راية الإصلاح ـ دار الفضيلة للنشر
2.92K subscribers
2.67K photos
805 videos
124 files
1.09K links
قناة دينية تعليمية تابعة لموقع راية الإصلاح ودار الفضيلة للنشر والتوزيع بالجزائر
للتواصل معنا : 92 99 06 (0559) (نقال - تيليجرام)
Download Telegram
Audio
✳️ عنوان الخطبة: سورة ق والإيمان بالغيب
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 20 ربيع الآخر 1448 ـ 02 أكتوبر 2026
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال ابن تيميَّة رحمه الله:
«والقليلُ مِن الحَلال يُبارَكُ فيه، والحرامُ الكثيرُ يذهَبُ ويمحَقُه الله تعالى». [«مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٦٤٦)]
صدر ـ بحمد الله ـ العدد (80) من #مجلة_الإصلاح
📞 رقم التوزيع: 0667164279
تجدونها على مستوى مكتبات الجزائر العاصمة (باب الوادي، الصنوبر البحري والبريد المركزي)

//// فهرس العدد: ـــــــــــــــــــــــــ
ـ آفة الكلام بغير عِلم / مدير المجلة
ـ النجاح / التحرير
ـ الله في السماء وعلمه في كل مكان / لطفي طاهر
ـ «اليوغا» عبادة بوذية هندوسية في قوالب رياضة الجسم ورفاهيته / د.عبد العزيز بوفلجة
ـ الجنى الطيِّب الحسن من ثمار رَوْض حديث «المستشار مؤتمن» / عبد الله رحيل
ـ توجيه النَّظر إلى ضابط إثبات الصُّحبة عند الحافظ ابن حجر / د.كمال قالمي
ـ أثر الذَّكاء الاصطناعي في سعادة الأسرة / د.حسن بوقليل
ـ قراءة في أثر: «لا يُستطاع العلم براحة الجسم» / أ.د.رضا بوشامة
ـ ضرورة الإصلاح عند الشيخ أبي يعلى الزواوي رحمه الله / د.يونس بوحمادو
ـ منتقى «التلخيص لحديث ربْو القميص» لابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله / اعتنى به: توفيق عمروني
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
✳️ عنوان الخطبة: نعمة الهداية إلى الصراط المستقيم
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عز الدين رمضاني 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 20 ربيع الآخر 1448 ـ 02 أكتوبر 2026
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال العلَّامة السِّعدي رحمه الله:
«ينبغي للعَبد أن يسعَى في أمور الخَير سواءٌ أثمَرت مقاصدُها ونتائجُها، أو حصَل بعضُها، أو لم يتمَّ منها شيءٌ». [«بهجة قلوب الأبرار» (ص ٤١)]
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال القاضي أبو الحسن الجُرْجاني رحمه الله:
«ما ملكَتِ العصبيَّةُ قلبًا؛ فتركَت فيه للتَّثبُّتِ موضعًا، أو أبقَتْ منه للإنصاف نصيبًا».
[«الوساطة بين المتنبي وخصومه» (ص ٤١٤)]
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 آفة الكلام بغير علم
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (80) من #مجلة_الإصلاح

👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 آفة الكلام بغير علم
💢 توفيق عمروني
💢 منشور في العدد (80) من #مجلة_الإصلاح

👇👇👇

من أشدِّ الآفات التي تهدِّد الأمن الفكري والعلمي للمجتمع أن ينتشر بين أفراده الكلامُ بغير علم، فكلُّ كلام لا يصدر عن معرفة سابقة وعلم مُستند إلى دليل صحيح مرفوضٌ طرحُه بين النَّاس عقلًا وشرعًا، وخاصَّة على وسائل التَّواصل الاجتماعي لما في ذلك من سرعة الانتشار وكثرة المتأثِّرين به والمتلقِّين له، وهي جريمة لا تقلُّ خطورةً عن جرائم قتل الأنفس واختلاس الأموال لما يترتَّب عليها من إفسادٍ للعقول والعقائد والتَّصوُّرات، وما تتسبَّب فيه من إضلال النَّاس وتغليطهم، وإذاعة الفتن، وإشاعة الانحلال، وتفكيك الرَّوابط الاجتماعية.
لهذا توالت نصوص الوحي تنهى عن ركوب هذه البليَّة، ودَرَجَ العلماءُ على إيرادها تحت باب حفظ اللِّسان؛ منها قوله ﷺ في «الصَّحيحين»: «إنَّ العبد لَيَتَكَلَّم بالكلمة ما يتبيَّن ما فيها، يهوي بها في النَّار أبعد ما بين المشرق والمغرب». وقوله: «ما يتبيَّن ما فيها»، أي لا يتثبَّت في فحْوَاها ومضمونها ولا في مآلاتها.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 36]، وهذا نهي عامٌّ عن التَّكلُّم بلا علم، يتناول جميع ما يتكلَّم به الإنسان من أخبار واعتقادات وأحكام وأفكار، فلا ينفي شيئًا من ذلك إلَّا بعلم، ولا يثبتُه إلَّا بعلم، وخاصَّة ما تعلَّق بأمر الدِّين والفتوى.
قال ابن عبد البرِّ في «جامع بيان العلم» (2/236): «وقد أجمع العلماء أنَّ من لم يُتبيَّن ولم يُستيقن فليس بعِلْم، فما استيقنت منه وتبيَّنتَ حجَّته فتكلَّم به، وما لا علم لك به فليسعْك فيه السُّكوت أو قولك: لا أدري».
واعلم أنَّ محرِّكات البحث وأدوات الذَّكاء الاصطناعي لا تؤهِّلك لمرتبة الإفتاء والكلام في الدِّين. كما أنَّها لا تجعل منك طبيبًا ولا مهندسًا ولا طيَّارًا، فكلُّ هذه الوظائف والمراتب لها طُرُق ووسائل لا تُنال إلَّا بها، والفتوى هي أخطر هذه الوظائف لأنَّها تَوْقيع عن ربِّ العالمين.
فالنَّصيحة لكلِّ من أُتيحت له فرصة مخاطبة النَّاس عبر هذه المنصَّات أن يكون شديد الحيطة فيما يقول، ويعطي الكلمة حقَّها فلا تخرج من فيه إلَّا بعد فِكْرٍ ورَوِيَّة، وأن يتأكَّد أنَّ المصلحة في كلامه لا في سكوته، ولا يُغريه ما يراه اليوم من جمهور المتابعين وكثرة المعلِّقين، وما يستفيد منه من مال وشهرة، وليتيقَّنْ أنَّ الله مُحصٍ كلامَه كلَّه، وسائله عنه يوم يقف بين يديه وحيدًا فريدًا؛ فليُعدَّ للسُّؤال جوابًا في يوم لا يرضى فيه الرَّحمن من الكلام إلَّا ما كان صوابًا.
