- إياك أن تقاتل ضد آراء أي رجل. فحتى لو عدت إلى عصر ميتوشالح - السحيق القدم- فإنك لن تستطيع جعله يقف ضد الأشياء السخيفة والباطنة التي يؤمن بها.
ومن المستحيل أيضا تجنب إصلاح أخطاء الناس أثناء المحادثة، مهما كانت نواياك حسنة. ذلك أن إهانة الناس سهلة ولكن إصلاحهم صعب، إن لم يكن مستحيلا.
فإذا شعرت بالانزعاج من الملاحظات السخيفة التي يبديها شخصان صادف أن سمعت حديثهما، فعليك أن تتصور أنك تستمع إلى حوار أحمقين في مسرحية هزلية.
إن الرجل الذي يأتي إلى العالم ولديه فكرة أنه سيُعلِّمه في قضايا في غاية الأهمية، قد يضطر إلى شكر حسن طالعه إذا نجا من هذه الدنيا بجلده وهو متماسك.
أرثر #شوبنهاور
ومن المستحيل أيضا تجنب إصلاح أخطاء الناس أثناء المحادثة، مهما كانت نواياك حسنة. ذلك أن إهانة الناس سهلة ولكن إصلاحهم صعب، إن لم يكن مستحيلا.
فإذا شعرت بالانزعاج من الملاحظات السخيفة التي يبديها شخصان صادف أن سمعت حديثهما، فعليك أن تتصور أنك تستمع إلى حوار أحمقين في مسرحية هزلية.
إن الرجل الذي يأتي إلى العالم ولديه فكرة أنه سيُعلِّمه في قضايا في غاية الأهمية، قد يضطر إلى شكر حسن طالعه إذا نجا من هذه الدنيا بجلده وهو متماسك.
أرثر #شوبنهاور
❤40👍5🤯3🤔1
سُئل إميل سيوران:
لماذا لم تتوقف عن الكتابة؟
فأجاب:
"ألّفت كتابي الأول بعنوانه الطنان "على ذرى اليأس" بالرومانية وعمري ٢١ سنة، متعهدًا لنفسي ألا أعيد الكرة أبدًا. ثم ارتكبتُ كتابا آخر مرفوقًا بنفس التعهد. تكررت المهزلة لأكثر من أربعين سنة. لماذا؟ لأن ما كتبتُ، وإن كان قليلًا، ساعدني على العبور سنة إلى أخرى، وجعلني أشعر بأن التعبير عن الهموم يجعلها تخف وتوشك أن تقهر. الإنتاج متنفس خارق والنشر لا يقل عنه. يصدر لك كتاب فإذا حياتك أو قطعة من حياتك خارجك من ملكيتك ولم تعد قادرة على إنهاكك. التعبير ينقص منك، يفقرك، يخفف عنك عبء ذاتك. التعبير تخفيف من الجوهر وتحرير. إنه يفرغك ومن ثم هو ينجيك، ويخلصك من حمولة زائدة تزحمك".
لماذا لم تتوقف عن الكتابة؟
فأجاب:
"ألّفت كتابي الأول بعنوانه الطنان "على ذرى اليأس" بالرومانية وعمري ٢١ سنة، متعهدًا لنفسي ألا أعيد الكرة أبدًا. ثم ارتكبتُ كتابا آخر مرفوقًا بنفس التعهد. تكررت المهزلة لأكثر من أربعين سنة. لماذا؟ لأن ما كتبتُ، وإن كان قليلًا، ساعدني على العبور سنة إلى أخرى، وجعلني أشعر بأن التعبير عن الهموم يجعلها تخف وتوشك أن تقهر. الإنتاج متنفس خارق والنشر لا يقل عنه. يصدر لك كتاب فإذا حياتك أو قطعة من حياتك خارجك من ملكيتك ولم تعد قادرة على إنهاكك. التعبير ينقص منك، يفقرك، يخفف عنك عبء ذاتك. التعبير تخفيف من الجوهر وتحرير. إنه يفرغك ومن ثم هو ينجيك، ويخلصك من حمولة زائدة تزحمك".
❤40👍2🤯2
"أرثر #شوبنهاور"
- من منظور الحقيقة المطلقة وطبيعة الأشياء في كنهها، لا مناص للمرء من أن يعتبر كل ما في هذا العالم من آلام ومعاناة كأنها آلامه هو ومعاناته الشخصية، ذلك أن الإدراك الذي ينفذ ببصيرته إلى ما وراء مبدأ "التفرد" الوهمي، ليرى أن تلك الحياة السعيدة التي قد يحياها المرء في غضون هذا الزمن، سواء كانت هبة من مصادفة عمياء أو ثمرة لحصافة وحسن تدبير، وهو محاط في الوقت ذاته بمعاناة لا حصر لها لبشر لا يحصون، كل هذا ليس في حقيقته إلا كحلم متسول يرى نفسه ملكا، وهو حلم لا بد له أن يفيق منه يوما ليكتشف أنه لم يكن سوى وهمٍ عابر وسراب خادع هو الذي فصله عن حقيقة الألم والمعاناة التي هي جوهر الحياة."
- من منظور الحقيقة المطلقة وطبيعة الأشياء في كنهها، لا مناص للمرء من أن يعتبر كل ما في هذا العالم من آلام ومعاناة كأنها آلامه هو ومعاناته الشخصية، ذلك أن الإدراك الذي ينفذ ببصيرته إلى ما وراء مبدأ "التفرد" الوهمي، ليرى أن تلك الحياة السعيدة التي قد يحياها المرء في غضون هذا الزمن، سواء كانت هبة من مصادفة عمياء أو ثمرة لحصافة وحسن تدبير، وهو محاط في الوقت ذاته بمعاناة لا حصر لها لبشر لا يحصون، كل هذا ليس في حقيقته إلا كحلم متسول يرى نفسه ملكا، وهو حلم لا بد له أن يفيق منه يوما ليكتشف أنه لم يكن سوى وهمٍ عابر وسراب خادع هو الذي فصله عن حقيقة الألم والمعاناة التي هي جوهر الحياة."
❤43🔥4
"مثالب الولادة - إميل سيوران":
- عشت دائما في كنف الخوف من أن يفاجئني الأسوأ، لذلك حاولت في كل الظروف أن أستبق الأمور، مرتميا في المصائب قبل أن تحصل.
- عشت دائما في كنف الخوف من أن يفاجئني الأسوأ، لذلك حاولت في كل الظروف أن أستبق الأمور، مرتميا في المصائب قبل أن تحصل.
❤44😢30👍12🔥1
"إميل #سيوران":
- أن يكون في وسعنا أن نُجرَح من طرف أولئك الذين نحتقرهم تحديدا، أمر يجرد الكبرياء من كل مصداقية."
- أن يكون في وسعنا أن نُجرَح من طرف أولئك الذين نحتقرهم تحديدا، أمر يجرد الكبرياء من كل مصداقية."
