راية الإصلاح ـ دار الفضيلة للنشر
2.93K subscribers
2.69K photos
806 videos
124 files
1.09K links
قناة دينية تعليمية تابعة لموقع راية الإصلاح ودار الفضيلة للنشر والتوزيع بالجزائر
للتواصل معنا : 92 99 06 (0559) (نقال - تيليجرام)
Download Telegram
✳️ صدر قريبا عن #دار_الفضيلة رسالة:
✳️ (النهي عن اتخاذ القبور مساجد) لابن باديس ـ جمع دار الفضيلة
✳️ الأبعاد: 12*17
✳️ عدد الصفحات: 32

📞 رقم التوزيع: 0667164279

(...ونُصحًا منَّا لأمَّتنا نُعيد نشرَ هذه المقالات الوجيزة المُفيدة النَّافعة التي حرَّرها إمامُ النَّهضة العلميَّة والدِّينيَّة في الجزائر الشَّيخ العلَّامة عبد الحميد بن باديس ـ رحمه الله ـ، وقد نُشرت منذ قُرابة المائة عام في مجلَّته الغرَّاء «الشِّهاب»، وهي عبارة عن تعليقاتٍ على أحاديث نبويَّة في التَّحذير من البناء على القُبور واتِّخاذها مساجد للصَّلاة، وجعلها أضرحةً ومزارات تُرفع عند عتباتها أكفُّ الدُّعاء والتَّضرُّع.
وألحَقْنا بها في آخرها مقالةً في تفسير الآية (56) من سورة الإسراء لتعلُّقها بنفس المَوضوع وهو الكلام عن الدُّعاء، وأنَّه لا يُخصُّ به أحدٌ غير الله ـ عز وجل ـ، وأنَّه لا يُتوجَّهُ به إلى أحدٍ المَخلوقين سواء مِن الأحياء أو الأمواتِ.
والمقالات السِّت نُشرت مِن قبل ضمن «مجالس التَّذكير من حديث البَشير النَّذير».
والحمد لله أوَّلا وآخرًا.) [الناشر]
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 إيقاظ همم المؤمنين لإنكار سبِّ ربِّ العالمين
💢 عباس ولد عمر
💢 منشور في العدد (40) من #مجلة_الإصلاح

👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 إيقاظ همم المؤمنين لإنكار سبِّ ربِّ العالمين
💢 عباس ولد عمر
💢 منشور في العدد (40) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇

إنَّ ظاهرة سبِّ الله تعالى كانت محصورةً لا تكاد تعرف إلاَّ عند فئة قليلة ممَّن رقَّ دينهم، ولكنَّه للأسف الشَّديد كثر مقترفوها في السَّنوات الأخيرة، وأصبحوا يجاهرون بها بعد ما كانوا مستترين، فبلغ الأمر إلى ما يعلم الجميع؛ أصبح للنَّاس فنون وألوان من السَّبِّ، لا فرق في ذلك بين الصَّغير والكبير، والذَّكر والأنثى، فإلى الله المشتكى من هذا المنكر العظيم، والباطل الشَّنيع، وتعالى ربُّنا عمَّا يقول الظَّالمون علوًّا كبيرًا.
إنَّ هذا لشيءٌ عُجاب، تحارُ منه العقول، وتتعطَّل الألباب؛ فهل يُعقل أن يكون الرَّجل ممَّن يقول: «لا إله إلا الله، محمَّد رسول الله»، ثمَّ يتجرَّأ على سبِّ ربِّه ـ عزو جل ـ، أو سبَّ دينه؟!! كيف ونحن نرى كثيرًا من الكفَّار على ما هم عليه من الكفر، لا يتجرَّأ الواحد منهم على سبِّ الله ـ عزو جل ـ، بل إنَّهم يزعمون محبَّة الله، والتَّقرُّب إليه؛ ثمَّ يأتي من نشأ بين المسلمين، ولقِّن شهادة التَّوحيد قبل التَّمييز، إذا غضب لأتفه الأسباب، وأحقر الأشياء، لا يجد أمامه ما يذهب به غيظه، ويبرز به شجاعته إلاَّ التَّهجُّم والتَّطاول على ذات الله سبحانه، فالله المستعان.