Audio
✳️ عنوان الخطبة: التيسير على الناس
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عمر الحاج مسعود 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 27 ربيع الآخر 1448 ـ 09 أكتوبر 2026
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قال الشَّاطبي رحمه الله:
«إذا دخَل الهَوى أدَّى إلى اتِّباع المُتشابه حرصًا على الغَلبة والظُّهور بإقامة العُذر في الخِلاف، وأدَّى إلى الفُرقة والتَّقاطُع والعَداوة والبَغضاء، لاختلافِ الأهواء وعدَم اتِّفاقِها». [«الموافقات» (٥/ ٢٢١)]
#راية_الإصلاح_فائدة_اليوم
📌قولهم عن الميِّت: حُمل إلى مثواه الأخير
قال ابن عثيمين رحمه الله:
«عبارةٌ غير صحيحة؛ لأنَّ القُبور ليسَت المثوى الأخير، ولو كان قائلُها يعتَقد معنَاها لكان لازمُ ذلك أنَّه يُنكِر البعثَ» [«تفسير سورة الحجرات» (ص٢١٢)]
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
✳️ عنوان الخطبة: غلاء الأسعار الأسباب والعلاج
✳️ الخطيب: 💥 🎙 عز الدين رمضاني 🎙
✳️ تاريخ الإلقاء: 🗓 بتأريخ 27 ربيع الآخر 1448 ـ 09 أكتوبر 2026
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 من أعلام الأندلس أبو عمر الطَّلَمَنْكي الأندلسي المقرئ المحدِّث الأثري
💢 أ.د/رضا بوشامة
💢 منشور في العدد (44) من #مجلة_الإصلاح

👇👇👇
#راية_الإصلاح ـ جديد المقالات
💢 من أعلام الأندلس أبو عمر الطَّلَمَنْكي الأندلسي المقرئ المحدِّث الأثري
💢 أ.د/رضا بوشامة
💢 منشور في العدد (44) من #مجلة_الإصلاح

👇👇👇

هو أحمد بنُ مُحمَّد بنِ عبد الله ابن أبي عيسى ـ لُبّ ـ ابنِ يحيى بنِ محمَّد ابن قزلمان المَعَافري الأندلسي، المشهور بأبي عمر الطَّلَمَنْكي.
منسوبٌ إلى بلدِه الَّذي وُلِدَ به سنةَ (340هـ)، وطَلمنْك أو طَلَمَنْكَة: بفَتَحات ونونٍ ساكنةٍ، كانت مدينةً بثَغْرِ الأندلس الشَّرقي، بناها محمَّد ابنُ عبدِ الرَّحمن الأموي(1)، يقال لها بالإسبانية: (salamanqua)(2)، أو (salamanca)، تقع اليوم وسطَ شمالِ إسبانيا في مقاطعة قشتالة وليون (Castille-et-León) وتبعد عن العاصمة مدريد 212 كم.
كان أبو عمر الطَّلَمَنْكي قديمَ السَّماع والطَّلب، قال الذَّهبي: «وأوَّلُ سماعِه سنة (362هـ)، وقد سمع مُوطَّأَ يحيى ابنِ يحيى من أبي عيسى يحيى بن عبد الله سنة (362هـ) عن عمِّ أبيه عبيد الله بنِ يحيى بنِ يحيى، عن أبيه، عن مالك، وهذا إسنادٌ عالٍ جدًّا»(3).
وكانت له رحلةٌ إلى المشرق وهو ابن أربعين سنةً كما قال الذَّهبي(4)، وحجَّ في هذه الرِّحلة، ودخلَ القَيْرَوَان ولقِيَ أبا مُحمَّد بنَ أبي زيد الفقيه، ودِمْيَاط، وسمع من أبي بكر محمَّد بنِ يحيى ابن عمَّار بعضَ كُتُبِ ابنِ المُنذِر، وبمكَّةَ أبا الطَّاهر العجيفي، وغيرَ هؤلاء.
قال ابنُ بشكوال: «رَحَلَ إلى المشرق فحجَّ،... وانصرف إلى الأندلس بعلمٍ كثيرٍ»(5).
ولم يتوقَّفْ تِجوالُه بعدَ رجوعِه من المشرق بل دخلَ عِدَّةَ مُدُنٍ أندلسيَّةٍ نافعًا لأهلها وطلاَّبِها.
قال ابنُ الحذَّاءِ: «سكنَ قُرطُبَة، وأقرَأَ بها، ثمَّ سكن المريَّة، ثم مُرسِيَّة، ثمَّ سَرَقُسْطة»(6).
واشتغل بالإقراء والتَّحديث، فعُرِفَ بتَفنُّنِه في علوم الشَّريعة كما قال القاضي عياض: «اتَّسعت روايتُه وتفنَّن في علوم الشَّريعة، وغلب عليه القرآنُ والحديث»(7).
فمن جانب علم القرآن: فهو من الأئمَّةِ المشهودِ لهم بذلك في كلِّ فنونِه، وهو أوَّلُ مَنْ أدخَلَ القِراءات إلى الأندلس على قولِ ابن الجزري( 8 )، فانتفع به أهلُها انتفاعًا عظيمًا.
قال ابن بشكوال: «كان أحدَ الأئمَّةِ في علمِ القرآن العظيم، قراآتِه وإعرابِه وأحكامِه وناسخِه ومنسوخِه ومعانيه»(9)، وقال الذَّهبي: «كان عجبًا في حفظ علوم القرآن»(10).
فكان يُقرِئ النَّاسَ ويؤمُّهم مُحتَسِبًا الأجرَ عند الله، والتزم الإمامةَ بمسجدِ مُنْعة بقرطبة، فانتفع النَّاسُ بعلمه وإقرائه(11).
ومن جانب الحديث: كان إمامًا حافِظًا، له عنايةٌ بالحديث وعلومِه ورجالِه.
قال ابن بشكوال: «كانت له عنايةٌ كاملةٌ بالحديث ونقلِه وروايتِه وضبطِه ومعرفةِ رجالِه وحملتِه، حافظًا للسُّنن، جامِعًا لها إمامًا فيها»(12).
