موقع العلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
1.03K subscribers
508 photos
3 videos
43 files
164 links
موقعنا على شبكة الإنترنت:
https://www.amin-sheikho.com

صفحات التواصل الاجتماعي:
https://facebook.com/sheikhobooks/
https://twitter.com/sheikhobooks
Download Telegram
الحمد لله ربّ العالمين، على كل حال من الأحوال.
الحمد: هو ما ينبعث في النفس من تقدير المحسن، وما ينشأ فيها من الثناء على المنعم المتفضِّل.
وكلمة (لِلَّهِ) مأخوذة من الإلٓه، وهو الذي يؤول إليه أمر كل ما في الكون، من حيث رزقه ومعاشه وإمداده بالحياة، وقيامه وتسييره في أعماله، ومنحه ما يتطلَّبه في حياته بما يتناسب وكمال كافة المخلوقات، فمن كمال لكمال أوسع، وليس بالإمكان أبدع مما كان.. أي: ليس بإمكان أحد من البشر، أن يُبدع مثل هذا الإبداع أبداً.
فسبحانك ربِّي ما أعظم كمالاتك، ولا إلٓه لي وللكائنات كلها سواك.

وهو تعالى يُحمد على تسييره لك ولهذا الكون، فما من حادثة تحدث، ولا مصيبة أو ضائقة تلم وتنزل، ولا عسر أو يسر، ولا مرض أو شفاء، وما من همٍّ أو غم، ولا نصرة أو خذلان، وما من واقع يقع في هذا الكون، من عطاء ورخاء، أو علاجٍ، إلاَّ وهو منه تعالى محض الخير والفضل والإحسان.

