتَ تَجْهَدُ في إدراك بغيتها //وليس تفضي إذن إلاَّ إلى العَطَلِ
فانظر بحقٍّ إلى ما ـ الآن ـ قد فَعَلَتْ //منَ الفساد الَّذي بَثَّتْهُ في الدُّوَلِ
بَغْيٌ وظلمٌ وفسقٌ ثُمَّ مَمْحَقَةٌ //للدِّينِ مَعْ فاضلِ الأخلاقِ والمُثُلِ
ومِحْنَةُ المسلمين ـ اليومَ ـ قد عَظُمَتْ //في دينهم ورُمُوا بالحادث الجَلَلِ
مِنَ ذاك ناشئةُ الشُّبَّان أغلبهم //قد صَوَّبُوا صوبَ أهل الكفر والزَّلَلِ
يا وَيْحَهُمْ تَبِعُوا أعدَاءَهُمْ وَرَضُوا //بكُلِّ شَانِئَةٍ مِنْ فَاسِدِ الملَلِ
هذا هو الواقع المرُّ المعيشُ، فإنْ //رُمْنَا خَلاَصًا فيا واهًا لِمُجْتَعِلِ
فلنبتدئ أوَّلاً إصلاحَ أنفسنا //بالعود لله عَوْدَ التَّائِبِ الوَجِلِ
والانقياد لدين الله معْ سُنَنٍ //للمُصْطَفَى كانْقِيَادِ الأَيْنُقِ الذُّلُلِ
وأَنْ نُحَسِّنَ أَخْلاَقَ النُّفُوسِ وَلاَ //نَأْلُو لَهَا ـ جاهِدِين ـ الصَّوْنَ عنْ خَطَلِ
ولْنَسْتَثِرْ هِمَمًا في القَدْرِ عَاليَةً //إلى المَكَارِمِ ثُمَّ العِلْمِ والعمَلِ
بِدَعْوَةٍ معَ صبْرٍ واحْتِمَالِ أَذًى //مَعَ اقْتِفَاءِ خُطَى أَسْلاَفِنَا الأُوَلِ
مَا قِيمَةُ المَرْءِ إِلاَّ بِالحِفَاظِ عَلَى //جَمِيلِ أَخْلاَقِهِ وَالدِّينِ وَالنُّبُلِ
فَإِنََّ مَنْ لَمْ يَصُنْ هَذِي الأُمُورَ هَوَى //وَصَارَ أَهْلاً لِأَنْ يَرْعَى مَعَ الهَمَلِ
يَا إِخْوَتِي اتَّضَحَ المِنْهَاجُ فَابْتَدِرُوا //سُلُوكَهُ كَيْ تَنَالُوا غَايَة َالأَمَلِ
فَإِنََّ أَسْلَافَنَا سَادُوا بِعِلْمِهِمُ //وَالجِدِّ وَالنُّبْلِ لا بِالجَهْلِ وَالكَسَلِ
وَإِنَّ مَنْ طَلَبَ العَلْيَاءَ قَدْ سَهُلَتْ //فِي عَيْنِهِ لابْتِغَاهَا أَوْعُرُ السُّبُلِ
فَجَدِّدُوا لِلعُلَى وَالخَيْرِ هِمَّتَكُمْ //وَاسْعَوْا فَإِنَّ العِدَى يَسْعَوْنَ فِي عَجَلِ
عَجِبْتُ مِنْ مُبْطِلٍ يَسْعَى لِبَاطِلِهِ //سَعْيًا حَثِيثًا وَأَهْلُ الحَقِّ فِي فَشَلِ
فَنَسْأَلُ اللهَ تَوْفِيقًا يَقُودُ إِلَى //رِضْوَانِهِ وَزَكِيِّ القَوْلِ وَالعَمَلِ
وَأَنْ يُجَنِّبَنَا الأَخْلاَقَ سَيِّئَهَا //مَعْ سَتْرِهِ العَيْبَ وَالغُفْرَانِ لِلزَّلَلِ
والحمدُ لله معْ صَلاَتهِ أبدًا //على نَبِيِّ الهُدَى مَعْ سَائِرِ الرُّسُلِ
حث_الرفاق_على_دين_الحق_وحسن_الأخلاق_ـ_عبد_الله_رحيل.pdf
1 MB
حث الرفاق على دين الحق وحسن الأخلاق ـ عبد الله رحيل
Audio
✳️ عنوان الخطبة: الريح تأتي بالرحمة والعذاب والهدي النبوي معها
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 11 شعبان 1447 ـ 30 جانفي 2026
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 11 شعبان 1447 ـ 30 جانفي 2026
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال الألباني رحمه الله:
