راية الإصلاح ـ دار الفضيلة للنشر
2.93K subscribers
2.69K photos
806 videos
124 files
1.09K links
قناة دينية تعليمية تابعة لموقع راية الإصلاح ودار الفضيلة للنشر والتوزيع بالجزائر
للتواصل معنا : 92 99 06 (0559) (نقال - تيليجرام)
Download Telegram
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 بين ذهاب العقل وتغيُّر الفهم
💢 عبد المجيد تالي
💢 منشور في العدد (39) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇

العقل والفهم: مِنَّتان عظيمتان ونعمتان كبيرتان ممَّا منَّ به الله وأكرم بني الإنسان رفعةً بهم عن سائر بهيمة الأنعام.
أمَّا العقل: فأداةُ الإدراكِ، ووسيلةُ التَّمييزِ بين الحسنِ والقبيح، والنَّافع والضارِّ، والهدى والضَّلال، به تُعْقَلُ المعانِي وتُدْرَكُ المَبَانِي في الأمورِ الدِّينِيَّةِ والدُّنيويَّةِ.
قال ابن الجوزي ـ رحمه الله ـ: «إنَّما خُلقَ ـ أي العقل ـ للتَّأمُّل والتَّدبُّر وقبيحٌ بمن أُعْطِيَ شمعةً يَسْتَضِيءُ بها أن يطفئَها ويمشِي في الظُّلْمَةِ»(1).
لذا جاءت الشَّريعةُ الغرَّاءُ بحفظه ورعايتِه، وحسم كلِّ الوسائل والطُّرقِ المؤَدِّيةِ إلى الإخلال به وإفسادِه.
أمَّا الفهمُ: فما أُعطيَ عبدٌ عطاءً بعد الإسلام أفضلَ ولا أجلَّ منه، بل هو أحدُ عمودي الإسلام وساقَيه(2)، به يأمنُ العبد سلوكَ أحدِ طرقِ الهلاك والانحراف ـ طريق الضَّالِّين ـ الَّذين فَسَدَتْ فهومُهم، ويصيرُ من المُنْعَمِ عليهم الَّذين حَسُنَتْ أفهامُهم، وهم: أهل الصِّراط المستقيم الَّذين أُمِرْنَا أن نسأل الله أن يهدينا صراطَهم مراتٍ وكرَّاتٍ في كلِّ صلاةٍ.
قال ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ: «صحَّةُ الفهم نورٌ يقذفُه الله في قلب العبدِ يُمَيِّزُ به بين الصَّحيح والفاسدِ والحقِّ والباطل والهُدَى والضَّلالِ والغَيِّ والرَّشَادِ»(3).
فما أكرم بهما إذن من نعمةٍ ومِنَّةٍ، وما أجدر بكلِّ حريص فطنٍ الاعتناءَ بهما والسَّعيَ في تحصيلِهما.
غير أنَّنا ابْتُلِينَا في هذه الأزمان بأناسٍ أحداث أسنانٍ قد سبقَ طيشُهم حُسْنَ تَدْبِيرِهم وتَعَقُّلِهم، وسوءُ تفكيرِهم تَفَهُّمَهم وحِلْمَهم، فخاضُوا في مسائلَ كبارٍ وقضايا عظام، ممَّا تعمُّ به البلوى، وعليها مدارُ مصيرِ الأمَّةِ، كان المرجعُ فيها من حيثُ الأصلُ سُنَّةَ الرَّسول الكريم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ وتقريراتِ أولى الأمر من الأئمَّة الأعلام، كما جاء مؤصَّلاً في كتاب الله ـ جلَّ وعلا ـ.
إنَّ ذهابَ العقولِ وتَغَيُّرَ الفهوم؛ ممَّا جلب على الأمَّة الإسلاميَّة المصائبَ والويلاتِ ـ في دينهم ودنياهم ـ وإنَّ ما تمرُّ به الأمَّةُ من أوضاعٍ مُزْرِيةٍ وفِتَنٍ مُدْلَهِمَّةٍ ما هو ـ في الحقيقة ـ إلاَّ أثرٌ ونتيجةٌ من نتائج هذا التَّغيُّر المشؤوم.
= أمَّا في الدِّين:
فضلالٌ وانحرافٌ عن سواء السَّبيل، واتِّباعٌ لغير الطَّريق المرسوم، وتَفَسُّخٌ عن عُرَى الإسلام وأصولِ الفضائلِ ومكارم الأخلاقِ، وبعدٌ عن التَّصَوُّرِ الصَّحيح، والإدراكِ الواعي، والاعتقادِ السَّليم.
بَيْدَ أنَّ هذا التَّغيُّر والتَّبَدُّلَ الواقع، ليس بِدْعًا من الأمرِ، بل هو أمرٌ مسبوقٌ، وصراط مطروق.
قال الإمام ابن قيِّم الجوزيَّة ـ رحمه الله ـ: «سوءُ الفهم عن الله ورسولِه أصلُ كلِّ بدعةٍ وضلالةٍ نشأتْ في الإسلام؛ بل هو أصلُ كلِّ خطأٍ في الأصول والفروع، ولا سيما إِنْ أُضِيفَ إليه سوءُ القصدِ فيتَّفقُ سوءُ الفهم في بعض الأشياءِ من المتبوع مع حسنِ قصدِه وسوءُ القصدِ من التَّابع فَيَا محنةَ الدِّين وأهلِه والله المستعان.
وهل أوقعَ القدريَّة والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهميَّة والرَّافضة وسائرَ طوائف أهل البدع إلاَّ سوءُ الفهم عن الله ورسوله ﷺ، حتَّى صار الدِّين بأيدي أكثر النَّاس هو: مُوجَبُ هذه الأفهام والَّذي فهمَه الصَّحابةُ ومن تبعَهم عن الله ورسولِه فمهجورٌ لا يُلْتَفَتُ إليه ولا يَرْفَعُ هؤلاء به رأساً...»(4) اهـ.
قال الله ـ جلَّ وعلا ـ: ﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ [النساء: 83].