🔥26👍4
منذ زمن بعيد و أنا أرى أنّ القدرةَ على الزهد في الشيء و التخلّي عنه هي المعيار ، و المعيار الأوحد ، لتقدّمنا في الحياة الروحيّة . و مع ذلك ! حين أعيد فحصَ بعض أفعالي في التخلّي ، أكتشفُ أنها كانت محفوفةً دومًا بارتياح هائل -بل بزهوٍ عارم- لكبريائي ، و إن ظلّ ذلك سريّا ؛ و هو نزوعٌ يتعارض تمامًا مع أيّ عمق باطنيّ . و مفارقة القول هَهُنا ، إنّني كدتُ ألامس آنذاكَ عتبة القداسة ! .. غير أنّ تلك السنين قد ولّت ، و تذكّرها الآن يبعث في نفسي الألم ، و يورثني الشجن .
إميل #سيوران | الدفاتر
إميل #سيوران | الدفاتر
❤33🔥3👍1
لا أحد يحتقرني كما أحتقر نفسي في ساعات الوضوح.
- كل ما أعرفه عن نفسي يدفعني إلى الرغبة في الابتعاد عنها.
- أن تكون نفسك دائمًا، أي عقوبة أشد من هذه؟
- أشعر أنني أعيش حياة شخص آخر، لا علاقة لي به سوى أنه يستعمل جسدي.
- أنا سجين هذا الاسم، هذا الوجه، هذا التاريخ الشخصي.
- لقد وُلدتُ صدفة، وسأموتُ صدفة، وأتحمل بين الصدفتين عبء أن أكون أنا.
- لو استطعتُ أن أخرج من ذاتي كما يخرج المرء من غرفة، لفعلتُ ذلك دون تردد.
- الوظيفة الوحيدة للذاكرة تكمن في مساعدتنا على الندم.
- كنتُ أتهيأ للخروج. عندما رغبتُ في ترتيب منديل رقبتي، فنظرتُ في المرآة. فجأة، رعبٌ لا يُسمّى: مَن هذا الرجل؟ من المستحيل أن أتعرف على نفسي. وعبثًا تعرفتُ على معطفِ، ومنديلِ، وقبعتي؛ لم أعرف من أنا، لأنني لم أكن أنا...
تجميعة #شذرات لسيوران تعبّر عن مدى حبّه لذاته.
- كل ما أعرفه عن نفسي يدفعني إلى الرغبة في الابتعاد عنها.
- أن تكون نفسك دائمًا، أي عقوبة أشد من هذه؟
- أشعر أنني أعيش حياة شخص آخر، لا علاقة لي به سوى أنه يستعمل جسدي.
- أنا سجين هذا الاسم، هذا الوجه، هذا التاريخ الشخصي.
- لقد وُلدتُ صدفة، وسأموتُ صدفة، وأتحمل بين الصدفتين عبء أن أكون أنا.
- لو استطعتُ أن أخرج من ذاتي كما يخرج المرء من غرفة، لفعلتُ ذلك دون تردد.
- الوظيفة الوحيدة للذاكرة تكمن في مساعدتنا على الندم.
- كنتُ أتهيأ للخروج. عندما رغبتُ في ترتيب منديل رقبتي، فنظرتُ في المرآة. فجأة، رعبٌ لا يُسمّى: مَن هذا الرجل؟ من المستحيل أن أتعرف على نفسي. وعبثًا تعرفتُ على معطفِ، ومنديلِ، وقبعتي؛ لم أعرف من أنا، لأنني لم أكن أنا...
تجميعة #شذرات لسيوران تعبّر عن مدى حبّه لذاته.
❤34😢11👎4🔥3👍1
❤40🤯7🤔4🔥3
أرثر #شوبنهاور:
- إن كان هناك شخص يهمنا أمره كثيراً، يجب أن نخبئ هذا السر عنه، كما لو أننا نتستر على جريمة ما؛ فهذا الواقع لا يبعث على السرور، لكنه حقيقي، فالبشر لا يستطيعون تحمل أن يحبهم الآخرون بصورة مفرطة.
- إن كان هناك شخص يهمنا أمره كثيراً، يجب أن نخبئ هذا السر عنه، كما لو أننا نتستر على جريمة ما؛ فهذا الواقع لا يبعث على السرور، لكنه حقيقي، فالبشر لا يستطيعون تحمل أن يحبهم الآخرون بصورة مفرطة.
❤55👍3🤯2
❤13
شوبنهاور - سيوران
أُونَان، ساد، مازوخ يا لهم من محظوظين. أسماؤهم لن تبلى أبدًا. #سيوران
كان من المتوقع، بعد ذكره دة ساد، أن يتعرض سيوران إلى الكاتب النمساوي ليوبولد مازوخ صاحب كتاب «فينوس ذات الفراء» الذي أصبح رمزًا للمازوخية، أو إباحية التلذذ بالألم. أما أونان، فهو الابن الثاني ليهوذا، وقد تزوج أونان أرملة أخيه أرويل، ولما كان لا يريد أن يُعطي أخاه نسلًا، كان يجامعها فيلقي منيه على الأرض. وجاء في سفر التكوين: «فقبُح في عيني الرب ما فعله فأماته...»
❤11🤔2
❤24👍5😢4👎3😱1
قال لي أحدُ أنصاف المجانين: من تُرَى كان يمنعني من أن أحزّ عنقي كلّما حلقتُ ذقني، غير الله؟
إميل #سيوران
إميل #سيوران
❤29👍6😢5
لا علاقه بالعقل وباحترامنا لانفسنا الا للعواطف التي يتظاهر بها الشخص والهذيانات التي يصطنعها ان العواطف الصادقه تفترض عدم اهتمام بالذات.
إميل #سيوران
إميل #سيوران
❤26🤯3😱2
❤37👎28👍3🤔2
تبدأ كشاعر وتنتهي كطبيب نسائي. من بين كل الاوضاع لا أرى وضعا لا يحسد عليه صاحبه مثل وضع العاشق.
إميل #سيوران
إميل #سيوران
❤23👍3
كَيفَ نُواجِهُ خَواءَ الأيّامِ بِأشتاتِ الكَلِم؟
أنا امرؤٌ أفنى عُمرَهُ في كِتابةِ ما كانَ حَرِيّاً بِهِ أن يَصرُخَ بِه. ولَعَلَّ هَذا أَدقُّ ما تُلَخَّصُ بِهِ تِلكَ الدَّفاتِر. مَضَت خَمسَ عَشرَةَ سَنةً، مَلأَ فيها سيوران أربَعةً وثَلاثينَ دَفتَراً، مُمَهِّداً أوائِلَها بِعِبارةِ: «لِلإتلاف». غَيرَ أَنَّهُ حَفِظَها وأبقاها، تارِكاً إيّاها عَلى طاوِلَتِهِ كَعَهدٍ مُضَيَّع، أو رِسالَةٍ مَنسيَّة، أوِ انتِحارٍ أُرجِئَ إلى الغَد؛ لَعَلَّ في الغَدِ مُتَّسَعاً لِمَيتَةٍ لائِقة، ولِأَنَّ لَنا اليَومَ جُملَةً أُخرى نَخطُّها.