والَّذي دفعني لكتابة هذه الكلمات: تذكير النُّفوس بخطورة هذا الأمر، وتنبيهها على سوء عواقبه، وإيقاظ الهمم حتَّى تعمل على إزالة هذا المنكر واستئصاله، «تعظيمًا لله، وإجلالاً لذكره، وإعلاءً لكلمته، وضبطًا للنُّفوس أن تتسرَّع إلى الاستهانة بجنابه، وتقييدًا للألسن أن تتفوَّه بالانتقاص لحقِّه»(1)، ولا يكون ذلك إلاَّ بتضافر جهود الجميع، والحزم في مواجهة هذا الجرم الفظيع؛ لأنَّه ما فشا في النَّاس منكر إلاَّ بسكوت أهل الخير والصَّلاح، ولا ظهر أهل باطل إلاَّ بترك النُّصح والإيضاح؛ وحتَّى يدرك النَّاس عظم هذا الجرم، وخطر هذا الذَّنب، فليعلم أنَّ إجماع المسلمين وأئمَّتهم قد انعقد على أنَّ الَّذي يسبُّ الله أو يسبُّ دينه أو نبيَّه، أو يحتقر أو يتنقَّص أو يستخفّ بالله أو نبيِّه، فهو كافرٌ كفرًا أكبر، مرتدٌّ، خارج عن زمرة أهل الإيمان، لا حظَّ له في دين الإسلام، لا فرق بينه وبين يهوديٍّ، أو نصرانيٍّ، أو مجوسيٍّ، أو أيّ صاحب دين آخر.
قال إسحاق بن راهويه: «وقد أجمع المسلمون أنَّ من سبَّ الله ـ عزو جل ـ، أو سبَّ رسوله ﷺ، أو دفع شيئًا ممَّا أنزل الله تعالى، أو قتل نبيًّا من أنبياء الله تعالى، أنَّه كافرٌ بذلك وإنْ كان مُقِرًّا بكلِّ ما أنزل الله»(2).
قال ابن حزم: «وأمَّا سبُّ الله تعالى فما على ظهر الأرض مسلمٌ يخالف في أنَّه كفرٌ مجرَّد؛ إلاَّ أنَّ الجهميَّة والأشعريَّة ـ وهما طائفتان لا يعتدُّ بهما ـ يصرِّحون بأنَّ سبَّ الله تعالى وإعلان الكفر ليس كفرًا؛ قال بعضهم: ولكنَّه دليلٌ على أنَّه يعتقد الكفر، لا أنَّه كافرٌ بيقين بسبِّه الله تعالى؛ وأصلهم في هذا أصل سوء، خارج عن إجماع أهل الإسلام...»(3).
قال القاضي عياض: «لا خلاف أنَّ سابَّ الله تعالى من المسلمين كافرٌ حلال الدَّم، واختلف في استتابته»(4).
ويكفر المسلم بالسبِّ جادًّا كان أو مازحًا، يقول ابن قدامة: «ومَنْ سَبَّ الله تعالى كَفَرَ، سواء كان مازحًا أو جادًّا، وكذلك من استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله أو كتبه»(5) ( ).
وكون هذا العمل كفرًا مُحْبطًا للإيمان، لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان، كما تقدَّم من كلام ابن حزم، فقد عُلِمَ بالضَّرورة من دين الإسلام؛ ومستند الإجماع المنقول عن أهل العلم آنفًا، آيات من كتاب الله ـ عزو جل ـ، وأحاديث من سنَّة نبيِّه ﷺ.