قال الشَّيخ عبد الرَّحمن بن ناصر السِّعدي ـ رحمه الله ـ في «تفسيره»(5): «هذا تأديبٌ من الله لعباده عن فعلِهم هذا غيرِ اللاَّئِقِ، وأنَّه ينبغي لهم إذا جاءَهم أمرٌ من الأمور المُهِمَّةِ والمصالح العَامَّةِ ما يتعلَّقُ بالأمن وسرورِ المؤمنين، أو بالخوفِ الَّذي فيه مصيبةٌ عليهم أن يَتَثَبَّتُوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يَرُدُّونَه إلى الرَّسول وإلى أُولِيِ الأمر منهم، أهلِ الرَّأي والعلم والنُّصح والعقل والرَّزَانَةِ، الَّذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدَّها.
فإن رَأَوْا في إذاعتِه مصلحةً ونشاطًا للمؤمنين وسرورًا لهم وتحرُّزًا من أعدائِهم فعلُوا ذلك، وإن رَأَوْا أنَّه ليس فيه مصلحةٌ أو فيه مصلحةٌ ولكن مضرَّتُه تزيدُ على مصلحتِه، لم يُذِيعُوه، ولهذا قال: ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ أي: يستخرجونَه بفكرهم وآرائِهم السَّديدةِ وعلومِهم الرَّشيدةِ.
وفي هذا دليلٌ لقاعدةٍ أدبيَّةٍ وهي: أنَّه إذا حصلَ بحثٌ في أمرٍ من الأمورِ ينبغِي أنْ يُوَلَّى مَنْ هو أهلٌ لذلك ويُجْعَلَ إلى أهلِه، ولا يُتَقَدَّم بين أيدِيهم؛ فإنَّه أقربُ إلى الصَّواب وأَحْرَى للسَّلامةِ من الخطأ.
وفيه: النَّهيُ عن العجلة والتَّسَرُّع لنشرِ الأمورِ من حين سماعِها، والأمرُ بالتَّأَمُّلِ قبل الكلام والنَّظَرِ فيه، هل هو مصلحةٌ، فيُقْدِمُ عليه الإنسان؟ أم لا، فيحجم عنه؟» اهـ.
فإذن هو تأديب لأهل الجادَّة والاستقامة في هذا الباب حتَّى لا تطيش بهم عقولهم، وتحيد بهم فهومهم عن الصِّراط المستقيم.
فالعقلُ والفهمُ: الَّذي تنشدُه أمُّة الإسلام هو:
العقلُ الَّذي يعقل عن الله كلامَه وعن الرَّسول ﷺ مرادَه، والفهم الَّذي يُسْتَخْرَجُ به ما غاص وخفي من معاني كلام الله ورسوله ﷺ.
قال الخليفة الرَّاشد علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وقد سئل: هل عندكم شيءٌ ممَّا ليس في القرآن؟، ـ وقال ابن عُيَيْنة مرَّةً: ما ليس عند النَّاس؟ ـ فقال: «والَّذي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ مَا عِنْدَنَا إِلاَّ مَا فِي القُرْآَنِ، إِلاَّ فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ، وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ» قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: «العَقْلُ(6)، وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لاَ يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ»(7).
وهذا الفهمُ الذِّي يقذفُه الله في قلب عبدِه فيعرفُ به ويدركُ ما لا يُدْرِكُه غيرُه ولا يعرفُه؛ فيفهمُ من النَّصوص ما لا يفهمُه غيرُه مع استوائِهما في حفظِه وفهم أصل معناه( 8 ).
= وأمَّا أثره:
فخرابٌ ودمارٌ، وسفكٌ للدِّمَاءِ وانتهاكٌ للأعراض، وخوفٌ وقلقٌ وفَزَعٌ واضطرابٌ، وخرقٌ لنظام الاستقرارِ في مجتمعات الإسلام.
فعلى العبد النَّاصح لنفسه، أن يصقل عقله ويصحِّح فهمه؛ لأنََّ «مَدَارَ العلم بالوحي على الفهم والمعرفةِ، ووُفُورِ العقل»(19)، ولأنَّ «الفهمَ عن الله ورسوله عنوانُ الصِدِّيقِيَّةِ ومَنْشُورُ الولايةِ النَّبَوِيَّةِ»(10).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1 )  «تلبيس إبليس» (ص74).
(2 ) وثانيهما: حسن القصد، وإليهما جاءت الإشارة في قوله تعالى: ﴿ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين ﴾ [الفاتحة: 6ـ7]، انظر «إعلام الموقِّعين» (1/87 ـ 88).
(3 ) «إعلام الموَقِّعين» (1/87 ـ 88).
(4 ) «الرُّوح» (ص294).
(5 ) «تيسير الكريم الرَّحمن» (1/280 ـ 281).
(6 ) أي: الدِّياتُ.
(7 ) أخرجه البخاري (6533)، والتِّرمذي (1369)، وغيرهما عن أبي جُحَيْفَة ــ وهب بن عبد الله السوائي ـ رضي الله عنه ـ؛ وهو السَّائل لعلي ـ رضي الله عنه ـ.
( 8  ) انظر «مدارج السَّالكين» (1/41).
(9 ) انظر «زاد المعاد في هدي خير العباد» (5/636).
(10 ) المرجع نفسه.
Audio
✳️ عنوان الخطبة: استقبال شهر رمضان المبارك
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 25 شعبان 1447 ـ 13 فيفري 2026
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال العلَّامة السِّعدي رحمه الله:
«كيفَ تدَّعي القيامَ بالفرائض وأنتَ تُهمِل حقَّ الصُّحبَة، وهُو مِن أوجَب الواجباتِ؟ وكيفَ تُوصَف بالعَقل والحزم مع تضييع الصُّحبة، إنَّ هذَا مِن الحماقاتِ والجهالاتِ؟» [«مجموع مؤلَّفاته» (٢٣/ ٦٤٦)]
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 المشاورة
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (39) من #مجلة_الإصلاح

👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 المشاورة
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (39) من #مجلة_الإصلاح

👇👇👇
إنَّ المشاورة مطلبٌ شرعيٌّ، ومسلكٌ نبويٌّ لا يليق بالعاقل أن يغفله أو أن يهمله، فالله تعالى يقول: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، و«مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ إِلاَّ هُدُوا لأَرْشَدِ أَمْرِهِمْ» كما قال الحسَن البصري ـ رحمه الله ـ [«مصنَّف ابن أبي شيبة» (26275)].