ويدلُّ لذلك أنَّه كتب «صحيح البخاري» روايةَ ابنِ السَّكَن أيَّامَ إقامَتِه بقُرطُبة لسماعِ العلم في مدَّةٍ آخِرُها سنةُ (374هـ) (13)، وكذلك فإنَّ ابنَ خَيْرٍ الإشبيلي روى كُتُبًا في «فهرسته» في الحديث وما يتعلَّقُ به من طريق أبي عمر الطَّلَمَنْكي؛ كـ«كتاب فِيهِ من حَدِيث العَبَّاس ابن الوَلِيد القَاضِي عَن شُيُوخه»، و«المغازي والسِّيَر» لمحمَّد بنِ إسحاق، وتواليف أبي سعد ابن الأعرابي، وغيرِ ذلك.
وروى ابنُ عَطِيَّة في «فهرسته» «مُسْندَ أبي بكر البَزَّار» من طريق الطَّلَمَنْكي، عن القاضِي أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى بن مُفرِّج عن مُحَمَّد بنِ يحيى الرَّقِّي المَعْرُوف بالصَّمُوت عن البَزَّار، و«مُسْند حَدِيث مَالك» للجوهري من طريقه ـ أيضًا ـ عن الجَوهَرِي مُؤَلِّفِه(14).
واعتنى بكتاب الحاكم أبي عبد الله في «علوم الحديث»، حتَّى رواه نازلاً عن مُؤلِّفه وكانا في عصرٍ واحدٍ، قال الذَّهبي: «ورأيتُ عجيبَةً وهي أنَّ محَدِّثَ الأندلُسِ أبا عمر الطَّلَمَنْكِي قد كتب كتابَ «علوم الحديث» للحاكم في سنةِ تسعٍ وثمانينَ وثلاثِمائةٍ، عن شيخٍ سمَّاه، عن رجلٍ آخر، عن الحاكِم»(15).
وفي رحلته إلى المشرق سمع بمصر من عبد الله بن مُحَمَّد بن إبراهِيم ابنِ أَسد بن إِدْرِيس الرَّازي، أبي القاسم الشَّافعي، قال: كتبتُ عَنهُ بمصْر أَجزَاءَ من حَدِيثه، وكتبتُ عَنهُ «أصُولَ السُّنَّة»، روايتَه عن أبي مُحَمَّد عبد الرَّحمن ابن أبي حاتِم، وهو جزء»(16).
وأخذ عنه العلمَ كثيرٌ ممَّن صار يُشار إليه بالعلم والمعرفة؛ كابنِ عبد البَرِّ الأندلسي، وابنِ حَزْمٍ الظَّاهِري، وعبدِ الله بنِ سهل المُقرِئ وغيرِهم.
قال القاضي عياض: «حدَّث عنه الجِلَّةُ سماعًا وإجازةً»(17).
ومن لطائف ما يُذكَرُ عنه؛ ما رواه تلميذُه أبو الوليد الوَقَّشي عنه أنَّه قال: «دخلتُ مُرسيَّة فتشبَّثَ بي أهلُها يسمعون عليَّ «غريبَ المصنَّف»، فقلتُ لهم: انظروا لي مَن يقرأ لكم وأُمسِكُ أنا كتابي، فأَتَوْنِي برجل أعمى يُعرَفُ بابن سِيدَه فقرأَهُ عليَّ مِن أوَّله إلى آخرِه فعجِبْتُ مِن حفظِه، وكان أعمى بنَ أعمى»(18).
ولِمَا حباه اللهُ مِن علمٍ واتِّساعِ الرِّوايةِ والإمامةِ أثنى عليه كثيرٌ من العلماء من تلاميذِه وغيرِهم.
قال أبو عمرو الدَّاني المُقرِئ: «كان خيِّرًا فاضلاً ضابِطًا لما روى»(19).
وقال ابنُ الحصار الخولاني: «كان من الفضلاء الصَّالحين على هَدْيٍ وسنَّةٍ، قديمَ الطَّلَبِ والعلمِ، مُقدَّمًا في الفهم، مُجوِّدًا للقرآن، حسَنَ اللَّفظِ به، فضائلُه جمَّةٌ من أن تُحصى»(20).
وقال حاتم الطَّرابُلسي تلميذُه: «كان أبو عمر من أهل العناية بالعلم والضَّبطِ له، وله علومٌ حسنة»(21).
وقال ابنُ الحذَّاء: «كان فاضِلاً شديدًا في كتاب الله»(22).
وقال الحُمَيْدي: «كان إمامًا في القراءات مَذكورًا، وثقةً في الرِّوايةِ مَشهورًا»(23).
وأكْثَرَ الذَّهبيُّ من الثَّناء عليه ومدَحَه فقال: «الإمامُ المُقرِئُ المُحقِّقُ المُحدِّثُ الحافظُ الأثري... عالمُ أهل قُرطبة، كان من بحور العلم»(24).
وأمَّا أُسرَتُه فلم أَقِفْ على كبيرِ شيءٍ، إلاَّ أنَّه ممَّا لا شكَّ فيه أنَّه تزوَّجَ وأَنْجَبَ وكانت زوجَتُه ابنةَ أخي أبي جعفر بنِ عونِ الله، وكان أحدُ أولادِه ممَّنْ أخذَ عنه وسمِعَ عنه، واسمُه مُحمَّد ابنُ أحمد بنِ محمَّد أبو بكر الطَّلَمَنْكي، قال ابنُ الأبَّار: «شارك أباه في عدَّةٍ مِن شيوخِه الجِلَّة، وأقرأ القرآنَ وحدَّث»، قال أبو عبد الله بن عبد السَّلام: «سألتُه أن يجيز لي جميعَ ما رواه وما استجاز له أبوه وما صنَّف ويُصنِّفه قال لي: نعم أجزتُ لك جميعَ ذلك»(25).
وزوَّج ابنتَه لسليمان بنِ إبراهيم ابنِ حمزة المَالَقِي، قال ابنُ بشكوال: «كان مُجوِّدًا للقرآن عالمًا بكثيرٍ من معانيه، مُتصرِّفًا في فنون العربيَّةِ حسنَ الفهم خيِّرًا فاضِلاً، وكان زوجًا لابنةِ أبي عُمَرَ الطَّلَمَنْكي، وروى عنه كثيرًا من رواياتِه وتواليفه»(26).