أمَّا الآيات فمنها:
ـ قول الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون* لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِين﴾ [التوبة: 65 ـ 66]؛ فقد حكم الله سبحانه في هذه الآية بكفر من استهزأ به، أو برسوله، أو بآياته، ولم يشفع لأولئك المنافقين المستهزئين اعتذارهم أنَّهم إنَّما كانوا يخوضون ويلعبون؛ هذا حكم الاستهزاء، وأين السَّبُّ من الاستهزاء، لا ريب أنَّ بينهما بونًا شاسعًا، ذلك أنَّ المستهزئ لا يعتقد ما يتلفَّظ به، كما هو شأن السَّابِّ، ولكن قد تكون له دوافع تدعوه إلى ذلك، كما قال المنافقون: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ أي: كنَّا نتحدَّث حديث الرَّكب، نقطع به عناء الطَّريق؛ فدلَّت الآية بطريق الأولى أنَّ السَّبَّ كُفْرٌ بالله سبحانه، قال شيخ الإسلام (ص29): «وهذا نصٌّ في أنَّ الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، فالسَّبُّ المقصود بطريق الأولى».
ـ وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [الأحزاب: 57] قال ابن تيمية (ص53): «والسَّبُّ من أذى الله ورسوله باتِّفاق المسلمين، بل هو أخصُّ أنواع الأذى»، ومع هذا فالله «سبحانه لا تلحقه بالسَّبِّ غضاضة ولا معرَّة، وإنَّما يعود ضرر السَّبِّ على قائله، وحرمته في قلوب العباد أعظم من أن يهتكها جرأة السَّابِّ» (ص350)، ودلالة الآية على كفر السَّابِّ من وجهين:
الأوَّل: قال شيخ الإسلام (ص34): «أنَّه ذكر أنَّه لعنهم في الدُّنيا والآخرة، وأعدَّ لهم عذابًا مهينًا، واللَّعن: الإبعاد عن الرَّحمة، ومن طرده عن رحمته في الدُّنيا والآخرة لا يكون إلاَّ كافرًا، فإنَّ المؤمن يقرب إليها بعض الأوقات...».
وقال أيضًا (ص35): «فبيَّن أنَّه سبحانه أقصاه عن رحمته في الدَّارين، وسائر الملعونين ـ يعني في النُّصوص الَّتي ورد فيها اللَّعن على بعض الآثام ـ إنَّما قيل فيهم: لعنه الله، أو عليه لعنة الله، وذلك يحصل بإقصائه عن الرَّحمة في وقت من الأوقات، وفرق بين من لعنه الله لعنة مؤبَّدة عامَّة، ومن لعنه لعنًا مطلقًا».
الوجه الآخر: في قوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾﴾، «ولم يجئ إعداد العذاب المهين في القرآن إلاَّ في حقِّ الكفَّار...» بخلاف «العذاب العظيم فقد جاء وعيدًا للمؤمنين...، ذلك لأنَّ الإهانة إذلال وتحقير وخزي، وذلك قدر زائد على ألم العذاب، فقد يعذّب الرَّجل الكريم ولا يُهان» [«الصَّارم»: (ص40 ـ 41)]، وقد توسَّع شيخ الإسلام كعادته في إيراد شواهد ذلك من آيات الكتاب العزيز، وقد حذفتها طلبًا للاختصار، وأجاب عمَّا قد يعترض به عليه، فراجعه فإنَّه مهمٌّ.
وقال تعالى: ﴿﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْم﴾﴾ [الأنعام: 108].
قال شيخ الإسلام (ص352): «ومن المعلوم أنَّهم كانوا مشركين مكذِّبين معادين لرسوله، ثمَّ نهي المسلمون أن يفعلوا ما يكون ذريعة إلى سبِّهم الله، فعلم أنَّ سبَّ الله أعظم عنده من أن يشرك به ويكذب رسوله ويعادى»، فدلَّ على أنَّ السَّبَّ قدرٌ زائد على مجرَّد الكفر، يقول شيخ الإسلام (ص352): «وأيضًا فإنَّ السَّبَّ ذنبٌ منفرد عن الكفر الَّذي يطابق الاعتقاد، فإنَّ الكافر يتديَّن بكفره، ويقول: إنَّه حقٌّ ويدعو إليه وله عليه موافقون، وليس من الكفَّار من يتديَّن بما يعتقده استخفافًا واستهزاءً وسبًّا لله، وإن كان في الحقيقة سبًّا، كما أنَّهم لا يقولون: إنَّهم ضلاَّل جهَّال معذبّون أعداء الله، وإن كانوا كذلك.