«أهلُ الحديثِ ـ حشَرنا اللهُ معَهُم ـ لا يتَعصَّبُون لقَولِ شخصٍ معيَّنٍ ـ مهْما علا وسَما ـ، حاشَا محمَّدٍ ﷺ، بخِلاف غيرِهِم ممَّن لا ينتَمي إلى الحديثِ والعَمَل به» [«السلسلة الصَّحيحة» (١/ ٥٤٣)]
📌قال الألباني رحمه الله:
«أهلُ الحديثِ ـ حشَرنا اللهُ معَهُم ـ لا يتَعصَّبُون لقَولِ شخصٍ معيَّنٍ ـ مهْما علا وسَما ـ، حاشَا محمَّدٍ ﷺ، بخِلاف غيرِهِم ممَّن لا ينتَمي إلى الحديثِ والعَمَل به» [«السلسلة الصَّحيحة» (١/ ٥٤٣)]
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 القُرُوضُ البَنْكِيَّة حَرَام
💢 عثان عيسي
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
💢 القُرُوضُ البَنْكِيَّة حَرَام
💢 عثان عيسي
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 القُرُوضُ البَنْكِيَّة حَرَام
💢 عثمان عيسي
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
عرفت الأممُ القديمة الرِّبَا، وتعاملت به كثير من الشُّعوب؛ كما كان حال قدماء الإغريق، والمصريِّين، والبابليِّين وبني إسرائيل وغيرهم، وقد حرَّمه الله جلَّ وعلا على لسان الأنبياء والرُّسل، لكن أبى اليهود والنَّصارى إلاَّ تبديلَ دين الله المنزَّل عليهم، فأكلوا الرِّبا، وتعاملوا به، وتفنَّنوا في إحداث صُوَرٍ له، حتَّى صار له ـ مع مرور الأزمنة ـ نظامٌ خاصٌّ إليه يستند، وعليه يقوم ويعتمد.
وقد كانت الأمَّة الإسلاميَّة بمنأى عن التَّعامل الجماعي بالرِّبا، وإن وُجِد فإنَّما هو على مستوى الأفراد فحسب، وعلى حين غفلةٍ من الواعظ النَّفسي، أو الدِّيني، أمَّا أن يُرى التَّعاملُ بالرِّبا بينهم منتشرًا، ومقنَّنا فلا يُعرف هذا بين المسلمين الأوائل ولا الأواخر، وما عُرف إلاَّ بعد توالي الاستعمارات على الأمَّة، وتقطيعها إلى دويلات، فهنالك انتشر هذا السَّرطان بين النَّاس، وورثت الدُّول الإسلاميَّة ذلكم النِّظام الاقتصادي القائم على الرِّبا من خلال مؤَسَّساته الماليَّة (البنوك)، فدخل الرِّبا حياةَ النَّاس، وفشا بينهم فشوًّا لا نظيرَ له، ونادت به أصوات المسوِّغين له عاليةً، وإليه داعيةً وبه مشهِّرةً، ومِن كلِّ مَن صاح بالتَّحريم من العلماء الأكابر منفِّرةً!
لقد أضحى مِن أهمِّ أُسُس ومعالمِ المشروع الغربي والتَّغريبي ربطُ الحركة الاقتصاديََّة والتِّجاريَّة بهذا النِّظام الرِّبوي، والمتمثِّل في دعوة النَّاس إليه أو إلجائهم ـ بطريقة أو بأخرى ـ إلى التَّعامل به، أخذًا وعطاءً، تحت غطاء جُملة من المسوِّغات نسفوا بها ـ أو كادوا ـ ما أجمع المسلمون على تحريمه.
إنَّ ممَّا يؤلم النَّفسَ، ويتفَطَّر له الفؤاد حسرةً، أن ترى بعض المتشبِّعين بالثَّقافة الغربيَّة يقرِّرُون ويعلنون أنَّ القروضَ البنكيَّة لا بدَّ منها لنهوض أيِّ اقتصاد أو بقائه أو نموِّه، وكأنَّها نتيجة حتميَّةٌ في حياة النَّاس ومعيشتهم، لا مفرَّ منها، ولا مناص.