فهو سبحانه يُحمد على كل حال، وهو تعالى يستحق الحمد، وله الحمد في كل ما يسوقه لهذه المخلوقات، أدرك طرفاً من ذلك أولو العلم والبصائر، ولو انكشف الغطاء، لما اخترت إلاَّ ما اختاره الله لك.
وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شرٌّ لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
المال الذي رزقك الله إيّاه أمانة بين يديك.
إن كنت أهلاً لأداء هذه الأمانة، بأن تخرج زكاتها وتمنحها الفقير والعاجز والمسكين، أدام الله فضله عليك، وولّاك هذه الوظيفة، وجعلك وكيلاً على الفقراء تعطي كلّ ذي حقٍّ حقّه، فصحَّ قول من قال: من فضله تعالى عليك أن خلق الفضل ونسبه إليك لتكسب. ﴿...وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ سورة آل عمران: الآية (144).
أما إذا أساء الغني التصرف، وأكل حق الفقير، وبذل المال في غير محلّه إسرافاً وتبذيراً، عزله الله تعالى عن تلك الولاية، وسلبه تلك النعمة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ...﴾ سورة الأنفال: الآية (53).
نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سورة الحجر، الآية 49
أي أن كل فعله الذي يعامل به عباده للمغفرة، ولكن كيف تكون المغفرة؟
بيَّنها تعالى بقوله الكريم في الآية التي تليها: ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾: كيف ذلك؟
يرسل الله تعالى لهذا الإنسان بلاءً قوياً شديداً ليخلِّصه مما في نفسه، وليرجع إلى الحق.
أنا خلقته لأسعده، فإذا شذُّ أُرسل له الفقر، الشدائد، الأمراض، ليعود إلى الحق، (أعذبه العذاب الأليم لأُشفي نفسه وأرحمها).
فالله تعالى لا يعذِّب الإنسان كندٍّ لندّ، لكن يعذِّبه رحمة به وعطفاً عليه.
الله تعالى كبير، كل ما في الكون لو تركه تعالى لحظة لانعدم، الله تعالى قوي عظيم، لكن يعامل الخلق بما يعاملهم به رحمة بهم.
فكل ما يصيبك سببه أنت، حبّاً بك يرسل لك ما يرسله.
فإذا أصابك شيء عليك أن تتلقّاه بالقبول، وأن ترجع إلى الله.
﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ سورة يونس، الآية 6
لولا طول الليل وقصره لما أكلت طعامك.
وهذا الترتيب من تزايدهما ونقصهما لا يختلف من سنة لسنة؛ النظام مستمر، والشروق بوقت واحد منتظم.
مثلاً: في أول يوم من آذار من كل سنة كما سبقها، كما بعدها، وكذا سائر الأيام.
هذه الآيات لطالب الإيمان، إن لم تطلب فلن تستفيد، إن لم تسعَ فلن يأتك الخير.
أعطاك الله الخيار، أمرك بالطلب، طلب العلم "التقوى" اطلب تنل، إن لم تطلب ظللت على ما أنت عليه.
إن نلت التقوى رأيت هذا وما فيه من آيات.
هو سبحانه ملتفت دوماً عليك، فولِّ وجهك نحوه تعالى، خلق الكون كله لك كي تسعد.
التواصي بالحق والتواصي بالصبر.
إنّها أعظم الأعمال الصالحة التي يقوم بها الإنسان، وإنها من أكبر أوجه الخير، وقد ذكرت في آخر سورة العصر بعد عمل الصالحات، قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ سورة العصر، الآية 3.
لأن العمل الصالح يقرب الإنسان من خالقه، ويجعل النفس مطمئنة برضاء الله عنها، وهنالك تدفعها ثقتها واطمئنانها إلى الإقبال على الله تعالى، فينطبع فيها الحق ويكتب على صفحاتها وحينئذٍ ينطلق لسانها في الإرشاد إلى الحق والتواصي بالحق.
وقد ذكر تعالى التواصي بالصبر في آخر السورة لتعلم أن آخر ما يصل إليه الإنسان المؤمن هو التواصي بالصبر.
فهذا المؤمن بإقباله على الله وشهود حنان الله ورحمته، ورؤية جانب من عطفه تعالى ورأفته بخلقه، يرى أن كل ما يسوقه تعالى لعباده، إن هو إلا محض فضل وعطف وإحسان، ولذلك تراه يوصي الخلق بالصبر، ويعرِّفهم بربِّهم صاحب العطف والإحسان.
ويذكِّرهم بأنَّ كلَّ ما يسوقه تعالى لهم منطوٍ على فضلٍ ورحمةٍ وإحسانٍ، فما عليهم إذا هم مرضوا أو افتقروا، أو أصيبوا بمصيبة من المصائب، إلا أن يقابلوا ذلك بالصبر والرضاء، إذ النتيجة، إن تاب المرء، عطاء مذهل يناله الصابر التائب، لا يعلم مدى الخير العائد على هذا الإنسان والفضل المعدِّ له بعد الشفاء، إلا الله.
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ سورة النازعات، الآيات ٤٠-٤١.
الخوف والخشية لا يكونان إلاَّ بالنظر في مخلوقات الله تعالى والتأمُّل في آيات هذا الكون.
فإذا نظر الإنسان في هذه الآيات وفكَّر، فعندئذٍ يستعظم خالقه ومربِّيه، وتتولَّد في نفسه الخشية منه.
وهذه الخشية المتولِّدة في النفس تحمل صاحبها على طاعة خالقه والسير ضمن أوامره.
فهذا الإنسان الذي نظر في الكون وتوصَّل منه إلى تعظيم خالقه والخشية من ممدِّه بالحياة ومربِّيه، تراه يزجر نفسه، ويُجنِّبها بالاقناع الجازم عن كل ما تتطلَّبه وتميل إليه، ما دام ذلك الأمر قد نهاه عنه خالقه وحذَّره منه.
فإذا استمر الإنسان على ذلك حتى يموت ويُوارى في قبره، فعندئذ تجده شاخصاً ببصره إلى منزلته، وما سيصير إليه من النعيم ويرى أن الجنة ستكون مأواه.
ما هي الثمرة التي يجنيها الصائم من صومه؟
بالصيام الصحيح في شهر رمضان تغدو النفس المؤمنة بالله ورسوله سميعة بصيرة، ليس يحجبها دون رؤية الحقائق حجاب ولا يحول بينها وبين مشاهدة ما في الحياة الدنيا من خير أو شر شيء من الأشياء.
لقد كانت قبل صومها رمضان مصدّقةً بكلمات ربها ورسله، مطبّقة شريعة الله مستسلمة لأوامره، تطبّق شريعة الله تطبيق الواثق بوصفة الطبيب الحاذق والمعتمد على كلام الأب الناصح لكنها لم تر بعد ما في هذه الوصفة من فائدة ولا ما في هذه النصيحة من خيرٍ وسعادةٍ. وتسرب إليها الصحة بصوم رمضان شيئاً فشيئاً...
وتتدرَّج بإقبالها على الله في صلاتها وتدنو من منازل الكمال ليلة بعد ليلة فإذا هي بهذه الصلاة تعاف الرذيلة ولو لم ترَ حقائقها وتأنف من الدنية ولو لم تعاين ما فيها وتحب الفضيلة شوقاً إليها ورغبة فيها، وإذا هي تقدر رسول الله ﷺ تقديراً عظيماً.
لقد أكسبتها صلتها بالله تعالى مزيداً من الكمال حتى أضحت تحب كل كاملٍ وتهوى كل فضيلة، لقد أضحت بهذا الإقبال على الله تعالى رحيمة، إذ اكتسبت منه تعالى الرأفة والرحمة وما من أحدٍ من الخلق رؤوف ورحيم بالخلق مثل رسول الله فإذا هي تحب رسول الله ﷺ لرأفته ورحمته الفائقة.
غاية الصوم والحج هي بلوغ التقوى. وهذا لا يتأتّى إلا إذا قدَّم الإنسان من المال الغالي على النفس، قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ.. ﴾ سورة آل عمران، الآية (92).