وقال الله تعالى لنبيِّه ﷺ: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ فلم يستنكف النَّبيُّ ﷺ عن مشاورة بعض أصحابه كأبي بكر وعمر وغيرهما ـ رضي الله عنهم ـ في أمور عدَّة من شُؤون العامَّة كحروبه وعطاياه، أو من شؤونه الخاصَّة كما وقعَ في قصَّة الإفك حيثُ شاور عليًّا وأسامةَ ـ رضي الله عنهما ـ؛ وعلى هذا النَّهج القويم، والمهيع السَّليم سار الخلفاء والولاة الأخيار، والعلماء والفقهاء الأبرار من هذه الأمَّة، ولم يحِد عن هذا الطَّريق إلاَّ شُذَّاذٌ آثروا الاستبداد، فلم يعبَأ بهم التَّاريخ، ولم يرفَع بهم رأسًا.
وكلَّما تحمَّل المرءُ مهامًّا عظيمةً، صارت المشورةُ في حقِّه أوكَد، كمَن تحمَّل مهمَّةَ تعليم النَّاس أمرَ دينِهم ودعوتهم إلى الخير والسُّنَّة منَ الدُّعاة والأئمَّة والخُطباء؛ فهؤلاء هم أولى النَّاس بالبُعد عن الإعجاب بالرَّأي وبخاصَّة ما يتعلَّق بأمر دعوتِهم؛ لأنَّ زَلَلَهُم ليس كَزَلَل أحدٍ منَ النَّاس.
إنَّ لزومَ مشاورَةِ الأمناء مِن أهلِ العِلم والعَقل فيمَا لم يُتَبيَّن فيه حُكمُ الله ورسولِه ﷺ هو من أعظم السبل الموصلة إلى العَواقب الحميدَة، والمآلات الرَّشيدة؛ وإنَّ سببَ كثيرٍ من المآسِي الواقعَة بينَ المجتَمِعين المتَحابِّين سابقًا والمتَفرِّقين المتَباغضين لاحقًا، هو العزوف عن مشورة النُّصحاء المؤهَّلين، أو مشاورة غير المؤتَمنين!
فكُن صالحًا لبيبًا حريصًا على الرُّشد، ولا تُبْرم أمرًا ذا بال ولا تُقدِم على عمَلٍ هامٍّ إلاَّ بعدَ استخارة واستشارة، فما خابَ مَن استَخار، ولا نَدم مَن استَشار؛ ولا يقذفنَّ الشَّيطانُ في رُوعِك أنَّ الاستعانةَ برأي غيركَ نقصٌ؛ لأنَّه مهما علَت رتبتُكَ عن منزَلة المستَشار فأنتَ محمودٌ؛ واستشارة الفاضل للمفضُول معلومةٌ مشهورة غير خافية؛ ولئن يشتَهر عنكَ أنَّك لا تنفَرد برأيكَ دون أهل الرَّأي والمشورة من إخوانِك ومشايخِك أبقَى لذكرك وأرفَع لشأنك مِن أن يُقال: كان مستبدًّا برأيه؛ واعلَم أنَّ الخطأَ مع الاستشارة أقربُ للعذر.
وأكثِر منَ المشورة حتَّى لا تعطب ولا تتعثَّر في طريقك ودعوتِك، وحتى يكثر صوابُك ويقل خطؤك، وصَدَق المثل: «ما هلَكَ امرُؤٌ عَن مشُورة»؛ كما أنَّ كثرةَ المشاورَة أمارةٌ على حُسْن الفَهم ورجَاحَة العقل ونباهة القَدْر، ولكَ في سيرة نبيِّنا ﷺ وسيرةِ أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ أسوةٌ حسنةٌ، إن كنتَ تطلب الفلاحَ والنَّجاحَ، وتمشي على طريق الهداية والسَّداد.
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال العلامة السِّعدي رحمه الله:
«السَّاعي في الإصلاح بينَ النَّاس أفضَلُ منَ القانتِ بالصَّلاة والصِّيام والصَّدقَة، والمُصْلِحُ لا بدَّ أنْ يُصلِحَ اللهُ سعْيَه وعمَلَه» [«تيسير الكريم الرَّحمن» (ص ٢٠٢)]
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
📣 شرح كتاب الرسالة لابن أبي زيد القيرواني 16 ـ د.خالد حمودة
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 آية جامعة فاذَّة
💢 أ.د.رضا بوشامة
💢 منشور في العدد (40) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 آية جامعة فاذَّة
💢 أ.د.رضا بوشامة
💢 منشور في العدد (40) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
روى الإمام مالك في «الموطَّأ» (1281) والبخاري (2371) ومسلم (9871) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال:
«الخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ: فَرَجُلٌ رَبَطَهَا في سَبِيلِ اللَّه، فأَطَالَ بها في مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذلك مِنَ المَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ، ولو أَنَّهُ انقطَعَ طِيَلُهَا، فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ، فهي لذلك أَجْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلاَ ظُهُورِهَا، فهي لذلك سِتْرٌ، ورَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لأَهْلِ الإِسْلاَمِ، فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ».
وسئل رسول اللَّه ﷺ عن الحُمُرِ، فقال:
«مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلاَّ هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ الفَاذَّةُ: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ [الزلزلة: 7ـ8]».