وليس العجب أن يصدر مثل هذا الكلام ممَّن لا يُعْرَفُ له عناية بالعلم الشَّرعي، ولا يبالي بالعلماء والفقهاء بالة، وإنَّما العجب كلُّ العجب أن تسمع أو تقرأ لبعض متفيهقة زماننا، ممَّن قلَّ علمُه وورعُه من يفتي هؤلاء بجواز ذلك، ـ للضَّرورة زعم ـ دون
لقد حرَّم الإسلام الرِّبا بجميع صوره، جليًّا كان أم خفيًّا، وأكَّد النَّبيُّ ﷺ تحريمه تأكيدًا قاطعًا، قطع معه كلَّ تأويلٍ أو احتمال، وكلَّ تلاعبٍ أو احتيال، فقال ﷺ في حَجَّة الوداع عشيَّةَ عرفة قبل وفاته ببضعة وثمانين يومًا في خطبته العظيمة المشهورة «أَلاَ إِنَّ كُلَّ رِبًا مِنْ رِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ...» ثمَّ قال في آخرها: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» قَال الصَّحابة ـ رضوان الله عليهم ـ: نَعَمْ، فقال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» ثَلاَثَ مَرَّاتٍ... أشهدَ ﷺ على النَّاسِ ربَّهم جلَّ وعلا، على ما بلَّغ من دينه وشرعِه، وفي العشيَّة نفسها نزل قوله جلَّ وعلا: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].
وقد بَلَغَنا هذا الدِّينُ بما فيه من أمرٍ ونهيٍ، وقيمٍ أخلاقيَّة عالية، فوجدنا فيه تحريمَ الرِّبا صريحًا، كتابًا وسنَّةً وإجماعًا، قد أودع كلَّ ذلك علماؤنا في مصنَّفاتِهم وكتبهم الفقهيَّة، في تراثٍ زاخرٍ عامرٍ، يشهد لهم بالسَّبق والعلم والأمانة.
ولمَّا أحدث النَّاسُ هذه الصُّور العصريَّة للرِّبا، قام لها ثلَّة من علماء هذا الزَّمن، فعقدوا المجامع والمؤتمرات الفقهيَّة، وبحثوا هذه الصُّور المستجدَّة فقرَّروا ـ اتِّفاقًا ـ أنَّ القروضَ وما يُسمَّى بـالفوائدِ البنكيَّة حرامٌ قطعًا، وأنَّها من الرِّبا الَّذي حرَّمه الله ورسوله ﷺ، وردُّوا على ما تمسَّك به قلَّةٌ ممَّن اشتبه عليه الأمرُ أو اتَّبع هواه؛ في إباحته لهذه القروض الرِّبويَّة وما يُسمَّى بـالفوائدِ البنكيَّة! فبماذا تجيب الأمَّةُ ربَّها إذا سُئلت عن تعاطيها الرِّبا؟! وربُّها ﻷ يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُون ﴾ [البقرة: 278 ـ 279].
💢 القُرُوضُ البَنْكِيَّة حَرَام
💢 عثمان عيسي
💢 منشور في العدد (38) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
عرفت الأممُ القديمة الرِّبَا، وتعاملت به كثير من الشُّعوب؛ كما كان حال قدماء الإغريق، والمصريِّين، والبابليِّين وبني إسرائيل وغيرهم، وقد حرَّمه الله جلَّ وعلا على لسان الأنبياء والرُّسل، لكن أبى اليهود والنَّصارى إلاَّ تبديلَ دين الله المنزَّل عليهم، فأكلوا الرِّبا، وتعاملوا به، وتفنَّنوا في إحداث صُوَرٍ له، حتَّى صار له ـ مع مرور الأزمنة ـ نظامٌ خاصٌّ إليه يستند، وعليه يقوم ويعتمد.
وقد كانت الأمَّة الإسلاميَّة بمنأى عن التَّعامل الجماعي بالرِّبا، وإن وُجِد فإنَّما هو على مستوى الأفراد فحسب، وعلى حين غفلةٍ من الواعظ النَّفسي، أو الدِّيني، أمَّا أن يُرى التَّعاملُ بالرِّبا بينهم منتشرًا، ومقنَّنا فلا يُعرف هذا بين المسلمين الأوائل ولا الأواخر، وما عُرف إلاَّ بعد توالي الاستعمارات على الأمَّة، وتقطيعها إلى دويلات، فهنالك انتشر هذا السَّرطان بين النَّاس، وورثت الدُّول الإسلاميَّة ذلكم النِّظام الاقتصادي القائم على الرِّبا من خلال مؤَسَّساته الماليَّة (البنوك)، فدخل الرِّبا حياةَ النَّاس، وفشا بينهم فشوًّا لا نظيرَ له، ونادت به أصوات المسوِّغين له عاليةً، وإليه داعيةً وبه مشهِّرةً، ومِن كلِّ مَن صاح بالتَّحريم من العلماء الأكابر منفِّرةً!