وأمَّا السَّابُّ؛ فإنَّه مظهر للتنقُّص والاستخفاف والاستهانة بالله، منتهك لحرمته انتهاكًا يعلم من نفسه أنَّه منتهك مستخفّ مستهزئ، ويعلم من نفسه أنَّه قد قال عظيمًا، وأنَّ السَّموات والأرض تكاد تنفطر من مقالته وتخرُّ الجبال، وأنَّ ذلك أعظم من كلِّ كفر، وهو يعلم أنَّ ذلك كذلك،... فلا شبهة تدعوه إلى هذا السَّبِّ، ولا شهوة له في ذلك، بل هو مجرَّد سخريَّة واستهزاء واستهانة وتمرَّد على ربِّ العالمين، تنبعث عن نفس شيطانيَّة ممتلئة من الغضب، أو من سفيه لا وقار لله عنده»، وإذا كان السَّبُّ إذا صدر من الكافر يكون أعظم من كفره الَّذي يتديَّن به، فإنَّه إذا صدر من المسلم يكون أشنع وأقبح، ويكون المسلم السَّابّ أسوء حالاً، وأغلظ كفرًا من الكافر، «فإنَّ كلَّ ما يفرض في الكافر من غلظ السَّبِّ فهو في المسلم وزيادة» [«الصَّارم» (ص197)]، ذلك أنَّ الإيمان يقتضي محبَّة الله وتعظيمه، فلمَّا عمل بما يناقضه، ويضادّه من كلِّ وجه، كان شرًّا من الكافر الَّذي ليس معه إيمان يحجزه عن السَّبِّ، قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ (ص349): «لأنه بذلك ـ يعني المسلم السَّاب ـ كافر مرتدٌّ، وأسوأ من الكافر، فإنَّ الكافر يعظِّم الرَّبَّ، ويعتقد أنَّ ما هو عليه من الدِّين الباطل ليس باستهزاء بالله ولا مسبَّة له».
ومن الأحاديث الَّتي تدُلُّ على كبير خطر السَّبِّ، وعظيم وزره عند الله ـ عزو جل ـ قوله ﷺ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّن مَا فِيهَا، يَهْوِي بهَا في النَّارِ أَبْعَد مَا بَيْنَ المشْرِقِ وَالمَغْرِبِ»(6)، وفي رواية: «فَيَهْوِي بها في نَارِ جَهَنَّمَ سَبْعِينَ خَرِيفًا»(7).
ـ وعن بلال بن الحارث ـ رضي الله عنه ـ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ، مَا يظنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، فَيَكْتُبُ اللهُ عَلَيْهِ بهَا سَخَطُهُ إِلى يَوْمِ يَلْقَاهُ»( 8 ).
فهذا الوعيد الشَّديد، والتَّهديد الأكيد، المذكور في هذه الأحاديث رتَّب على كلمة لم يتبيَّن فيها قائلها، ولم يرَ بها بأسًا، ولم يظنَّ أن تبلغ به ما بلغت؛ فكيف بكلمة السَّبِّ الَّتي هي كلمة كفر ظاهرة بيِّنة، نكرانها معلوم بالشَّرع والعقل والطَّبع، لا يختلف فيها من النَّاس رجلان، أبرارًا كانوا أم فجَّارًا؛ فدلَّ هذا على أنَّ السَّابَّ وعيده أعظم وأشدّ عند ربِّه يوم القيامة من هذا المذكور في الأحاديث.