تضمَّن هذا الحديث أنَّ أوجه اتِّخاذ الخيل ثلاثة: فمن اتَّخَذَها ابتغاءَ مَرضاةِ الله وثوابِه كانت له أجرًا وثوابًا؛ ومَن اتَّخذها ضدَّ ذلك كانت له سوءًا وعذابًا، فلمَّا سُئل عن اتِّخاذ الحُمُر؟ قال مقالةً عامَّةً جامعةً: «لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلاَّ هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ الفَاذَّةُ ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾».
ومعنى الفاذَّة: القليلة النَّظير، والجامعة: العامَّةُ المتناوِلَةُ لكلِّ خيرٍ ومعروفٍ، أي لم ينزِلْ عليَّ فيها نصٌّ بعينها، لكن نزلت هذه الآية العامَّةُ.
فوصف ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ هذه الآية العظيمة الواقعة في آخر سورة الزَّلزلة بالفاذَّة القليلة النَّظير والجامعة لتناولها كلَّ معروفٍ وخيرٍ.
قال ابن عبد البرِّ: «يعني ـ واللَّه أعلم ـ أنَّها آيةٌ منفَردَةٌ في الخير والشَّرِّ ولا آية أعمُّ منها؛ لأنَّها آيةٌ تعمُّ كُلَّ خَيْرٍ وكُلَّ شَرٍّ»(1).
وقال ابن حجر: «سمَّاها جامعةً لشمولها لجميع الأنواع مِن طاعةٍ ومعصيةٍ، وسمَّاها فاذَّةً لانفرادها في معناها»(2).
فمَنْ تأمَّل هذه الآيةَ القليلةَ الكلمات وجدَها تحوي معانيَ كثيرةً، فنظائرُها في القرآن قليلةٌ؛ إذ فيها ترغيبٌ وترهيبٌ وتشويقٌ وتحذيرٌ، مَن فقِهَها وعمل بمقتضاها غَنِمَ خيرَي الدُّنيا والآخرة، فكانت بحقٍّ فاذَّةً جامعةً، دلَّت على جُمل من الأحكام والفوائد نوجزها في هذه الوقفات:
= الوقفة الأولى:
أنَّ كلَّ عمل يعمله العبد يُجازى عليه يوم القيامة، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشرٌّ، فيرى أعمالَه الَّتي عملها في الدُّنيا صغيرَها وكبيرَها، ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49].
وفي الحديث القدسي الطَّويل: «قال الله تعالى: يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ»(3).
حتَّى مثاقيل وموازين الذَّرَّات يراها الإنسان، والذَّرَّة هي النَّملة الصَّغيرة، وقيل: ما يُرَى من شُعاع الشَّمس من الهباء، فأقلُّ القليل يُحصى على العبد ثمَّ يُجازى عليه، فهو تنبيهٌ على أنَّه إن جُوزي على القليل، فالكثير من باب أولى وأحرى أن يُجازى عليه ففيه تنبيهٌ بالأدنى على الأعلى(4)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين﴾ [يونس: 61].
فبيَّن الله تعالى أنَّه لا يُغفِل من عمل ابن آدمَ صغيرةً ولا كبيرةً، وورد الفعل على صيغة المضارع من باب الالتفات بمخاطبتهم على سبيل التَّنبيه والتَّحذير، والمراد العمل الَّذي كان منهم في الدُّنيا، كما نبَّه على ذلك الشَّيخ محمَّد الأمين الشَّنقيطي ـ رحمه الله ـ(5).
= الوقفة الثانية:
أنَّ الإنسانَ سواءٌ كان كافرًا أو مؤمنًا قد يعمل الخير، أمَّا المؤمنُ فيُجازى عليه في الدُّنيا والآخرة، وهذا لا إشكال فيه.
وأمَّا الكافرُ فإن عمل خيرًا في هذه الدُّنيا فهل يراه في الآخرة؟ مع أنَّ الآيات صريحةٌ في إحباط عمله، كقوله تعالى: ﴿أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُون﴾ [هود: 16]، وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]، وقوله: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيد﴾ [إبراهيم: 18]، وغير ذلك من الآيات.
وفي مسلم (214) عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جُدْعَانَ كان في الجاهليَّةِ يصِلُ الرَّحمَ، ويطْعِمُ المسكين، فهل ذاك نافِعُه؟ قال: «لاَ يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ».
وأجاب العلماء على ذلك باحتمالات:
الأوَّل: أنَّ الآية من العامِّ المخصوص، فمن يعمل مثقالَ ذرَّةٍ من خيرٍ يره إن لم يُحبطه الكفرُ، بدليل ما تقدَّم من الآيات.
الثَّاني: أنَّ الآيةَ باقيةٌ على عمومها، والكافر يرى جزاء عمله الحسن في الدُّنيا، فإذا جاء يوم القيامة لم يكن له حسنات، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُون﴾ [هود: 15]، ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيب﴾ [الشورى: 20].
وروى ابن جرير الطَّبري في «جامع البيان» (24/563) عن ابن عبَّاس ـ رضي الله عنهما ـ، في قوله: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾ قال: «ليس مؤمِنٌ ولا كافرٌ عمل خيرًا ولا شرًّا في الدُّنيا، إلاَّ آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ، فَأَمَّا المُؤْمِنُ فَيُرِيهِ حَسَنَاتِهِ وسَيِّئَاتِهِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ له سَيِّئَاتِهِ. وأَمَّا الكَافِرُ فَيَرُدُّ حَسَنَاتِهِ، وَيُعَذِّبُهُ بِسَيِّئَاتِهِ».
الثَّالث: أنَّ الكافرَ يرى ما قدَّم من خيرٍ يوم القيامة، فيُحبط ما قدَّم من خيرٍ ويُجَازَى بما فعل من الشَّرِّ.
وفي مقابل ذلك ـ أيضًا ـ المسلم؛ فإنَّه قد يعمل من الشَّرَّ في الدُّنيا، فهل يرى ذلك الشَّرَّ يوم القيامة، وقد صرَّحت الآيات بعدم لزوم مؤاخذَتِه به؛ لاحتمال المغفرة أو لوعد الله بها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ [النساء: 48، 116]، ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا﴾ [النساء: 31]، وغير ذلك من الآيات.