«تَسري الشَّذْرَةُ في دَمي»، تِلكَ أُولى مُدَوَّناتِهِ عامَ ١٩٥٧. والشَّذْرَةُ ضَربٌ مِن ضُروبِ الزُّهد، وإقرارٌ بِالعَجزِ عَن بِناءِ نَسَقٍ فِكريّ، أو تَأليفِ أثَرٍ بِمَفهومِ العُلَماء، أو تَشييدِ صَرحٍ يُخَلَّفُ لِلأجيال. كُلُّ ما يُترَكُ شَظايا وأنقاض، وأفكارٌ قَصُرَ عُمرُها عَنِ الاستِحالَةِ إلى شَيءٍ سِواها. إنَّها كِتابَةٌ تَتَقَبَّلُ انقِطاعَها، وتَأبى الامتِداد، مُوقِنةً بِعَجزِها عَن بُلوغِ المُنتَهى؛ لانعِدامِ المُنتَهى في كُلِّ حال. تَكوينٌ طَبيعيٌّ خُلِقَ بِه، ولا طاقَةَ لَهُ بِدَفعِه. يُجافي النَّسَقَ؛ فَهوَ عاجِزٌ عَجزاً مُتَأصِّلاً عَنِ الإيمانِ بِانتِظامِ الأشياءِ، ومُنَزَّهٌ عَنِ الكَسَلِ الذِّهنيِّ في ذَلِك. العالَمُ في أصلِهِ لا يَنتَظِم، فَلِمَ تَنتَظِمُ الفِكرَة؟
الشَّذْرَةُ صُورَةٌ مِن صُوَرِ الإخفاق، ولِهذا يَهواها. والإخفاقُ عِندَهُ أبعَدُ مِن أن يَكونَ عارِضاً مَشؤوماً، إنَّهُ مَوقِفٌ وُجوديّ، وسَبيلُ المَرءِ الأوحَدُ لِلحِفاظِ على أمانَتِهِ لِذاتِه. أمّا الآخَرون، أُولئِكَ النّاجِحونَ البُناةُ مُخَلِّفو الأوابِد، فَخَوَنَةٌ صالَحوا الواقِعَ، ورَضُوا بِقَواعِدِ اللُّعبَة. أمّا هُوَ فَرَفَض، وما الشَّذْرَةُ سِوى أثَرٍ مِن آثارِ ذلِكَ الرَّفض. هِيَ فِكرَةٌ تَقِفُ قَبلَ أن تَستَحيلَ عَقيدَةً، وجُملَةٌ تَأبى التَّمَدُّدَ حَذَراً مِنَ الكَذِب. يَقُول في «مَثالِب الوِلادة»: «ما خَطَطتُ سِوى شَكوى، أو تَجديفٍ، أو نَقضِ قَولٍ بَعدَ إبرامِه». والنَّقضُ هُنا شَذْرَةٌ تَتَراجَعُ قَبلَ نُطقِها. تَقولُ الجُملَةُ الشَّيءَ وتَأتي بِضِدِّهِ بَعدَ لَحظَة، صِدقاً مِنها، خِلافاً لِمَن يَحسَبُ ذلِكَ عَبَثاً. التَّناسُقُ حَقٌّ لِلأموات، أمّا الأحياءُ فَيَتَناقَضون، ويُبَدِّلونَ آراءَهُم، ويَكتُبونَ شَذَراتٍ مُتَناقِضَة، وبِذا يَحفَظونَ بَقاءَهُم أحياء.
يَكتُبُ بِالفَرَنسيَّة، وهِيَ لُغَةٌ تَعَلَّمَها عَلى كِبَر، غَريبَةٌ عَنهُ ومُتَمَنِّعَةٌ عَلَيه. يَقول في دَفَاتِره: «مُكابَدَةُ الفَرَنسيَّةِ نَزعٌ واحتِضارٌ بِمَعناهُ الحَقيقيّ». والاحتِضارُ أبعَدُ مِن مُجَرَّدِ المَشَقَّة، إنَّهُ صِراعٌ والتِحامٌ جَسَديّ. وكِتابَتُهُ بِها خِيارٌ مَقصود؛ فالرُّومانِيَّةُ، لُغَتُهُ الأُمُّ، مُفرِطَةٌ في سُهولَتِها، وسَلاسَتِها، وتَواطُئِها. «الرُّومانيَّةُ أبشَعُ اللُّغاتِ وأكثَرُها شاعِريَّة». هِيَ لُغَةٌ لا تُبدي مُقاوَمةً، ولا تَنصِبُ عَقَبةً، وغِوايَةُ اليُسرِ فيها عَظيمَة. أمّا الفَرَنسيَّةُ فَكُلُّ ما فيها عَقَبَة؛ نَظمُها حِصنٌ، وصِيَغُ احتِمالِها مِحنَة، ونَحوُها قَميصُ مَجانين. يَكتُبُ بِصُعوبة، وهُوَ بِذا عَليمٌ ومُقِرّ: «يَعزُّ عَلَيَّ العُثورُ عَلى الألفاظِ المُوافِقَةِ لِما أُحِسُّ بِهِ وأُكابِدُه. "المَوهِبةُ" قُدرَةٌ عَلى سَدِّ الهُوَّةِ بَينَ المِحنَةِ واللُّغة. أمّا عِندي، فَتِلكَ الهُوَّةُ فاغِرةٌ فاها». ذاكَ إقرارُ رَجُلٍ يُوقِنُ بِقُصورِهِ عَن بُلوغِ شَأوِ ما يُحِسُّ بِه، ومَعَ ذلِكَ يَمضي. المَوهِبةُ شَأنُ الآخَرين، أمّا هُوَ فَلَدَيهِ دافِعٌ آخَر: حاجَةٌ عَميقَةٌ لِلكِتابة، ولَو جاءَت رَكيكَةً، مُعوَجَّةً، ومَشوبَةً بِنَحوٍ يَجهَلُه. «لَستُ بِكاتِب، أنا باحِثٌ»، ولَعَلَّها أصدَقُ كَلِمَةٍ نَطَقَ بِها يَوماً.