ألا فليحذر كلّ مسلم يخاف مقامه بين يدي ربِّه من الاستهانة بكلمة الكفر، فتحبط أعماله وهو لا يشعر، وتكون عبادته كسراب بقيعة يحسبه الظَّمآن ماء، حتَّى إذ جاءه لم يجده شيئًا، ووجد الله عنده فوفَّاه حسابه، والله سريع الحساب، والَّذي لا يكاد ينقضي منه العجب أن نرى هذه الظَّاهرة القبيحة قد امتدَّ شرُّها، واتَّسع ضررها، حتَّى غدَا يقترفها بعض المصلِّين، ممَّن يتوجَّه إلى ربِّه بالرُّكوع والسُّجود، والذِّكر والدُّعاء، ولم يعلم أنَّه يكون بذلك كالَّتي نقضت غزلها من بعد قوَّة أنكاثًا؛ وبعض النَّاس يهوِّن من أمر السَّبِّ، ويعتذر لنفسه أنَّه لم يقصد سبَّ الله، إنَّما تلفَّظ بذلك بسبب الحمية والغضب، وهؤلاء ما مثلهم إلاَّ كمثل من قال الله تعالى فيهم: ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ ﴾ [التوبة: 74]، فقد اعتذر قبلهم المنافقون، ولم يكن لهم عند الله عذر؛ ونحن نقول لمن يزعم ذلك: لو كنت أمام صاحب سلطان وبطش، أكنت تتجرَّأ على سبِّه؟ والله إنَّنا لنحلف غير حانثين ـ إن شاء الله تعالى ـ أنَّك لا تفعل مهما فعل بك؛ لأنَّ خشية سطوته تمنعك من ذلك، فالاعتذار بعدم القصد لسبِّ الله ـ عز وجل ـ لا يكون عذرًا إطلاقًا، ما دام أنَّه قصد كلمة السَّبِّ(9)، وحتَّى لو سلَّمنا أنَّه لم يقصد تنقُّص الله، فقصده لكلمة السَّبِّ يدلُّ على استخفافه واستهانته بربِّه، وخلوِّ القلب من مهابته وتعظيمه، وعدم الخوف من بطشه وعقابه؛ ثمَّ إنَّ قائل الكفر المختار له، لا يمكن أن يكون في الباطن مؤمنًا، يقول شيخ الإسلام (ص334 ـ 335): «فمن قال بلسانه كلمة الكفر من غير حاجة، عامدًا لها، عالِمًا بأنَّها كلمة كفر، فإنَّه يكفر بذلك ظاهرًا و باطنًا، ولا يجوز أن يُقال: إنَّه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنًا، ومن قال ذلك فقد مرق من الإسلام، قال سبحانه: ﴿مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم﴾ [النحل: 106]، ومعلوم أنَّه لم يرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط؛ لأنَّ ذلك لا يكره الرَّجل عليه، وهو قد استثنى من أكره ولم يرد من قال واعتقد؛ لأنَّه استثنى المكره، وهو لا يكره على العقد والقول، وإنَّما يكره على القول فقط، فعلم أنَّه أراد من تكلَّم بكلمة الكفر فعليه غضب من الله، وله عذاب عظيم، وأنَّه كافر بذلك، إلاَّ من أُكره وهو مطمئنٌّ بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدرًا من المكرهين فإنَّه كافر أيضًا، فصار كلُّ من تكلَّم بالكفر كافرًا، إلاَّ من أُكره فقال بلسانه كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، وقال تعالى في حقِّ المستهزئين: ﴿ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 66]، فبيَّن أنَّهم كفَّار بالقول، مع أنَّهم لم يعتقدوا صحَّته؛ وهذا باب واسع، والفقه فيه ما تقدَّم، من أنَّ التَّصديق بالقلب يمنع إرادة التَّكلُّم وإرادة فعل فيه استهانة واستخفاف، كما أنَّه يوجب المحبَّة والتَّعظيم، واقتضاؤه وجود هذا وعدم هذا أمر جرت به سنَّة الله في مخلوقاته، كاقتضاء إدراك الموافق للَّذَّة، وإدراك المخالف للألم، فإذا عدم المعلول كان مستلزمًا لعدم العلَّة، وإذا وجد الضَّدّ كان مستلزمًا لعدم الضِّدِّ الآخر، فالكلام والفعل المتضمِّن للاستخفاف والاستهانة مستلزم لعدم التَّصديق النَّافع ولعدم الانقياد والاستسلام، فلذلك كان كفرًا.
واعلم أنَّ الإيمان وإن قيل هو التَّصديق، فالقلب يصدق بالحقِّ، والقول يصدق ما في القلب، والعمل يصدق القول، والتَّكذيب بالقول مستلزم للتَّكذيب بالقلب، ورافع للتَّصديق الَّذي كان في القلب، إذ أعمال الجوارح تؤثِّر في القلب، كما أنَّ أعمال القلب تؤثِّر في الجوارح، فأيُّهما قام به كفر تعدَّى حكمه إلى الآخر، والكلام في هذا واسع، وإنَّما نبَّهنا على هذه المقدِّمة».