فللعلماء في ذلك ثلاثةُ أقوال:
الأوَّل: أنَّ الآيةَ من العامِّ المخصوص، والمعنى: فمن يعملْ مثقالَ ذرَّةٍ من شرٍّ من المسلمين يره يوم القيامة إن لم يغفره الله له، بدليل الآيات المُتقدِّمة وما في معناها.
الثَّاني: أنَّ الآية على عمومها، وأنَّ المؤمن يرى جزاء عمله السَّيِّءِ وعقوبةَ ذلك في الدُّنيا في نفسه وأهله وماله، بالمصائب والبلايا والأمراض والآلام الَّتي تصيبه، حتَّى يلقى الله في الآخرة وليس له فيها شرٌّ.
ودليل ذلك ما روى الطَّبري في «جامع البيان» (24/564)، والطَّبراني في «الأوسط» (8407)، والبيهقي في «شُعَبِ الإيمان» (9351) عن أنس قال: «بينا أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ يأكل مع رسول اللَّه ﷺ إذْ نزلت عَلَيْهِ: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾، فرفع أبو بكر يَدَهُ، وقال: يا رسول اللَّه، إنِّي لرَاءٍ ما عملتُ منْ مثقالِ ذرَّةٍ مِنْ شَرٍّ؟ فقال: «يَا أَبَا بَكْرٍ، أَرَأَيْتَ مَا تَرَى فِي الدُّنْيَا مِمَّا تَكْرَهُ فَبِمَثَاقِيلِ ذَرِّ الشَّرِّ، وَيُدَّخَرُ لَكَ مَثَاقِيلُ ذَرِّ الخَيْرِ حَتَّى تُوَفَّاهُ يَوْمَ القِيَامَةِ».
وقال الطَّبراني: «لم يَرْوِ هذا الحديث عن أيُّوبَ إلاَّ سِمَاك بن عطيَّة، ولا عن سِمَاك إلاَّ الهيثم، تفرَّد به: زياد ابن يحيى».
قلت: في إسناده الهيثم بن الرَّبيع العُقيلي وهو ضعيف.
الثَّالث: أنَّ الآية على عمومها، وأنَّ المؤمن يرى كلَّ ما قَدَّمَ من خَيرٍ وشَرٍّ، فيغفر الله له الشَّرَّ ويثيبه على الخير، بل يُبدِّل الله سيِّئاتِه حسناتٍ كما جاء في الذِّكر الحكيم.
ودليل ذلك ما تقدَّم في هذا الوجه عن ابن عبَّاس بالنِّسبة للكافر.
وروى ابن جرير ـ أيضا ـ في «تفسيره» (24/568) عن عبد اللَّه ابن عمرو بنِ العاصِ، أنَّه قال: أُنْزِلَتْ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ وأبو بكرٍ الصِّدِّيقُ قاعد، فبكى حين أُنْزِلَتْ، فقال له رسول اللَّه ﷺ: «مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟» قال: يبْكينِي هذه السُّورَةُ، فقال له رسول اللَّه ﷺ: «لَوْلاَ أَنَّكُمْ تُخْطِئُونَ وَتُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، لَخَلَقَ اللَّهُ أُمَّةً يُخْطِئُونَ وَيُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ».
ولعلَّ من الأدلَّة الشَّاهدة لهذا الوجه ـ والله أعلم ـ ما جاء في «صحيح مسلم» (190) عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ بكُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لا أَرَاهَا هَا هُنَا» فلقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ(6).
= الوقفة الثالثة:
في الآية تنبيهٌ على أنَّ المؤمنَ لا يحقِر من المعروف شيئًا، وكلُّ ما هو خيرٌ في دينه يَعمله، وإن قلَّ ودقَّ وصغُر في أعين النَّاس، فهو عند الله يُضاعَفُ ويكبر إن أراد به وجهه سبحانه، ففي «صحيح مسلم» (2626) عن أبي ذرٍّ، قال: قال لي النَّبيُّ ﷺ: «لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»(7).
وفي «الصَّحيحين»( 8 ) عن عديِّ بن حاتم، قال: ذكر النَّبيُّ ﷺ النَّارَ، فَتَعَوَّذَ منها وأَشَاحَ بوجهه، ثمَّ ذكر النَّارَ فَتَعَوَّذَ منها وأَشَاحَ بوجهه، ثمَّ قال: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ».
فالموفَّق من لم يزهد في عملِ خيرٍ مهما صغُر في عينه وأعين النَّاس، ولو كان بابتسامة في وجه المسلم، فمن عجز وتكاسل عن الصَّدقة ولو بجزء من التَّمرة فلا يعجزْ عن كلمةٍ طيِّبةٍ يُدخل بها السُّرور على أخيه، أو يدفع عنه بها حزنه، فإن عجز عن هذا وذاك فليكُفَّ شرَّه عن النَّاس.
ففي «الصَّحيحين»(9) عن أبي موسى الأشعري عن النَّبيِّ ﷺ قال: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ» قيل: أرأيت إن لم يجد؟ قال «يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ» قال: قيل: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: «يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ» قال: قيل له: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: «يَأْمُرُ بالمَعْرُوفِ أَوِ الخَيْرِ» قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: «يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ؛ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ».
وفي «الموطَّأ» (2849) عن مالِكٍ، قال: «بلغني أنَّ مِسْكِينًا استطعم عائشةَ أمَّ المُؤمنين وبين يديها عِنَبٌ، فقالت لإنسانٍ: خذْ حبَّةً، فأعطِهِ إيَّاها، فجعلَ ينظُرُ إليهَا ويعجبُ! فقالت عائشةُ: «أَتَعْجَبُ؟! كَمْ تَرَى فِي هَذِهِ الحَبَّةِ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ».