غَيرَ أنَّ دَواعي الكِتابةِ تَظلُّ غامِضَةً لِمَن يَرى العَبَثَ في كُلِّ شَيء. سُؤالٌ طالَما راوَدَه، وأعياهُ البَحثُ عَن جَوابٍ شافٍ لَه. يَكتُبُ لِانتِفاءِ سَبيلٍ آخَر، ويَكتُبُ لِأنَّ الكِتابَةَ مَلاذُهُ الأوحَدُ مِنَ الانتِحار. «جُلُّ ما كَتَبتُهُ ثَمَرةُ انتِقام، فَفيهِ بَردُ الرّاحة. العافيَةُ عِندي كامِنَةٌ في الهُجوم». الكِتابَةُ لَونٌ مِن ألوانِ الغَضَب؛ غَضَبٌ عَلى العالَم، وعَلى الذّات، وعَلى حَياةٍ خاوِيَةٍ مِنَ المَعنى تَأبى الانقِضاء. يَكتُبُ ثَأراً مِن كُلِّ ما أذاقَهُ الألَم، يَكتُبُ لِيَنفُثَ سُمَّه، ويَكتُبُ دَرءاً لِخَطَرِهِ لَو لَم يَفعَل. «لا أحمِلُ يَراعي إلّا حينَ تُخالِجُني الرَّغبةُ في إفراغِ رَصاصَةٍ في جَسَدي». تَصريحٌ مَدعاةٌ لِلشَّفَقَة، تَبَدَّلَ عِندَهُ فاستَحالَ أمراً مُعتاداً لِتَكَرُّرِهِ، ولِأَنَّهُ شَرطُ وُجودِهِ كَكاتِب. يَكتُبُ بِمَعزِلٍ عَنِ التَّزَلُّف، وبِمَنأى عَنِ القُرّاء، يَكتُبُ لِيَبقى. إنَّها كِتابةُ بَقاء، والبَقاءُ قَبيحٌ، فاحِشٌ، ومُحزِنٌ حَدَّ المَوت.
تَترَدَّدُ في تِلكَ الدَّفاتِرِ هَلوَسَةٌ تُشبِهُ اللَّحنَ المُتَكَرِّر: هَوَسُ الأُسلوب. يَلهَجُ بِذِكرِهِ دائِماً، يَحذَرُهُ، يَفِرُّ مِنهُ، ويَنشُدُه. «أُسلوبي مَنوطٌ بِالإيقاعِ والنَّبضِ العُضويّ، مُتَجاوِزٌ لِحُدودِ المَوهِبَة». الأُسلوبُ أنفاسُه، وطَريقَتُهُ في اللُّهاثِ بَينَ الكَلِمات. تَنتَفي فيهِ الغايَةُ الجَماليَّة، لِتَحُلَّ مَحَلَّها الضَّرورَةُ الجَسَديَّة. يَكتُبُ كَما يَتَنَفَّس: بِكَدٍّ، ومَشَقَّةٍ، ونَفَسٍ مُتَقَطِّع. يَهوى «نَثراً عَظمِيّاً تَتَخَلَّلُهُ قِشعَريرة»، خالِياً مِنَ الشَّحمِ واللَّحمِ وفُضولِ الكَلام. العَظمُ، الهَيكَلُ، القِشعَريرة، وما سِواها حَشو. الحَشوُ حِرفةُ الكُتّاب، وهُوَ مُتَبَرِّئٌ مِن لَقَبِ الكاتِب، رَجُلٌ في حَوزَتِهِ مَقالٌ يَسعَى لِلبَوحِ بِهِ بِأوجَزِ عِبارة.
الكِتابةُ كَذلِكَ سَبيلُهُ لِمُغالبَةِ الزَّمَن. الزَّمَنُ هاجِسُهُ الأعظَم، مُقَدَّمٌ عَلى المَوتِ، والحَياةِ، والإلَه. «شَقاوَتي تَكمُنُ في تَعَلُّمي المُبَكِّرِ الحَذَرَ مِنَ الزَّمَن». يَنطِقُ بِها كَمَن يَشكو عِلَّةً مُزمِنَة. الزَّمَنُ سَيَلانٌ، وانفِلاتٌ، وحَرَكَةٌ لا تَسكُن. الكِتابةُ سَعيٌ لِإيقافِه، ومُكافَحَةٌ لِهَذا الجَرَيان، وتَثبيتٌ لِما يَأبى بِطَبعِهِ الثَّبات. «أُبصِرُ بِحَواسّي هُوِيَّ كُلِّ لَحظَةٍ في مَهاوي العَدَمِ المُستَحيلِ إصلاحُه». هَذِهِ الجُملةُ جِماعُ كُلِّ شَيء، فيها خُلاصَةُ جَزَعِهِ وكِتابَتِه. يَكتُبُ طَمَعاً في اقتِناصِ اللَّحظة، وإسباغِ هَيئَةٍ ومَعنىً عَلَيها. غَيرَ أنَّ اللَّحظَةَ مَضَت واختَفَت حينَ خَطَّها. الكِتابَةُ مُطارَدَةٌ لِلسَّرابِ المُمتَنِع، وسَعيٌ دائِمُ الخَيبَة. ومِن هُنا نَبَعَت كَراهِيَتُهُ لَها، ومِن هُنا أيضاً نَبَعَ إصْرارُهُ عَلَيها.
يَمُرُّ عَلَيهِ حينٌ في دَفاتِرِه، يُسائِلُ فيهِ نَفسَهُ عَن جَدوى مُواصَلَةِ الكِتابَة، سُؤالٌ كَثيرُ التَّرداد، يَلقى مِنهُ غالِباً رَفضاً لا يُلزِمُهُ بِشَيء. «سَأتشَبَّثُ بِهَذِهِ الدَّفاتِر، فَهيَ صِلَتي الوَحيدةُ بِـ"الكِتابَة"؛ بَعدَ أشهُرٍ عِجافٍ لَم أخطُط فيها حَرفاً». الكِتابَةُ في شِرعَتِهِ إدمانٌ لا غِنى لَهُ عَنه، حَتّى وإن خَلا وِفاضُهُ مِنَ القَول. الدَّفتَرُ عُكّازٌ ودعامَة؛ بِدونِهِ يَضيع، وبِوُجودِهِ تَخِفُّ وَطأةُ الضَّياعِ قَليلاً. يَكتُبُ دَرءاً لِلزَّوال، وإبقاءً عَلى أثَرٍ وإن كانَ ضَئيلاً مُثيراً لِلرِّثاء. «الكِتابُ حَدَثٌ لِمُؤَلِّفِهِ فَحَسب»، عِبارةٌ مُفجِعَة، تَنُمُّ عَن عَبَثِيَّةِ المَكتوب، ولامُبالاةِ النّاسِ بِه، وتَجَرُّدِ الكِتابِ مِن أيِّ مِلكيَّةٍ حالَ نَشرِه. غَيرَ أنَّها تُضفي مَعنىً عَلى فِعلِ الكِتابةِ لَدى فاعِلِه؛ فَهيَ تَحفَظُ حَياتَه، وتُبقيهِ في الزَّمَن، وتَعصِمُهُ مِنَ الغَرَق. يَقولُ تارَةً: «قَد كَفَفتُ عَنِ الكِتابَة»، ثُمَّ يَعودُ إلَيها. يَعودُ لِعَجزِهِ عَنِ الانقِطاع، ولِانعِدامِ شُغلٍ سِواها. يَعودُ لِأنَّ الكِتابَةَ بُرهانُهُ الأوحَدُ عَلى أنَّهُ ما زالَ حَيّاً يُرزَق.