ومن مظاهر فَضلِه وإمامتِه وديانَتِه أنَّه كان عارِفًا بأصول الدِّياناتِ، ذا هدْيٍ واستقامةٍ وسُنَّةٍ، رادًّا على أهلِ الأهواء والبدع، شديدًا في السُّنَّةِ واتِّباعِ الأثر.
وبذلك ذكرَه مُتَرجِموه، قال ابنُ بشكوال: «جمع كُتُبًا حِسانًا كثيرةَ النَّفع على مذاهب أهلِ السُّنَّة، ظهر فيها علمُه واستبانَ فيها فهمُه... كان سيفًا مُجرَّدًا على أهلِ الأهواء والبدع قامعًا لهم غيورًا على الشَّريعة شديدًا في ذات الله»(27).
وقال ابنُ الحذَّاء: «كان سيفًا على أهل البدع»(28).
وقال الذَّهبي: «صنَّف كُتُبًا كثيرةً في السُّنَّةِ، يلوح فيها فضلُه وحفظُه وإمامَتُه واتِّباعُه للأثر»(29).
وقد ذكر أهلُ العلم له مُصنَّفاتٍ في شتَّى العلوم، وأكثرُها في أصولِ الدِّياناتِ وتفسيرِ القرآن، قال القاضي عياض: «ألَّف تواليفَ نافعةً كثيرةً كبارًا ومُختصَرةً احتسابًا»(30)، فمن ذلك:
1 ـ «الوصول إلى معرفة الأصول في مسائل العقود في السُّنَّة»(31).
جاء وصفُه في «مختصر الصَّواعق» بقوله: «فَذَكَرَ فِيهِ من أقوَالِ الصَّحَابَةِ والتَّابعين وتابِعيهم، وأقوالِ مالكٍ وأئمَّةِ أصحابِه ما إذا وقف عليه الواقِفُ، علم حقيقةَ مذهبِ السَّلَفِ»(32).
2 ـ «الرِّسالة المختصرة في مذاهب أهل السُّنَّة وذكر ما دَرَج عليه الصَّحابة والتَّابعون وخيارُ الأُمَّة»(33).
3 ـ «الدَّليل إلى طاعة الجليل فيما تنطوي عليه الجوانح وتباشره بالعمل الجوارح»، وهو كتابُ يومٍ وليلةٍ(34)، وسمَّاه عياض: «الدَّليل إلى معرفة الجليل وقال: في مائة جزء»(35).
4 ـ «الرَّوضة في القراءات»(36).
5 ـ «كتاب علم المصاحف»، ونقل منه أبو بكر اللَّبيب مواضع كثيرةً في شرحه على «العقيلة» وسمَّاه بقوله: «قال الطَّلمنكي في كتاب علم المصاحف»(37).
6 ـ «الفهرست» له أو «البرنامج»(38).
7 ـ «تفسير القرآن»، في نحو مائةِ جزءٍ(39).
8 ـ «البيان في إعراب القرآن».
9 ـ «فضائل مالك».
10 ـ «رجال المُوطَّأ».
11 ـ «الرَّدُّ على ابن مَسَرَّة»(40).
ذكر هذه الكتُبَ القاضي عياض في «ترتيب المدارك».
وممَّا يُؤسَفُ له أنَّ مثلَ هذه الكتبِ الجليلةِ كان ينبغي أن يكثر بها النَّسْخ، فتَنتَفِعَ بها الأجيالُ، خاصَّةً أنَّها في بيان ما كان عليه علماءُ المالكيَّةِ والأندلسِ من عقائدَ صحيحةٍ مُوافِقَةٍ لطريقةِ الصَّحابةِ والتَّابعين وأهلِ الأثرِ، فلم يَبْقَ منها إلاَّ نُقولاتٌ نَقَلَها بعضُ أهلِ العلم الغَيُورين على السُّنَّة كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذِه ابنِ القيَّم والذَّهبي وغيرِهم رحمهم الله جميعًا، وأَكْثَرُ هذه النُّقولِ في إثبات صفاتِ الله تعالى كالاستواء والنُّزول والمجيء الَّتي أَثْبَتَها اللهُ في كتابه، ونبيُّه محمَّدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سُنَّتِه، وأجمعَ عليها الصَّحابةُ والتَّابِعُون والأئمَّةُ المرضِيُّون.
فمن تلكم النُّقول النَّافعة:
1 ـ في الإيمان:
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: «كَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو عمر الطَّلَمَنْكي إجْمَاعَ أَهلِ السُّنَّة على أَنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ وإصابةُ السُّنَّةِ»(41).
2 ـ المجيء:
قال ابنُ تيمية: «قال أبو عُمر الطَّلْمَنْكِي: أجمعوا ـ يعني: أهلَ السُّنَّة والجماعة ـ على أنَّ اللهَ يأتي يومَ القيامة والملائكةَ صفًّا صفًّا لحسابِ الأمم وعرضِها كما يشاء وكيف يشاء؛ قال تعالى: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ ﴾ [البقرة: 210]، وقال تعالى: ﴿ وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾ [الفجر: 22](42).
3 ـ النُّزول:
قال ابن تيمية: «قال ـ أي أبو عمر ـ: وأجمعوا على أنَّ اللهَ يَنْزلُ كلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدُّنيا على ما أَتَتْ به الآثارُ كيف شاء، لا يحدُّون في ذلك شيئًا»(43).
4 ـ الاستواء والعلوُّ:
نقل ابنُ تيمية وابنُ القيِّم قولَه في الاستواء في مواضعَ عدَّةٍ من كتُبِهما، وأشملُ نَقْلٍ ما ذكره شيخُ الإسلام في «شرح حديث النُّزول»، فقال: «قال أبو عمر الطَّلَمَنْكي: وأجمعوا ـ يعني أهلَ السُّنَّة والجماعة ـ على أنَّ لله عرشًا، وعلى أنَّه مُستَوٍ على عرشِه، وعلمَه وقدرتَه وتدبيرَه بكلِّ ما خلقه...».
قال: «وقال أهلُ السُّنَّة في قوله: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5]: الاستواءُ من الله على عرشِهِ المجيدِ على الحقيقةِ لا على المجازِ، واستدلُّوا بقولِ الله: ﴿ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ ﴾ [المؤمنون: 28]، وبقولِه: ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ﴾ [الزخرف: 13]، وبقوله: ﴿ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ﴾ [هود: 44]، إلاَّ أنَّ المُتكلِّمِين من أهلِ الإثباتِ في هذا على أقوال: فقال مالك ـ رحمه الله ـ: إنَّ الاستواءَ معلومٌ، والكيفَ مجهولٌ، والإيمانَ به واجبٌ، والسُّؤالَ عنه بدعةٌ.