وقال الحسن البصري: «يا ابن آدم! إنَّك ناظرٌ إلى عملك يُوزَنُ خيرُه وشرُّه، فلا تحقِرَنَّ من الخير شيئًا وإن هو صَغُر؛ فإنَّك إذا رأيتَه سرَّك مكانُه»(10).
افعل الخير ما اسـتطعتَ وإنْ//كان قـليلاً فلن تُطيقَ بكلِّه
ومتى تفـعل القليلَ من الخير//إذا كنتَ تــاركًـــا لأقــــلِّـــــه
= الوقفة الرابعة:
فيها تحذيرٌ شديدٌ وترهيبٌ أكيدٌ من أعمال الشَّرِّ مهما دقَّت وصغُرت، وسيرى الإنسان صغيرَها وكبيرَها وفتيلَها ونقيرَها، فلا يحقِر المسلم الذُّنوبَ كلَّها، فرُبَّمَا يتسَامَحُ في صغائرها بِعَدَمِ تَدَارُكِهَا بِالتَّوْبَةِ والالتِفَاتِ إليها غَفْلَةً منه فتكثر وتزداد وربَّما كانت بريدًا للكبائر والموبقات، بل كُلُّ صَغِيرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عَظَمَةِ اللَّهِ وَكِبْرِيَائِهِ كَبِيرَةٌ، وَالقَلِيلَةُ مِنْهَا كَثِيرَة.
لذا جاء التَّحذير من الوقوع فيها والإصرار عليها وعدم الالتفات لها، فالله يُحصي الأعمال خيرَها وشرَّها، والإحصاءُ شديد.
ففي «سنن ابن ماجه» (4243) عن عائشة قالت: قال لي النَّبيُّ ﷺ: «إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا».
وفي «المسند» (22808) وغيره عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «إيَّاكُمْ ومُحقَّراتِ الذُّنُوبِ؛ فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزلُوا في بطْنِ وادٍ فجاءَ ذا بِعُودٍ، وجاء ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهم، وإنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ متى يُؤْخَذْ بها صَاحِبُها تُهْلِكْهُ».
ولهذا قيل: من العود إلى العود ثقلُت ظهور الحطَّابين، ومن الهفوة إلى الهفوة كثرت ذنوب الخطَّائين.
وقال بعضهم:
ألا مَـن لـنـفـــسٍ بــــالـذُّنــوب رَهـيــنـةٌ//قليلٌ على مسِّ العذاب اصطـبـارُها
كفى سَقَما بالــمرء يــا أمَّ عاصــــــم//ركوبُ المعاصي عامدًا واحتقارُها
فعدمُ احتقار السَّيِّئةِ واستصغارها دليلٌ على تعظيم الله وإجلاله، والمؤمن لا يحقر الذَّنبَ وإن دقَّ؛ لنظر الله له ومراقبته وإحصاء أعماله عليه ومساءلته، قال بلال بنَ سَعْد ـ رحمه الله ـ: «لاَ تَنْظُرْ إِلَى صِغَرِ الخَطِيئَةِ، وَلَكِنِ انْظُرْ مَنْ عَصَيْتَ»(11).
وقال الحسن البصري: «يا ابن آدم! إنَّك ناظرٌ إلى عملك يُوزن خيرُه وشرُّه، فلا تحقِرَنَّ مِن الشَّرِّ شيئًا، فإنَّك إذا رأيتَه ساءك مكانه».
= الوقفة الخامسة:
قال الإمام الباجي: «والحُمُرُ وإن لم تبلغْ مبلغَ الخيلِ في الجهاد فقد يحمِلُ عليها راحلتَهُ من لم يستطع اقتناءَ الخيلِ، ويحملُ عليها زادهُ وسلاحه، ويتكسَّبُ عليها ضُعَفَاءُ النَّاسِ وأمَّا هي فيشتريها ويستعين بها أهلُ الشِّركِ والبغي على غزو الإسلام فيوزَرُونَ بها، فهذا مستفادٌ من عموم الآية؛ لأنَّ اقتناءها لا يخلو أن يكون من عمل الخير أو من عمل الشَّرِّ، وقد أخبر تعالى مَنْ عمل شيئًا منهما فإنَّه يَراه، وهذا يدلُّ على التَّعلُّق بالعموم لأنَّه ﷺ تعلَّقَ بعموم الآية واستفاد منه حكمًا، وهذا يدُلُّ على وجوب التَّعلُّق به لغةً وشرعًا»(12).
= الوقفة السادسة:
هذه الآية ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾ فيها حثٌّ على جلب المصالح كلِّها وزجرٌ عن المفاسد كُلِّهَا.
فمن تتبَّع مقاصدَ الكتاب والسُّنَّة علِم أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِكُلِّ خَيْرٍ دِقِّه وجِلِّه، وزجر عن كلِّ شرٍّ قليله وكثيره، وهذا عمل جميع الأنبياء ـ عليهم الصَّلاة والسَّلام ـ وكذلك كانت دعوتهم، كما قال ﷺ فيما رواه مسلم في «صحيحه» (1844): «...إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ...» الحديث.
فالخير كلُّ الخير في متابعة النَّبيِّ ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ، والشَّرُّ كلُّ الشَّرِّ في مخالفة هديه وشريعته وطريقته، والحمد لله الَّذي تتمُّ الصَّالحات بنعمته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)  «التَّمهيد» (12/131 ـ موسوعة شروح الموطَّأ).
(2)  «فتح الباري» (6/65).
(3)  مسلم (2577).
(4)  انظر «البحر المحيط» لأبي حيَّان (8/498).
(5)  «أضواء البيان» (9/434)، وانظر «جامع البيان» للطَّبري (24/563).
(6)  انظر لهذه الأوجه والاحتمالات: «جامع البيان» للطَّبري (24/563 ـ وما بعدها)، «التَّفسير البسيط» للواحدي (24/230)، «التَّمهيد» لابن عبد البرِّ (12/131)، «المحرَّر الوجيز» (5/511)، «الجامع لأحكام القرآن» (22/421)، «البحر المحيط» لأبي حيَّان (8/498)، «التَّحرير والتَّنوير» (30/498)، و«دفع إيهام الاضطراب» للشَّنقيطي (ص 375).
