موقع العلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
1.04K subscribers
509 photos
3 videos
43 files
164 links
موقعنا على شبكة الإنترنت:
https://www.amin-sheikho.com

صفحات التواصل الاجتماعي:
https://facebook.com/sheikhobooks/
https://twitter.com/sheikhobooks
Download Telegram
ما الشدائد والمصائب إلا رحمة وفضلٌ من الله عظيمٌ على الناس أجمعين.
الشدائد من قتال ومرض وفقر وإهانة هي في حقيقتها رحمة من الله الرحمن لتشد الإنسان إلى الإيمان بربه وليدخل الجنة، فهي تقرِّب النفس المعرضة عنه سبحانه فتجعلها قريبة منه ومن الإيمان به، وذلك بالالتجاء إليه سبحانه وتعالى ليرفع عنها الشدة فيصبح طريق الإيمان سهلاً عليها.
فإن آمن الناس بالله بعد هذه الشدائد وأقبلوا عليه سبحانه شفى الله لهم أنفسهم من عللها، عندها يرفع الله عنهم الشدة حيث لم يبقَ هناك داع لها ويعاملهم سبحانه وتعالى باسمه "الرحيم" ويتجلَّى به عليهم.
وهذا الاسم العظيم "الرحيم" خاص بأهل الطاعة من المؤمنين، أهل التقوى فلا مكروه يصيبهم ولا شيء يحزنهم أو يؤلمهم، فهم في الدنيا بالسعادة والجنات والإكرام وبالآخرة كذلك.
قال تعالى: (‏مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا‏) سورة النساء، الآية 147
أيها الإنسان هيئْ نفسك وضعْها حيث يرضى الله، وهو سبحانه الذي يبث فيها الخيرات ويزرع فيها المكرمات.
قال ﷺ: «إن أبغض الحلال عند الله الطلاق» لما فيه من ضرر وأذى على الأولاد.
التوبة النصوحة الصحيحة تمحو الخطايا.
قال ﷺ: «إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرئ ما نوى»
﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ سورة قۤ، الآية 6
السماء هي ذلك السقف الذي يحيط بالأرض من جميع الجهات وما تشتمل عليه من شمس وقمر ونجوم وجاذبيات.
فكّر أيها الإنسان ... ما الذي يحملها وأنت ترى أنه لا يمسكها عمد ولا جدار، ثم انظر إلى النجوم اللامعة فيها والتي يفوق حجم كل واحد منها حجم الأرض بآلاف المرات، كيف هي تسبح في هذا الفضاء وليس يربطها ببعضها سلاسل ولا أسلاك.
فكِّر في هذه القوى والجاذبيات التي تربط بعض النجوم ببعض فإذا هي متماسكة مترابطة وبين كل نجم ونجم آلاف السنين الضوئية والأعوام. فكِّر أيها الإنسان في السماء، هل تستطيع أن تقوم بذاتها؟
أليس لها خالق عظيم أوجدها ورفعها.
ثم فكِّر في النجوم أليس لها من إلٓه نظَّمها أليس لها من ممدٍّ يمدُّها بالنور والقوة والحياة، فإذا هي تسطع لا يطفئها مرور السنين ولا يضعف من نورها وقوَّتها كرُّ العصور والأجيال.
قال ﷺ: «...ألا إن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه...».
﴿والأَرضَ فَرَشنَاهَا فَنِعمَ المَاهِدُونَ﴾ سورة الذاريات، الآية 48
فرشناها لكم بكل ما تحتاجون إليه لتأمين حياتكم ومعاشكم من جبال وبحار وسهول وأنهار ومعادن مختلفات وأحجار وأنعام ونباتات وهواء.
﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾: خلق لك كل هذا لتتنعم به، مهَّد لك ما فيها لتستعمله وتنتفع منه، فماذا يكون حالنا لو لم يتفضل الله علينا بهذا الفضل والعطاء؟
وفي الحقيقة ما أرسلنا الله للأرض للأكل والشراب فحسب، بل هناك غاية أعظم وأسمى، الله بعثنا ومهَّد لنا ما في الأرض ليُنعم علينا بالهداية والاستنارة، والإنسان تميّز عن سائر المخلوقات بالفكر ليستعمله في الوصول لربه.
والدنيا مزرعة الجنات، وفيها خيرات كثيرة يجنيها المؤمن، فرشها الله لنا بالأنوار والعطاءات الإلٓهية ليُنعم علينا بالتجليّات الإلٓهية والجنات عن طريق رسله ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ سورة آل عمران، الآية 194
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) سورة الأنفال، الآيات 2-4
فكيف يؤمن الإنسان الإيمان الحقّ؟