وقال عبدُ الله بنُ المبارك ـ ومَنْ تابَعَه من أهل العلم، وهم كثيرٌ ـ: إنَّ معنى ﴿ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [الأعراف: 54]: استقَرَّ، وهو قولُ القُتَيْبي، وقال غيرُ هؤلاء: استوى أي ظَهَرَ، وقال أبو عبيدة مَعمَرُ بنُ المُثنَّى: استوى بمعنى: علا، وتقولُ العرب: استوَيْتُ على ظهر الفرس، بمعنى: علوتُ عليه، واستوَيْتُ على السَّطح بمعناه، وقال اللهُ تعالى: ﴿ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ ﴾، وقال: ﴿ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ﴾، وقال: ﴿ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ﴾، وقال: ﴿ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ بمعنى علا على العرش قولٌ حَسَنٌ، وقولُ مالكٍ مِنْ أَنْبَلِ جوابٍ وقعَ في هذه المسألة وأَشدِّه استيعابًا؛ لأنَّ فيه نبذَ التَّكييفِ وإثباتَ الاستواءِ المعقولِ، وقد ائتَمَّ أهلُ العلم بقولِه واستجودُوه واستحسنوه»(44).
5 ـ المعيَّة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «قال الطَّلَمَنْكي أحدُ أئمَّةِ المالكيَّة ـ قبلَ ابنِ عبد البرِّ والباجي وطبقتِهما ـ في كتابِ «الوصول إلى معرفةِ الأُصولِ»: «أجمعَ المسلمون من أهلِ السُّنَّةِ على أنَّ معنى ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ﴾ [الحديد: 4] ونحوُ ذلك من القرآنِ: أنَّ ذلك علمُهُ وأنَّ اللَّهَ فوقَ السَّمواتِ بذاتِه مُسْتَوٍ على العرشِ كيف شاءَ»(45).
6 ـ معنى القرب:
قال ابن تيمية: «قال أبو عمر الطَّلمَنْكي ومَن سأل عن قوله ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد ﴾ [ق: 16]، فاعْلَمْ أنَّ ذلك كلَّه على معنى العلمِ والقدرةِ عليه، قال: والدَّليل على ذلك صدرُ الآيةِ، قال اللهُ تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد ﴾ [ق: 16]؛ لأنَّ اللهَ لمَّا كان عالمًا بوسوسته كان أقربَ إليه مِن حبلِ الوريدِ، وحبلُ الوريد ما يَعْلَم ما توسوس به النَّفس، ويلزمُ المُلحِدَ على اعتقادِه أن يكونَ معبودُه مُخالِطًا لدم الإنسان ولَحمِه وأن لا يُجَرَّد الإنسانُ تسميتَه المخلوقَ حتَّى يقولَ خالقٌ ومخلوقٌ؛ لأنَّ معبودَه بزَعمِه داخلُ حبلِ الوريدِ من الإنسان وخارجُه، فهو على قولِه مُمتَزِجٌ به غيرُ مُبايِنٍ له.
قال: وقد أَجْمَعَ المسلمون من أهل السُّنَّة على أنَّ اللهَ على عرشِه بائِنٌ من خلقِه تعالى الله عن قولِ أهلِ الزَّيغ علوًّا كبيرًا.
قال: وكذلك الجوابُ في قولِه فيمن يَحضُرُه الموتُ ﴿ الواقعة:85﴾ [الواقعة: 85]، أي بالعلم به والقدرة عليه؛ إذ لا يَقدِرُون له على حيلةٍ ولا يَدفَعُونَ عنه، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُون ﴾ [الأنعام: 61]، وقال: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ [السجدة: 11] انتهى كلامُه»(46).
7 ـ القاعدة في إثبات الصِّفات:
قال الذَّهبي: «قال الحافظُ الإمَام أبو عمر أحمد بنُ محمَّد بنِ عبدِ الله الأندلسي الطَّلَمَنْكي المالكي في كتاب «الوصول إلى معرفةِ الأُصُول» وهو مُجلَّدان: «...فقد قال قومٌ من المعتزلةِ والجهميَّةِ: لا يجوزُ أَن يُسمَّى اللهُ ـ عز وجل ـ بهذه الأسماءِ على الحقيقةِ ويُسمَّى بها المخلوقُ، فنَفَوْا عن الله الحقائقَ من أسمائِه وأَثْبَتُوها لخَلقِه.
فإذا سُئلوا: مَا حملهم على هذا الزَّيغِ؟ قالوا: الاجتماع في التَّسميةِ يُوجِبُ التَّشبيه!
قلنا: هذا خروجٌ عن اللُّغةِ الَّتي خوطِبْنا بها؛ لأَنَّ المعقولَ في اللُّغةِ أنَّ الاشتباهَ في اللُّغةِ لا يَحصُلُ بالتَّسميةِ، وإنَّما تَشتبه الأشياءُ بأَنفُسِها أو بهَيْئَاتٍ فيها؛ كالبياض بالبياض، والسَّواد بالسَّوَادِ، والطَّويل بالطَّويل، والقصير بالقصير، ولو كانت الأَسماءُ تُوجِبُ اشتباهًا لاشتبهت الأشياءُ كلُّها؛ لشمُول اسم الشَّيء لها، وعمومُ تسميةِ الأشياء به.
فنسألهم: أتقولون إنَّ اللهَ موجودٌ؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: يلزَمُكم على دعواكم أَن يكون مُشبَّهًا للموجودين، وإن قالوا: موجودٌ ولا يُوجِبُ وجودُه الاشتبَاهَ بينَه وبين الموجودات، قلنا: فكذلكَ هو حيٌّ عالِمٌ قَادِرٌ مُرِيدٌ سَميعٌ بَصِيرٌ مُتَكَلِّمٌ ـ يعني ـ ولا يَلْزمُ اشتباهُه بِمن اتَّصفَ بهذه الصِّفَاتِ»(47).
8 ـ الرَّدُّ على الباطنيَّة:
وألَّف كتابًا في الرَّدِّ على الباطنيَّة.