(7)  «صحيح مسلم» (2626).
( 8 )  البخاري (6023)، ومسلم (1016).
(9)  البخاري (1445)، ومسلم (1008).
(10)  «حلية الأولياء» (2/143).
(11)  «الزُّهد» لابن المبارك (ص 24).
(12)  «المنتقى» (4/325 ـ 326).
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال العلَّامة السِّعدي رحمه الله:
«رحِم الله والدًا أعانَ أولادَه على برِّه؛ بتَحمُّل بعضِ تفريطِهم، والعَفو عن شيءٍ مِن تقصيرِهم، وتعظيمِ إحسانِهم إليه وشُكرِه».
[«مجموع مؤلفاته» (٢٣/ ٦١)]
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 فضل العبادة زمن الفتنة
💢 عمر الحاج مسعود
💢 منشور في العدد (40) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 فضل العبادة زمن الفتنة
💢 عمر الحاج مسعود
💢 منشور في العدد (40) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
تمُرُّ بالأمَّةِ الإسلاميَّةِ أحوالٌ عصيبة، وتعصِف بها رياحٌ عاتية، وتحيط بها فتنٌ مدْلهمَّة، في ظلِّ النِّظامِ العالميِّ الجديدِ والمكر اليهودي والصَّليبي الكُبَّار والهُتاف بالأَرْبِعة العربيَّة المُبتدَعة، والمقصودُ من ذلك كلِّه: زعزعةُ عقيدةِ الأمَّة وأخلاقِها وأمنها، وبثُّ الشُّبه حول كتاب ربِّها تعالى وسنةِ نبيِّها ﷺ، وإحداثُ الصُّدوعِ في البلدِ الواحِدِ وتفتيتُ قوَّتِه وبثُّ عواملِ الفُرقة بين أبنائه، والدَّعوةُ إلى الخروجِ والعصيان والفوضى تحت غطاء المطالبة بالحقوق والحريَّات ومجابهةِ القمْع والباطل والاستبداد.
وهذا ما تدعو إليه وسائلُ الإعلامِ المختلفةُ من صُحُفٍ وقنوات ومواقعَ إلكترونيَّةٍ، وتحرص عليه وتسخِّر له الألسنةَ الفاجرةَ والأقلامَ الحاقدةَ والأبواقَ النَّاعقةَ.
وإنَّ المسلمَ العاقلَ الفطِنَ ليرفُضُ تلك النِّداءاتِ المشبوهةَ ولا تغرُّه تلك الهُتافاتُ المحمومة، ولا يكترث لفتاوى حُدثاءِ الأسنانِ وسفهاءِ الأحلامِ، وإنَّما يهرُب من الفتن ويفِرُّ إلى ربِّه ويعتصم بحبله ويستمسك بغرز علمائه، ويحرِص على استتبابِ أمْنِ بلدِه، حتَّى يسُدَّ الطَّريقَ أمامَ العابثين بدين الأمَّة ولغتِها وأصالتِها وثوابتِها، الَّذين يصطادون في المياه العَكِرة، ويفسَحون المجال للأعداء والمتربِّصين ليتمكَّنوا من رقاب أبنائها ويتدخَّلوا في شؤونهم، ويخرِّبوا ديارَهم ويستبيحوا حرماتِهم ويَنهَبوا خيراتِهم.
ومن أعظم الأسباب الَّتي تقِي شرَّ الفتنِ وتحفَظُ من سوءِ عاقبتِها البعدُ عنها والاعتصامُ بالله تعالى والفرارُ إليه بعبادته ودعائه واستغفاره، وهذا الَّذي رغَّب فيه النَّبيُّ ﷺ، ونوَّه بفضلِه وأشاد بحُسنِ عاقبتِه.
فعن مَعقِل بن يَسار ـ رضي الله عنه ـ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «العِبَادَةُ في الهَرْجِ كهِجْرةٍ إليَّ» رواه مسلم (2948)، وأحمد (20311) ولفظه: «العبادةُ في الفتْنةِ كالهِجرةِ إليَّ»، وله كذلك (20298): «العَمَلُ في الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ».
والعبادة: «هي اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يحبُّه اللهُ ويرضاه من الأقوالِ والأعمالِ الباطنة والظَّاهرة»(1)، منها إخلاصُ الدِّين لله ودعاؤه والاعتصامُ بحبله، وطلبُ العلمِ النَّافع وسؤالُ أهلِه والرُّجوعُ إليهم، ومنها الصَّلاةُ والصِّيامُ والذِّكرُ، ومنها الصِّدقُ والأمانةُ وفعلُ المعروف وأداءُ الحقوق، وطاعةُ الحاكم المسلم في غير معصية الله.
والهرْج: هو القتلُ والتَّناحر والفتنةُ واختلاطُ أمورِ النَّاس، وفُشُوُّ الفوضى بينهم، روى البخاري (6037) ومسلم (157) عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسولُ الله ﷺ: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيُقْبَضُ العِلْمُ وَتَظْهَرُ الفِتَنُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرُ الهَرْجُ» قالوا: وما الهَرْجُ؟ قال: «القَتْلُ».
والهجرةُ: هي الانْتِقالُ مِن بلَدِ الشِّرْكِ إلى بلدِ الإِسلام، ومنها الهجرةُ من مكَّةَ ـ لمَّا كانت دارَ كفر ـ إلى المدينة، وهي من أجلِّ العبادات وأعظمِ القُربات، وبخاصة إليه ﷺ في حياته.
«كهِجْرَةٍ إِلَيَّ»: قال ابن العربي ـ رحمه الله ـ في «عارِضة الأَحْوَذِيِّ» (9/53): «ووجهُ تمثيلِه بالهجرة أنَّ الزمانَ الأوَّلَ كان النَّاسُ يفِرُّون فيه من دار الكفر وأهلِه إلى دار الإيمان وأهلِه، فإذا وقعت الفتنُ تعيَّن على المرْءِ أن يفرَّ بدينه من الفتنةِ إلى العبادة، ويهْجُرَ أولئك القومَ وتلك الحالةَ، وهو أحدُ أقسامِ الهجرة».