إذا سمع الإنسان كلام الحق، ففكر بالموت حتى أيقنت نفسه من فراق الدنيا، فخاف واستقام على طاعة الله، توقّف عن كل ما لا يرضي الله، وبهذه الاستقامة تكسب نفسه ثقة أن الله راضٍ عنها، عندها يفكّر بالكون بعد خشيته من الموت فيشاهد الوجود الإلٓهي من خلال آيات الكون، يشهد لا إلٓه إلا الله ويعمل لآخرته ويكتسب الكمال بنفسه بالصلاة، ويحبُّ الكاملين وسيّدهم رسول الله ﷺ، وبهذه المحبة تنشأ الرابطة النفسية معه ﷺ ويشاهد عندها المؤمن بمشاهدة الرسولﷺ.
آمن واعرف رسولك ﷺ تعي ذلك، النفس مع الرسول تسمع وتشاهد وترى الحقائق وتختزن الكمالات.
الحكمة من المصائب:

فالمصائب أخمدت الجرثوم ودوَّخته وسترت العلَّة ستراً آنياً، وما هذه الكراهية التي حلت بالنفس تجاه الدنيا وشهواتها إلاَّ كراهية مؤقتة، قد لا تدوم طويلاً، فإذا لم تغتنم النفس الفرصة، وإذا هي لم تتعرف إلى الله تعالى، ولم تؤمن به من بعد الشدة، فما أسرع ما تعود الشهوة وتظهر في ساحة النفس من جديد، حتى أن ظهورها قد يكون أكثر وضوحاً، وفتكها في النفس أشدُّ خطراً. ولذلك وتلافياً للأمر واغتناماً للفرصة، يجب على الإنسان إذا هو أصبح في حال الأمن بعد الخوف، والصحة بعد المرض، والرخاء من بعد الشدة، أن يبادر إلى التعرُّف إلى ربه الذي لم يجد ملجأً إلاَّ إليه، وموئلاً ومنجياً سواه.



فتح طريق الإيمان:

يجب على الإنسان وقد استجاب له الله دعاءه، فبدَّله من بعد خوفه أمناً، ومن بعد مرضه صحةً وعافية، أن يسلك طريق الإيمان، وما أيسر هذا الطريق في مثل هذه الحالة. فالفرصة عظيمة، إذ النفس انضمت إلى الفكر، وأضحت سبل التفكير مذلّلة ميسّرة فيجب اغتنامها.



طهارة النفس:

وهكذا.. عندها إذا فكَّر الإنسان باحثاً عن الإيمان بلا إلۤه إلا الله بصدق، بالنظر بالآيات الكونية وخلقه الجسدي، مَنْ خلقه؟! سرعان ما يصل وهو في مثل هذه الحالة إلى ذلك المطلب العالي، فلا شك أن إيمانه هذا يجعله في حصن الاستقامة الحصين، فحيثما اتجه، وأنّى أقبل يرى الله تعالى شاهداً رقيباً، وتولِّد هذه الاستقامة لديه ثقة من رضاء الله عنه، فيقبل عليه تعالى، بوجهه الأبيض ويصلي الصلاة الحقيقية، وبهذه الصلاة، وبذلك النور الإلۤهي الذي شاهده، تطهر النفس مما علق بها من جرثوم الشهوات الخبيثة، وينقِّيها ربها بنوره من أدرانها، تنقية متناسبة مع إقبالها.