لا أدري لِمَ يُديمُ سيُورَان الكِتابَة، إشَارَاتٌ كَهذِه مَنثورَةٌ في مَواضِعَ شَتّى مِنَ الدَّفاتِر. يَطرَحُها سُؤالاً بلا جَواب، سُؤالاً مُعَلَّقاً هائِماً. ولَعَلَّهُ الصِّدقُ الأوحَدُ عَلى لِسانِ أيِّ كاتِب؛ إذ لا أحَدَ يَعرِفُ حَقّاً لِمَ يَكتُب. ثَمَّةَ مُبَرِّراتٌ ظاهِرة، وأُخرى مَزعومَةٌ ومُختَلَقة، أمّا العِلَّةُ الدَّفينة، فَخافيَةٌ عَنِ الجَميع، تَخفى عَلى القابِضِ عَلى اليَراع، وتَخفى عَلى سيورانَ نَفسِه، وهُوَ الَّذي أفنى عُمُرَهُ في التَّساؤُلِ عَن كُلِّ شَيء، مُظَلِّلاً هذا المَقامَ بِغَياهِبِ العَمى. في «الخَالِق السَّيء» يَقُول: «يَستَحيلُ مَعرِفةُ السِّرِّ وَراءَ فِكرَةٍ تَتَمَلَّكُنا ولا تُبارِحُنا»، وقَولُهُ حَقٌّ في الأفكارِ كَما في الكِتابَة. تُنتَفى الأسباب، لِيَبقى القَهرُ الدّاخِليّ؛ قَهرٌ نُسَمِّيهِ مَوهِبَةً، أو عَبقَريَّةً، أو رِسالَة، وما هُوَ رُبَّما إلّا عُصابٌ ذِهنيّ؛ عُصابٌ نَتعَهَّدُهُ بِالرِّعايَةِ، ونُغَذِّيه، لِيُغَذِّيَنا بَدَورِهِ، أو يَفتِكَ بِنا، كُلٌّ بِحَسَبِ قَدَرِه.
أنا امرؤٌ أفنى عُمرَهُ في كِتابةِ ما كانَ حَرِيّاً بِهِ أن يَصرُخَ بِه. ولَعَلَّ هَذا أَدقُّ ما تُلَخَّصُ بِهِ تِلكَ الدَّفاتِر. مَضَت خَمسَ عَشرَةَ سَنةً، مَلأَ فيها سيوران أربَعةً وثَلاثينَ دَفتَراً، مُمَهِّداً أوائِلَها بِعِبارةِ: «لِلإتلاف». غَيرَ أَنَّهُ حَفِظَها وأبقاها، تارِكاً إيّاها عَلى طاوِلَتِهِ كَعَهدٍ مُضَيَّع، أو رِسالَةٍ مَنسيَّة، أوِ انتِحارٍ أُرجِئَ إلى الغَد؛ لَعَلَّ في الغَدِ مُتَّسَعاً لِمَيتَةٍ لائِقة، ولِأَنَّ لَنا اليَومَ جُملَةً أُخرى نَخطُّها.
«تَسري الشَّذْرَةُ في دَمي»، تِلكَ أُولى مُدَوَّناتِهِ عامَ ١٩٥٧. والشَّذْرَةُ ضَربٌ مِن ضُروبِ الزُّهد، وإقرارٌ بِالعَجزِ عَن بِناءِ نَسَقٍ فِكريّ، أو تَأليفِ أثَرٍ بِمَفهومِ العُلَماء، أو تَشييدِ صَرحٍ يُخَلَّفُ لِلأجيال. كُلُّ ما يُترَكُ شَظايا وأنقاض، وأفكارٌ قَصُرَ عُمرُها عَنِ الاستِحالَةِ إلى شَيءٍ سِواها. إنَّها كِتابَةٌ تَتَقَبَّلُ انقِطاعَها، وتَأبى الامتِداد، مُوقِنةً بِعَجزِها عَن بُلوغِ المُنتَهى؛ لانعِدامِ المُنتَهى في كُلِّ حال. تَكوينٌ طَبيعيٌّ خُلِقَ بِه، ولا طاقَةَ لَهُ بِدَفعِه. يُجافي النَّسَقَ؛ فَهوَ عاجِزٌ عَجزاً مُتَأصِّلاً عَنِ الإيمانِ بِانتِظامِ الأشياءِ، ومُنَزَّهٌ عَنِ الكَسَلِ الذِّهنيِّ في ذَلِك. العالَمُ في أصلِهِ لا يَنتَظِم، فَلِمَ تَنتَظِمُ الفِكرَة؟
الشَّذْرَةُ صُورَةٌ مِن صُوَرِ الإخفاق، ولِهذا يَهواها. والإخفاقُ عِندَهُ أبعَدُ مِن أن يَكونَ عارِضاً مَشؤوماً، إنَّهُ مَوقِفٌ وُجوديّ، وسَبيلُ المَرءِ الأوحَدُ لِلحِفاظِ على أمانَتِهِ لِذاتِه. أمّا الآخَرون، أُولئِكَ النّاجِحونَ البُناةُ مُخَلِّفو الأوابِد، فَخَوَنَةٌ صالَحوا الواقِعَ، ورَضُوا بِقَواعِدِ اللُّعبَة. أمّا هُوَ فَرَفَض، وما الشَّذْرَةُ سِوى أثَرٍ مِن آثارِ ذلِكَ الرَّفض. هِيَ فِكرَةٌ تَقِفُ قَبلَ أن تَستَحيلَ عَقيدَةً، وجُملَةٌ تَأبى التَّمَدُّدَ حَذَراً مِنَ الكَذِب. يَقُول في «مَثالِب الوِلادة»: «ما خَطَطتُ سِوى شَكوى، أو تَجديفٍ، أو نَقضِ قَولٍ بَعدَ إبرامِه». والنَّقضُ هُنا شَذْرَةٌ تَتَراجَعُ قَبلَ نُطقِها. تَقولُ الجُملَةُ الشَّيءَ وتَأتي بِضِدِّهِ بَعدَ لَحظَة، صِدقاً مِنها، خِلافاً لِمَن يَحسَبُ ذلِكَ عَبَثاً. التَّناسُقُ حَقٌّ لِلأموات، أمّا الأحياءُ فَيَتَناقَضون، ويُبَدِّلونَ آراءَهُم، ويَكتُبونَ شَذَراتٍ مُتَناقِضَة، وبِذا يَحفَظونَ بَقاءَهُم أحياء.