وخلاصة القول: أنَّ سبَّ الله ـ عزو جل ـ كفرٌ في الظَّاهر والباطن، وسواء استحلَّ المتكلِّم ذلك أم لم يستحلَّ، قال شيخ الإسلام (ص327): «إنَّ سبَّ الله أو سبَّ رسوله كفرٌ ظاهرًا وباطنًا، وسواء كان السَّابُّ يعتقد أنَّ ذلك محرَّم، أو كان مستحلاًّ له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السُّنَّة القائلين بأنَّ الإيمان قول وعمل».
ثمَّ قال (ص328 ـ 329): «وهذا موضع لابدَّ من تحريره، ويجب أن يعلم أنَّ القول بأنَّ كفر السَّابّ في نفس الأمر، إنَّما هو لاستحلاله السَّبَّ زلَّة منكرة، وهفوة عظيمة، ويرحم الله القاضي أبا يعلى قد ذكر في غير موضع من كتبه ما يناقض ما قاله هنا، وإنَّما أوقع من وقع في هذه المهواة، ما تلقَّوه من كلام طائفة من متأخِّري المتكلِّمين، وهم الجهميَّة الإناث، الَّذين ذهبوا مذهب الجهميَّة الأولى، في أنَّ الإيمان هو مجرَّد التَّصديق الَّذي في القلب، وإنْ لم يقترن به قول اللِّسان، ولم يقتض عملاً في القلب ولا في الجوارح».
أقول بعد هذا التَّقرير البديع: إنَّ أمَّة فشا فيها مثل هذا المنكر الشَّنيع، لا ينبغي أن يستغرب أهلها تتابع النَّكبات، وتوالي العقوبات، من زلازل وفيضانات، وأمراض مهلكات، وتسلُّط للأعداء، وإلقاء للعداوة والبغضاء، فليس لنا بعد ذلك إذا نزلت بساحتنا المصيبة أن نقول أنَّى هذا؛ لأنَّنا نعلم أنَّنا أوتينا من أنفسنا، وأخذنا بما اجترحت أيدينا؛ ألا فليعلم النَّاس أنَّه لا عاصم اليوم من أمر الله إلاَّ من رحم، ولا نجاة لهم من عذاب الله وسخطه إلاَّ بالفرار إليه، وذلك بنصرته ونصرة دينه ونصرة نبيِّه ﷺ، وبالعمل جاهدين لتغيير هذا المنكر، وإزالته ووأده، وإلاَّ أخذنا الله سبحانه بالمزيد من العقوبات: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِين﴾ [الذاريات: 50].
فالواجب عظيم، والمسؤوليَّة جسيمة، والخطب داهم، والسَّفينة ستغرق، إنْ لم نتدارك الأمر قبل فوات الأوان، بالتَّوبة إلى الله ـ عز وجل ـ من التَّقصير في الإنكار، وبالأخذ على أيدي الظَّالمين، دعوةً وإرشادًا، نصيحةً وبيانًا، تغييرًا و بلاغًا؛ وكلُّ مسلم مطالب أن يقوم بذلك بحسبه، فالإمام في مسجده، والدَّاعية بقلمه، والمعلِّم في مدرسته، والرَّجل في أولاده وأهل بيته، والعامل في عمله، والتَّاجر في سوقه؛ بهذا نتَّقي عذاب الله وسخطه؛ والمجاهرة بالوقيعة في ربِّنا سبحانه لابدَّ أن تكون أشدّ علينا من كلِّ منكر آخر إن كنَّا مؤمنين، يهون أمام استئصالها بذل الأنفس والأموال، حتَّى تكون كلمة الله هي العليا، ولا يجهر أحد في ديارنا بشيء من أذى ربِّنا، ولو سبَّب لنا ذلك بعض الأذى؛ لأنَّ مفسدة الكفر ليس بعدها مفسدة، فكيف بمفسدة السَّبِّ، ولا شكَّ أنَّ ما نلقاه من الأذى في سبيل ذلك أهون علينا من عذاب الله.