الغاية من الشدائد:

أما وقد بيَّنا طريق الطهارة النفسية الصحيحة، وعرفنا المراد الإلۤهي، والرحمة الإلۤهية في سوق البلاء والشدة، اعتقد أنه أضحى من اليسير فهم بعض المراد من قوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [سورة السجدة:21] .

وقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [سورة الروم:41] .

وبعض المراد من قصة أصحاب الجنة التي أوردها تعالى في سورة القلم، مبيناً فيها أن البلاء الذي أصاب أولئك المزارعين الذين تحدثت عنهم تلك القصة، كان سبباً في رجوعهم إلى الله تعالى، ورغبتهم إليه، مما عقَّب تعالى بقوله الكريم: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ..} [سورة القلم:33] .

يريد تعالى بأن يعرِّفنا بأن الغاية من العذاب رجوع الإنسان عن غيِّه ورغبته إلى ربِّه، فيرجع الله عليه إثر هذه التوبة والإيمان، بالصحة والجاه والعز والمال لينفقه في وجوه النفع الإنساني، والخير للمعوزين، فيرقى دنيا وآخرة. قال تعالى: {ما يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [سورة النساء:147] .

وإن لم يكتسب الفرصة، ففرح بانكشاف الغمة، وعاد من بعد المصيبة والشدة، إلى الانغماس في الشهوات والملذَّات، وارتكاب المحرمات، فبشِّره من بعد هذه المصيبة بمصيبة أكبر، وشدة أعظم. وما تزال المصائب تترى متزايدة في الشدة كي يرجع ويتوب، أو يموت إن بقي مصرّاً على البغي والإعراض، وقد خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. قال تعالى:

..وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [سورة الرعد:31] .

والحمد لله على كل حال، فهو الذي بيده الخير فقط، ولا هادي سواه.

والصلاة على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم الذي أرسله هادياً للخلْق، ورحمة للعالمين
ما خُلقت أيها الإنسان المكرّم في هذه الحياة الدنيا إلا لتفعل الخير...
ما خُلقت أيها الإنسان المكرّم لتكون أنانيّاً لا يهمُّك إلاّ أمر نفسك والاستئثار بما في أيدي الناس.
ما خلقت لتكون حريصاً على الدنيا أكبر همّك جمع المال.
فالإنسان الصحيح ليس هذا سيره، وما خُلق الإنسان في هذه الحياة الدنيا إلا ليفعل الخير ويكتسب حياته في خدمة أخيه الإنسان، ليكون في الآخرة من السعداء.
فإذا أنت الآن لم تُصغِ إلى نصائح ربِّك وأمره، وإذا أنت لم تسلك الطريق التي رسمها لك في القرآن الكريم، وبيَّنها على لسان رسوله ﷺ، وإن أنت لم تصدِّق ولم تؤمن بذلك كله، فستندم حين لا ينفعك الندم وسترى عظيم خسارتك في ذلك اليوم الذي ستقف فيه للحساب بين يدي ربك.
لا تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
عن طريق رسول الله ﷺ تسمو وتعلو أيها الإنسان، فلا تتركه وتذهب لغيره.
كل ما في الكون لن يفيدك عند الموت، ستـترك الكـلّ، المـال والبنين والـزوج والأهل والخلان...
غير كلام الله لا تسمع...
كلامُ الله ودلالته المنزلة على رسوله فيها السلامة والنجاة والسعادة دنيا وآخرة، وغيرُ كلام الله ورسوله ﷺ فيه الخسارة والشقاء، خسارة الدارين.
حبّ الدنيا حجابٌ يحجب النفس عن ربِّها...