يَكتُبُ بِالفَرَنسيَّة، وهِيَ لُغَةٌ تَعَلَّمَها عَلى كِبَر، غَريبَةٌ عَنهُ ومُتَمَنِّعَةٌ عَلَيه. يَقول في دَفَاتِره: «مُكابَدَةُ الفَرَنسيَّةِ نَزعٌ واحتِضارٌ بِمَعناهُ الحَقيقيّ». والاحتِضارُ أبعَدُ مِن مُجَرَّدِ المَشَقَّة، إنَّهُ صِراعٌ والتِحامٌ جَسَديّ. وكِتابَتُهُ بِها خِيارٌ مَقصود؛ فالرُّومانِيَّةُ، لُغَتُهُ الأُمُّ، مُفرِطَةٌ في سُهولَتِها، وسَلاسَتِها، وتَواطُئِها. «الرُّومانيَّةُ أبشَعُ اللُّغاتِ وأكثَرُها شاعِريَّة». هِيَ لُغَةٌ لا تُبدي مُقاوَمةً، ولا تَنصِبُ عَقَبةً، وغِوايَةُ اليُسرِ فيها عَظيمَة. أمّا الفَرَنسيَّةُ فَكُلُّ ما فيها عَقَبَة؛ نَظمُها حِصنٌ، وصِيَغُ احتِمالِها مِحنَة، ونَحوُها قَميصُ مَجانين. يَكتُبُ بِصُعوبة، وهُوَ بِذا عَليمٌ ومُقِرّ: «يَعزُّ عَلَيَّ العُثورُ عَلى الألفاظِ المُوافِقَةِ لِما أُحِسُّ بِهِ وأُكابِدُه. "المَوهِبةُ" قُدرَةٌ عَلى سَدِّ الهُوَّةِ بَينَ المِحنَةِ واللُّغة. أمّا عِندي، فَتِلكَ الهُوَّةُ فاغِرةٌ فاها». ذاكَ إقرارُ رَجُلٍ يُوقِنُ بِقُصورِهِ عَن بُلوغِ شَأوِ ما يُحِسُّ بِه، ومَعَ ذلِكَ يَمضي. المَوهِبةُ شَأنُ الآخَرين، أمّا هُوَ فَلَدَيهِ دافِعٌ آخَر: حاجَةٌ عَميقَةٌ لِلكِتابة، ولَو جاءَت رَكيكَةً، مُعوَجَّةً، ومَشوبَةً بِنَحوٍ يَجهَلُه. «لَستُ بِكاتِب، أنا باحِثٌ»، ولَعَلَّها أصدَقُ كَلِمَةٍ نَطَقَ بِها يَوماً.
غَيرَ أنَّ دَواعي الكِتابةِ تَظلُّ غامِضَةً لِمَن يَرى العَبَثَ في كُلِّ شَيء. سُؤالٌ طالَما راوَدَه، وأعياهُ البَحثُ عَن جَوابٍ شافٍ لَه. يَكتُبُ لِانتِفاءِ سَبيلٍ آخَر، ويَكتُبُ لِأنَّ الكِتابَةَ مَلاذُهُ الأوحَدُ مِنَ الانتِحار. «جُلُّ ما كَتَبتُهُ ثَمَرةُ انتِقام، فَفيهِ بَردُ الرّاحة. العافيَةُ عِندي كامِنَةٌ في الهُجوم». الكِتابَةُ لَونٌ مِن ألوانِ الغَضَب؛ غَضَبٌ عَلى العالَم، وعَلى الذّات، وعَلى حَياةٍ خاوِيَةٍ مِنَ المَعنى تَأبى الانقِضاء. يَكتُبُ ثَأراً مِن كُلِّ ما أذاقَهُ الألَم، يَكتُبُ لِيَنفُثَ سُمَّه، ويَكتُبُ دَرءاً لِخَطَرِهِ لَو لَم يَفعَل. «لا أحمِلُ يَراعي إلّا حينَ تُخالِجُني الرَّغبةُ في إفراغِ رَصاصَةٍ في جَسَدي». تَصريحٌ مَدعاةٌ لِلشَّفَقَة، تَبَدَّلَ عِندَهُ فاستَحالَ أمراً مُعتاداً لِتَكَرُّرِهِ، ولِأَنَّهُ شَرطُ وُجودِهِ كَكاتِب. يَكتُبُ بِمَعزِلٍ عَنِ التَّزَلُّف، وبِمَنأى عَنِ القُرّاء، يَكتُبُ لِيَبقى. إنَّها كِتابةُ بَقاء، والبَقاءُ قَبيحٌ، فاحِشٌ، ومُحزِنٌ حَدَّ المَوت.
تَترَدَّدُ في تِلكَ الدَّفاتِرِ هَلوَسَةٌ تُشبِهُ اللَّحنَ المُتَكَرِّر: هَوَسُ الأُسلوب. يَلهَجُ بِذِكرِهِ دائِماً، يَحذَرُهُ، يَفِرُّ مِنهُ، ويَنشُدُه. «أُسلوبي مَنوطٌ بِالإيقاعِ والنَّبضِ العُضويّ، مُتَجاوِزٌ لِحُدودِ المَوهِبَة». الأُسلوبُ أنفاسُه، وطَريقَتُهُ في اللُّهاثِ بَينَ الكَلِمات. تَنتَفي فيهِ الغايَةُ الجَماليَّة، لِتَحُلَّ مَحَلَّها الضَّرورَةُ الجَسَديَّة. يَكتُبُ كَما يَتَنَفَّس: بِكَدٍّ، ومَشَقَّةٍ، ونَفَسٍ مُتَقَطِّع. يَهوى «نَثراً عَظمِيّاً تَتَخَلَّلُهُ قِشعَريرة»، خالِياً مِنَ الشَّحمِ واللَّحمِ وفُضولِ الكَلام. العَظمُ، الهَيكَلُ، القِشعَريرة، وما سِواها حَشو. الحَشوُ حِرفةُ الكُتّاب، وهُوَ مُتَبَرِّئٌ مِن لَقَبِ الكاتِب، رَجُلٌ في حَوزَتِهِ مَقالٌ يَسعَى لِلبَوحِ بِهِ بِأوجَزِ عِبارة.