فكما يقدِّم الإنسان أعمال البر والصدق والخير والأضحيات بالهدي في الحج، فإنه بشهر الصيام شهر ليلة القدر عليه أن يقدم بالتالي ما يماثل ذلك، ومن هنا سُنَّتْ صدقة الفطر لكي تعود النفس إلى فطرة الكمال التي فطر الناس عليها، وتخلص من صفاتها البهيمية وتغدو إنسانية سامية من كل الوجوه، والتعبير العملي لصدق النفس بطاعتها لربها تتجلى بعملها السامي أي بما تقدمه من الزكاة.

فالفقير يقدّم بحسب حالته وإمكانيته، والغني يقدّم بحسب إيمانه واستفادته القلبية، كلٌّ يجود بحسب قيمة صومه عنده، وبحسب ما نال من الخير يبذل تجاهه ثناءً وشكراً ما تجود به نفسه وتسمو به همّته لإرضاء مولاه، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ.. ﴾ سورة فصلت، الآية (46)

ويُفضَّل دفعها قبل حلول النصف الثاني من رمضان لأجل أن يتمكَّن الفقير من أن يهيء لنفسه وبنيه ما هم بحاجة ماسة إليه.
لا تفسد صيامك بالمعاصي والمخالفات
الصوم لا يتحقَّق لامرئ ما لم تكن أعماله كلها ودون استثناء إحساناً.
الحقيقة أن النفس حرَّة بإرادتها واختيارها؛ منحها تعالى الإطلاق والحرية، فأنت لا تستطيع إجبار نفسك كرهاً، بل بالحجة والبرهان المنطقي.
فإن أقنعتها سارت معك ووافقتكَ، إن أحسنتَ وأصلحتَ عندها تُقبل نفسك على الله تعالى منبع الخيرات كلها وموئل الفضائل فتتشرَّب نفسك الكمالات؛ أما إن أفسدتَ صومك بمخالفةٍ فلن تستطيع الإقبال، إذ حلَّ بساحتها الخجل وفقدت الثقة.
والآن كثير منا يصوم صورةً عن الطعام والشراب ولا يصلِّي، يحجُّ ويشتغل بالربا، يؤمن بما يناسب هواه ويكفر بما يُعارض شهواته.
ماذا تشاهد نفس المؤمن في ليلة القدر؟
تشاهد النفس في هذه الليلة المباركة من كمال الله وتشاهد من عظمة الله ورحمته ومن رأفته وعميم فضله وترى من قيام الكون كله بأمره ما يجعلها تغيب عن كل مشهود سواه؛ إنها ترى الأسماء الإلٓهية الحسنى التي شملت الخلق جميعاً وأحاطت بهم كافة، ترى من الرحمة الإلٓهية بحراً لا ساحل له فتهيم بهذا الرحمن الرحيم عشقاً وحباً، وترى العظمة والجلال الإلٓهي فتخر لهذا الإلٓه العظيم سجوداً، وترى الكون كله قائماً بالله مستمداً الحياة من الله ساجداً لله مسيّراً بأمر الله، وكل ما فيه بيد الله فتشهد أن لا إلٓه إلا الله شهوداً حقيقياً.
إنها ترى وترى وتقدّر خالقها أيما تقدير، وتلك هي ليلة القدر يقدر فيها هذا العبد خالقه تقديراً متناسباً مع رؤيته وإقباله.
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ...﴾.
وبهذا الشهود يتولّد الحب الحقيقي والعشق لهذه الذات العلية التي بإمدادها قام كل ما في الوجود وتحط النفس رحالها في شهود جمال من صبغ الكون كله بذرةٍ من جماله فأضحى كل ما فيه من جمال ذرة لا تكاد ترى في بحر جماله.