لقد أضحى مِن أهمِّ أُسُس ومعالمِ المشروع الغربي والتَّغريبي ربطُ الحركة الاقتصاديََّة والتِّجاريَّة بهذا النِّظام الرِّبوي، والمتمثِّل في دعوة النَّاس إليه أو إلجائهم ـ بطريقة أو بأخرى ـ إلى التَّعامل به، أخذًا وعطاءً، تحت غطاء جُملة من المسوِّغات نسفوا بها ـ أو كادوا ـ ما أجمع المسلمون على تحريمه.
إنَّ ممَّا يؤلم النَّفسَ، ويتفَطَّر له الفؤاد حسرةً، أن ترى بعض المتشبِّعين بالثَّقافة الغربيَّة يقرِّرُون ويعلنون أنَّ القروضَ البنكيَّة لا بدَّ منها لنهوض أيِّ اقتصاد أو بقائه أو نموِّه، وكأنَّها نتيجة حتميَّةٌ في حياة النَّاس ومعيشتهم، لا مفرَّ منها، ولا مناص.
وليس العجب أن يصدر مثل هذا الكلام ممَّن لا يُعْرَفُ له عناية بالعلم الشَّرعي، ولا يبالي بالعلماء والفقهاء بالة، وإنَّما العجب كلُّ العجب أن تسمع أو تقرأ لبعض متفيهقة زماننا، ممَّن قلَّ علمُه وورعُه من يفتي هؤلاء بجواز ذلك، ـ للضَّرورة زعم ـ دون
لقد حرَّم الإسلام الرِّبا بجميع صوره، جليًّا كان أم خفيًّا، وأكَّد النَّبيُّ ﷺ تحريمه تأكيدًا قاطعًا، قطع معه كلَّ تأويلٍ أو احتمال، وكلَّ تلاعبٍ أو احتيال، فقال ﷺ في حَجَّة الوداع عشيَّةَ عرفة قبل وفاته ببضعة وثمانين يومًا في خطبته العظيمة المشهورة «أَلاَ إِنَّ كُلَّ رِبًا مِنْ رِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ...» ثمَّ قال في آخرها: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ» قَال الصَّحابة ـ رضوان الله عليهم ـ: نَعَمْ، فقال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» ثَلاَثَ مَرَّاتٍ... أشهدَ ﷺ على النَّاسِ ربَّهم جلَّ وعلا، على ما بلَّغ من دينه وشرعِه، وفي العشيَّة نفسها نزل قوله جلَّ وعلا: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].
وقد بَلَغَنا هذا الدِّينُ بما فيه من أمرٍ ونهيٍ، وقيمٍ أخلاقيَّة عالية، فوجدنا فيه تحريمَ الرِّبا صريحًا، كتابًا وسنَّةً وإجماعًا، قد أودع كلَّ ذلك علماؤنا في مصنَّفاتِهم وكتبهم الفقهيَّة، في تراثٍ زاخرٍ عامرٍ، يشهد لهم بالسَّبق والعلم والأمانة.
ولمَّا أحدث النَّاسُ هذه الصُّور العصريَّة للرِّبا، قام لها ثلَّة من علماء هذا الزَّمن، فعقدوا المجامع والمؤتمرات الفقهيَّة، وبحثوا هذه الصُّور المستجدَّة فقرَّروا ـ اتِّفاقًا ـ أنَّ القروضَ وما يُسمَّى بـالفوائدِ البنكيَّة حرامٌ قطعًا، وأنَّها من الرِّبا الَّذي حرَّمه الله ورسوله ﷺ، وردُّوا على ما تمسَّك به قلَّةٌ ممَّن اشتبه عليه الأمرُ أو اتَّبع هواه؛ في إباحته لهذه القروض الرِّبويَّة وما يُسمَّى بـالفوائدِ البنكيَّة! فبماذا تجيب الأمَّةُ ربَّها إذا سُئلت عن تعاطيها الرِّبا؟! وربُّها ﻷ يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُون ﴾ [البقرة: 278 ـ 279].