الكِتابةُ كَذلِكَ سَبيلُهُ لِمُغالبَةِ الزَّمَن. الزَّمَنُ هاجِسُهُ الأعظَم، مُقَدَّمٌ عَلى المَوتِ، والحَياةِ، والإلَه. «شَقاوَتي تَكمُنُ في تَعَلُّمي المُبَكِّرِ الحَذَرَ مِنَ الزَّمَن». يَنطِقُ بِها كَمَن يَشكو عِلَّةً مُزمِنَة. الزَّمَنُ سَيَلانٌ، وانفِلاتٌ، وحَرَكَةٌ لا تَسكُن. الكِتابةُ سَعيٌ لِإيقافِه، ومُكافَحَةٌ لِهَذا الجَرَيان، وتَثبيتٌ لِما يَأبى بِطَبعِهِ الثَّبات. «أُبصِرُ بِحَواسّي هُوِيَّ كُلِّ لَحظَةٍ في مَهاوي العَدَمِ المُستَحيلِ إصلاحُه». هَذِهِ الجُملةُ جِماعُ كُلِّ شَيء، فيها خُلاصَةُ جَزَعِهِ وكِتابَتِه. يَكتُبُ طَمَعاً في اقتِناصِ اللَّحظة، وإسباغِ هَيئَةٍ ومَعنىً عَلَيها. غَيرَ أنَّ اللَّحظَةَ مَضَت واختَفَت حينَ خَطَّها. الكِتابَةُ مُطارَدَةٌ لِلسَّرابِ المُمتَنِع، وسَعيٌ دائِمُ الخَيبَة. ومِن هُنا نَبَعَت كَراهِيَتُهُ لَها، ومِن هُنا أيضاً نَبَعَ إصْرارُهُ عَلَيها.
يَمُرُّ عَلَيهِ حينٌ في دَفاتِرِه، يُسائِلُ فيهِ نَفسَهُ عَن جَدوى مُواصَلَةِ الكِتابَة، سُؤالٌ كَثيرُ التَّرداد، يَلقى مِنهُ غالِباً رَفضاً لا يُلزِمُهُ بِشَيء. «سَأتشَبَّثُ بِهَذِهِ الدَّفاتِر، فَهيَ صِلَتي الوَحيدةُ بِـ"الكِتابَة"؛ بَعدَ أشهُرٍ عِجافٍ لَم أخطُط فيها حَرفاً». الكِتابَةُ في شِرعَتِهِ إدمانٌ لا غِنى لَهُ عَنه، حَتّى وإن خَلا وِفاضُهُ مِنَ القَول. الدَّفتَرُ عُكّازٌ ودعامَة؛ بِدونِهِ يَضيع، وبِوُجودِهِ تَخِفُّ وَطأةُ الضَّياعِ قَليلاً. يَكتُبُ دَرءاً لِلزَّوال، وإبقاءً عَلى أثَرٍ وإن كانَ ضَئيلاً مُثيراً لِلرِّثاء. «الكِتابُ حَدَثٌ لِمُؤَلِّفِهِ فَحَسب»، عِبارةٌ مُفجِعَة، تَنُمُّ عَن عَبَثِيَّةِ المَكتوب، ولامُبالاةِ النّاسِ بِه، وتَجَرُّدِ الكِتابِ مِن أيِّ مِلكيَّةٍ حالَ نَشرِه. غَيرَ أنَّها تُضفي مَعنىً عَلى فِعلِ الكِتابةِ لَدى فاعِلِه؛ فَهيَ تَحفَظُ حَياتَه، وتُبقيهِ في الزَّمَن، وتَعصِمُهُ مِنَ الغَرَق. يَقولُ تارَةً: «قَد كَفَفتُ عَنِ الكِتابَة»، ثُمَّ يَعودُ إلَيها. يَعودُ لِعَجزِهِ عَنِ الانقِطاع، ولِانعِدامِ شُغلٍ سِواها. يَعودُ لِأنَّ الكِتابَةَ بُرهانُهُ الأوحَدُ عَلى أنَّهُ ما زالَ حَيّاً يُرزَق.
لا أدري لِمَ يُديمُ سيُورَان الكِتابَة، إشَارَاتٌ كَهذِه مَنثورَةٌ في مَواضِعَ شَتّى مِنَ الدَّفاتِر. يَطرَحُها سُؤالاً بلا جَواب، سُؤالاً مُعَلَّقاً هائِماً. ولَعَلَّهُ الصِّدقُ الأوحَدُ عَلى لِسانِ أيِّ كاتِب؛ إذ لا أحَدَ يَعرِفُ حَقّاً لِمَ يَكتُب. ثَمَّةَ مُبَرِّراتٌ ظاهِرة، وأُخرى مَزعومَةٌ ومُختَلَقة، أمّا العِلَّةُ الدَّفينة، فَخافيَةٌ عَنِ الجَميع، تَخفى عَلى القابِضِ عَلى اليَراع، وتَخفى عَلى سيورانَ نَفسِه، وهُوَ الَّذي أفنى عُمُرَهُ في التَّساؤُلِ عَن كُلِّ شَيء، مُظَلِّلاً هذا المَقامَ بِغَياهِبِ العَمى. في «الخَالِق السَّيء» يَقُول: «يَستَحيلُ مَعرِفةُ السِّرِّ وَراءَ فِكرَةٍ تَتَمَلَّكُنا ولا تُبارِحُنا»، وقَولُهُ حَقٌّ في الأفكارِ كَما في الكِتابَة. تُنتَفى الأسباب، لِيَبقى القَهرُ الدّاخِليّ؛ قَهرٌ نُسَمِّيهِ مَوهِبَةً، أو عَبقَريَّةً، أو رِسالَة، وما هُوَ رُبَّما إلّا عُصابٌ ذِهنيّ؛ عُصابٌ نَتعَهَّدُهُ بِالرِّعايَةِ، ونُغَذِّيه، لِيُغَذِّيَنا بَدَورِهِ، أو يَفتِكَ بِنا، كُلٌّ بِحَسَبِ قَدَرِه.
❤9🔥5😱2
«أكتُبُ خَلاصاً مِن نَوباتِ إحباطي. هَذا أمْرٌ غَيرُ مُمتِعٍ لِلقُرّاء، غَيرَ أنِّي أكتُبُ بِمَنأى عَنِ القِراءَة». ولَعَلَّها أعدَلُ عِبارةٍ تَصِفُ عَمَلَه؛ يَكتُبُ لِنَفسِهِ دونَ غَيرِه، طَلَباً لِلرّاحةِ، وتَطهيراً لِلرّوح، ودَرءاً لِلانفِجار. الأدَبُ تَطبيب، شَأنُهُ شَأنُ كُلِّ عِلاج، يَقصُرُ عَنِ الشِّفاءِ التّام، مُكتَفِياً بِتَخفيفِ الألَم، والإعانةِ عَلى الصُّمود.
إنَّهُ يُبقي العُقدَة، مُزيحاً إيّاها عَن مَوضِعِها، وماسِخاً لَها إلى جُمَل؛ والجُمَلُ، وإن بَلَغَت مَبلَغاً مِنَ الجَمال، تَظَلُّ في أصلِها مُجَرَّدَ جُمَل.