فقال: «ومنهم قومٌ تعبَّدوا بغيرِ علمٍ، وزعمُوا أنَّهم يروْن الجنَّةَ كلَّ ليلةٍ، ويأكلون من ثمارِها، وتنزلُ عليهم الحورُ العِينُ، وأنَّهم يلوذُون بالعرشِ، ويروْنَ اللهَ بغير واسطةٍ ويجالسونَه»(48).
9 ـ معنى إحصاء الأسماء الحسنى:
قال ابنُ حجر: «قال أبو عمر الطَّلَمَنْكي: مِنْ تمامِ المعرفة بأسماء الله تعالى وصفاتِه الَّتي يَستَحِقُّ بها الدَّاعي والحافِظُ ما قال رسولُ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، المعرفةُ بالأسماء والصِّفات وما تتضمَّنُ من الفوائدِ وتدلُّ عليه من الحقائق، ومَنْ لَمْ يَعلَمْ ذلك لمْ يَكُنْ عالِمًا لمعاني الأسماء ولا مُستَفيدًا بذكرِها ما تدُلُّ عليه من المعاني»(49).
وكلامُ الطَّلَمَنْكِي في أصولِ السُّنَّةِ مُوافِقٌ لعقيدة أهل الأثر، إلاَّ أنَّ الذَّهبي نبَّه على بعضِ ما وقع في كتابه في أصول السُّنَّة من مآخذ.
فقال: «رأيتُ له كتابًا في السُّنَّةِ في مجلَّدَيْن عامَّتُه جَيِّد، وفي بعض تبويبِه ما لا يوَافَقُ عليه أبدًا؛ مثل: باب الجنبِ لله، وذكرَ فيه: ﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 56] فهذه زلَّةُ عالم»(50).
قلتُ: مسألةُ الجَنبِ هل هي من آياتِ الصِّفاتِ أم لا؟ مسألةٌ تناولها أهلُ السُّنَّةِ بالبيان، والصَّوابُ أنَّها ليسَتْ من آياتِ الصِّفاتِ، والمرادُ بالجَنْبِ في الآيةِ حقُّ الله تعالى.
قال شيخُ الإسلام: «لا يُعرَفُ عالِمٌ مشهورٌ عند المسلمين، ولا طائفةٌ مشهورةٌ من طوائف المسلمين، أثبتوا لله جنبًا نظيرَ جَنْبِ الإنسان(51)، وهذا اللَّفظُ جاء في القرآن في قوله: ﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ ﴾ فليس في مُجَرَّدِ الإضافةِ ما يَستَلزِمُ أنْ يكونَ المضافُ إلى الله صفةً له، بل قد يُضافُ إليه من الأعيان المخلوقةِ وصفاتِها القائمةِ بها ما ليس بصفةٍ له باتِّفاق الخلق؛ كقوله: بَيْت الله، وناقَة الله، وعِبَاد الله، بل وكذلك رُوح الله عند سلفِ المسلمين وأئمَّتِهم وجمهورِهم، ولكن إذا أُضِيفَ إليه ما هو صفةٌ له وليس بصفةٍ لغيرِه؛ مثلُ كلام الله، وعلم الله، ويد الله، ونحو ذلك؛ كان صفةً له.
وفي القرآن ما يُبيِّنُ أنَّه ليس المرادُ بالجَنْبِ ما هو نَظيرُ جنبِ الإنسان؛ فإنَّه قال: ﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ ﴾، والتَّفريطُ ليس في شيءٍ من صفاتِ الله ـ عز وجل ـ، والإنسانُ إذا قال: فلانٌ قد فرَّط في جنبِ فلانٍ أو جانِبِه؛ لا يريدُ به أنَّ التَّفريطَ وقعَ في شيءٍ من نفس ذلك الشَّخصِ، بل يريدُ به أنَّه فرَّطَ في جِهتِه وفي حَقِّه.
فإذا كان هذا اللَّفظُ إذا أُضِيفَ إلى المخلوق لا يكون ظاهرُه أنَّ التَّفريطَ في نَفْسِ جَنْبِ الإنسانِ المُتَّصِلِ بأضلاعِه، بل ذلك التَّفريط لم يلاصِقْه؛ فكيف يُظَنُّ أنَّ ظاهرَه في حقِّ الله أنَّ التَّفريطَ كان في ذاته؟!»(52).
ولمَّا كان الطَّلَمَنْكي ذابًّا عن السُّنَّة، مُبيِّنًا لعقيدةِ أهلِ الأثر، رادًّا على أهلِ الأهواءِ والبدعة شديدًا في ذلك عُودِيَ واتُّهِمَ بما هو بريءٌ منه كما هي عادةُ المخالفين في اتِّهام أهلِ الحقِّ والافتراءِ عليهم، فقامَ عليه جماعةٌ من أهل سَرَقُسْطَة وكتبوا رَسمًا أَوْقَعوا فيه شهاداتِهم بأنَّه مخالفٌ للسُّنَّة، واتَّهموه وجماعةً معه بسفك الدِّماء وأنَّهم حَرورِيَّةٌ وكان هو رأسَهم، قال الذَّهبي: «وقد امتُحِنَ لفَرط إنكارِه، وقام عليهِ طائفةٌ من أضدادِه، وشهدُوا عليه بأنَّهُ حرورِيٌّ يرَى وضعَ السَّيْفِ في صالحي المسلمين، وكانَ الشُّهودُ عليه خمسَةَ عَشَرَ فقيهًا»(53).
ذكر جماعةً منهم ابنُ بشكوال وابنُ الأبَّار، منهم: رافع بن نصر بنِ رافع بنِ غربيب، وعمُّه محمَّد بنُ رافع، والحسنُ ابنُ محمَّد بن هالس وجماعة، اجتمعوا في بيت رافع وكتبوا رسمًا بذلك(54).
لكنْ نصره اللهُ تعالى بقاضي الجماعة محمَّد بن عبد الله بن فرتون أبي عبد الله السَّرَقُسْطي.
قال ابنُ الأبَّار: «هُوَ الَّذِي انتصر لأبي عُمَر الطَّلَمَنْكي من الشُّهَدَاء عليه بأنَّهُ حروريٌّ سَفَّاكٌ للدِّماءِ يرى وضعَ السُّيوف على صالحِي المسلمين فأسقط شهاداتِهم وكانوا خَمْسَة عَشَرَ من الفقهاءِ والنُّبهاءِ بسَرَقُسْطة، وأسجل بذلك على نفسِه في سنة خمس وعِشرين وأربَعِمِائة»(55).