أمَّا إن قصَّرنا ولم نفعل؛ فإنَّه يوشك أن يعمَّنا الله بالمزيد من العذاب، فمعلوم من قواعد الشَّرع أنَّ العقوبات إذا نزلت، فإنَّها تعمُّ ولا تقع على أهل العصيان وحدهم، لا سيما إذا قصَّر أهل الصَّلاح في النَّصيحة والإنكار، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾ [الأنفال: 25].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «الصَّارم المسلول على شاتم الرَّسول» (ص353)، ط. الرِّسالة، وما سيأتي من النُّقول من كلام شيخ الإسلام، فهي من هذا الكتاب، وحتَّى لا أثقل الحواشي بتكرار العزو، سأكتفي بذكر الصَّفحة أوَّل كلِّ نقل، أو عقبه مراعاة للسِّياق.
(2) ذكره ابن عبد البرِّ في «الاستذكار» (2/150)، ط. الكتب العلميَّة.
(3) «المحلَّى» (11/411)، ط. دار التُّراث.
(4) «الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى» (ص579)، ط. الجزائريَّة.
(5) «المغني ـ مع الشَّرح الكبير» (10/113)، ط. الكتب العلميَّة.
(6) رواه البخاري (6477)، ومسلم (2988) عن أبي هريرة ا، وليس عند البخاري: «المغرب».
(7) رواه التِّرمذي (2314)، وابن ماجه (9370)، واللَّفظ له، وهو حديث صحيح.
( 8 ) رواه مالك (ص838)، وأحمد (15852)، والتِّرمذي (2319)، وابن ماجه (3969)، وهو صحيح.
(9) مع التَّنبيه هنا على أنَّ عدم القصد من موانع التَّكفير، ولكن صورته أن يزلَّ لسان المرء فتجري عليه كلمة سبٍّ، لم يكن قَصَدَها، ولا خطر على باله التَّكلُّم بها، أمَّا ما نحن فيه، فالقائل مختار لكلمة السَّبِّ، لكنَّه ينازع في كونه لم يقصد بها تنقُّص الله عزو وجل، ففرق بين الصُّورتين؛ فتأمَّل!
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌 قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله:
«مَن لم يربَح في هذَا الشَّهر؛ ففي أيِّ وقتٍ يربَح؟!
مَن لم يقرُبْ فيه مِن مَولاه، فهُو على بُعدِه لا يربَح» [«لطائف المعارف» (ص١٤٨)].
Audio
✳️ عنوان الخطبة: رمضان شهر القوة والجهاد
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 16 رمضان 1447 ـ 06 مارس 2026
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
✳️ عنوان الخطبة: فضائل شهر رمضان
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عز الدين رمضاني 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 16 رمضان 1447 ـ 06 مارس 2026
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 ذم العجلة
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (40) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 ذم العجلة
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (40) من #مجلة_الإصلاح
👇👇👇

إنَّ من الصِّفات الذَّميمة المعيبة: العجلة، قال الله سُبحانه: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُون﴾ [الأنبياء: 37]، وقالَ: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولا﴾ [الإسراء: 11]، أَيْ: خُلق عجولاً يُبادِر الأمور، ويستَعجل حصولَها قبلَ أوانِها؛ ويطلبُ أخذَ الأشياءِ قبلَ وقتها.
والعَجُول كثيرُ الخطَأ، قليل التَّثبُّت والتَّدبُّر، ولا يقدِّر للأمور عواقبَها؛ وهو ما يدفعُه إلى وضع الأشياءِ في غير مواضِعِها، فلا يجني مِن تعجُّله سوى الحِرمان والفَوت، فيجلب على نفسِه أنواعًا منَ الشُّرور، ويحرمها أصنافًا من الخير؛ فصدقَ من كنَّى العَجلةَ بأمِّ النَّدامة؛ لأنَّه قلَّ مَن استَعجَل إلاَّ ندمَ، وما سَلِمَ، وآلَت أمورُه إلى فَرط وشَطَط.