وفي الخِتام، تَبرُزُ هَذِهِ الجُملةُ في الدَّفاتِر: «عَقَدتُ العَزمَ عَلى جَمعِ شَتاتِ الخَواطِرِ المَنثورَةِ في هَذِهِ الدَّفاتِرِ الاثنَينِ والثَّلاثين. ولَن يَتَبَيَّنَ لي إلّا بَعدَ شَهرَينِ أو ثَلاثَةٍ إن كانَت تَصلُحُ مَحَصيلَةً لِكِتابٍ (قَد يُوَسَّمُ بِـ«تَأوُّهات» أو «مَثالِبُ الوِلادَة»)». هَكَذا يُولَدُ الكِتابُ، نابِعاً مِن جَمعِ الشَّذَراتِ، وتَراكُمِ المُدَوَّناتِ، وهَوَسٍ يَنتَهي بِهِ المَطافُ إلى الانتِظامِ، خِلافاً لِمَن يَحسَبُهُ وَليدَ خُطَّةٍ أو نِيَّةٍ مُبَيَّتَة. العُنوانُ فَرَضَ سَطوَتَه، ولَم يَكُن خِياراً. وَلِأنَّه عُنوان كتابٌ آخرٌ له، فـ«مَثالِبُ الوِلادَة»... ذاكَ جِماعُ كُلِّ ما كَتَب، ولَعَلَّهُ السَّبَبُ الكامِنُ وَراءَ إدامَتِهِ لِلكِتابَة؛ لِأنَّهُ مَسلوبُ الخِيار، ولِأنَّهُ، إذ وُلِدَ خَطَأً، قُضِيَ عَلَيهِ بِإفناءِ عُمُرِهِ في نُطقِ هَذِهِ الحَقيقَةِ، وتَردادِها، وكِتابَتِها، وإعادَةِ كِتابَتِها، حَتّى يَنفَدَ القَول، ويَنضُبَ مَعينُ الكِتابَة.
كُتُبُهُ أشتاتُ شَذَرات، ومَجاميعُ شَظايا، وقِطَع، وأنقاض، مُتَجاوِزةٌ لِمَفهومِ الكُتُبِ المُعتاد. تَفتَحُها أنَّى شِئت، وتَقرَؤُها كَيفَما شِئت، وتَطويها مَتى شِئت. تَخلو مِن بَدءٍ، ومُنتَهىً، وتَدَرُّج، لِتَرتَكِزَ عَلى التَّكرار، والهَوَس، والنَّبض. كِتابةٌ لا تَقصِدُ وِجهَةً مُعَيَّنة، مُوقِنَةً بِفَراغِ كُلِّ الوِجهاتِ مِن أيِّ ضالَّةٍ تُرتَجى. «الكُلُّ عَدَم»، يَلهَجُ بِها في ثَباتٍ يَحمِلُنا عَلى التَّساؤُلِ: أَلَعَلَّ هَذا اليَقينَ هُوَ دافِعُهُ لِلكِتابة؟ غايَتُهُ المُعايَشةُ والتَّنَفُّسُ وغَرسُ اليَقينِ في رِحابِ الجُملَة، مُتَرَفِّعاً عَن مُحارَبَتِهِ أو إثباتِه.
Imagism
إنَّهُ يُبقي العُقدَة، مُزيحاً إيّاها عَن مَوضِعِها، وماسِخاً لَها إلى جُمَل؛ والجُمَلُ، وإن بَلَغَت مَبلَغاً مِنَ الجَمال، تَظَلُّ في أصلِها مُجَرَّدَ جُمَل.
وفي الخِتام، تَبرُزُ هَذِهِ الجُملةُ في الدَّفاتِر: «عَقَدتُ العَزمَ عَلى جَمعِ شَتاتِ الخَواطِرِ المَنثورَةِ في هَذِهِ الدَّفاتِرِ الاثنَينِ والثَّلاثين. ولَن يَتَبَيَّنَ لي إلّا بَعدَ شَهرَينِ أو ثَلاثَةٍ إن كانَت تَصلُحُ مَحَصيلَةً لِكِتابٍ (قَد يُوَسَّمُ بِـ«تَأوُّهات» أو «مَثالِبُ الوِلادَة»)». هَكَذا يُولَدُ الكِتابُ، نابِعاً مِن جَمعِ الشَّذَراتِ، وتَراكُمِ المُدَوَّناتِ، وهَوَسٍ يَنتَهي بِهِ المَطافُ إلى الانتِظامِ، خِلافاً لِمَن يَحسَبُهُ وَليدَ خُطَّةٍ أو نِيَّةٍ مُبَيَّتَة. العُنوانُ فَرَضَ سَطوَتَه، ولَم يَكُن خِياراً. وَلِأنَّه عُنوان كتابٌ آخرٌ له، فـ«مَثالِبُ الوِلادَة»... ذاكَ جِماعُ كُلِّ ما كَتَب، ولَعَلَّهُ السَّبَبُ الكامِنُ وَراءَ إدامَتِهِ لِلكِتابَة؛ لِأنَّهُ مَسلوبُ الخِيار، ولِأنَّهُ، إذ وُلِدَ خَطَأً، قُضِيَ عَلَيهِ بِإفناءِ عُمُرِهِ في نُطقِ هَذِهِ الحَقيقَةِ، وتَردادِها، وكِتابَتِها، وإعادَةِ كِتابَتِها، حَتّى يَنفَدَ القَول، ويَنضُبَ مَعينُ الكِتابَة.
كُتُبُهُ أشتاتُ شَذَرات، ومَجاميعُ شَظايا، وقِطَع، وأنقاض، مُتَجاوِزةٌ لِمَفهومِ الكُتُبِ المُعتاد. تَفتَحُها أنَّى شِئت، وتَقرَؤُها كَيفَما شِئت، وتَطويها مَتى شِئت. تَخلو مِن بَدءٍ، ومُنتَهىً، وتَدَرُّج، لِتَرتَكِزَ عَلى التَّكرار، والهَوَس، والنَّبض. كِتابةٌ لا تَقصِدُ وِجهَةً مُعَيَّنة، مُوقِنَةً بِفَراغِ كُلِّ الوِجهاتِ مِن أيِّ ضالَّةٍ تُرتَجى. «الكُلُّ عَدَم»، يَلهَجُ بِها في ثَباتٍ يَحمِلُنا عَلى التَّساؤُلِ: أَلَعَلَّ هَذا اليَقينَ هُوَ دافِعُهُ لِلكِتابة؟ غايَتُهُ المُعايَشةُ والتَّنَفُّسُ وغَرسُ اليَقينِ في رِحابِ الجُملَة، مُتَرَفِّعاً عَن مُحارَبَتِهِ أو إثباتِه.
Imagism
❤15👍2🔥2
"إميل سيوران":
وبالنظر إلى نتائجها، فالمعرفة فعل دِيني بطريق غير مباشر."
وبالنظر إلى نتائجها، فالمعرفة فعل دِيني بطريق غير مباشر."
❤15🔥5🤯1