فشاور المُفتِين بسَرَقُسْطة فأسقطوا شهاداتِ المُتألِّبين، وذكر ابنُ الأبَّار عددًا ممَّن أفتى بإسقاط شهاداتِهم، منهم: عبدُ الله بنُ ثابِت السَّرَقُسطي حفيدُ قاسم بنِ ثابت صاحب «الدَّلائل»، ويونس ابن يوسف، وسعيد بنُ محمَّد، ومحمَّد ابنُ يحيى السَّرقسطِيُّون وغيرُهم(56)، فكتبوا بذلك نسخةَ العقد المتَّسِم ببراءة أبي عُمَر الطَّلَمَنْكي وإسقاطِ شهادةِ الَّذين نَسبُوه إلى مخالفةِ السُّنَّة(57)، فأسقطَ شهاداتِهم القاضي وقمع تلك الجماعةَ مُمتَعِضًا للطَّلَمَنْكي وداحِضًا عنه ما أَلصَقُوه به ونسبوه إليه(58).
وبعد هذه الحادثةِ قصد أبو عمر بلدَه طلَمَنْكَة في آخِرِ عمُرِه بعد طول التَّجوُّلِ والاغترابِ، مُرابِطًا في الثَّغرِ ونافِعًا لأهلِها، فتُوُفِّيَ بها صَدْرَ المُحرَّمِ سنة (429هـ) وقيل في ذي الحِجَّة سنة ثمان وعشرين، والأمرُ قريب، وقد قارب التِّسعين سنةً وصحِبَه ذِهنُه(59)، وكان حريصًا على نفع غيرِه وتعليمِهم إلى آخر حياتِه.
قال ابنُ بشكوال: «أخبرني أبو القاسم إسماعيل بنُ عيسى بنِ محمَّد الحِجَاري، عن أبيه قال: خرج علينا أبو عُمر الطَّلَمَنْكي يومًا ونحن نقرأ عليه، فقال: اقرؤوا وأَكْثِروا؛ فإنِّي لا أتجاوزُ هذا العامَ، فقلنا له: ولِمَ يرحَمُكَ اللهُ؟ فقال: رأيتُ البارحةَ في منامي مُنشِدًا يُنشِدُني:
اغتَنِموا الــبِرَّ بشـــيــخٍ تَــــوَى //تَرحَمُــه الــسُّـــوقَــةُ والصِّيــدُ
قد خَتَم العمرَ بعِيــدٍ مَــضَى // لَـــيـــسَ لــه مِــن بَعــدِه عِـــيــدُ
قال: فتُوفِّيَ في ذلك العام (60) رحمه اللهُ رحمةً واسعةً وأسكنه جنَّاتِه، وأظهَرَ لنا علُومَه ومُصنَّفاتِه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) «الرَّوض المعطار» (ص393)، «ترتيب المدارك» (8/32)، «سير أعلام النُّبلاء» (17/567)، «تاريخ الإسلام» (9/456).
(2) «الحُلل السُّندسيَّة» لشكيب أرسلان (1/205).
(3) كلام الذَّهبي في حاشية «الصِّلة» لابن بشكوال (1/84) كما أفاده مُحقِّقه، وانظر: «فهرس ابن عطيَّة» (ص130)، «السِّير» (17/567)، «تاريخ الإسلام» (9/456)، «تذكرة الحفَّاظ» (3/1098).
(4) أي قارب الأربعين؛ وقد سمع بمكَّة من إبراهيم ابن محمَّد الأَبِيوَرْدي (ت 379هـ)، وهو أعلى شيخٍ له، لقِيَه بمكَّةَ، وكتب عنه جُزْءًا من حديثه، «تاريخ الإسلام» (8/465).
(5) «الصِّلة» (1/85).
(6) «ترتيب المدارك» (8/33).
(7) «ترتيب المدارك» (8/33).
( 8 ) «غاية النِّهاية» (1/115).
(9) «الصِّلة» (1/85)، «تاريخ الإسلام» (9/456).
(10) «السِّير» (17/567).
(11) انظر: «الصِّلة» (1/85)، «السِّير» (17/568)، «تاريخ الإسلام» (9/456).
(12) «الصِّلة» (1/85).
(13) «التكملة لكتاب الصِّلة» (3/140).
(14) «فهرست ابن عطيَّة» (ص131).
(15) «السِّير» (17/166)، «تاريخ الإسلام» (9/89).
(16) «طبقات الفقهاء الشَّافعيَّة» لابنِ الصَّلاحِ (1/509).
(17) «ترتيب المدارك» (8/32).
(18) «الصِّلة» (2/33)، «نكث الهميان في نُكَتِ العُميان» للصَّفدي (ص188)، وابن سِيدَه هو العالِمُ اللُّغَوِي صاحبُ «المُحكَم».
(19) «ترتيب المدارك» (8/33)، «السِّير» (17/568).
(20) «ترتيب المدارك» (8/33).
(21) «ترتيب المدارك» (8/33).
(22) «ترتيب المدارك» (8/33).
(23) «جذوة المُقتَبِس» (ص166).
(24) «السِّير» (17/566 ـ 567)، و«تذكرة الحُفَّاظ» (3/1098).
(25) «التَّكملة لكتاب الصِّلة» لابنِ الأبَّار (1/311).
(26) «الصِّلة» (1/275).
(27) «الصِّلة» (1/85)، «السِّير» (17/568)، «تاريخ الإسلام» (9/456).
(28) «ترتيب المدارك» (8/33).
(29) «السِّير» (17/567).
(30) «ترتيب المدراك» (8/33).
(31) «الفهرست» لابن خير (ص319)، «ترتيب المدارك» (8/33).
(32) «مُختَصَر الصَّواعِق» (2/889).
(33) «الفهرست» (ص320).
(34) «الفهرست» ( ص360).
(35) «ترتيب المدارك» (8/33).
(36) «غاية النِّهاية» (1/110).
(37) «مُقدِّمة مختصر التَّبيين لهجاء التَّنزيل» (1/174).
(38) «الفهرست» لابن خير (ص528)، «تكلمة الصِّلة» (4/107).
(39) يوجد نقلٌ منه في مكتبة الفاتيكان في أسطُرٍ، وظنَّ مُفَهْرِسُ المكتبة بمركز الملك فيصل أنَّه كتابُ التَّفسير له، فذكره كذلك، فأخطأ، أفادني بذلك رفيقُ دربي في الطَّلب: الأستاذ عمَّار تَمَالْت ـ حفظه الله ـ الباحث في مركز الملك فيصل رحمه الله.