فلا تقُل ولا تكتُب قبلَ أن تعلَم، ولا تُجب قَبل أن تفهَم، ولا تعزم قَبل أن تُفَكِّر، ولا تقطَع قبلَ أن تقدِّر، ولا تحمد قبلَ أن تجرِّب؛ ولا تُذِع شيئًا قبلَ أن تتثبَّت؛ فالحليمُ المتأنِّي لا تُثيره بداياتُ الأمور، ولا يستفزُّه أَهْلُ الطَّيْشِ والخِفَّةِ، ولا يستَخِفُّهُ أهلُ التَّشويش والإثارة منَ الَّذينَ لا يَعْلَمُونَ؛ ولا يهيِّجه أهلُ العواطف والحماسَة، بل يملكُ نفسَه عند دوَاعي الغَضب والسَّخط، وعواطفُه منقادةٌ للشَّرع، جاريةٌ على مقتضَى الحكمَة والعَقل.
وإذا كانَ الاستعجَالُ قبيحًا؛ فهو في المنتَسِب إلى العلم والدَّعوة أقبح؛ فحريٌّ به ألاَّ يتعجَّل في الفتوى والتَّصدُّر، ولا في حرق مراحل التَّعلُّم والتَّدرُّج، ففي «شعب الإيمان» (1803) عن الإمام مَالِك : أنَّه عَابَ يومًا العَجَلَةَ في الأُمُورِ، ثُمَّ قالَ: «قَرَأَ ابْنُ عُمَرَ ـ رضي الله عنهما ـ البَقَرَةَ في ثَمَانِ سنِينَ»؛ والله تعالى رفيقٌ يحبُّ الرِّفق والتَّأنِّي في الأعمال والأمور، والمتَّئد من النَّاس محمودُ العاقبة مخطئًا ومصيبًا؛ قال ﷺ: «التَّأَنِّي منَ الله، والعَجَلَةُ منَ الشَّيْطَانِ».
والرَّشيد من النَّاس هو مَن قَدَّ منَ العَجلة معنًى حميدًا؛ وهو المبادرة إلى الخيرات، والمسارعَة إلى المرضيات، ومعناه انتهاز الفُرص في وقتها؛ قال تعَالى عن موسَى ـ عليه السلام ـ: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: 84]؛ فرِضَى الرَّبِّ في العَجلة إلى أوامِره؛ وبهذا احتجُّوا على أنَّ الصَّلاةَ في أوَّل الوقتِ أفضَل.
فليسَ منَ التَّأنِّي تضييع الفُرَص وتفويتها، بل هو تهاونٌ وتماوتٌ؛ لأنَّ الكسَلَ قرينُ الفَوْت والإضاعَة؛ فلابدَّ إذًا من سلوكِ الحليم الواثق الَّذي يصدُر عن علم وبصيرة، وحزم وعزيمة؛ ليكونَ على طريق الرُّشد والثَّبات، مفرِّقًا بين العجلة والمبادرة.
وتأكَّد أنَّ العَجلةَ لا تقدِّم نصرًا آتيًا، والأناةَ لا تُؤخِّره؛ وإنَّ الله قَد جعل لكلِّ شيءٍ قدرًا؛ وقد أحسَنَ مَن قال:
لكلِّ شيءٍ في الحياة وقتُهُ//وغايةُ المستَعجلين فوتُه!
Audio
✳️ عنوان الصوتية: جهاد النفس
✳️ الشيخ: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 رمضان 1447
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌 قال ابن باديس رحمه الله:
«أيُّها المُسلمون! طهِّرُوا عقُولَكُم مِن الخُرافات، ونوِّرُوا قلوبَكُم بالطَّاعات، وانتَهزُوا فُرصةَ الأوقاتِ المُفَضَّلات، ولا تُهمِلُوها فتَعُود عليكُم بالحسَرات» [«الآثار» (٢/ ٣٣٠)]
Audio
✳️ عنوان الصوتية: من المجاهدة صلة الرحم القاطعة
✳️ الشيخ: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 رمضان 1447
Audio
✳️ عنوان الصوتية: من المجاهدة حفظ اللسان
✳️ الشيخ: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 رمضان 1447