وقد شبَّه النَّبيُّ ﷺ العابدَ ربَّه وقتَ الهرْج والفتنة بالمهاجر إليه فرارًا بدينه، وسبب هذا التَّشبيه «أنَّ الناسَ في زمن الفتن يتَّبعون أهواءَهم ولا يرجعون إلى دين، فيكون حالُهم شبيهًا بحال الجاهليَّة، فإذا انفرد من بينهم مَن يتمسَّك بدينه ويعبد ربَّه ويتَّبِع مراضيَه ويجتنبُ مساخطَه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهليَّة إلى رسول الله ﷺ مؤمنًا به، متَّبعًا لأوامره مجتنِبًا لنواهيه»(2).
ولا يختصُّ هذا بآخِرِ الزَّمان، وإنَّما هو عامٌّ في سائر الأزمنة؛ لأنَّه مربوطٌ بسبب، وهو الفتنةُ والهرْجُ.
إنَّ هذا الحديثَ المبارَكَ يُرسي المنهجَ القويمَ الَّذي ينبغي أن يسلكَه طالبُ النَّجاةِ من شرِّ الفتن، وسأذكر ـ بتوفيق الله ـ أهمَّ فوائدِه، وأنبِّه كذلك على بعضِ مقاصد العبادة في زمن الفتنة، فمن ذلك:
1ـ فضلُ العبادة أيامَ الفتنةِ والهرج، وعِظَمُ ثوابِها ومضاعفةُ أجرِها، حيث إنَّه ﷺ جعلها مثلَ درجةِ من هاجر إليه، ولا يخفى ما في الهجرة من الأجر والثَّواب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم﴾ وقال: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُون﴾ وقال: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾.
وقال النَّبيُّ ﷺ لعمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا وَأَنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» رواه مسلم (121).
هذا فضلُ الهجرةِ ـ عمومًا ـ الَّتي لا تنقطعُ إلى يومِ القيامة، فكيف بالهجرة إليه ﷺ خصوصًا؟
وسببُ هذا الأجرِ الكبيرِ والفضلِ العظيمِ أنَّ الفتنَ إذا عمَّت اشتغل النَّاسُ بها وأثَّرت في قلوبهم، وألْهتهم عن عبادةِ ربِّهم، ولم يتفَرَّغْ للعبادة إلاَّ القليلُ، وهم الَّذين يفرُّون إلى الله ـ عز وجل ـ من الفتنِ وأهلِها.
والطَّاعة إذا عُمل بها وظَهرت سهُلت وخفَّت، وإذا تُرِكَت وغُفل عنها شقَّت وثقُلت إلاَّ على الخاشعين؛ لأنَّ النُّفوس تتأسَّى بما تشاهد من أحوال بني وقتِها وتتأثَّر به(3)، ولهذا المعنى قال رسولُ اللهِ ﷺ: «بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى للغُرَبَاءِ»، رواه مسلم (145) من حديث أبي هريرةَ ـ رضي الله عنه ـ، وجاء تفسيرُ الغرباء عند أبي عمرو الدَّاني في «السُّنن الواردة في الفتن» رقم (288) من حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: «الَّذِينَ يَصْلُحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ»(4).
إنَّ الفتنةَ كالكِيرِ يمحِّصُ الجواهرَ ممَّا يشوبُها، وفيها يتبيَّن مَن يعبدُ اللهَ ممَّن يتبع هواه؟
2ـ إشارةٌ إلى فضيلةِ الانفراد بعبادة الله تعالى وذكرِه وقتَ غفلةِ النَّاس واشتغالِهم بالفتنِ والشَّهوات، روى التِّرمذيُّ (3579) والنَّسائي (572) وصحَّحه الألباني عن عمرِو بنِ عبَسَةَ ـ رضي الله عنه ـ أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِن العَبْدِ في جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللهَ في تلكَ السَّاعَةِ فَكُنْ»، واللَّيلُ ـ و بخاصَّةٍ آخرُه ـ وقتُ غفلةٍ وخلودٍ إلى النَّوْم.
3ـ أنَّ العبادة ـ التي تكون من الضُّعَفاء ـ نُصرةٌ للمظلومين وحمايةٌ للمؤمنين، وجلبٌ للأرزاق والنِّعم، ودفعٌ للفتن والنِّقم، قال النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُم»، رواه البخاري (2896) والنَّسائي (3178) ولفظه: «إِنَّما يَنْصُرُ اللهُ هذه الأمَّةَ بضَعِيفِهَا، بدَعْوَتِهم وصَلاَتِهم وإِخْلاَصِهم».
قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ كما في «جامع المسائل» (2/61): «فإنَّ الله ـ بعباداتِ عبادِه المؤمنين ودُعائِهم ـ يَجلِبُ للنَّاسِ المنافعَ ويَدْفَعُ عنهم المضارَّ... وانتفاعُ الخَلْقِ بدعاءِ المؤمنين وصلاتِهم كانتفاع الحيِّ والميِّتِ بدعاء المؤمنين واستغفارِهم، ونزولِ الغيثِ بدعاءِ المؤمنين واستغفارِهم، والنَّصْرِ على الأعداءِ بدعاء المؤمنين واستغفارهم، وأمثال ذلك ممَّا اتَّفق عليه المؤمنون».
4ـ أنَّ المنفردَ بالطَّاعة من بين أهل المعصية والغفلة قد يدفع الله عنهم بصلاته البلاءَ، وينجِّيهم بدعائه من الفتنة.
وقال غيرُ واحد من المفسِّرين في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ ﴾: «لولا أن الله يدفع بمن يصلِّي عمَّن لا يُصلِّي، وبمن يتقِّي عمَّن لا يتقِّي لأهلك النَّاسَ بذنوبِهم»(5).