(40) هو محمَّد بن عبد الله بنِ مَسَرَّةَ بنِ نجيح البجلي، من أهل قرطبة، وتُنسَبُ إليه البدعةُ، فيُقال: بدعةُ ابنِ مَسرَّةَ.
قال ابن الفرضي: «قال لي الخطَّاب بن مَسلَمَة: اتُّهِم بالزَّندقة فخرج فارًّا، وتردَّد بالمشرق مُدَّةً، فاشتغل بملاقاة أهلِ الجدل، وأصحاب الكلام والمعتزلة، ثمَّ انصَرَفَ إلى الأندلس فأظهر نُسكًا ووَرَعًا، واغترَّ النَّاسُ بظاهِرِه، فاختلفوا إليه وسمِعُوا منه، ثمَّ ظهر النَّاسُ على سوء مُعتَقَدِه، وفتح مذهبَه فانْقَبضَ مَنْ كان له إدراكٌ وعلمٌ، وتمادى في صُحبَتِه آخرون غلَبَ عليهم الجهل فدانوا بنِحلَتِه، وكان يقول: بالاستطاعة، وإنفاذِ الوعيد، ويُحرِّفُ التَّأويلَ في كثيرٍ من القرآن...»، إلى أن قال: «وقد ردَّ عليه جماعةٌ من المشرق...، ولأحمد بن خالد في الرَّدِّ عليه صحيفةٌ أخبرنا بها عنه أبو محمَّد الباجي».
وقال الحميدي: «نُسِبَت إليه بذلك مقالاتٌ نعوذ بالله منها»، انظر: «تاريخ العلماء» (2/41)، «جذوة المقتبس» (ص94)، «أخبار الفقهاء والمُحدِّثين (ص178).
تنبيه: خلط الحافِظُ الذَّهبي بين ابنِ مَسَرَّةَ هذا ووَهْبِ بنِ مسَرَّةَ ابنِ مُفَرِّج بنِ حكم التَّمِيمي أبي الحزم المُحدِّث السُّنِّي، فألزق به بدعةَ الاعتزال، وقال: «وقد كان منه هفوةٌ بالقدر، نسأل الله السَّلامةَ».
وقال أيضًا: «قال الطَّلَمَنْكي في ردِّه على الباطنيَّة: ابنُ مسرَّةَ ادَّعَى النُّبوَّةَ، وزعم أنَّه سَمِعَ الكلامَ، فثبت في نفسه أنَّه من عند الله»، قال الذَّهبي: «ليس هذا من قبيل ادِّعاءِ النُّبوَّة، بل من قبيلِ الغلط والجهل» [«السِّير» (15/557 ـ 558)].
وقال أيضًا: «قال القاضي عياض: كان حافظًا للفقه بصيرًا به وبالحديث والرِّجال والعلل مع وَرَعٍ وفضلٍ، دارت عليه الفتيا ببلده... بدت منه هفوةٌ في القدر» [«تذكرة الحفَّاظ» (3/890)].
كذا قال الذَّهبي، وتابعه على اتِّهامِ وهبٍ بالقدر: ابنُ حجَرٍ فقال في ترجمة محمَّد بن مُفَرِّج القرطبي: «قال ابنُ الفرضي: تُرِكَ؛ لأنَّه كان يدعو إلى بدعة وهبِ بنِ مَسرَّة، ووهبٌ كان قدريًّا» [«اللِّسان» (5/387)].
وقال في ترجمة وهب (6/231): «من العلماء بالفقه والحديث، تكلَّم في شيء من القدر فعابوا عليه، وتبعه جماعة على مقالته».
وهذا الكلام الَّذي نقله الحافظان ليس في شيءٍ من كُتُبِ تراجم الأندلسيِّين، فلم يَتَّهِمْ أحدٌ منهم وهبَ بنَ مسرَّةَ الحافظَ السُّنّيَّ بما ذُكِرَ، والخطأُ والغلطُ والوهمُ في ذلك من الذَّهبي وابنِ حجر؛ اختلط عليهما وهبُ بنُ مسرَّةَ الحافظُ بمحمَّد بنِ عبد الله ابنِ مسرَّةَ البجلي المعتزلي الَّذي ردَّ عليه أبو عمر الطَّلَمَنْكي.
ومن الغريب أنَّ الذَّهبي نقل عن القاضي عياض كلامَه في وهب ابنِ مسرَّةَ كما تقدَّمَ، وقال: «بدت منه هفوةٌ في القدر»، وهذا لا شكَّ أنَّه من الذَّهبي، مع أنَّ القاضي عياضًا قال بعد ذلك الكلام المنقول: «وله كتابٌ في السُّنَّةِ وإثباتِ القدر والرُّؤيَةِ والقرآن» [«ترتيب المدارك» (6/165)].
وأمَّا نقلُ الحافظ ابنِ حجر عن ابن الفَرَضي في ترجمة محمَّد ابنِ مُفَرِّج أنَّه كان يدعو إلى بدعة وهب بنِ مسرَّة، فهو نقلٌ بما فهمه الحافظان، وليس كذلك، بل الَّذي قاله ابنُ الفَرَضي: «كان يعتقد مذهبَ ابنِ مسرَّة ويدعو إليه»، كما في «تاريخ العلماء» (2/84)، ومذهب ابنِ مسرَّة إذا أُطلِقَ عند الأندلسيِّين يَتَّجِه إلى محمَّد بنِ عبد الله بن مسرَّة المعتزلي المبتدع، لا إلى المُحدِّث السُّنِّي وهب بنِ مسرَّة، والله المُوفِّق.
وهذا كلُّه لا يَحُطُّ من مكانة الحافظَيْن الجَليلَيْن الذَّهبِي وابنِ حجر، فالغلطُ لا يَسلَمُ منه أحدٌ، وكلُّ عالمٍ مُعرَّضٌ للوَهمِ ولو نزرًا.
وانظر: «نماذج من أوهام المشارقة في الرُّواة المغاربة» (ص25) للغماري.
(41) «مجموع الفتاوى» (7/332)، «الإيمان» (ص260).
(42) «المجموع» (5/578)، «شرح حديث النُّزول» (ص458).
(43) «مجموع الفتاوى» (5/578)، «شرح حديث النُّزول» (ص188).